مقدم الحلقة: طلال الحاج
ضيوف الحلقة: لا يوجد
تاريخ الحلقة: 21/02/2002




- قوانين الهجرة وحقوق الإنسان في الدول الغربية
- المتهمون بالتورط في أحداث 11 سبتمبر/ أيلول
- محاكمة المتهمين في الولايات المتحدة الأميركية

طلال الحاج
طلال الحاج: في العشرين من شهر يناير/ كانون الثاني عام 2001 احتفلت الولايات المتحدة الأميركية أمام الكونجرس والبيت الأبيض بتنصيب رئيسها الثالث والأربعين واضعةً بذلك ختماً نهائياً على عملية انتخابية دستورية، فأوجُه الحياة هنا يحكمها الدستور، أو هكذا تعتقد الأغلبية، فهنا في بلد الحريات توجد اليوم قوانين تسمح للحكومة باستعمال أدلة سرية لاعتقال شخصٍ ما دون إطلاعه على التهمة أو الأدلة واحتجازه لفترة قد تفوق أربعة أعوام.

قوانين الهجرة وحقوق الإنسان في الدول الغربية

ديفيد بونير (نائب زعيم النواب الديمقراطيين في مجلس النواب): الأدلة السرية تُعارض جميع الحقوق الأساسية للإنسان وتخرق دستورنا، فهي تنص على أن عملاء دائرة الهجرة والجنسية أو عملاء مكتب التحقيق الفيدرالي يمكنهم القدوم إلى بيتك واعتقالك دون أن يقولوا لك أو لمحاميك السبب، هذا امتهان لأسس كرامة الإنسان وحقه في الدفاع عن نفسه، بل أعتقد إنها من أشر قوانين بلادنا.

طلال الحاج: مسؤولوا وزارة العدل رفضوا الحديث أمام عدساتنا في هذا الموضوع، ولكنهم أكدوا لنا هاتفياً أن إجراءاتهم تتفق مع القوانين الأميركية المتعلقة بقضايا الهجرة، المفارقة هنا هي أن كثيرين من الخبراء الأميركيين في الدستور والقانون والحقوق المدنية يؤكدون أن هذه القوانين تخالف نص وروح الدستور بسبب حرمانها للمتهم من أبسط حقوقه المشروعة في الدفاع عن نفسه، أما مؤيدوا استعمال الحكومة للأدلة السرية فيتبنون بالطبع رأياً آخر.

توني كوردزمان
توني كوردزمان (مركز الدراسات الدولية والاستراتيجية): الجميع يتحدث عن حقوق الإنسان والدستور، وكأنهم وُلدوا محامين دستوريين، فالدستور بصورة عامة غامض التفسير، أما تاريخ استخدام الأدلة السرية فهو يعود إلى الأيام الأولى لإدارة الرئيس (ديفرسون) وليست بالشيء الجديد، ومن بين الشخصيات البارزة التي استعملت الأدلة السرية تاريخياً كان هناك (إبراهام لينكون)، و(ويدرو ولسن)، وكلاهما رئيس لا يُعرف عنه التشدُّد أو القمع.

دانا روربكر (عضو لجنة العلاقات الخارجية في مجلس النواب): الأجانب وخاصةً أولئك المتواجدين هنا بصورة غير مشروعة لا يحظون بنفس الحقوق القانونية للمواطنين أو المقيمين الشرعيين، وهذا أمر واضح.

طلال الحاج: وجهة نظر على نقيض، ولكن لتكن عزيزي المشاهد أنت الحكم بعد أن تشاهد ملخصاً لبعضٍ من قضايا ضحايا استخدام الحكومة الأميركية للأدلة السرية إذا صح وصفهم بهذا الوصف.

في معتقل في مدينة (بردنتن) في مقاطعة (مانتي) في ولاية (فلوريدا) قمنا بزيارة الدكتور (مازن النجار) الفلسطيني المسلم الذي يقبع في الاعتقال منذ التاسع عشر من مايو/ أيار عام 97.

د. مازن النجار (معتقل سابق بالأدلة السرية): أنا عمري ما عملت في حياتي جرم، يعني عشت في هذه البلاد 19 سنة، يعني أكتر شيء يمكن ارتكبته إن صارت معي حادثة سيارة وخدت تيكت، أكثر.. يعني أكثر من هذا ما صارش معي.

طلال الحاج: عام 96 تقدم مازن –الفلسطيني الأصل- بطلب للحكومة للحصول على حق اللجوء السياسي، ولكن ردها كان إلقاء القبض عليه دون إطلاعه على التهم أو الأدلة ضده، والاعتقال منذ ربيع عام 97 بحجة كونه خطراً على الأمن القومي، ظروف الاعتقال سيئة، فهم باعترافهم ينفقون على إطعام السجين أقل من دولار ونصف الدولار في اليوم، ولا يسمحون لأهله بإدخال أي طعامٍ إليه.

مازن النجار
د. مازن النجار: دائماً التكبيل بالحديد، مثلاً لو احتجت أروح على عيادة الأسنان أثناء هذه السنوات لازم الواحد يتكبل إيديه ورجليه، احتجت أروح على طبيب العيون علشان أعمل فحص للنضارة قبل أكثر من سنة يمكن من سنة ونص تقريباً، نفس الشيء.. فيك الآن 3 سنوات وأربع شهور نفسي في كرسي إله ضهر زي هذا يعني، عشان يعني لما أجلس مايصيرش عندي ألم ضهر، أو ما يكونش حديد علشان مايصيرش عندي آلام البواسير.

فداء النجار (قرينة الدكتور مازن النجار): التختين فوق بعض، هو يكون مثلاً تحت الشخص التاني فوق، المرحاض جنب السرير، لما يجي يصلي فيش مكان للقبلة، الحمام مشترك واحد، الحمام ما.. ما إله باب، ما إله ستار.

شيلا جاكسون لي (عضو في اللجنة القضائية لمجلس النواب): من المشين أن تُحرم من أسرتك لألف يوم، فكما شهدت شقيقتك أردت فعل الصواب، وبحثت عن بلد آخر يأويك، ولكنك لم تجد مكاناً تذهب إليه لكونك شخصاً بلا وطن، عشت في هذا البلد نحو تسعة عشر عاماً، فإلى أين تذهب؟ وما هي آمالك وطموحاتك؟

طلال الحاج: في خريف عام 2000 حضرت (الجزيرة) جلسات إحدى محاكمات (مازن النجار) في ولاية (فلوريدا) لم يسمحوا لنا بتصوير المحاكمة، ولكن من خلال متابعتنا لها تبيَّن لنا أنهم يتهمونه بعضوية منظمة الجهاد الإسلامي الفلسطينية وجمع التبرعات لها في الولايات المتحدة، وهو أمرٌ يحظره القانون الأميركي الذي يُصنف منظمة الجهاد الإسلامي بأنها منظمة إرهابية.

قضايا الأدلة السرية لا تتعلق بخلاف مالي أو بخلاف شخصي، بل بتقرير مصير ومستقبل إنسان وأسرته، ولذا يجادل محامو الدفاع أنه من صالح الحكومة لا من صالح المتهم وحسب أن تعلن عن أدلتها السرية لمنح المتهم والدفاع كامل الفرصة لتحديها، فهي في آخر الأمر لا تريد سجن إنسان بريء. والدا مازن النجار حضرا جلسات المحكمة يوماً بعد يوم فهما يحرصان سنوياً على زيارة ولاية (فلوريدا) مرةً أو مرتين أو ثلاث للوقوف على أحوال ابنهم المعتقل.

عبد الكريم النجار (والد الدكتور مازن النجار): بأروح أنا ووالدته طبعاً طيلة المدة اللي بنقعدها هنا في زيارة إله أسبوعية.

نهلة النجار (شقيقة الدكتور مازن النجار): والدي ياما شفته ما بيعرفش ينام الليل، بيصحى في نص الليل مش عارف ينام من كتر ما هو متألم بالنسبة للي حصل لمازن، لأنه ما بيستاهل اللي حصل له، والدتي نفس الشيء صحتها ما رجعت زي زمان، دايماً يعني في تدهور بسبب اللي حصل لمازن، دائماً تبكي، دائماً متألمة، مش سهل يشوفوا ابنهم الكبير اللي ربوه وتعبوا على تربيته هيك يحصل له.

د. مازن النجار: والله أنا متألم جداً عليهم، لأنه يعني.. يعني أنا.. أنا أكبر أولادهم، وأكتر واحد لقي منهم يعني التربية والعناية والتأييد، وبعدين يعني صار سني 43 سنة الآن ومش قادر حتى يعني إني أرد لهم واحد.. واحد من 10% من معروفهم معايا، فبصراحة موقف يعني محرج، ومُعْجِز، ومؤلم يعني، معجِّز فعلاً.

المتهمون بالتورط في أحداث 11 سبتمبر

طلال الحاج: حل مشكلة المعتقلين برمتها بسيط، وذلك وفقاً لأحد النواب المؤيدين لاستخدام الأدلة السرية أثناء إحدى جلسات اللجنة القضائية في الكونجرس بشأنها.

لامار سميث

لامار سميث (عضو في اللجنة القضائية لمجلس النواب): يمكنهم إنهاء اعتقالهم بالموافقة على العودة لأوطانهم.

د. مازن النجار (معتقل سابق بالأدلة السياسية): لو العالم العربي مفتوح للعرب، إنه.. إنه العربي يكون عنده حق الإقامة أو يكون عنده فرصة إنه هو يعمل في العالم العربي، يعني أنا اتخرجت في.. في أول شهر سنة 94، أنهيت البحث والدراسة، وتخرجت رسمياً في.. في شهر 5/ 94، ماكانش عندي شيء أعمله الحقيقة في الولايات المتحدة بعد هذا، ما جئتش على الولايات المتحدة عشان.. عشان أستوطن، ما جئتش حقيقة عشان.. عشان يعني أعمل ثروة، جئت عشان أتعلم، عيب على العرب إنه أخوهم وأخواتهم في الغربة لا يجدوا مأوى، يعني.. يعني العرب في.. في الجاهلية إذا إجاهم واحد وقال لهم: أنا دخيل عليكم خلاص وصل، لا يُعتدى عليه، يعني في.. في الفقه الإسلامي لما بتحكي عن غير المسلمين بتحكي مثلاً عن.. عن أحكام المستأمنين، المستأمن هو شخص غير عربي وغير مسلم جاء يستأمن في.. في دار الإسلام له حقوق.. له حقوق إن هو يستأمن وإن هو يقيم، وإن هو يكون في.. في أمان المسلمين.

طلال الحاج: قرينته وأم أطفاله تقول إنها مثل زوجها لا تجد مأوى تلوذ إليه بأطفالها: يارا، وسارة، وصفا.

فداء النجار

فداء النجار: أنا اتولدت في السعودية، واتربيت فيها، بس ما.. يعني ما إلي أي علاقة بفلسطين عرفت كيف، فاللي صار إنه لما طبعاً العالم العربي لا يعترف إنك أنت مثلاً مولود في السعودية أنت تعتبر سعودي، لأ، أنت تتبع هوية الأهل، الأب والأم، فأنا لما جيت واتزوجت في أميركا وجلست أكثر من ست شهور إقامتي في السعودية انتهت برغم أنا اتولدت عندهم فما قدرت أروح يعني أنا صرت.. يعني ما إلي مكان خالص في أي مكان في الدنيا إني أروح له، فخلاص فضلت في أميركا، أنا فلسطينية بنت الأصل بس لا أحمل أي جواز فلسطيني، لا أحمل أي جواز سعودي، ولا أحمل كنهة إللي هي وثيقة سفر مصرية للاجئين الفلسطينيين، وحتى هذا الوثيقة لا تؤهلني كفلسطينية إني أنا أعيش أو حتى أزور مجرد زيارة مصر.

طلال الحاج: انفضت المحاكمة دون التوصل إلى حكم، فبعد أن أصر الادعاء على عرض أدلة سرية على قاضي الهجرة لوحده وبمعزل عن المتهم ومحاميه رفض فريق الدفاع الاستمرار طالباً تأجيل المحاكمة والتظلم ثانيةً في محكمة فيدرالية من الاستعمال غير الدستوري للأدلة السرية، ويظل مازن النجار قابعاً في المعتقل، ويعود والداه إلى الوطن بخيبة أمل كما حدث مراراً في الماضي.

نعام حسني حمودة (والدة الدكتور مازن النجار): طوله الطيارة والله أنا أعيط، والله طولة ما أنا في الطيارة وأنا بأعيط، وهناك برضوا ما حد بيسألني..

فداء النجار (قرينة الدكتور مازن النجار): كان هو صديق مش مجرد أب صراحةً، فكان وبعدين من النوع اللي كتير كتير بيهتم فيهم، يعني كان هو يوديهم ويجبهم على المدرسة، بعدين يقعد ساعات معاهم في الـ Homework، ويحكوا له كمان إيش بيصير معهم في المدرسة، هذا كله افتقدوه، بالنسبة لصفا طبعاً، صفا أبوها تركها لما كانت عمرها ما مكملة سنتين، فأنا.. أنا اللي ربيتها يعني 3 سنين.. 3 سنين ونص وأكتر كما.. النص من عمر طفلة عمرها 5 سنين هلا، يعني في منتهى الظلم.

طلال الحاج: قاضي الهجرة (كافرمكيو) الذي أمر بسجن مازن النجار عام 97 أمر نفسه في الخامس عشر من ديسمبر/ كانون الأول عام 2000 بإطلاق سراحه بعد أن ثبتت براءته وأنه لا يشكل أي تهديد للأمن القومي الأميركي.

د. ديفيد كول (محامي مازن النجار): بعد الذي فعلته به الحكومة الأميركية ووصفها له بالإرهابي، ومعاملتها له كشخصٍ خطر سجنته لثلاث سنوات ونصف السنة أثبتت الحكومة نفسه استحقاقه للجوء السياسي، فأي بلدٍ سيُرسل إليه الآن سيتبنى في الغالب نفس النظرة إليه كإرهابي له صلة بمنظمة الجهاد الإسلامي وبالتالي سيمارس القمع ضده، بالرغم من كذب هذه التهم.

[فاصل إعلاني]

د. مازن النجار (معتقل سابق بالأدلة السرية): أشهد أنه قد أراد بي خيراً، وأنه قد أحاط بكل شيء علماً، وأنه على كل شيء قدير.

طلال الحاج: صلاحيات استخدام الأدلة السرية ضد المهاجرين موجودة في أكثر من قانون أميركي لا في قانون واحد وحسب، ففي الخمسينات عاد عدد من الجنود الأميركيين من الحرب العالمية الثانية، وقد تزوجوا بسيداتٍ ألمانيات، الحكومة الأميركية حاولت من خلال المحاكم وباستخدام أدلة سرية إبعاد بعضهن خوفاً من كون هؤلاء النسوة جاسوسات نازيات، هذه شكلت سابقة قضائية أقرتها المحكمة العليا آنذاك بأغلبية أربعة أصوات إلى ثلاثة، في إحدى كبرى شركات المحاماة في واشنطن يعمل (بول فيرتيو) محامياً في شؤون الهجرة، في عام 83 بدأ (بول فيرتيو) العمل في دائرة الهجرة، وأصبح في عام 89 المدعي العام الأول لإدارة الهجرة والجنسية، وكبير المستشارين القانونيين فيها حتى غادرها في مايو/ آيار عام 99، (بول فيرتيو) كان المدعي العام الأول لإدارة الهجرة لجميع قضايا العرب والمسلمين خلال السنوات العشر الماضية.

محاكمة المتهمين في الولايات المتحدة الأميركية

بول فيرتيو

بول فيرتيو (المدعي العام السابق – إدارة الهجرة والجنسية): القانون يسمح باستعمال الأدلة السرية في حالتين: الأولى: عندما يحاول شخص ما الدخول إلى الولايات المتحدة ولدينا معلومات سرية بشأنها، يمكن حينئذٍ استخدامها ضده خاصةً وأنه لم يدخل البلاد بعد.

الحالة الثانية: هي عندما يدخل شخص الولايات المتحدة ويطلب امتيازات معينة مثل طلب اللجوء السياسي، أو تغيير طبيعة تأشيرته، أو أي طلب آخر تخوله صلاحيات وزير العدل.

طلال الحاج: جميع قضايا الأدلة السرية تمت حتى الآن باستخدام السابقة القانونية في الخمسينيات لا باستخدام قانون الأدلة السرية لعام 96، ولكن هذا القانون حيٌ يرزق اليوم، ويشكل سلاحاً آخر في ترسانة الحكومة ضد المهاجرين عرباً كانوا أو مسلمين أو من جاليات أخرى.

تفجير المبنى الفيدرالي في مدينة (أوكلاهوما سيتي) عام 95 نتج عنه نوع من الهيستريا ضد العرب والمسلمين في الولايات المتحدة، واتهموا في بادئ الأمر عربياً بهذا الجرم، وتكشف لهم بعد ذلك أن الجاني هو أميركي من أصل أوروبي، وفي الذكرى الأولى لانفجار (أوكلاهوما سيتي) عام 96 صوَّت الكونجرس على قانون لمكافحة الإرهاب بعد أن أدلج الجناح اليميني الجمهوري فيه بنداً خاصاً بالأدلة السرية، رئيسة الجمعية الوطنية لمحامي الهجرة التي تضم أكثر من سبعة آلاف محامٍ تذهب إلى أبعد من هذا، فهي تؤكد أن قانون الأدلة السرية صُدِّق عليه دون علم كثيرين من أعضاء الكونجرس.

جين بترفيلد (رئيسة الجمعية الأميركية لمحامي الهجرة): صدَّق الكونجرس على بند الأدلة السرية دون أي مناقشة أو تدقيق، بل أعتقد أن معظم أعضائه لم يكونوا يعلمون أنهم أقروا قانوناً للأدلة السرية ضمن قانون مكافحة الإرهاب وعقوبة الإعدام.

توم كامبل (نائب سابق في الكونجرس الأميركي): عندما أتحدث إلى أعضاء الكونجرس عن الأدلة السرية 99% منهم يقولون: أنت مخطئ، فهذا مستحيل. فهم لم يقرأوا القانون عندما وقعوا عليه عام 96.

طلال الحاج: مكتب النائب (ديفيد بونيور) يؤكد أن الرئيس (بيل كلينتون) نفسه صدَّق على قانون مكافحة الإرهاب وعقوبة الإعدام في ربيع عام 96، ولم يكن يعلم بوجود بند استخدام الأدلة السرية فيه، وأن المرة الأولى التي علم فيها بوجود هذا البند كان في أواخر عام 98 عندما أعطاه النائب (ديفيد بونيور) يدوياً رسالة من (يارا) ابنة المعتقل مازن النجار.

هذا لا يعرف وذاك لا يعرف فإن كان لنا أن نُصدِّق هذا في كونجرس وحكومة القوة العالمية الأولى في العالم، ماذا إذاً عن الشعب الأميركي؟ في قلب العاصمة واشنطن طلبنا منهم أن يذكروا لنا أسماء ثلاث دولٍ في العالم قد يُعتقل الشخص فيها ويُسجن لثلاثٍ أو أربع سنوات دون أن يعرف التهمة الموجهة إليه أو الأدلة المستخدمة ضده.

مواطن 1: إيران، تركيا، صين..

مواطن 2: شيلي، يمن، وليبيا..

مواطن 3: Probably ليبيا، maybe عراق..

مواطن 4: تركيا maybe صين.. فنزويلا.. نيكاراجوا..

طلال الحاج: ولكن عندما نقول لهم: إن هذا يحدث لهم في بلدهم الولايات المتحدة الأميركية يكون رد الفعل..

مواطن1: No.

طلال الحاج: No Way.

مواطن2: ليس بالقانون.

مواطن3: غير محتمل.

مواطن4: لا يمكنك ذلك، تعتقل شخصاً لأربع سنوات دون أن تعلمه لماذا؟

مواطن5: لا.. لا، لا أعتقد ذلك، نحن عادلون هنا لا أصدق هذا..

جين بترفيلد (رئيسة الجمعية الأميركية لمحامي الهجرة): أكره أن أقول هذا عن شعبي، لكن عامة الشعب الأميركي هو شعب جاهل جداً لا يُعر الأمور الاهتمام، ولا يقرأ عنها في الصحف، ولا يسمع عنها، وهذا يؤكد كبر حجم المهمة أمامنا، فالناس عندما يسمعون بها يضطربون ويقلقون، بل ويغضبون، الشعب هنا أعمى وفي وادٍ آخر، اسأل أي لاجئ فلسطيني في أي مخيم للاجئين في العالم، وستدرك أنهم يدركون ما يدور في السياسة الأميركية بصورة أفضل من معظم الأميركيين.

طلال الحاج: ناصر أحمد المصري الجنسية قدم إلى الولايات المتحدة عام 86، وعمل مهندساً كهربائياً، وكذلك مترجماً للشيخ المصري عمر عبد الرحمن المحكوم عليه بالسجن المؤبد في الولايات المتحدة، عمله كمترجم كان بأجر وبتعيين من محكمة أميركية مع أربعة مترجمين آخرين، وبعد انتهاء المحاكمة تقدم ناصر أحمد بطلب الحصول على اللجوء السياسي في الولايات المتحدة، في الثالث والعشرين من أبريل/ نيسان عام 96 فوجئ باعتقاله دون إطلاعه على التهم أو الأدلة ضده بحجة كونه تهديداً للأمن القومي الأميركي، الأدلة السرية الموجهة ضد ناصر أحمد تكشَّف فيما بعد أنها تتعلق بالشيخ الضرير عمر عبد الرحمن، وتتعلق كذلك بما وُصف بعضوية ناصر في منظمة الجماعة الإسلامية في مصر، وهي التي تصنفها وزارة الخارجية الأميركية بأنها منظمة إرهابية.

ناصر أحمد: أنا ليس عضو لجماعة إسلامية.

طلال الحاج: ناصر أحمد قضى في السجن 43 شهراً، 37 شهراً منها في السجن الانفرادي.


ناصر أحمد (معتقل سابق بالأدلة السرية): حبس انفرادي بتكون محبوس 24 ساعة بيسمحوا لك بساعة تريض إلا إن الواحد في الغالب بيأخذها لأنها بيحتاجوا إن هم يكبلوك في.. بيكلبوا الأيد عشان يخرجوك، ويكبلوا القدم، ثم يفتشوك تفتيش ذاتي قبل أن تخرج للتريُّض، ويفتشوك تفتيش ذاتي، يعني تفتيش ذاتي بمعنى كيوم ولدتك أمتك.. أمك عند الرجوع للزنزانة وعليه كان.. كان يعني هذه الساعة تُعتبر مهانة قبل ما تكون رياضة. كنا في الحبس الانفرادي ثلاث سنوات كان كل شهر على الأقل واحد ينتحر، يعني بياخد ملاية السرير وبيعلق نفسه في الإزاز في.. في الشباك و3.. 4 دقايق تسمع خبط على الحيطة تعرف إن فيه واحد بينتحر.

عابدين جبارة (محامي ناصر أحمد): قضى أكثر من ثلاث سنوات ونصف السنة في ظروفٍ صعبةٍ جداً، فقد كانوا ينقلونه ليلاً وبواسطة طائرة هليوكوبتر من سجن إلى آخر، وبحراسٍ مُدججين بالرشاشات ويديه وقدميه مُكبَّلة بالسلاسل، كان يقول دائماً: إنني أعامل أسوأ من الكلب، هذا كان شعوره.

طلال الحاج: وفي كل هذه الأثناء يدفع الأطفال القُصَّر ثمناً باهظاً لاعتقال أبيهم.

ناصر أحمد (معتقل سابق بالأدلة السرية): طفل عمره مثلاً 5 سنوات وهو عمر الوسطاني حين يعني يزرني ويسألني دادي أو بابا الأولاد بيقولوا: إن اللي بيروح السجن هُمَّ الناس الوحشين بس أنت ليه في السجن؟ وأنا ليس عندي إجابة له، وسؤال آخر مثلاً لما الطفل يسألك يقول لك: بابا هترجع.. هتطلع إمتى من السجن؟ يعني كل هذا كان يدور في ذهن الولد، الكبير مثلاً أصبح يأكل بجنان بعد ما دخلت السجن، الصغيرة تنفر منك لأنك تركتها عمرها 18 شهر أو 19 شهر، يعني تيجي لك خايفة منك وخايفة من الوضع اللي موجود فيه، الزوجة طبعاً لما تقعد 3 سنين ونص أو أكثر من ذلك بدون زوج، يعني حاجة وضع غير عادي، محاولة تفتيشهم مثلاً وهُمَّ طالعين وتفتيشهم وهُمَّ خارجين، يعني مهانة غير عادية.

طلال الحاج: نبيل المصري عمل في الترجمة القانونية مع ناصر أحمد وكذلك مع أحمد عبد الستار وشخصين آخرين، ولكنَّ الفارق بين ناصر أحمد وبين المترجمين الأربعة الآخرين هو أنه لم يكن يحمل الجنسية الأميركية.

نبيل المصري (مترجم سابق للشيخ عمر عبد الرحمن): كنا بنعمل نفس العمل بالضبط وهو الترجمة ومساعدة الشيخ ومساعدين قانونيين للدكتور عمر عبد الرحمن أثناء اعتقاله وسجنه قبل القضية أو تحضير القضية نفسها، ناصر أحمد كان نقطة ضعفه الوحيدة اللي عنده تختلف عني وعنه إنه لم يكن معه الأوراق تامة، أوراق الإقامة، اللي هو الكارت الأخضر تام موجود هنا هوه، كان قدم في المحاكم.. المحكمة رسمي عشان يحصل على الإقامة الدائمة في أميركا وما كانش لسه وصلت له يعني، فدي همَّ اعتبروها يعني نقطة ضعف أخذوه على أساس اعتقلوه بهجرة أوراق هجرة فقط.

طلال الحاج: التاسع والعشرون من نوفمبر/ تشرين الثاني عام 99 خرج ناصر بأسرته حرّاً إلى العالم بعد أن أعلن القضاء براءته تماماً من التهم الموجهة إليه.

ناصر أحمد: (ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين) الأدلة السرية يعني قلبت السحر على الساحر، حاولت الحكومة الأميركية إرهاب الجالية الإسلامية في أميركا وفي نيويورك خاصةً وفي الولايات الأخرى إلا إن إما تطلع الصحف الأولى (كنيويورك تايمز) و(الواشنطن بوست) بصور.. بصورنا وصور الدكتور مازن وصورة الدكتور أنور هدام، يعني.. يعني نصر للإسلام وذُل للـ F.B.I.

طلال الحاج: هاني خير الدين الفلسطيني الأصل لا يمكنك أن تصفه بأنه إسلامي النزعة أو بالناشط السياسي، ولكن هذا لم يمنع أن يصبح واحداً من ضحايا الأدلة السرية، وكما شهد في جلسة أمام لجنة في الكونجرس أعُتقل هاني في السادس والعشرين من مارس/آزار عام 98 بسبب انتهاء تأشيرة دراسته، بالرغم من أن زوجته كانت أميركية الجنسية، وبالرغم من أن معاملاته كانت سائرة في دائرة الهجرة، هاني كان متزوجاً من سيدة مصرية، ولكن قضية الطلاق بينهما والنزاع حول تربية ابنته أديا إلى سجنه بالأدلة السرية لمدة تسعة عشر شهراً.

هاني خير الدين (معتقل سابق بالأدلة السرية): كان مرتي القديمة رايحة على مركز الشرطة في المدينة اللي كنا ساكنين فيها وحاكيه لهم إنه أنا إنسان إرهابي وإنه أنا ضالع في.. وأنا بأتعامل مع إرهابيين، وأنا بأحط قنابل في سيارات وغيره وغيره من الحكي هذا كلهيته.. اللي حصل إنه الشرطة طبعاً ما توجه.. وما حكت معي بناءً على هذا الموضوع، بس شو سووا إنهم اتصلوا مع الـ F.B.I.

طلال الحاج: ولكن عندما كشفت الحكومة النقاب عن طبيعة التهم الموجهة إليه اتسم رد فعله بالدهشة والحيرة.

هاني خير الدين: إنه أنا كنت أخطط إن أني أغتال وزيرة العدل، أنا بأعرف إنه فيه وزيرة عدل طبعاً في البلد بس أو وزير عدل في هذاك الوقت بس ما عرفت الاسم.. فالتفت للمحامي وبأحكي له: مين هي (جان جرينو) فهو استغرب يعني وصار عم بيحكي لي (جان جرينو) يعني وزيرة العدل بتاعتنا، شو بتحكي؟ حكيت له ما أعرفهاش، أنا استغربت يعني فعلاً استغربت شو؟ المهم اتهموني برضوا في إنه أنا كنت عضو في منظمة إرهابية، طبعاً ما حكوا شو هي المنظمة الإرهابية وحكوا شو أنا عملت ما فيش أي شيء.

هويدة سعد (محامية هاني خير الله): هذا هراء فإن كنت أقصدك وأريد ادِّعاء الاتهامات ضدك وإيقاع الأذى بك فإن آلية الأدلة السرية التي تستخدمها الحكومة ستوفر لي وللآخرين من الناقمين والحاقدين وسيلة لتحقيق أهدافنا ضدك من خلال قنوات قانونية.

طلال الحاج: هويده سعد حصلت في نهاية عام 2000 من مجلة القانون الوطنية على جائزة محامية عام 2000 في مجال الدفاع المجاني، وذلك بسبب دفاعها وفوزها في قضية هاني خير الدين، هاني خير الدين خرج من السجن بعد أن ثبُتت براءته في السادس والعشرين من أكتوبر/تشرين الأول عام 99، هاني متزوج الآن من سيدة أميركية، وانتهت معاملات طلاقه من زوجته المصرية، ويقول إنه رأى ابنته (نور) مرتين منذ خروجه من السجن، ولكنه لا يعرف طريقها الآن.

هاني خير الدين (معتقل سابق بالأدلة السرية): طلعت من السجن بنتي ما عرفتنيش، طبعاً هي اختفت مع أمها، لأنه طبعاً الحكومة أخفتها لأن كانت طبعاً شاهدة، ولما طلعت أخدتني سنة، يعني أول مرة شفتها قبل بس أربع أسابيع، ولما أيجت ما عرفتنيش سابتني وراحت، فهذه شيء من السلبيات اللي بتؤثر على الواحد ومش ممكن تتصلح.

طلال الحاج: استعمال الحكومة الأميركية للأدلة السرية في السنوات الخمس الأخيرة لم يقتصر على الفلسطينيين والمصريين وحسب، ففي الثالث من ديسمبر/كانون الأول عام 96 اعُتقل الجزائري الدكتور أنور هدَّام في الولايات المتحدة دون إطلاعه على التهم أو الأدلة ضده مثله في هذه مثل جميع سجناء الأدلة السرية هنا.

أنور هدام

د. أنور هدَّام (معتقل سابق بالأدلة السرية): أنه ليس من العدل يعني أن.. أن أُتهم بأمور ولم تُعطَ لي الفرصة حتى للدفاع عن ما أُتهم به.

مليه قبلان (محامية أنور هدام): لم نتسلم حتى يومنا هذا أي تلخيص للأدلة المستخدمة ضده، لكننا نعرف جيداً أنه لا يوجد أي قاضٍ اطلع على الأدلة إلا واعتبرها غير ذي صلة بهذه القضية، ولا تحظى بأي وزن كأدلة.

طلال الحاج: هذا السجن معروف بسوء ظروف معيشته، والرحلة التي انتهت بأنور هدَّام هنا بدأت عندما انتُخب عضواً في البرلمان الجزائري في ديسمبر/كانون الأول عام 91 في انتخابات وصفتها الخارجية الأميركية نفسها بأنها أول انتخابات ديمقراطية في الجزائر، جبهة الإنقاذ الإسلامي التي ينتمي إليها الدكتور أنور هدَّام فازت بالجولة الأولى منها إلى أن الجولة الثانية في يناير/كانون الثاني عام 92 فلم تُعقد كما كان مقرراً لها، جبهة الإنقاذ الإسلامي حُذرت بعد ذلك وفر أنور هدَّام من بلده طالباً اللجوء السياسي في الولايات المتحدة في أبريل/نيسان عام 93.

د. أنور هدَّام: أفراد عائلتي مُنعوا من حق من حقهم العيش مع أبيهم وزوجة وزوجهم، وأما بالنسبة لي شخصياً طبيعة الحال يعني الإنسان ضعيف، وأحياناً خاصةً عندما يتفكر المرء أنه يعني فُرض عليه العيش مع غير مسلمين كفار ومجرمين، العيش في مرحاض والعياذ بالله، هذه هي وضعية السجون، نقوم بـ.. عندما نستطيع بالصلاة في المرحاض والعياذ بالله.

طلال الحاج: في مايو/آيار عام 2000 انفردت عدساتنا بتصوير تظاهرةٍ وقفت فيها (هبة أنور هدَّام) البالغة من العمر ستة أعوام مع والدتها ومؤيدي أبيها خارج وزارة العدل الأميركية حاملةً رسالة كتبتها إلى وزيرة العدل السابقة (جولترينو) مطالبةً بعودة أبيها إلى أسرته.

هبة أنور هدَّام (ابنة الدكتور أنور هدام): عزيزتي السيدة رينو، اسمي هبة أنور هدَّام، وأبلغ من العمر ستة أعوام، وُلدت في (شيكاغو)، لقد شاهدت مؤخراً أنك ساعدتي الطفل الكوبي (إيليان) لكي يكون مع أبيه، ولذا أريدك أن تساعديني أن أكون مع أبي (أنور)، فأنا أحبه جداً وأفتقده، وأريد معانقته، ولكنه في السجن منذ أكثر من ثلاث سنوات، دائرة الهجرة أخذته مني، أنا أعرف أنه لم يقترف أي خطأ، أرجوك أن تساعديني.

طلال الحاج: احتجاجاً على سجنه بالأدلة السرية أضرب والدها (أنور هدَّام) عن الطعام في السجن أكثر من مرة، وساءت صحته مراراً بسبب ذلك، نقلوه من سجن (ريفرسيت) إلى سجن (روباهونك) في ولاية فرجينيا، وكان سجناً أسوء، سجن (روباهونك) الإقليمي هو في حقيقة الأمر معتقل لا سجن، وهذا يعني أن نزلاءه من المعتقلين لا يتمتعون حتى بأدنى حقوق نزلاء السجون الذين صدرت ضدهم أحكام قانونية في المحاكم القضائية الأميركية.

أنور هدَّام: جود الإنسان يعني بعيد عن المحيط بتاعه نحن كمسلم محيط إسلامي، وموجود مع يعني أوسخ يعني ما موجود في.. في المجتمع الغير المسلم من هادول المجرمين هادول السجناء، عايشين في الغربة اضطراراً يعني ما هوش ما هوش.. ما هوش رغبة فينا في.. في وأكثر من ذلك البعض منا سجنوا مروا بهذه، فالعائلات يعني سبحان الله يعني من لهم؟ الله سبحانه وتعالى.

ديفيد بونير (نائب زعيم النواب الديمقراطيين في مجلس النواب): جاء الدكتور (أنور هدَّام) بأسرته إلى أميركا بحثاً عن الحرية، ولكنه وجد عوضاً عن ذلك زنزانة سجن وحكومة تعتبر الإسلام مؤامرة إجرامية في انتظار التنفيذ لا عقيدة دينية، لم تُوجه إليه أبداً أي تهمة بخرق أي قانون، ومع ذلك قضى 4 سنوات في السجن بعيداً عن أسرته ومسلوب الحرية.

طلال الحاج: حصل (أنور هدَّام) أثناء اعتقاله على حق اللجوء السياسي في الولايات المتحدة من مجلس استئناف في قضايا الهجرة مرتين، كانت الأولى في مايو/أيار عام 2000، والثانية بعد ستة أشهر من الأولى، في السادس من ديسمبر/كانون الأول عام 2000، وفي الذكرى الرابعة لاعتقال (أنور هدَّام) وقفت (هبة) ووالدتها ومؤيدوا أبيها يتظاهرون مرة أخرى أمام وزارة العدل مطالبين بإطلاق سراحه، وبعد مرور أربعة أعوام ويومٍ واحد على سجنه أُطلق سراح السياسي الجزائري، عدساتنا كانت في انتظاره في أول صباح حريةٍ له، وهي حرية جاءت بصورةٍ غير متوقعة.

د. أنور هدَّام (معتقل سابق بالأدلة السرية): والله مفاجآت ربانية، صراحة لا ندري شو حصل يعني.

د. نسيمة هدَّام (قرينة الدكتور أنور هدَّام): شعوري لا أستطيع أن أعبر عنه، يعني فرحتي كبيرة وفرحة الأولاد أكثر يعني من فرحتي، والحمد لله يعني رجع زوجي للبيت وحتى الآن يعني لم أتصور أنه معانا، فالحمد لله والحمد لله والحمد لله.

طلال الحاج: أُطلق سراح أنور هدَّام، ولكن بالرغم من حصوله على اللجوء السياسي في الولايات المتحدة إلا أن هذه الحرية وحتى إعداد هذا البرنامج هي حرية مؤقتة ولا يوجد ما يضمنها، وتركت إدارة الرئيس (بيل كلينتون) القرار السياسي في قضيته للإدارة الجمهورية الجديدة، أما (أنور) فهو يرى حتى في أحلك لحظات محنته خيراً له ولأمته.

أنور هدَّام: ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين، فكانت نعمة من عند الله سبحانه وتعالى إنه الواحد راجع نفسه وراجع يعني توجهه وراجع يعني المعادلة ككل، والحمد لله ازددنا يقيناً بعد هذه المراجعة بأحقية القضية الجزائرية.

د. علي ياسين كريم (معتقل سابق بالأدلة السرية): في يوم 9/9/1996 سمعت الرئيس الأميركي طلع بالتليفزيون ليقول فيه مجموعة من الأكراد العراقيين محصورين بالجبال.. كذا أنه ما معناه وهذا الرئيس الأميركي، يعني ما هو إنسان عادي، يعني المفروض إنه مصداقية عندنا.. ويقول إحنا راح نسحبهم إلى أميركا وراح نرعاهم ومن ها الكلام هذا، إنه يقدرون يعيشون بأميركا كأناس عاديين، وهذا في الشيشان جداً ممتاز.. شعور طيب.

طلال الحاج: نحو ستة آلاف وخمسمائة كردي نقلوا من شمال العراق إلى قاعدة (إنجرليك) في تركيا، ثم جواً إلى جزيرة (جوام) الأميركية في المحيط الهادي، وذلك في أكتوبر/تشرين الأول عام 96، في السادس والعشرين من مارس/أزار عام 97 نُقلت جواًّ 9 أسر ومجموعة من غير المتزوجين العراقيين الأكراد إلى ولاية كاليفورنيا، ولكن عند وصولهم وطبقاً لعلي ياسين كريم عاملوهم معاملة فظة وطالبوا منهم طلباً استغربه العراقيون.

د. علي ياسين كريم: لازم الزوجات يقدمون على لجوء بمنعزل من الأزواج، وبعكسه ترى نرمي نساءكم وأطفالكم بالسجون، تهديد واضح وصريح، فأنا قلت أن لهذا الشخص اللي inspector يعني مو إنسان حافي المفروض، تماماً الهدف من اللجوء السياسي حتى (موزمبيق) هو لم شمل العوائل، وتشبيكه معه أجناسه؟ قال لنا: هاي إجراءات مؤقتة، وطبعاً أسبوعين ثلاثة طالعين.. الكذب هنا Taxi Free بدون ضريبة، بس طلعت البعثة تخلط العوائل، انداروا علينا راحوا لناس بقوا الشرطة، الشرطة قالت هاي هدوم عمال السجن تلبسوها بالتي هي أحسن لو بالقوة أو بالضرب.. بالحرف الواحد.. بالحرف الواحد اللي قالوه... فإحنا قلنا.. إذا إحنا باقين أسبوعين تلاثة أنا.. مش آخر أسبوعين ثلاثة أسبوعين تلاثة ما معقولة يكذبون، الأميركان ما يكذبون على الأساس يعني.

طلال الحاج: التهم الموجهة إلى الأخوين كريم ولستٍة آخرين من الأكراد العراقيين ظلت ضمن الكتمان بكونها أدلة سرية، هذا الوضع استمر حتى تدخل المدير السابق لوكالة الاستخبارات المركزية (جيمس وولسي) والذي اشترك في الدفاع عن العراقيين الثمانية بدفع من المعارض العراقي أحمد شلبي، سألنا (وولسي) عن سبب انضمامه إلى هيئة الدفاع عن هؤلاء العراقيين وهو رجل الاستخبارات الذي كان عمله يعتمد على السرية، ويُتوقع منه أن يكون أكثر تفهماً لاستعمال الحكومة الأميركية للأدلة السرية.

جيمس وولسي (مدير سابق لوكالة الاستخبارات المركزية): فعلت ذلك لسببين: الأول: هو كون هؤلاء الرجال رفاق سلاح ناضلوا ضد صدام وضد الطغيان في العراق، ولذا وبصورةٍ خاصة كان يجب أن يعاملوا بإنصاف، وثانياً: كلما ازدادت معرفتي بهذه الزاوية الغريبة والعجيبة من قوانين الهجرة الأميركية، والتي تختلف تماماً عن ضمانات القوانين المدنية والإجرامية الأميركية الأخرى التي لا تسمح بتاتاً بمثل هذه الممارسات كلما اشتط غضبي.

طلال الحاج: زكية حقي لم تترك باباً إلا وقرعته أو مؤتمراً إلا وحضرته حاشدة التأييد لإطلاق سراح ولديها وشاجبة استعمال الحكومة الأميركية للأدلة السرية.

زكية حقي (والدة الدكتور علي ياسين كريم): دائماً أتمثل بمقولة الجواهري من يقول أنا حتفه ألج البيوت عليهم.. أُغري الوليد بشتمهم والحاجبة، بكل مكان أنا وراهم وراهم على.. ورحت أنت في مكان ما شفتني أنا اللي قدام، قضيتي هذه والله ما بقت كونجرس women of Congress أنا ما رايحه عليهم ما.. ما خاشه في غرفهم منا أعطيتهم حزمة من الأوراق عن القضية هذه، لأن أصبحت مو بس قضية أولادي قضية كل.. عامة قضية كل المسلمين.

طلال الحاج: حدثتنا زكي حقي عن أمثلة من التهم التي وُجهت إلى ولديها، وتقول إن إحداها على سبيل المثال ناتجة ربما عن جهل المحققين بالجغرافيا.

زكية حقي: أنه هو رايح إلى (كابول) عدد من المرات باعترافه هو قال لهم أنا رحت إلى (الخابور)، (خابور) قرية صغيرة في داخل العراق على الحدود السورية حتى بالخريطة لو تشوفها ما تلاقيها، إيش جاب (كابول) عاصمة أفغانستان على بعد آلاف الأميال وشو ودي لهناك علاقة هو بأفغانستان ها الولد هذا؟ يعني ها المهزلة هذه.. على ها الضحالة، ها السطحية، ولهذا تشوف سياسة الخارجية الأميركية تايهه، لأن معتمدة على أمثال هيشي ناس سطحيين.

نيل فرينزن (محامي علي ياسين كريم): شهد عاملان خاصان من مكتب التحقيق الفيدرالي بأنهما دُرِّبا من قبل مدربين في وزارة الخارجية الأميركية على أن العرب يكذبون، وأن كذب العرب هو جزء من ثقافتهم، ولذا عند استجوابهم لا يمكن للإنسان الاعتماد على أي شيء يقولونه لمكتب التحقيق الفيدرالي بأنه صحيح، أنا كأميركي أريد الحماية من الإرهابيين، ولكن مكتب التحقيق الفيدرالي بناءً على تصرفه في هذه القضية لن يستطيع حماية أميركا من الإرهابيين الحقيقيين.

زكية حقي (والدة الدكتور علي ياسين كريم): آخر ما بجعبتهم كان هاي.. فإذا عندنا معلومات جديدة تؤكد أنه هادول همَّ هنود، هادول مو عراقيين ولا هُمَّ أكراد، هادول هنود، قلت يا أبا إحنا ما عندنا Boy Friends مثل ما هنا شائع زين، يصير عندهم أولاد من.. من.. من الأصدقاء، أنا.. أنا عند زواج شرعي متزوجة، وهذا أبوهم كردي وأنا كردية، فخلي يقولوا لي شو أني متزوجة هندي حتى يصيرون هادول يعطوني اسم منه شان المهاك مغاندي لو جواهر للنهرو، من هو هادول؟ شو حتى أولادي يكونون هنود؟

طلال الحاج: قد يتحمل الإنسان قساوة السجن، ولكن مأساة تفكك الأسرة ومعاناة الأطفال الأبرياء تترك جُرحاً قد لا يلتئم بمرور الزمن.

د. علي ياسين كريم (معتقل سابق بالأدلة السرية): أنا بعيد عن أولادي وكذا، طبعاً تُثار طلاق عندي يعني بسبب هذا الشيء.

طلال الحاج: وإلى جانب المعاناة النفسية قاس الأخوان من وحدة السجن الانفرادي، علي ياسين كريم ذهب إلى أبعد من هذا بقوله: إن التعذيب ليس بغريب على سجون الدولة التي تدعي أنها الراعية الأولى لحقوق الإنسان في العالم.

د. علي ياسين كريم: التعذيب داخل السجن موجودة من قبل الشرطة يسوون هذا الشيء، يسووه ويَّايا، ويَّا غيري يسووه أكثر، وحتى يحرضون مساجين يضربون.

نيل فرينزن (محامي علي ياسين كريم): حُرَّاس دائرة الهجرة يفشلون عادةً في التدُّخل في الوقت المناسب، بل ربما كانوا هم الدافع لمثل هذه المعارك، هل يمكننا أن نثبت هذا؟ يصعب ذلك بالطبع، ولكننا نؤمن بصحته، فلقد وقعت عدة معارك استخدمت فيها السكاكين المصنعة داخل السجن، وهي أحداث عنف مع مُعتقلين آخرين كانوا موكلون أثناءها مهددين بالقتل.

زكية حقي (والدة الدكتور علي ياسين كريم): وأنا بس أطلب من الله إن شاء الله إنهم يطلعون بس أريد أخذهم وأروح لبيت الله الحرام بإذن الله الله ييسر لنا زيارة بيته، أنا أي أرض بالعالم ما عندي أعز من وطني، إلا بيت الله الحرام اللي هي أحب أرض الله إلى الله.

طلال الحاج: اليوم هو الثامن عشر من آب/أغسطس عام 2000 ونحن بصدد إجراء مقابلة داخل سجن (سامبدروا) في ولاية كاليفورنيا مع السجين علي ياسين كريم، ولكنهم منعوا عدساتنا من الدخول، توجهنا لكي نجادلهم بأن لدينا التصريحات اللازمة فيعلمون أن السبب ليس الإجراءات، بل هو صدور قرار بإطلاق سراح السجينين بعد نحو ثلاثة أعوام ونصف العام في السجن، خطونا مع الأخوين الخطوات الأولى نحو الحرية حيث عدسات (الجزيرة) ومحطتين محليتين في الانتظار.

نيل فرينزن (محامي علي ياسين عبد الكريم): هذه مأساة فقد جازف بحياته وحياة أسرته من أجل العراق ومن أجل الحكومة الأميركية المتعاونة مع المؤتمر الوطني العراقي، انظر ما فعلته به الحكومة الأميركية.

ديفيد بونير (نائب زعيم النواب الديمقراطيين في مجلس النواب): العرب والمسلمون مستهدفون وفي حقيقة الأمر كل شخص مُعتقل بالأدلة السرية نعرف عنه هو عربي أو مسلم فيما عدا شخص أو شخصين من أعراقٍ أُخرى، الأدلة السرية تستهدف الجالية العربية والإسلامية ولذا من الأهمية بمكان للجاليات العربية والإسلامية أن تتحد.

طلال الحاج: ضحايا الأدلة السرية ومن يؤيدونهم يجادلون بأن هذه الاعتقالات واستخدام الحكومة للأدلة السرية ناتج عن التعاون بين أجهزة استخبارات دولية معينة.

دانا روبكر

دانا روبكر (عضو لجنة العلاقات الخارجية في مجلس النواب): إذا تبنَّى إنسان القضية الفلسطينية، وحاول أن يوضَّح الموقف الفلسطيني من الصراع الإسرائيلي الفلسطيني يُستهدف أحياناً، وتقوم الاستخبارات الإسرائيلية أو أطراف أخرى بتسريب معلومات كاذبةٍ عنه إلى أجهزة الأمن الأميركية التي يتم أحياناً تحريكها، وإلى حدٍ ما من الخارج ضد هذا الشخص.

جيمس وولسي (مدير سابق لوكالة الاستخبارات المركزية): لدينا ترتيبات تبادل لاستخبارات مع دول عديدة لا مع إسرائيل وحدها، فلدينا علاقات عمل وثيقة مع عدد من الدول العربية والإسلامية.

طلال الحاج: كثيرون من ضحايا الأدلة السرية ومؤيديهم يوجهون النقد اللاذع لدولنا العربية والإسلامية لصمتها على معاناة العرب والمسلمين من مثل هذه القوانين.

د. مازن النجار (معتقل سابق بالأدلة السرية): الحالة التي أنا عليها الآن هي انعكاس لحالة الوضع العربي من حيث الضعف والهوان، وانعكاس لحالة الاحتقار إزاء العرب.

طلال الحاج: كثير من الجمعيات الإسلامية والعربية الأميركية أعلنت تأييدها للمرشح الجمهوري (جورج بوش الابن) أثناء الانتخابات الرئاسية الأميركية عام 2000، وذلك وبالتحديد لأنه تطرَّق إلى موضوع الأدلة السرية أثناء المناظرة الثانية مع المرشح الديمقراطي (آل جور).

جورج بوش الابن: توجد ولا شك أنواع أخرى من التشخيص العرقي فالتمييز العنصري ضد الأميركيين العرب يتم باستخدام ما يُسمى بـ"الأدلة السرية" ويتم وقفهم، لابد من عمل شيء بهذا الصدد، السيناتور (سبينسر إبراهام) يُساند مشروع قانون يضمن معاملة الأميركيين العرب باحترام.

طلال الحاج: الإمام حسن قزويني الذي اجتمع بالرئيس بوش أكثر من مرة مُمثلاً للمسلمين كان أول من أثار هذه القضية معه أثناء زيارة (بوش) لولاية ميتشجان في مارس/ آزار عام 2000.

الإمام حسن قزويني (المركز الإسلامي الأميركي – ديريورن): كنت أول من طرح هذا الموضوع معه، وفي حينه أبدى استغرابه من الموضوع وعدم اطلاعه على تفاصيل قانون الأدلة السرية، والتفت إلى السيناتور (سبينسر إبراهام) وطلب منه أن يُلخص له ما لديه من معلومات حول الموضوع، وبعد ستة أشهر على ذلك اللقاء، أي في أكتوبر الماضي وقُبيل الانتخابات بأيام اجتمعنا بالرئيس مرة أخرى لنُفاجأ عن موقفه الذي استنكر فيه قانون الأدلة السرية وأعلن معارضته الشديدة له، وأعلن تعهده أمام ممثلي الجالية العربية أنه في حين وصوله إلى السلطة سيسعى من أجل إسقاط هذا القانون.

خالد صفوري (المعهد الإسلامي الأميركي): سنطالبه بتنفيذ وعده بإلغاء هذا القانون، وكذلك سنُطالب وزير العدل السيد (أشكروفت) كذلك بوقف العمل في هذا القانون فوراً، ونحن في صدد الاجتماع معه حول هذا الموضوع.

كت كيج (رئيسة التحالف الوطني لحماية الحريات السياسية): أول شيء يتوجَّب على الحكومة عمله هو القول: نأسف، فقد أخطأنا، أعتقد أن هذا هو أهم شيء.

طلال الحاج: يقولون إن صورة واحدة تساوي ألف كلمة، ولذا سأترككم مع بعض الصور التي تحكي جانباً من معاناة من أثبتت المحاكم الأميركية براءتهم بعد استخدام الحكومة لجميع طاقاتها ضدهم بما فيها قوانين الأدلة السرية.

-مازن اعتقل ثانية في 24-11-2001 ويعاني من حالة اكتئاب شديد في سجن (...) الحكومة الأميركية لم تجد حتى الآن بلداً عربياً يأويه.

-وزير العدل الأميركي مازال ينظر في قرار محكمة الاستئناف العليا بشأن منح أنور اللجوء السياسي.

-هاني مازال يبحث عن ابنته التي لم يرها منذ نحو خمسة أعوام.

-ناحر مازال يعيش في نيويورك ويشتكي من مراقبة الأمن المكثفة.

-علي يعيش بعيداً عن أولاده. ومع أخيه وأمة في ولاية فرجينيا بعد أحداث

11-9-2001 توقف الحديث في الكونجرس عن إلغاء قوانين الأدلة السرية.