مقدم الحلقة جمال دملج
ضيوف الحلقة - عدة شخصيات، -
تاريخ الحلقة 08/05/1999




رجب بويا
نازح من بريشتينا
مصطفى حافولي
جمال دملج
جمال دملج:

الرابع والعشرين من آخر آذار في القرن العشرين تاريخ سيبقى حاضراً في ذاكرة الأجيال القادمة.. الطائرات الأطلسية بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية تنفذ تهديداتها ضد يوغسلافيا وتقصف أول الأهداف التي وضعتها لنفسها داخل تلك الجمهورية الاتحادية العنيدة، سعياً منها إلى تطبيق ما قالت عنه إنه خطة تستهدف الضغط على الرئيس (سلوبودان ميلوسوفيتش) من أجل دفعه على القبول بمبدأ إعطاء ألبان كوسوفو حكماً ذاتياً ليخلصهم من سطوة القوات الصربية التي شاع الكثير عن ممارسات بشعة تقوم بها ضدهم في الإقليم.

في اليوم التالي وسعت القوات الأطلسية دائرة عملياتها العسكرية الجوية مستهدفة المزيد من المواقع الصربية، وأمضى اليوغسلافيون ليلة أخرى في الملاجئ تفادياً لخطر ما يمكن أن يدرج في إطار عبث الصواريخ التي لا تميز عادة في حمى الحرب بين المدنيين والعسكريين، أو بين الأطفال والشيوخ والنساء..

اللافت في ذلك اليوم هو أن رحلة نزوج ألبان كوسوفو عن ديارهم بدأت بشكل مطرد خوفاً من اتساع رقعة القصف لتشمل إقليمهم المنكوب أصلاً أو تفادياً لعمليات انتقامية قد يقوم بها الصرب ضدهم رداً على الغارات الأمريكية الأطلسية، وقد كان الكوسوفيون على حق في كل من الحالتين، فبعد ساعات قليلة من بدء مسيرة تشرد طلائع النازحين من أبناء الإقليم إلى الدول المجاورة قامت القوات الأطلسية بقذف مواقع عسكرية ومدنية داخل كوسوفو في خطوة طرحت الكثير من علامات الاستفهام حول نزاهة المهمة التي جاء حلف الناتو من أجل تنفيذها في تلك البقعة من الأرض البلقانية الملتهبة.

هذا القصف الذي لم تسلم منه حتى العاصمة الكوسوفية (بريشتينا) إضافة إلى الخوف من العمليات الانتقامية التي قامت بها الميليشيات الصربية بالفعل بعد أيام ضد ألبان الإقليم أدى إلى تدفق هذا النزيف البشري على (درب جلجلة) بدءاً من منبع الآلام في القرى والمدن الكوسوفية المتخمة بالصراعات والمتناقضات ووصولاً إلى مصبات دول المجاورة، مثل مقدونيا قد تعد بشيء من الاستقرار والأمان، وشيئاً فشيئاً ستظهر ملامح أكبر مأساة إنسانية يشهدها التاريخ المعاصر منذ الحرب العالمية الثانية، وبالتالي ستبدأ الصور بالتحدث عن نفسها دون تعليق.

نازحة من بريشتينا:

قام الناتو بإرهابنا عندما بدأت طائراته بقصف مدن وقرى الإقليم، ولذلك قررنا النزوح حفاظاً على أرواحنا، ولكن الرحلة إلى مقدونيا كانت حافلة بالمصاعب والمشقات، وكدنا أن ندفع حياتنا ثمناً لهذه الرحلة، فالميليشيات الصربية عاملتنا بوحشية تشبه تلك التي حدثنا عنها أجداد بالنسبة لطرق معاملة الألمان لليهود خلال الحرب العالمية، ذاكرتي حافلة بالصور الكئيبة.. بماذا تريدني أن أخبرك؟ نهب البيوت وحرقها، المجازر الجماعية، عمليات الاغتصاب؟!

جمال دملج:

ترى ما هو الذنب الذي اقترفه هؤلاء الناس ليقضوا خمسة أيام بلياليها في مثل هذا العراء البلقاني، يواجهون البرد القارس والجوع المستبد، والخوف على المصير من مجهول لم يحمل لهم في خضم اتساع حجم مأساتهم سوى المزيد من الخوف والقلق وعلامات الاستفهام؟!

ما هو المبرر الذي يدفعهم إلى تحمل قسوة الزمان والمكان عليهم وظلم المستبدين بهم من أبناء وطنهم وجيرانهم وربما من أنصارهم والمتاجرين بقضيتهم وبآلامهم وآمالهم وأحلامهم؟! ما هو حجم الصبر الذي ينبغي عليهم أن يتسلحوا به في هذا الميدان التشردي الذي يبدو أن النزال فيه بينهم وبين إرادة الحياة سيطول ويطول؟!

أسئلة كثيرة حملها الكوسوفيون، وناموا معها ليالي طويلة في أولى محطات تشردهم هنا في منطقة (بلاتسيه) المقدونية التي لا تبعد أكثر من ثلاثين متراً عن أول متر على خريطة وطنهم الحزين، وظلوا يحملوا هذه الأسئلة ويطرحونها إلى أن استيقظ المجتمع الدولي على مأساتهم، وقرر مد يد العون لهم، ولكن بعض النازحين لم يتمكنوا من الإمساك بهذه اليد، فمن الجوع ما قتل، ومن البرد ما قتل أيضاً.

تُرى ماذا يمكن أن يقال بعدُ، أمام هذه المحنة الإنسانية التي يشهد عليها العالم ونحن على عتبة القرن الحادي والعشرين؟! ربما لو مشى التاريخ على خط السكك الحديدية مع هؤلاء النازحين، ربما لو أمضى ليلة واحدة معهم في هذا العراء البلقاني لكان عليه أن يخجل من نفسه، التاريخ يلعن أحياناً، ولعنة التاريخ تبقى معلقة على جبين من تصيبه حتى إشعار آخر..

وربما كان الخوف من هذه اللعنة هو الحافز الذي دفع المنظمات الإنسانية المحلية في مقدونيا، والعالمية على امتداد خريطة العالم المتحضر إلى البدء بالتعامل مع قضية النازحين من ألبان كوسوفو بالشكل الذي يتناسب مع حجم المحنة التي يمرون بها.. حتى قوات حلف الناتو هبت للتعاطي مع المأساة وفقاً لهذا المفهوم، وشرعت في بناء مخيمات للنازحين في إطار محاولة لخلق توازن بين ما هو عسكري تسبب بشكل أو بآخر في تشريد الكوسوفيين عن ديارهم، وبين ما هو إنساني يسعى إلى توفير ديار مؤقتة للمشردين، حتى ولو كانت في الهواء الطلق.

ومع نهاية شهر آذار (مارس) أي بعد مرور ثمانية أيام على بدء الغارات الأمريكية الأطلسية على ما تيسر من بنى تحتية يوغسلافية في إطار الخطة التي وضعها الناتو من أجل حماية ألبان كوسوفو كانت عمليات بناء وتجهيز مخيمات النازحين قد اكتملت، ولكن أكثر من 70% من الكوسوفيين كانوا قد نزحوا عن ديارهم في وقت ظهر فيه أن مسلسل النزوح هذا لن ينتهي قبل تفريغ الإقليم من سكانه..

مصطفى حافولي[نازح من كوسوفو]:

المدينة التي خرجنا منها هي مدينة (جاكوفا) وهي تقع في حدود ألبانيا، هناك أولاً في 24 مارس أول ليلة التي دمرت الناتو هذه المدنية، الصرب حرقوا نصف المدينة تقريباً، وذبحَّوا الكثير.. الآلاف الآلاف من الناس، وقتلوا هكذا.. وحاصروا المدينة بتمامها، وما تركوا إنسانا يخرج يعني خارج بيوتهم..

جمال دملج:

مع بداية الأسبوع الثالث من عمر الأزمة اليوغسلافية قررت الحكومة المقدونية بشكل مفاجئ إقفال حدودها المتاخمة لإقليم كوسوفو سعياً منها إلى الحيلولة دون تدفق المزيد من النازحين على أراضيها، وتزامن ذلك مع بروز ظاهرة الصرامة في التعامل بين الجيش المقدوني، وكل ما يمت إلى الكوسوفيين بصلة، سواء من النازحين أنفسهم أم من أقاربهم الذين وصلوا إلى الأراضي المقدونية قبل بدء الغارات الأطلسية، أم من إخوانهم في العرق من ألبان مقدونيا.

الأسلاك التي نصبتها السلطات المقدونية حول مخيمات النازحين تشهد على صرامة الإجراءات التي أصبحت تفرق بين أفراد العائلة الواحدة وتحول دون اجتماع شملهم، ولعل الدموع التي كانت تجري في كل لحظة تعبيراً عن حجم هذا الوجع الإنساني الشديد هي اللغة الوحيدة التي لا تفهم في محافل السياسة، ولا تدخل في قواميس المصالح، حتى ولو كانت صادرة عمن لا ذنب لهم سوى أنهم أبناء الحياة.

نازحون ألبان
هذه الصرخة التي شهد عليها مخيم (ستانكوفيتش) أكبر مخيمات النازحين التي أقيمت في مقدونيا ليست أكثر أو أقل من تعبير صادق وعفوي عن حدة مأساة يعيشها الكوسوفيون، ويبدو أنها لن تفارقهم ولو إلى حين..

ماذا تخبئ الأيام يا تُرى لهذه الدولة البلقانية التي استقلت حديثاً في ظل بدء سياسة الفرز العرقي التي يشهدها إقليم كوسوفو المجاور، مقدونيا بأكملها تعتبر مثالاً مصغراً للفسيفساء الإثنية التي تتشكل منها خريطة البلقان، فهل ستنقل عدوى الفرز العرقي إلى هذه البقعة من الأرض؟! ليست مقدونيا سوى مثال مصغر على الفسيفساء العرقية التي تتشكل منها خريطة البلقان بأكملها، فهنا يعيش خليط عجيب من القوميات المختلفة تحت مظلة خوف أبناء كل قومية من أبناء القومية الأخرى.

الألبان يشكلون نسبة 28% من مجموع عدد السكان البالغ مليوني نسمة بينما يشكل الأتراك نسبة 17% وبذلك فإن نسبة تمثيل المسلمين في هذه الدولة التي استقلت عام 1991م تصل إلى 45% مقابل 55% من المسيحيين 12% منهم ينتمون إلى أصول صربية، بينما ينتمي الباقون إلى أصول مقدونية

محلية، وقد خلق تدفق النازحين من إقليم كوسوفو على الأراضي المقدونية حالة رعب في أوساط حكومة (سكوبيا) انطلاقاً من وجهة النظر القائلة: إن وجود أكثر من 200 ألف نازح داخل هذا المجتمع غير المتماسك سيؤدي حتما إلى إحداث تغيرات جوهرية في التركيبة الديمغرافية للبلاد.

وهو أمر سيبذل التيار المسيحي داخل الحكومة قصارى الجهد للحيلولة دون وقوعه، حتى ولو أدى ذلك إلى إغضاب التيار المسلم داخل الحكومة نفسها..

شعبان باشاري[وزارة الخارجية المقدونية]:

أنا أكون دائماً مع الناتو والسلطات المقدونية، فأرى أن المقدونيين ليس حاضرين أن يساعدونا، نحن المسلمون ونحن الألبانيون لنعيش هنا، نحن حاضرين نأخذ هذه الناس في بيوتنا، نحن لنا إمكانياتنا لنأخذهم، ولكن السلطات المقدونية هم يساهمون ميلوسوفيتش وصربيا.

جمال دملج:

الجيش المقدوني يرفض -عادة- التعليق على الأسباب التي تدفعه إلى تشديد إجراءاته مع النازحين، علماً أن تحركاته في المناطق المتاخمة لإقليم كوسوفو وقيامه بإغلاق الحدود يوماً وفتحها يوماً آخر لا تحتاج إلى تعليق، ولكن ماذا عن القوات الأطلسية الموجودة في مقدونيا، والدور الذي يمكن أن تلعبه على صعيد تخفيف حدة صرامة المقدونيين.

في الواقع إن مجرد وجود هذه القوات زاد من حدة عصبية الشارع المقدوني على مختلف مستوياته، ففي كل مرة يكثر فيها الحديث عن احتمال قيام الأطلسي بهجوم بري على يوغوسلافيا يضع المقدونيون أيديهم على قلوبهم خوفاً من العواقب التي قد تترتب على خطوة من هذا النوع، خصوصاً إذا استعملت الأراضي المقدونية كإحدى القواعد لشن هذا الهجوم.

الشيخ رجب بويا [مفتي عام كوسوفو]:

في الحقيقة الأسرار تبقى الأسرار.. ما نعرف حتى تنكشف الأسرار، لكن عموم الشعب ما يحسه، ما كان يحسه الشعب في كوسوفو أن حلف الناتو الغرب جاءوا للمساعدة ولحل مشكلة كوسوفو، كمشكلة قديمة لتنحل للنهاية.. فكان ولا يزالون في اعتقادهم أنهم جاءوا ليحلوا المشكلة، وليعطي حقوق شعب كوسوفو كباقي حقوق الشعب.. الشعوب في البلقان ..

جمال دملج:

ولكن الصورة على أرض الواقع تختلف، فهذا ما وصلت إليه حال الكوسوفيين في ديار التشرد، الشعب الذي كان يعيش في ظل دفء بيته وأرضه أصبح يعيش اليوم على ما يأتيه من مساعدات الدول والمنظمات الإنسانية وصدقاتها، وما يأتي بالكاد يكفي لتلبية احتياجات هؤلاء الناس الذين أصبحت صورة معاناتهم رمزاً للحزن الأبدي.. هكذا تبدو طريق النازحين إلى المجهول طويلة مثل طوابيرهم التي ينتظرون فيها قطعة من الخبز، بينما تبدو طريق العودة إلى الديار التي هُجِّروا منها أطول بكثير..

وهكذا تضيق فسحة الأمل في أوساطهم، ولا يجدون في هذه الغربة القاسية سوى مسايرة الزمن والانتظار، إنها رحلة عذاب حقيقية دفعت ثمنا باهظاً لحلم شعب مضطهد بالاستقلال والعيش بسلام وأمان، والثمن لم يدفع هنا في هذه المخيمات وحسب، إذ إن ما يجري على امتداد خريطة التشرد الكوسوفية ليس أكثر من نقطة في بحر ما قيل إنه كان يجري داخل الوطن الأم.

الشيخ رجب بويا:

قبل أسبوعين من إجبارنا من خروج من بلدنا، من وطننا، من بيتنا، فكما أخرجوني أخرجوا جميع الذين الآن تشاهدون ..، فالسلطات الصربية التي تقوم بالتطهر العرقي والديني في كوسوفا تقوم بعمليات وحشية من القتل ومن الإجلاء، فأردنا أن نبقى مع المسلمين، مع الشعب هناك، إلى أن أجرنا من خروج حتى اقتحموا بيتي وأرادوا أن يقتلوني أمام أولادي، وأجبروني بالخروج من البيت، وأشعلوا النار في البيت، أحرقوا البيت، وأحرقوا بيت جاري، شيخ كبير عمره 85 سنة وأحرقوا المسجد، ثم أخذونا كأسرى، كرهائن.

جمال دملج:

تحدثت الأنباء أيضاً – ولا حول ولا قوة إلا بالله- من عمليات اغتصاب تتعرض لها النساء المسلمات داخل الإقليم..

الشيخ رجب بويا [مقاطعاً]:

نعم.. نعم..

جمال دملج [مستأنفاً]:

ما مدى صحة هذه الأنباء؟

الشيخ رجب بويا:

هناك مقابر جماعية، هناك التشويه بعد القتل أو قبل القتل، وقد رأيت بعيني لما دفنت المحامي (بيرام كالمندي) باثنين من أبنائه كانوا قبل القتل كانوا مشوهين بسكاكين، فيه ضربات بسكاكين قتل الأظافر، قتل.. أشياء من أعضاء

الجسد، فرأينا في هؤلاء الثلاثة، وهناك أعداد كبيرة مثل حادثة (رشك) قرية (رشك) أما بالنسبة لعملية الاغتصاب وعملية انتهاك الأعراض، فهذا حدث ولا حرج، هذا واقع ولا تزال يقع، فهم قاموا بكل ما لا يتصور الإنسان ما يقومون، ما يقوموا بهذه إلا الناس الوحشيين ليس لهم إنسانية.

جمال دملج:

إذن هذه هي الأسباب التي تدفع الكوسوفيين إلى الرحيل باتجاه الدول المجاورة، فكيف يمكن البقاء بأرض تعبق فيها رائحة الدم المخثر والبارود ويخيم عليها شبح الموت في كل لحظة..

نازح من برشتينا:

كان علينا أن نمشي مسافات طويلة، ونختبئ في الجبال خوفاً من انتقام الصرب استمرت هذه الرحلة أربعة أيام، تورمت خلالها قدماي حتى أنني كدت أن أفقد القدرة على مواصلة السير، وعندما وصلنا في النهاية إلى الحدود مع مقدونيا قلنا: إن الأمل اقترب منا، ولكن القوات الصربية عذبتنا هناك، وأجبرتنا على المكوث ثلاث أيام أخرى، ثم سلبت أموالنا وأوراقنا الثبوتية قبل أن تسمح لنا بالمغادرة إلى مقدونيا..

جمال دملج:

بدأ الأسبوع الرابع من عمر الأزمة اليوغسلافية ليفتح معه فصلاً جديداً في ملف محنة النازحين، حتى الرياح فإنها لم تعد تجري بما لا يشتهي أبناء كوسوفو وحسب، بل بما لا تشتهي خيامهم في ديار التشرد أيضاً، أطفال بعمر البراعم يتعلمون ظرف الزمان بعد ما غدر الزمان بهم، وشيوخ يتأقلمون مع ظرف المكان بعد ما استحالت ظروف البقاء في ديارهم، وشباب يلهون بما وفره المجتمع الدولي لهم من ألعاب على هامش اللعبة الكبرى التي لم تصب أهدافها بعد.

لغة التخاطب الكوسوفية في هذه الهيستريا الإنسانية المجنونة، يختلط فيها فعل الماضي بالحاضر المتوغل في مستقبل سيبقى ممنوعاً من الصرف حتى إشعار آخر، هذه هي قواعد اللغة المستباحة في زمن استبيح فيه كل شيء من الأمل إلى الحلم إلى الوعي إلى المستحيل.

تُرى هل تتسع الذاكرة للمزيد من الحكايات؟! هنا في مخيم (برازدا) حزام بؤس النازحين من ألبان كوسوفو تتحدث الصور عن نفسها لتسجيل وقائع التاريخ بينما يبقى التاريخ صامتاً، وهنا في مخيم (ستانكوفيتش) الذي أقيم ليستوعب 20 ألف نازح، فوضعوا فيه أكثر من 35 ألفاً يعيش النازحون بين (القاتم والرمادي) خصوصاً بعدما قرر الأطلسيون التخلي عنهم وتسليم شؤون الإشراف على أمورهم للقوات المقدونية.

وهنا في مخيم (رادوشا) لون آخر على خريطة التشرد لا يختلف في الشكل والمضمون عن ألوان الحزن الأخرى، وجوه تتطلع بحذر إلى ما هو قادم، والقادم مجهول، ولولا هؤلاء الأطفال الذين لا يزالون يلعبون داخل تلك المخيمات مثلما كانوا يفعلون في أزقة المدن والقرى التي جاءوا منها، ولولا إصرارهم على رسم شارات النصر بالرغم من حدة المعاناة لكان الكوسوفيون قد أعلنوا منذ بدء رحلة عذابهم أن التاريخ توقف.

النزيف البشري في الجسم الكوسوفي متواصل، ويبدو أنه لن يتوقف قبل ترحيل آخر مواطن من ألبان الإقليم عن دياره، إلى متى ستستمر هذه المأساة؟! وإلى متى ستبقى المعاناة قدراً يلازم هؤلاء الناس؟! وإلى أين يا ترى ستصل حدود خريطة التشرد الكوسوفية؟! أسئلة تبحث عن أجوبة بانتظار الجواب الشافي.

الأسبوع الخامس والسادس والسابع من عمر الأزمة اليوغسلافية سيان، على الجانب الآخر من مأساة النازحين الألبان مأساة أخرى، شعب ما زالت السماء الأطلسية تمطره في كل يوم بوابل من القذائف والصواريخ، وتلحق به في كل يوم المزيد من الأضرار وسط إصرار على أن الخطة تسير على ما يرام، ولا شيء في الواقع يسير على ما يرام سوى تضييق الخناق على شعب ورفع نسبة معاناته إلى درجات قياسية في مشهد يشبه الانتحار البطيء.. ترى هل خلفت الحرب وراءها يوماً غير الدمار؟! وهل تمكنت من وضع طفل اسمه السلام أو الأمن أو الأستقرار؟ أسئلة ستبقى موضوعة على رف التاريخ إلى أن ينهض التاريخ من سباته.