مقدم الحلقة:

غسان بن جدو

ضيوف الحلقة:

عدة شخصيات

تاريخ الحلقة:

23/12/1999

- قم من المنظور التاريخي والديني والعلمي
- طبيعة الدراسة في قم

- الاستقلال المالي للحوزة في قم

- الحوزة ودور المرأة في الحياة العامة في إيران

- التواجد العربي الخليجي الشيعي في قم

- مستقبل مدينة قم في ظل التطورات المعاصرة


آية الله جوادي آملي
حجة الإسلام محمد فاضل
حسن الحكيم
زوجة حسن الحكيم
إبراهيم حمد
ندى البصير
غسان بن جدو
غسان بن جدو : عقدنا العزم، وتوكلنا على الله، وقلنا بسم الله مجراها ومرساها ونحن نعلم سلفاً بل عن سبق وإصرار أن ناقلتنا سترسو في محيط بري اسمه قم، الطريق الذي اخترناه من العاصمة الإيرانية طهران إلى مدينة قم كانت سريعة ويسيرة، 135 كيلو متراً في اتجاه الجنوب الغربي، اختصرت لنا منذ البداية ومن الخارج بعض عناوين قم الداخل وخلاصات بلغناها في نهاية رحلتنا، يمنة ويسرة تضاريس جغرافية متنوعة تماماً كالتنوع التاريخي الحضارة لقم، سهول صحراوية وصخرية على غرار 11 ألف كيلو متر مربع هي مساحة محافظة قم، وكم كانت دهشتنا ونحن نقرأ الشعارات مجرد مقبلات لوليمة من الشعارات على الجبال، وقلنا قد تكون هذه الشعارات في قم ذاتها، قبل أن نتذكر أن هذه المناطق تشهد أحياناً أضخم المناورات العسكرية.

قم من المنظور التاريخي والديني والعلمي

السلام عليكم ورحمة الله، من لا يسمع بمدينة قم أو لا يحمل تصوراً ما عنها، مجرد فكرة عنها، يندر أن يجهلها أحد منا، لكن يندر أيضاً أن تجد من نجح في تفكيك كل رموزها فقم هي بكل المقاييس ومن الزوايا المختلفة لغز حقيقي، هي مركز الحوزة الدينية ومعقل علماء الدين الشيعة في إيران، الإيرانيون يسمونها قم المقدسة، وبعض العرب وربما كل الغرب يعتبرها مصنعاً لإنتاج الظلامية وتخريج الانغلاق وتصدير الإرهاب.

هنا يتباهون وهم يشددون على أن قم باتت المركز الديني الشيعي الرئيسي في عالم اليوم، ولا يرى آخرون فيها هناك وحتى هنا إلا مدرسة للرجعية والتعصب المذهبي.

ثمة من يطلق عليها مدينة العلم والاجتهاد، وثمة من لا يدعوها إلا بمدينة الانغلاق والتزمت والتخلف الفكري، في كل الأحوال قم -هي بامتياز- عنوان لمركز، لمعقل، لقطب ديني أحادي المذهب، متعدد القوميات والجنسيات والثقافات والتقنية.

يقطن محافظة قم نحو مليوني ساكن، 91% منهم اتخذوا من مدينة قم ذاتها مركز للإقامة والعمل والدراسة، وآثر 9% فقط أن يستثمروا (…) المنطقة مع نسبة نمو سكاني هي الأرفع في البلاد بما أنها تبلغ 2.4% بينما لا يتجاوز معدلها في باقي المدن 1.4%، الإشارة إلى الإمكانات الاقتصادية والزراعية لم تكن وليست هدف حديثنا واهتمامنا بقم، فلا شك أن جميعنا معنيون بالإطار الآخر المعلوم عن قم، لكنها في الواقع مجرد همسة لمن يحسبون- وكنا من بينهم قبل زيارتنا الأولى لهذه المدينة- أن قم هي خرقة من طرقات تعثر فيها الدابة، ناهيك عن أن تقدر سيارة أن تستخدمها، وهي قمقم من كهوف طينية تستقدر البيوت المنازل، وهي مجرد تجمع لأكداس بشرية تعود إلى عهود السلاجقة والبويهيين بلا أنوار ولا منير.

ارتبط اسم قم تاريخياً- ولا يزال كذلك -بعلماء الدين أو رجال الدين، وبحوزتها الدينية العلمية الشهيرة، ولذا ليس العجب أن تلتقي شيخاً في قم، بل الغريب واللا طبيعي أن لا يقع بصرك على معمم في كل زاوية، بل أكثر من ذلك، ثمة من الزوار من لا يخفى دهشته عندما يرى غير معمم في الطريق العام ذلك الذي يسمى في إيران (بالأفندي).

طبعاً دور علماء الدين أصبح بارزاً ولافتاً بل ومحورياً في إيران اليوم، لكنه كان كذلك قبل انتصار الثورة الإسلامية عام 79.

لعل فئة أو شريحة أو لنقل طبقة علماء الدين تمثل المجتمع النموذجي لفهم الرؤى الدينية والفكرية والثقافية السائدة في قم، إنه مجتمع من نوع خاص.. خاص جداً، اقتحامه برأفة ينطلق من هنا، مما يسمونه الحرم.

الحرم أو ما يعرف بالحرم المُطهَّر هو هذا البناء الممتد والذي يحتضن ضريح السيدة فاطمة بنت موسى ابن جعفر ابن كاظم إمام الشيعة السابع، ويجمع المؤرخون والمعاصرون على أن سر قم يكمن في هذا الضريح، أو ما يسمى بالمرقد الطاهر للسيدة المعصومة وقيل إنها لقبت بالمعصومة لأنها عصمت نفسها من الأخطاء، البداية كانت عام 201 هجري قمري، أثناء سفر السيدة فاطمة قادمة من المدينة المنورة متجهة إلى خراسان، شمال شرق إيران لزيارة شقيقها علي بن موسى الرضا إمام الشيعة الثامن، لكن المرض ألم بالسيدة المعنية عند وصولها منطقة (تاجية) التي تبعد60 كيلو متراً عن قم، ولم تكن قم وقتذاك سوى قرية نائية صغيرة، وعلم موسى بن الخزرج الأشعري أحد زعماء أشاعرة قم بوصول فاطمة ومرضها، فاستقدمها معه إلى قم واستضافها في منزله، لكن المنية وافتها بعد 17 يوماً فقط وهي في العشرين من العمر، ووريت الثرى في بستان الأشعري يسمى بستان ( بلبلان)، وبقى الضريح عادياً بسيطاً لمدة قرنين قبل أن يصبح بناء على يد أبى الفضل العراقي أحد أمراء السلاجقة، وتطور الأمر في العهد الطاطوي لاعتبارات دينية وربما لأسباب سياسية وتجارية أيضاً عندما قام الملك إسماعيل الطاطوي وأبناؤه ببناء مزار كبير يحتضن الضريح وتعلوه قبه ومنارتان وأروقة وأواوين مزخرفة بالكاشي المعرق بالفسيفساء عام 1539ميلادية ثم أعيد ترميم المزار الحرم في العهد القاجاري على يد الملك فتح على شاه بإكساء سقوف الحرم وجدرانه وأرضيته بالمرمر الممتاز، وانتهى الترميم بشكله الحالي عام 1847 بعد 13 عاماً من العمل.

في هذا الحرم 4 أبواب رئيسية، الباب الكبير، وباب القبلة، وباب طباطبائى، وباب الجمهورية، ووصف هذا الباب حدد بعد تأسيس الجمهورية الإسلامية. الداخلون كما الخارجون يحرصون على تقديم التحية لهذه الطريقة إلى المعصومة وهم يوجهون نظرهم صوب ضريحها، وكثيرون يقبلون الباب أمام أعين الحراس والعاملين أو من يسمونهم الخدم يعرفهم بزيهم المميز يناهز عددهم ال450 خادماً متفرغاً و800 متطوع بينهم 300 خادمة متطوعة.

يطل منبى الحرم المغطى على 3 ساحات للوضوء والصلاة والتلاوة والابتهال وتسمى الصحون، وهي: الصحن العتيق والصحن الكبير أو الجديد وصحن المسجد الأعظم ويتسع الحرم بمساجده وقاعاته وصحونه بنحو 100 ألف شخص.

هنا ينبغي أن لا تنتاب الزائر الدهشة وهو يلاحظ تشييع جنائز أموات، فصحيح أن المزار ليس مقبرة عامة، لكن مرور مواكب الأموات بات أمراً مألوفاً لسببين:

الأول: ترسخ قناعة بأن طواف جثمان الميت بضريح فاطمة المعصومة هو عنصر تبرك وخير وتفاؤل بأن مصير الميت ليس نار جهنم.

والثاني: أن في المزار ذاته عشرات القبور لمن تعتبر شخصيات دينية ومرجعية وذات ثقل ثوري وجهادي، كمنظر الثورة؟ (أية الله مرتضى مطهري)، و(محمد منتظري) نجل آية الله حسين على منتظري الذي كان أحد الضحايا الـ72 عملية تفجير مقر حزب الجمهوري عام 81، وكذا قبور مراجع التقليد الكبار كالجلجيجاني والآراكي، والمفارقة أن المسألة باتت عادية إلى حد أنك تدوس بأقدامك عشرات القبور ولا تشعر أو لا تنتبه، لا بل إن هؤلاء يحلوا لهم أن يدرسوا العلوم الدينية جالسين فوق القبور وتعلو رؤوسهم أضرحة.

وفي هذا فلسفة دينية اجتماعية للمعنيين فأضرحة كبار علماء الدين ولا سيما أئمة الشيعة لعبت دوراً محورياً في إنجاء الحوزات العلمية والحفاظ عليها وترسخيها، كما هو شأن حوزات النجف وكربلاء في العراق، وحوزات مشهد وقم في إيران، وكان يرى مؤسسو الحوزات وسادمو ما تسمى بالروضات المقدسة من حولها أن التصاق الحوزة بالضريح من شأنه أن يقرب الناس من علماء الدين، ويبقي على علاقة جدلية دائمة ومتجذرة على أسس دينية واجتماعية بين الجماهير والفقهاء، كما أن معانقة الحوزة لهذه الأضرحة المزارات أو ما تعرف بالحرم، تعبر رؤية ذكية من علماء الدين فهم بهذا نجحوا في أن يجعلوا العلوم الدينية متاحة لأي كان، أي بمعنى آخر علوم شعبية جماهيرية لا نخبوية، حتى وإن كانت المراحل النهائية للتعليم الحوذوي نخبوية، لا بل هرم الحوزة يصبح مقصوراً على عدد قليل من علماء الدين، وليس هذا فحسب إذ إن ارتباط الحوزة بأضرحة أئمة الشيعة يجعل من علماء الدين ملاذاً بالضرورة للعامة، والمراسم أو الطقوس أو لنقل العادات المشاهدة في الحرم توحي بذلك، فضريح الإمام أو المعصومة في مثال قم هو ملجاء كل موالٍ وصاحب حاجة.

في مثل هذه الأوقات يصبح المجال مفتوحاً -نظرياً- للخشوع فقط، سيما وأن المساجد الداخلية والصحون الخارجية تمتلئ بالمؤمنين والمؤمنات لأداء فريضة صلاتي المغرب والعشاء جمعاً، إذا إن معظم الشيعة يصلون فى ثلاث أوقات من النهار، صلاة الصبح، ثم عند الظهر صلاتي الظهر والعصر، وبعد غروب الشمس بعشرين دقيقة إلى نصف ساعة يصلون المغرب والعشاء جمعاً.

الحوزة العلمية هي الآن حوذة الشيعة الأولى في العالم، من حيث أهميتها وكثافة علماء الدين والمجتهدين، وتنوع الظروف، بعد أن كانت حوذة النجف الأشرف المباركة في العراق هي الحوزة المحورية.

طبيعة الدراسة في قم

غسان بن جدو: في المكان ذاته من الحرم وعلى الجانب الآخر من الضريح تجد المئات من طلبة العلوم الدينية الحوزوية يفترشون الأرض ويتباحثون ثنائياً أو في حلقات وتسمى هذه الدروس بالمباحثة وهي عبارة عن مناقشة بين طالبين أو ثلاثة حول الدرس الذي تعلموه وتكليف كل منهم بالتناوب على شرح الدروس، وقد يختلفون في فهم وشرح بعض المسائل بما لكل واحد منهم من أدلة، وفلسفة حلقات المباحثة هي المساعدة في توضيح النقاط الغامضة وتنشيط عملية التفكير والاستدلال والبيان، ومن الخصائص الأخرى لدروس الحوزة أن في إمكان طالب الدين نفسه أن يكون مدرساً في الوقت ذاته لمن هم في مراحل أدنى منه، والغاية من ذلك تعزيز عملية المدرس واستيعابه الدروس السابقة بالإضافة إلى حل مشكلة توفير المدرسين من داخل الحوزة، كما أن هذا الأمر يسمح للطالب بأن يختار أستاذه بنفسه وليس العكس.

وهنا تجد إيرانيين وغير إيرانيين أشكالهم تدل عليهم إن كانوا أفغاناً أو عرباً، لبنانيين أن عراقيين أو خليجيين، خليط من طلاب علم ديني شبان وشيوخ .. رجال ونساء، والكتب باللغة العربية لكن التفسير والتباحث يتم بالفارسية عموماً، إلا إذا كانوا عرباً فيما بينهم، تجد كتباً هي في الواقع أقرب إلى لوحة فسيفسائية لا يفهم خطوطها ومعانيها إلا هؤلاء، وهنا تجدر الملاحظة أنه ليس كل طالب في الحوزة هو بالضرورة شيخ معمم، فالعمامة تاج من نوع خاص، تحتاج أولاً ملكاً من نوع خاص، يضعها فوق رؤوس الشيوخ الصغار.

هؤلاء الذين يدرسون ويتباحثون في حلقات صغيرة مازالوا في المراحل غير العليا من الدروس الحوزوية، ولذا لا يستطيعون أن يحضروا درساً كهذا في مسجد (أعظم) التابع للحرم، فهذا يسمى درس الخارج، ومقدمه يكون واحداً من كبار آيات الله أو مراجع التقليد، فهناك ثلاث مراحل دراسية رئيسية في الحوزة تسمى المقدمات والسطوح والخارج، ولكل منها سنواتها وكتبها الخاصة، وقد تختلف بعض الشيء تبعاً للمدرس المختلفة ومناهجها وطبقاً للمدرسين وما يحددونه من كتب ومراجع.

في مرحلة المقدمات يدرس الطالب علوم الصرف والنحو باللغة العربية، والمنطق ومقدمات الفقه وأصوله والمعاني والبيان، ويضيف بعض المدارس الأخلاق وأصول العقائد، وحفظ وتجويد القرآن والتاريخ والأحكام الشرعية.

وفي مرحلة السطح تدرس علوم الفقه وأصوله والمنطق والفلسفة والكلام، وللطالب أن يضيف إليها دروس العقائد والتفسير والأخلاق والمذاهب.

وفي مرحلة البحث الخارج تتركز الدراسة على الفقه و أصول الفقه، ولا يحدد في ذلك أي كتاب، بل تبحث أو تدرس قضية فقهية أو أصولية، حيث يتناول الأستاذ الكبير الآراء المختلفة بالتحليل والنقد ثم يطرح رأيه الخاص ويقدم أدلته، وللطلبة أن يعلنوا آراءهم أيضاً وينقدوا حكم أستاذهم. وتتسم هذه المرحلة بالبطء إلى أن يبلغ الطالب درجة الاجتهاد، وفيسمى حينئذ المجتهد.

في هذا الإطار ينبغي التمييز بين مرحلة ما قبل الثورة الإسلامية وما بعدها، قبل الثورة كانت آخر مراحل الحوزة وتحصيل العلوم الدينية بلوغ درجة المرجعية، عندما جاء الإمام الخوميني أضاف إلى المرجعية قيادة العالم الإسلامي، أما بعد الثورة فقد بات للحوزة من خلال علماء الدين موقع ودور في الإدارة ومؤسسات الدولة والجيش والأجهزة الأمنية المختلفة .

غسان بن جدو: تعتبر المدرسة الفيضية المدرسة الأم في الحوزة، تأسست في عهد الطاطاويين، وذاعت شهرتها عام 63 عندما شهدت صدامات عنيفة بين رجال الدين وقوات شاه إيران وقتئذ محمد رضا بهلوي، والسبب يعود إلى أن مراجع قم أعلنوا العزاء ودعوا إلى عدم الاحتفال بعيد النوروز لتزامنه مع ذكرى شيعية أليمة، وأقيمت مراسم العزاء في المدرسة الفيضية، وتدخلت مجموعة من القوات الخاصة واقتحمت الحوزة وانهالت على رجال الدين الطلبة بالضرب، وسقط ضحايا بين جرحى وقتلى، وكانت سابقة أسست مرحلة من العلاقة الدامية بين المؤسسة الدينية والنظام الشاهنشاهي.

الدراسة في الفيضية اشهر مدارس الحوزة لا تحتاج طاولات وكراسي وكثيرون يفضلون مراجعة الدروس خارج الحصص المخصصة مع الأساتذة في الساحة العامة الفسيحة للفيضية على الرغم من وجود قاعة اجتماعات ومطالعة كبرى شيدت حديثاً بأمر من المرشد الأعلى للنظام على خامنيئ المعروف بالولي الفقيه.

صورة ضخمة لخامنئي ملاصقة لصورة الإمام الخوميني تعلو واجهة الفيضية، في إشارة إلى اندماج أو دمج أو على الأقل وجود علاقة بين المؤسسة الدينية ومؤسسة الحكم في البلاد، من دون أن يعني ذلك بالضرورة تخلياً من كبار آيات الله في الحوزة عن مكانتهم وبروتوكولهم الخاص، فمرجع التقليد لدى الشيعة وهو من يبلغ أعلى درجات الفقاهة والاجتهاد، ويصبح لقبه آية الله العظمى يقلده الموالون في كل ما يصدر عنه من أحكام وفتاوى من خلال كتاب يفترض أن يحتوي فتاواه، ويسمى هذا الكتاب الرسالة العملية.

بروتوكول هؤلاء المراجع ليس خاصاً ومميزاً فقط، بل إنه معقد، لا بل محرج في كثير من الأحيان وأحد مظاهره أنه يصعب -إن لم نقل يستحيل -أن يزور مرجع التقليد شخصاً ما مسؤولاً أو حتى الرجل الأول في نظام الحكم، ولذا لم نجد مرجع تقليد قام بزيارة رئيس الجمهورية أو حتى ولي الفقيه المرشد، بل إن الرئيس محمد خاتمي هو الذي يقوم بزيارتهم في بيوتهم أو مكاتبهم في قم وليس خافياً أن المرشد خامنئي نفسه بكل حظوته وهالته أبى مراجع التقليد العظام أن يزوروه في مقر إقامته بقم عندما قام بزيارة استغرقت 15 أيام قبل نحو 4 سنوات.

الرسالة الأساسية للحوزة هي تعليم الكتاب والحكمة ، وبالإضافة إلى مكانتها التربوية ودورها في تخريج المدرسين والحكماء والفلاسفة والأدباء ، فإن للحوزة دوراً في تنشئة وتخريج المرجع الديني والقاضي وولي الأمر، وفي النظام الإسلامي الحوزة هي التي أنشأت ودعمت ولي الفقيه وهيأت القائد ليكون على رأس شعبه ولتبقى الحوزة كذلك حتى ظهور المهدي المنتظر.

غسان بن جدو: هذه غرفة الصغير تُعرف بحجرة الإمام الخوميني، كانت غرفة إقامته ونومه الخاصة عندما كان طالباً في الحوزة، وباتت اليوم حاضنة لحلقات الدروس والمباحثة.

من هنا ومن هذا المكان بالتجديد كان الإمام الخوميني يقدم دروسه الدينية الفقهية ويلقي كلماته السياسية المحرضة، من هذه الساحة انطلقت ما تسمى بانتفاضة 15خردات عام 63، تلك الانتفاضة التي رفعت شعارات معادية للشاه، وطالبت بإسقاطه وبسببها نُفي الإمام الخوميني .

ومن ذاك شكلت قم معقل التخطيط السري للانتفاضات والتحركات، وكانت تتسم الأشرطة التي يرسلها الخوميني من منفاه في النجف في البعد التحريضي للجماهير. ولم يستجب رجال الدين لمناشدات الشاه بهلوي لهم بوقف الاحتجاجات وتأكيد استعداده للتعاون معهم في كل شيء .

محمد رضا بهلوي (شاه إيران): أنني أناشد العلماء الأفاضل أن يلتزموا الهدوء ويدعوا الناس إليه، والتوقف عن المظاهرات ولاحتجاجات، وأنني أعلن استعدادي للتعاون مع علماء الدين في كل ما يطالبون به.

غسان بن جدو: ولذا حق بقم أن تكون أول المحتفين بانتصار الثورة الإسلامية.

هناك نمطان من علماء الدين، وتبعاً لذلك فإن للشعب نظرتين متفاوتتين له، النمط الأول يقول بوجوب تبعية الشعب للعلماء في القضايا الدينية، لكنه يشدد على عدم قيمومة علماء الدين على الناس في شؤونهم الخاصة وقراراتهم السياسية وغيرها، أما النمط الثاني فيتمثل في شريحة العلماء الذين يفرضون على الشعب أن ينفذ أوامرهم في كل شيء، وهذا النمط الثاني ينبذه الناس.

غسان بن جدو: هذا الكلام ينسجم مع الإطار العام للتصورات الدينية والسياسية والفكرية التي تشهدها إيران الجمهورية الإسلامية عموماً، ولا يبدو أن قم مستثناة منها، فإذا كان فوز خاتمي بالرئاسة عام 97 شكَّل مفاجأة لمعظم المهتمين، فإن النتائج التي حصل عليها في قم ذاتها شكلت صدمة للتقليديين ومفاجأة للجميع، إذ بلغت نسبة أصوات خاتمي 60% على الرغم من أن رموز الحوزة وكبار علمائها وقيادات التيار المحافظ المتمثل في الحوزة أعلنوا بوضوح دعمهم للمرشح المحافظ الشيخ (علي أكبر ناطق نوري)، وإذا كان تفكير الأمر ملامساً للأسباب العامة التي منحت خاتمي الفوز في كل إيران، كتصويت معظم النساء والشباب له سيما وأن ثلثي سكان قم لا تتجاوز أعمارهم الـ24 سنة، فإن المفاجأة الكبرى كانت تصويب غالبية رجال الدين الشبان لخاتمي وهو ما أعتبر اختراقاً خطيراً للحوزة والمؤسسة الدينية التي تأسست في قم قبل نحو 70 سنة، ومن يعرف خامنئي وخاتمي يدرك أن الرجلين قد يتفقان يختلفان حول ملفات ورؤى وسياسات المسيرة الإصلاحية، لكنهما ينسجمان كلياً بالتأكيد في التطلع إلى إحداث إصلاحات حقيقية في الحوزة والمؤسسة الدينية التقليدية، لكن المرشد يبدو أكثر قدرة في هذا المجال، أو لنقل إنه يتمتع بإمكانات ميدانية وعملية تؤهله لتحقيق هدفه الاستراتيجي، فخاتمي قد يعِّول على بعض كبار علماء الدين في الحوزة ممن لا يخفون تأييدهم له ولنهجه وقد ينجح في استيعاب أنصاره من رجال الدين الشبان في مؤسسات المجتمع المدني، لكن موقعه يفتقد الصلاحيات لمأسة توجهاته ورؤاه في الحوزة، أما المرشد خامنئي بصفته ولياً للفقيه، فإنه لا يستطيع ذلك فقط، بل إنه بدأ بالفعل منذ سنوات بشكل هادئ ومنظم، وطبقاً لخطة مرسومة يمكن تحديد ملامحها من خلال معاينة المؤسسات الدينية والحوزوية التي أنشأها وهي ماضية في تنشئة جيل من رجال الدين أو حملة الفكر الديني، قد يصبح لهم نفوذٌ في الحوزة في المستقبل البعيد ودور الدولة والحكم في الأفق المنظور، ولا عجب حينئذ أن نصدق همساً بين مقربين من خامئني يؤكد أن الرجل أوفد مئات من رجال الدين الشبان بأزياء مدنية إلى جامعات أوروبية وحتى أميركية خلال السنوات الأخيرة لتلقي العلوم الحديثة واستيعاب التكنولوجيا، ومفرزات النهضة المدنية. وبنك المعلومات التابع للحوزة والذي أسسه مكتب المرشد ويخضع لإشرافه ليس سوى إشارة نموذجية لهذا النهج.

تأسس هذا المركز عام 89 بإشراف وتوجيه قائد الثورة السيد على خامئني وهو الذي يوفر تمويله، لدينا في هذا المركز أقسام للبحوث والفرق العلمية والفنية والتنمية والإعلامية قد تمت برمجة حوالي 800 برنامج حتى الآن من أمهات المصادر الشيعية وفق أحدث نظم المعلومات في العالم، وتستفيد الحوزة من هذا المركز، وهناك طلب عليه حتى من خارج إيران، ونحن نخطط ونعمل على توسع وتغطية مجالات التاريخ والحضارة والفلسفة والاقتصاد والسياسة وغيرها.

غسان بن جدو: هذا الشيخ الذي يجيد الإنجليزية يعطيك عنوانه وكيفية التواصل عبر الـE- MAIL، وأصبح للحوذة بفضل هذا المركز موقع في الإنترنت اسمه "حوزة نت"، وبات في إمكان جميع المهتمين في العالم الاستفادة من خدمات المركز عبر شبكة " حوزة نت " ونورCom ، ونور نت.

جامعة الإمام الخوميني الأكاديمية الدينية هي الوجه العصري الآخر للحوزة، تابعة هي الأخرى لمؤسسها المرشد خامنئي، لكن ميزتها -وربما هذا مبعث أهميتها ولدى البعض هي عنصر خطورتها- أنها مدرسة عليا للطلبة الأجانب غير الإيرانيين، طلبة شيعة في الأساس أو تشيعوا أو غير مسلمين أصلاً واختاروا المذهب الشيعي.

هذه المدرسة التي تحمل اسم.. اسم المجاهد الكبير البطل الإسلامي المشهور عالمياً الإمام الخوميني - قدس سره- هذه المدرسة مدرسة مثالية من حيث التربية ومن حيث الإمكانيات ومن حيث كل شيء، ومن حيث الحرية ومن حيث الثقافة.

غسان بن جدو: بناء جميل يغري أي طالب علم بأن يرتاده ويحظى بالإقامة الدائمة فيه، وتحتضن هذه المدرسة الجامعة ألفي طالب ينحدرون من 69 بلداً، التعليم فيها ليس فقط مجانياً، بل يحصل الطالب على منحة تسمى الشهرية، كما هو اسمها في الحوزة، وتبلغ 30 ألف تُمان إيراني أي ما يعادل 100 دولار بسعر الصرف الرسمي علماً أن الميزانية السنوية المخصصة لهذه الجامعة تناهز الـ 3ملايين دولار.

أسست هذه المدرسة العلمية عام 90 بأمر وبإشراف من قائد الثورة آية الله علي خامنئي ، وكان يتسم بالطلبة غير الإيرانيين إذا اعتقدنا أن بقاء هؤلاء الطلبة الذين جاءوا من بقاع العالم متناثرين في مدارس وحوزات متفرقة، لا تحقق الهدف الذي نشدو إليه، نحاول التوفيق بين مذهبي الحوزة والجامعة في مدرستنا، ونشعر أن النظام الدراسي الجديد الذي نتبعه لصالح الحوزة كذلك.

غسان بن جدو: المنهج الدراسي المتبع يحاول التوفيق بين منهج الحوزة القديم والنظام الجديد المتبع في الجامعات، إذ تخضع الدراسة لفصول وطرق تعليم حديثة، كما تقدم المدرسة شهادات ماجستير في الفقه والأصول والفلسفة وعلم الكلام والقرآن والحديث، والتاريخ وعلوم الأديان وحتى الاتصالات.

بعد كل ما سبق ذكره حتى الآن، وما أطلعنا عليه في المدارس الدينية والمساجد والأضرحة والحرم والمكتبات ومركز الإنترنت، علنا أدركنا مفهوم الحوزة العلمية، إنها- كما يُعرِّفها رجالها -مجموعة مدارس ومؤسسات دراسية تجتمع في مركز معين، وهي -إذا صح التعبير- منبع الجاد الديني والمذهبي والتاريخي والفكري والثقافي والسلوكي للشيعة، وفي حوزة (قم) وحدها 40ألف طالب. لكن كيف يصبح الطالب الديني شيخاً؟ يطلق لباس الأفندية ويتزوج رداء المشايخ، ويضع العمامة التاج، هذه قصة أخرى، فلما تسمى بعملية التعليم مراسم خاصة وطقوس مميزة وأجواء احتفالية بهيجة.

حظنا كان كبير عندما سمح لنا في سابقة لافتة أن نحضر مراسم تعميم في مكتب كبير مراجع التقليد في قم أية الله العظمى فاضل نكراني، هؤلاء المحظوظون بأن يكونوا في ضيافة مرجع التقليد ينتظرون الأمر، يتقدمهم من سوف يضع عمامة سوداء على أصحاب العمائم البيضاء، الفرق واضح يعتبر في حد ذاته ميزة، فمن يضع العمامة السوداء يقال له سيد، وهو منحدر من سلالة آل بيت الرسول محمد -صلى الله عليه وسلم-، أما من يضع العمامة البيضاء فيقال له شيخ لأنه من غير سادة آل البيت ، وفي أجواء خشوع وابتهال يضع أية الله العظمى العمامة بعد أن يقبلها للبركة ويضع ولمن اختار أن يدخل القفص الذهبي لمجتمع رجال الدين بالتوفيق، ويسلمه مبلغاً من المال كهدية رمزية للتبرك وتعويضاً عن مصاريف الزي الجديد، أم عن مسألة تقبيل يد آية الله العظمى فهذا أمر مألوف في الحوزة.

فلسفة التعليم ليست مسألة عادية، إذ أن وضع العمامة تترتب عليه مسؤوليات عدة، ويصون عالم الدين نفسه ويفرض عليه سلوكيات وأفكار محسوبة، وطبعاً لا يمكن وضع العمامة وارتداء زي علماء الدين اعتباطاً فينبغي أن يتم ذلك من قِبَل أحد مراجع التقليد وذلك بعد أن يقدم وثائق تسمح له بالتعمم.

الاستقلال المالي للحوزة في قم

غسان بن جدو: وما لفت الانتباه في مكتب المرجع (نكراني) وجود دفاتر وحسابات مصاريف وواردات، مصطلحات كالوجوهات والقم

لم تكن الحوزة في يوم من الأيام سواء في النجف أو قم حوزة تابعة للحكومة مالياً، وحتى الآن في عهد حكومتنا الإسلامية الحوزة لا تتسلم ريالاً واحداً من الدولة، لأن المراجع لا يسمحون بذلك.

غسان بن جدو: وإذا كانت هذه الاستقلالية المالية للحوزة شكلت صمام أمان لها ولرجال الدين، كي لا يذوبوا في السلطة ويتماهموا مع آلة الدولة بكل مفرزاتها السلبية والإيجابية، فلأن الأمر كذلك في عهد الجمهورية الإسلامية حيث مقود الحكم الأساسي في يد رجل الدين، وعليه من يخضع لمن في قم؟ سلطة الحوزة ورجال الدين للإدارة المدنية، أم أن قانون الحوزة يعلو كل قانون وضابط.

مسؤول إيراني: علماء الدين يعملون وفق الدستور، ويحترمون القوانين العامة في البلاد خصوصاً وأنهم هم الذين أسسوا هذه الدولة الإسلامية بقيادة الإمام الخوميني .

غسان بن جدو: ربما يلامس كلام هذا المسؤول الصواب، خصوصاً وأن آية الله حسين علي منتظري، وهو أحد كبار مراجع التقليد -يخضع للإقامة الجبرية في منزله هذا في قم تنفيذاً لقرارات من في يده سلطة القرار في الحكم، أي بمعنى آخر خضوع المراجع للقانون وقرارات مؤسسات الدولة، لكن لا حرج في القول إن المراجع وكبار رجال الدين في حوزة قم لا يأبهون بمسؤولين حكوميين أساسيين في عاصمة الجمهورية الإسلامية طهران، فما بالك بمسؤولي الإدارة المحلية في قم، ومع ذلك ينبغي الإقرار أن هذا الأمر خاضع في الأساس للذهنية الدينية والفكرية التي تقود رجال الدين قبل أن تكون مسألة استعلاء أو عقد بروتوكوليه، إذ أن رؤى رجال الدين في الحوزة ذاتها تتباين بين فريق وآخر حول نظام الحكم ودور الشعب وسيادته وسلطة القانون والمجتمع المدني والحريات.

نحن نرى أن هذه المفاهيم تعزز مكانة الحوزة والدين وليس العكس كما يرى بعض علماء الدين، فنحن نؤيد إيجاد مجتمع مدني الذي يمنح الشعب حق مراقبة الحكومة، وندعم التنمية السياسية وندعو إلى تعزيز الحريات والحوار والتفاعل مع الحضارات، لأن الإسلام ينتشر بالحسنى، وليس بالإكراه .

الحرية تعني إدراك الإنسان للأحكام الإلهية ودفاعه عنها، كما أنها تعني حرية الإنسان في اختيار عمله وسكنه وزوجته وما يهم حياته الخاصة فإن الحرية لا تعني الانفلات، لأن طبيعة الإنسان محدودة وحريته بالتالي محدودة، كما أن هناك فرقاً بين الحرية الصادقة والحرية الكاذبة.

الحوزة ودور المرأة في الحياة العامة في إيران

غسان بن جدو: آية الله جواد الآمُري يعتبر فيلسوف الحوزة الأبرز والألمع، ينظر إليه البعض على أنه ميال للتيار المحافظ، بل ويرى فيه آخرون نموذجاً للتفكير الديني التقليدي المحافظ، لكن من يدخل مجلسه الأسبوعي في دارته الخاصة في (قم) يرى ما يخالف أفكار الانغلاق وتوجهات التحجر، على الأقل يتمظهر هذا الأمر في المجلس المختلط الذي لا يفصل بين الرجال والنساء بستائر أو حواجز لا معنى لها.

أهم عناصر الحجاب والأدب والطهارة هي العين، بأماكن العبادة كما المساجد توجد ستائر لكن ليس مهماً كثيراً وجود الفواصل بين الرجال والنساء، وخصوصاً في أجواء إسلامية، وستائر العفة أكثر فاعلية من الحواجز المادية.

غسان بن جدو: مسألة الاختلاط ودور المرأة في الحياة العامة تحيلنا إلى علاقة الشيعية بالتعليم الديني و الحوزة، لاسيما وأن المدارس المختلفة التابعة للحوزة غابت عنها المرأة، لكن تبين وجود حوزات خاصة للنساء، وتحتضن (قم) أيضاً حوزة عربية هي حوزة بنت الهدى للسيدات تأسست عام 44 بتمويل شيعة خليجيين كويتيين بالصورة الرئيسية، بها40 مدرساً ومدرسة و400 طالبة تحصل كل واحدة على شهرية رمزية لا تتجاوز 3 دولارات.

مسؤولة في الحوزة النسائية: دراسة الشريعة في هذه الحوزة لكن لا الدراسة المركزة كما هي عند الرجال، باعتبار المرأة -عالم المرأة- تحتاج إلى ثقافة فقهية تكاد تكون مسايرة لطريقة تربيتها في داخل البيت مع هذه المناهج العلمية التي تتماشى مع منهج أهل البيت عليهم أفضل الصلاة والسلام.

طالبة عربية شيعية: الهدف من دراستي في هذه الحوزة هو تحصيل العلوم الأكاديمية الشرعية، على مستوى الصفوف الموجودة في الحوزة هون والإتمام بشكل مستقل دراسة طبيعية.

غسان بن جدو: المسؤولون في الحوزة النسائية يشددون على أنها امتداد لحوزة النجف وليس(قم)، لكن يبدو أن ازدواجية مماثلة لم تعد مقبولة، لذا استخضع هذه الحوذة منذ العام المقبل للحوزة الدينية في قم وشوراها المركزية، وهذا سيوفر لها الدعم المالي وامتيازات للطالبات كالتأمين الصحي ومنح الإقامة والسكن.

التواجد العربي الخليجي الشيعي في قم

الحضور العربي في (قم) لافت لا يحتاج عبقرية أو عين سرية أو كاميرا خفية لمشاهدته، الوجود الأكبر هو طبعاً للعراقيين، نقلوا معهم من بلادهم تقاليدهم وأعرافهم وأيضاً معاناتهم، معاناة خفت لدى البعض وزادت لدى آخرين، كهذا المهندس الذي بات يعمل سائق أجرة، وهذا الضابط العسكري الذي اختار اضطرارا الشغل ذاته.

حي ( يوجدن شهر) في (قم) يعتبر الحي المركزي للإيرانيين العرب الذين نزحوا من (خوزستان) عند اندلاع الحرب العراقية الإيرانية، وللعراقيين اللاجئين الذين يتجاوز عددهم الأربعين ألفاً في قم.

عائلة حسن الحكيم التي فرت إلى إيران قبل عقدين تعد من العائلات المتوسطة التي لا تعاني الضنك الغالب على اللاجئين العراقيين، معاناتها تبقى أولاً وأخيراً الغربة.

مواطنة عراقية في إيران: يعني العراقية هون بتحاول أنه تكون تحس إنه هذا بلدها، والإنسان إذا ما يشعر إنه هذا بلده لا يقدر يعيش الحياة الطبيعية، ولهذا إحنا يعني صار لنا 20 سنة هنا، لكنه ظروف الإيرانيين هنا ما تخلينا إنه إحنا نحس إنه إحنا موجودين في بلدنا.

أخي عندنا أول مشكلة إحنا كنعانيين، وثانياً إنه العراقيين.. المشكلة الثانية إنه ما من العراقيين ما يقدرون إنه يجدون المكسب المالي اللي يقدرون يثبتون حياتهم الاجتماعية هنا.

والثالثة الحالة النفسية اللي يعيشونها العراقيات بصورة عامة، يعني قسم مثلاً عندها مثلاً شهيد أو عندها مثلا ميتين أو أهلها ما موجودين، أو مثلا حد مشكلة خاصة، هاي كلها تخليها العائلة العراقية تحس بحالة مو طبيعية تعيشها.

طفلة عراقية: هو هنا (…….) مثلاً بالمدرسة ما راح ندرس عربي (…….) عراقية..

مواطن عراقي في إيران: الانصهار مع المجتمع الإيراني يعني، الإيرانيين في الواقع في بداية مجيء العراقيين بهذه الكثافة، في الواقع شكَّل -فرض- مشكلة أيضاً في المجتمع الإيراني من هذا العدد الوافد من العراقيين، يتكلم باللغة العربية، بالسيارة الآن يتكلمون مثلا عراقي باللغة العربية في الشارع.. في الكذا، هذا في الواقع في البداية كان هناك مشكلة يعني حاجز اجتماعي، صعوبة في هضم القضية.

مواطن عراقي: الحمد لله بسبب الإنترنت أعطانا فرصة أوسع للارتباط بالعالم والتعرف على ما يجري من صحف عربية، يعني حتى إحنا إبتدينا نشعر إنه إحنا منقطعين حضارياً وثقافياً بالعالم العربي، وبعده ما نقدر، يعني الشخصية العراقية هي شخصية أولاً شخصية إسلامية أولاً وعربية ثانياً وعراقية ثالثاً.

غسان بن جدو: بالصدفة، وبعد أن تناولنا فطور صباح عراقي وخوزستاني في قم قوامه العسل والزبدة الحليب المسماة بالجيمر، التقينا شابين عمانيين يدرسان في الحوزة، وهناك تحدث أحد العمانيين عن الحوزة والعلاقة مع بلاده.

شاب عماني: الحمد لله رب العالمين، أما الراحة الموجودة فالحمد لله، راحة موجودة وأمن واستقرار، وأما المعيشة فالحوزة أيضاً تعطي راتب لطالب العلم، ولذلك أحياناً تأتي المساعدات من عمان، وهناك أوساط جعفرية يعني في عمان تخص الشيعة، تأتي إلى سماحة الشيخ الموجود الآن الشيخ المعتمد في سلطنة عمان الشيخ محمد رضا، وهو الذي يمسك الحقوق هذه ويعني وكيل المجتهد في قم فيقوم بتوزيع هذه الحقوق على طلبة العلم وعلى المحتاجين.

غسان بن جدو: في منزل شيخ عُماني شاب كائن في حي السجابية في قم كانت في انتظارنا مأدبة غداء خليجية، حضرها طالب في الحوزة من البحرين وغاب عنها كويتي لأسباب مجهولة.

شيخ عماني: هنا طبعاً الإخوة لهم عادات خاصة وتقاليد خاصة تختلف كثيراً عن تقاليدنا العربية العمانية، يعني لابد تكون هذه (….) ولها موقع يعني، بس نحن نحاول نقول ما ما مؤثر علينا كذلك، في الدراسة ما فيش له تأثير لأنه نحاول نخلق جو خليجي في هذا.

غسان بن جدو: حتى الآن يبدو هذا الوجود الخليجي الشيعي في قم عادياً، لكن ليس خافياً أنه تسبب في مشكلات بل توترات بين إيران ودول عربية وخليجية، كالبحرين مثلا في فترة من الفترات، حيث لحقت إيران اتهامات بأنها تأوي شيعة وتدربهم في معسكرات في قم كان وراءها لو توترات وأعمال عنف ضد السلطات في المنامة.

بحريني شيعي: يعني هو كان فترة من الفترات ربما يصب في إطار معين أوهناك بعض (….) لكن الآن في الحقيقة والواقعية والنظرة الواقعية للتواجد البحريني في إيران وهو أنه في ضمن الإطار العلمي الثقافي وفي.. وفي مسائل الدراسة فقط، وليس هناك أهداف، والدليل على ذلك أن العلماء البحرينيين الموجودين منذ الرجوع إلى الوطن، وبطريقة طبيعية.

غسان بن جدو: وجود شيعة سعوديين في (قم) يبدو أنه الأمر الأكثر حساسية، حيث رفض كل من اتصلنا بهم الحديث رغم أنهم كانوا يؤكدون باستمرار أن وجودهم لا يتجاوز طالب العلم الديني الشيعي في الحوزة، عدد السعوديين يناهز الثلاثمائة، لديهم حوزة خاصة تعرف بالمدرسة الحجازية، يدرس فيها الرجال لأن نساءهم يدرسن في الحوزة العربية بنت الهدى.

مسؤول إيراني في قم: إن الحديث بسلبية عن وجود السعوديين في قم ينطلق من الاستخبارات الأميركية التي تريد الإساءة إلى علاقتنا الجيدة مع السعودية، لا توجد لدينا معسكرات تدريب كما يزعمون، ونحن نحترم المواثيق والمعاهدات الدولية، ولدينا في قم عشرات الآلاف من الأجانب إما كلاجئين وإما كطلاب علم في الحوزة.

مستقبل مدينة قم في ظل التطورات المعاصرة

غسان بن جدو: أسئلة محورية تفرض نفسها على رجال الحوزة الدينية الشيعية بعد قرون على تأسيسها، هل ستتجه الحوزة إلى التجدد ومواكبة العصر أم أنها ستؤثر البقاء على ما فسره الأجداد أياً كان وأياً كانوا؟ هل أن الحوزة مدركة لعمق التغيرات الاجتماعية والتطورات الدولية والعالمية على المستويات كافة، أم أنها تجهل ما يحصل وإذا علمت فإنها لا تأبه؟ هل آن الحوزة ورجالها مدركون حقيقة رؤى الرأي العام والجماهير لهم، أكانت سلبية أم إيجابية أم لا؟ هل أن إصرار الحوزة على الاستقلالية عن السلطة حتى في عهد الجمهورية الإسلامية هو محرك للنهضة الدينية وكابح لجماح تغول الدولة عن المجتمع بما فيه؟ وهل ستصمد الحوزة أم ستذوب وتقبل بالتبعية؟ والسؤال الأساسي في هذا الوقت أي رسالة تحملها قم وعلماؤها وحوزتها إلى العالم مع الألفية الثالثة؟

هي ذاتها الرسالة التي وجهها الإمام الخوميني للزعيم السوفيتي السابق (ميخائيل جوربا تشوف) وهي رسالة إلى كافة المجتمعات المادية والإلحادية وستبقى حية مع الزمن، هي رسالة حوار الحضارات وتقديم الدواء لأمراض عالم اليوم الذي يئن تحت الفقر والظلم والأسلحة الفتاكة.

غسان بن جدو: هكذا كانت قم، قم الدينية و قم المدنية، قم الحوزوية، وقم الأكاديمية، قم الفارسية، وقم العربية،قم الإيرانية،وقم الأجنبية، قم النوابغ، وقم الغارقين في الذات، قم التائقة إلى معانقة العالم المعاصر، وقم المنغمسة في الماضي السحيق، قم الرائدة في التجدد، وقم المنشدة إلى التقاليد، وأيا كانت تصوراتنا عن هذه المدينة المدينة المعقل، المدينة القطب، المدينة الفسيفساء دينياً وثقافياً وقومياً، ينبغي الأقرار بأن هذه المدينة نجحت بأن تفرض نفسها على العالم كله، من هنا انطلقت التحركات والانتقادات التي جعلت من إيران - كما هي اليوم- إيران الجمهورية الإسلامية، حرصنا أن نتعاطى ونفهم قم كما هي لا كما نتصورها أو نصورها انتقائيا أو يصورها لنا الغرب قسريا، ورغبتنا أن تتعاطى معنا قم كما نحن لا كما تريدنا أن نكون بالضرورة، هذه قاعدة كونية من دونها تبقى الفجوة والريبة، في أمان الله.