مقدم الحلقة:

متغير

ضيوف الحلقة:

عدة ضيوف

تاريخ الحلقة:

17/06/1999

- كيف تتعايش الديانات الثلاثة في أرض فلسطين؟
- صراع النصوص الدينية مازال دائراً لإثبات الحقوق والأراضي في فلسطين

- ممارسات اليهود ضد المسلمين والمسيحيين

- دور السياسة في حل أزمة القدس

كيف تتعايش الديانات الثلاثة في أرض فلسطين؟

نوعام أرمين
محمد حسين
يوسف النتشة
إيلي نيسان
عطا الله حنا
عباس زكي
يونس عمرو
عكرمة صبري
مئير بوروش
أيمن جاب الله
أيمن جاب الله: حين تلفك أشجار الصنوبر من كل جانب، تخترق بسيارتك الطرق الجبلية، وترفرف فوق طريقك مشاعر قدسية، فاعلم أنك في فلسطين.. أرض المقدسات.

الأديان السماوية الثلاثة على أرضها تتماس، المسلمون هم الأغلبية بين السكان العرب، سواء بحساب فلسطين القديمة أو تلك التي تقلصت إلى ما قبل حدود 1967 أو حتى تلك التي احُتلَّت كاملة بعد النكسة، وحرر السلام جزءاً من أراضيها.

المسيحيون يمثلون الشق المكمل للسكان العرب، نسبتهم تتراوح حالياً بين الخمسة إلى السبعة بالمائة، أما اليهود الذين لم يكونوا يمثلون أغلبية قبل إعلان قيام إسرائيل، فتتضارب الإحصاءات بشأنهم، وبينما تقدر المصادر الرسمية عدد سكان إسرائيل بستة ملايين نسمة، فإن الواقع يشير إلى أن نحو خمسة عشر بالمائة من هؤلاء من العرب المسلمين أو المسيحيين، إضافة إلى نسبة مماثلة من المهاجرين الروس، تنتسب جزافاً إلى اليهودية رغم كونها تضمن ديانات أخرى غير معلنة، ناهيك عن مالا يدينون بأيٍّ من الأديان السماوية.

وحول المقدسات الدينية الخاصة بكل طائفة، يتحلق أتباع الطائفة، ومع اختلاط الحقوق الدينية بالتاريخية بالوطنية ينزع قوس التوتر، وتكمن جذور الصراع.

نوعام أرمين (المتحدث باسم اليهود في الخليل): هذا هو أول مكان مقدس لليهود في هذا البلد.

الأرشمنديت عطا الله (بطريركية الروم الأرثوذكس بالقدس): الدولة الإسرائيلية التي أسست عام 1948م على حساب الشعب الفلسطيني، اقتلع أبناء شعبنا من بيوتهم ومن قراهم ومن أراضيهم، اعتدى عليهم.

الشيخ محمد حسين (إمام المسجد الأقصى): مع الأسف الشديد نلاقي ونواجه الأمرَّين من أتباع الديانة اليهودية، هم يحاولوا -بين فترة وأخرى- أن يدخلوا إلى هذا المسجد ليهدموا هذا المسجد، وليقيموا الهيكل والأحلام الكثيرة التي تسمع بها وتشاهدها من خلال شاشات التلفاز، ومن خلال الإعلام المرئي والمقروء.

صراع النصوص الدينية مازال دائراً لإثبات الحقوق والأراضي في فلسطين

أيمن جاب الله: المسجد الأقصى أحد أهم المقدسات الدينية، لكنه أيضاً النقطة القصوى في الصراع بين المسلمين واليهود. وتنبع جذور الخلاف التاريخي الديني حول المسجد الأقصى من ادعاء يهودي بأن الجدار الخلفي للمسجد -والذي يطلقون عليه حائط المبكى- هو الجزء المتبقي من هيكل بناه النبي سليمان قبل ثلاثين قرناً، وأن بقايا الهيكل مدفونة في مكان ما تحت المسجد الأقصى. أما المسلمون فيؤكدون أن المسجد بناه النبي إبراهيم بعد أربعين عاماً من بناء الكعبة، أما هيكل سليمان فقد دمر تماماً إبان الحكم الروماني، ويرجح البعض أن تسميه المسجد الأقصى جاءت لكونه الأقصى بعداً آنذاك عن الكعبة المشرفة.

الشيخ محمد حسين: المسجد الأقصى المبارك إذا ما رجعنا إلى النصوص الدينية التي تتحدث عن إنشاء هذا المسجد فعندنا في القرآن الكريم (إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركاً). فأول بيت وضع في الأرض المسجد الحرام. جاء الصحابي أبو ذر الغفاري -رضي الله عنه- فسأل النبي -صلى الله عليه وسلم- قال له: "ثم أيّ؟" –أي- أيّ من البيوت وضع بعده؟ قال: "المسجد الأقصى" قال: "كم كان بينهما؟" قال: "أربعون سنة."

إذن المسجد الأقصى هو مسجد موغل في القدم الديني والتاريخي بعد المسجد الحرام بأربعين سنة، وكل المساجد في الأرض هي رموز لتوحيد الله –سبحانه وتعالى- وأماكن لعبادته.

أيمن جاب الله: بالنسبة للمسلمين لا يقتصر المسجد على مجرد مصلى ينحصر بين جدران أربع مسقوفة نحت التاريخ زخارفها، بل يمتد على مساحة 144 دونماً، تشمل المصلى والساحات، إضافة إلى قبة الصخرة تحفة البناء المعماري، وبناها الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان فوق الصخرة المشرفة التي عرج منها النبي محمد إلى السماء.

يوسف النتشة (خبير الآثار الإسلامية في القدس): إن قبة الصخرة هي أقدم أثر إسلامي قائم حتى الآن، صحيح أنه بني بعض المباني قبل قبة الصخرة، لكنها لم تبق ولم تصمد، وإن وجدت وبقيت، كبعض الأمثلة كمسجد عمرو بن العاص مثلاً أو غيره، فقد جرى عليه كثير من التعديل والتغيير، بحيث أفقده شخصيته الأصيلة الأولى التي بنيت في العصر الأموي.

أيمن جاب الله: ووفقاً للاعتقاد التاريخي عند خدَّام القبة فإن الصرح المعماري استمد عظمته من ارتباطه بعوامل دينية وجغرافية، فالقبة تقوم فوق ثمانية أعمدة، وهو ما يعدونه تصديقاً لقوله تعالى: (ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية) وينفذ الضوء إلى القبة عبر 52 نافذة يعدونها ترمز إلى أسابيع السنة، إضافة إلى أن لها أربعة مداخل يرونها تمثل فصول العام الأربعة، ويسود اعتقاد لدى العامة بأن الصخرة المشرفة معلقة في الهواء، وهو أمر ينفيه العلماء جملةً وتفصيلاً.

يوسف النتشة: الاعتقاد أتى من الجهل، وقد يكون هذا الجهل منبعه التعظيم الشديد لهذا الموقع مما جعل بعض البسطاء -بحسن نية- صياغة بعض الأساطير، رغبةً منهم في رفع شأن هذه المكانة، وهي في الواقع لا ترفع من شأنها، إنما هي صخرة طبيعية صعد منها الرسول -صلى الله عليه وسلم- كما يعتقد، ويؤمن المسلمون من هذه البقعة المقدسة إلى السماوات العلى.

أيمن جاب الله: لكن الصرح المعماري الذي يعد أقدم الآثار الإسلامية قاطبة يحظى بأهمية دينية تفوق البعد التاريخي، وتجعل التمسك به واجباً يرقى إلى حد الفريضة، لكن القبة لا تسلم من ادعاء يهودي بالحق التاريخي والديني، فالنفق الذي حفرته السلطات الإسرائيلية قبل أعوام ليمر على مقربة من الأقصى يرى المسلمون أنه نموذج لعمليات التنقيب التي قد تؤدي في النهاية إلى تقويض بنيان القبة. أما اليهود فيقولون: إنهم وإن كانوا يعتقدون إن هناك علاقة ما بين موقع قبة الصخرة، وما يظنونه أنه موقع هيكل سليمان فإنهم لا يسعون إلى هدمها.

نوعام أرمين: بعد العديد من الأبحاث كانت النتيجة أن قدس الأقداس يقع في مكان قبة الصخرة، لكنني لا أعتقد أن هناك أحد لديه نوايا بشأن قبة الصخرة، إنهم يريدون الصلاة في الساحات المفتوحة في جانب المعبد، وهو -كما تعرف- مكان واسع يمكن أن يكون مكاناً يتيح حرية العبادة.

أيمن جاب الله: لكن النوايا وحدها -إن صحت- لا تصنع شيئاً، فقنابل الغاز التي ألقتها القوات الإسرائيلية عبر السنين، والتي يحتفظ المسلمون بجزء منها داخل المسجد، شاهدة على أن المكان لم ينعم بالكثير من السلام، ومصلى الأقصى المقدس لدى المسلمين، ورغم كونه ليس هدفاً لأيَّة من عمليات التنقيب، تعرض للإحراق عام 1969م على يد متطرف يهودي، النيران التي اندلعت على المسجد آنذاك أتت على كل شيء بما في ذلك المنبر التاريخي الذي حمله صلاح الدين الأيوبي عبر الممالك التي فتحها حتى استقر به الأمر في القدس. المنبر لم تسلم منه سوى البقايا جمعها المهتمون هنا في متحف المسجد.

إذا نحينا الماضي جانباً، فإنك إذا زرت المسجد الأقصى حالياً في أحد الأعياد أو الجمع فقد لا تلحظ مشكلة، فالمسجد عامر بالمصلين من مختلف الأقطار عدا الفلسطينيين الذين لا يحملون تصريحاً بدخول القدس باستثناء تلك الأيام. فالمسجد أقرب إلى المتحف يختلط فيه السائحون بالمصلين، غير عالمين أحياناً بما قد تطلبه مشاعر المسلمين في هذا المكان من قيود.

حين تتحول المقدسات إلى مجرد مزارات، وتحول دهاليز السياسة بين المرء وقلبه، ويتوقف ممارسة الإنسان لشعائره الدينية على نوع ما يحمله من هوية، يصبح الصراع حتمياً. أما أمنية التعايش فتظل مجرد أمنية.

خارج أسوار الأقصى لا يختلف الأمر كثيراً عما هو عليه داخله، فالخلاف الديني التاريخي بين العرب واليهود ينعكس على مناحي عيشهم، يتمكرس اليهود في البلدة القديمة -القدس الشرقية- داخل مناطق عيشهم الخاصة، وكذلك العرب. حياة ظاهرها العمل، أما باطنها فترقب وانتظار لما يمكن أن تفعله بهم ادعاءات الحقوق الدينية وألاعيب السياسة التي يختلف الطرفان أيضاً حول دورها في إزكاء الصراع.

إيلي نيسان (صحفي إسرائيلي): في أي حكومة كانت، إذا كانت حكومة (الليكود) أو حكومة حزب (العمل) ليس هناك أي تدخل في الشؤون الدينية لدى الطوائف، إذا كانت الطائفة الإسلامية في إسرائيل أو الطائفة المسيحية، وهناك حرية مطلقة للعبادة لكافة الديانات السماوية في إسرائيل.

ممارسات اليهود ضد المسلمين والمسيحيين

الأرشمنديت عطا الله: عندما تم الاعتداء على فندق (مار يوحنا) عندما تم الاعتداء على مزارات داخل كنيسة القيامة، الاعتداء على رموز مسيحية معينة، هنالك حوادث مختلفة حصلت في مدار السنوات الماضية.

عباس زكي (عضو المجلس التشريعي الفلسطيني): لكن هي مغلفة بغلاف ديني دولة اليهود، وأعتقد إذا زرتوا أنتو الحرم الإبراهيمي تجدوا المأساة مجسدة هناك، بحيث إنه العديد من الناس لا يستطيعوا أن يؤدوا الفريضة داخل الحرم، خاصة المناضلين المطلوبين أمنياً، لأنه كمصيدة لأي أخ يمكن أن يلقى القبض عليه هناك.

أيمن جاب الله: بؤرة أخرى للاحتكاك بين الفلسطينيين والإسرائيليين حول أحد المقدسات الدينية المشتركة هنا في الحرم الإبراهيمي، أن تدخل للصلاة فأنت بحاجة إلى تصريح مسبق، أما أن تدخل للتصوير خاصة بطاقم إحدى المحطات العربية فأنت بحاجة إلى ما يشبه المعجزة. كثكنة عسكرية يبدو الحرم الإبراهيمي، قسمته إسرائيل إلى قسمين، أحدهما إسلامي والآخر لليهود. أخفقت محاولات العبور إلى المدخل الخاص باليهود، لكن كاميرا (الجزيرة) كانت مصرة على استطلاع الممكن والمستحيل في الجانب الإسلامي،لم تعقنا لائحة الممنوعات المعلقة من قبل الحرس الإسرائيلي والتي تضع الكاميرا على رأس المحظورات، عمليات التفتيش الدقيقة للمصلين لم تحبطنا أيضاً.

سألونا إن كان بحوزتنا التصريح، أخرجنا لهم جملة أوراق لم تكن تكفي بوجهة نظرهم، قررنا أن يكون الجدال سلاحنا والصبر شعارنا. بعد ساعات تحطمت صخرة الممنوع، وكان علينا أن نقف في صفوف المفتشين. تحملناها لنكون أول تلفاز عربي، ينقل لقطات داخل الحرم الإبراهيمي منذ مجزرة عام 1994م.

أيمن جاب الله: لا يتسع الحرم الإبراهيمي بعد أن تم تقسيمه للكثير من المصلين، مساحة لا بأس بها من المكان يستقر بها قبران يعتقد أنهما للنبي (إسحاق) وزوجته، لا يوجد دليل ديني أو تاريخي على ذلك، غير بعيد من القبرين يرقد أبو الأنبياء النبي (إبراهيم).

دكتور يونس عمرو (أستاذ بجامعة القدس المفتوحة): الحرم الإبراهيمي الشريف هو مسجد إسلامي، وقيمته التاريخية ترجع إلى ما قبل الميلاد كمقبرة للأنبياء إبراهيم وأبناؤه: إسحاق ويعقوب ويوسف وزوجاتهم. بعد ذلك اتخذ المسلمون منه مسجداً منذ مطلع الفتح الإسلامي وحتى هذه الأيام، منذ العهد الأموي إلى يومنا هذا هو مسجد، ولم يحدث أن تحول هذا المسجد إلى غير مسجد إسلامي إلا في فترة الاحتلال الإسرائيلي.

أيمن جاب الله: قبر النبي إبراهيم غُلِّقت أبوابه في وجه المسلمين واليهود على السواء إلا من شرفات ضيقة تطل على كلا الجانبين على مقربة من القبر من جانب، وكشأن أغلب المقدسات اختلق الزوار قناعات لا أساس لها، فتحة تطل على مغارة الأنبياء يلقون عندها بأمانيهم. على جانب آخر اختلق الإسرائيليون حاجز الفصل بين ما اعتبروه الجانب المسلم والجانب اليهودي موصد إلا في أيام الأعياد يفتح للمسلمين في مناسبات ولليهود كذلك في أعيادهم.

كاميرات المراقبة تغطي المكان خشية مجزرة أخرى كتلك التي وقعت قبل أعوام صبيحة الخامس والعشرين من فبراير عام 1994م. كان (باروخ جولدشتاين) الحاصل على درجة الدكتوراه يقف هاهنا قبل أن يفتح نيران أسلحته على ظهور المصلين، تسعة وعشرون لقوا مصرعهم، العشرات أصيبوا، بعضهم لن يمشي مرة أخرى.

الاشتباكات التي أعقبت الحادث قد يراها البعض ردة فعل طبيعية وكفى، لكن البعض الآخر يراها تعبيراً عن رفض لانتهاكات دائمة يمارسها المستوطنون في مدينة الخليل وحولها في حق الفلسطينيين.

عباس زكي: (كريات أربع) هي لمستوطنين مختلفين عن أي مستوطنات أخرى، هذه كانوا يرسلوا لها، يعني لهم ثأر تاريخي عن الخليل، وبالتالي أرسلوا الجبابرة وأرسلوا الحاقدين، وبالتالي أنا أتحدى أي إسرائيلي -من رئيس الحكومة إلى رئيس الدولة إلى آخر واحد في إسرائيل- أن يقبل التعايش مع مستوطني (كريات أربع).

أيمن جاب الله: كريات أربع المستوطنة اليهودية على أطراف الخليل هي الأسوأ سمعة بين المستوطنات عامة، منها جاء جولدشتاين، وفيها يصلي المتطرفون على قبره، رغم الأصوات المنادية داخل إسرائيل نفسها بإلغاء احتفالات المتطرفين على قبر جولدشتاين.

إيلي نيسان: نأسف لهذه الإزعاجات التي من الممكن أن تأتي من الطرفين، لكن هذه الإزعاجات تأتي من الطرفين، الذي هم قلة ومتطرفين، وهنا كان -مع الآسف- دكتور جولدشتاين الذي خالف هذه العقيدة بهذا الموقف، وهو عوقب بأشد العقوبات، وحتى اليوم هناك نقاش في المجتمع الإسرائيلي حول إزالة المقبرة التي دفن فيها إلى محل تاني وإزالة كل المظاهر التي تقام على المقبرة ليكون له قبر عادي.

دور السياسة في حل أزمة القدس

أيمن جاب الله: غير أن إدانة العاملين بالسياسة لا تتفق كثيراً مع رأي أكثر المتظاهرين بالتسامح من مستوطني الخليل.

نوعام أرمين: أود أن أدعو كل سكان هذه المدينة أن يفتحوا صفحة جديدة. أنت تعلم أن ما حدث في عام 1994م كان من الجانب والآخر، ولكننا جميعا الآن علينا أن نفتح صفحة جديدة. هذه المدينة يفد إليها ملايين السائحين من مختلف أنحاء العالم، فمن هنا خرج الكتاب المقدس، لكن ذلك سيعتمد كثيراً على خلق سلام، وهذا لن يحدث إلا حين يعلن الزعماء العرب في هذه المدينة اعترافهم بحق اليهود في العيش هنا، ويتعهدون بفعل كل ما يستطيعون لإنهاء المشكلات الأمنية.

إذا فعلوا ذلك فأنا واثق أنه لن تكون هناك مشاكل من الجانب الآخر، سوف نفعل بالمثل، وسوف يكون هناك إعلان سلام يخرج من بلدة إبراهيم إلى العالم أجمع.

أيمن جاب الله: لكن الحديث عن إعلان سلام يبدو قفزاً إلى النتائج بالنظر إلى موقف مستوطنين كسكان كريات أربع للعرب خاصة أن من بينهم من هو على شاكلة جولدشتاين، من أولئك الذين يعتبرون أن العربي الجيد هو العربي الميت. باروخ جولدشتاين إرهابي سفاح بنظر الأغلبية الساحقة، لكنه بنظر مستوطني كريات أربع بطل قومي، جولدشتاين المدفون في تلك المستوطنة القابعة خلفنا نموذج للعنف الديني، حين يصير هوساً ودماءً تلطخ كل شيء حتى المناطق المقدسة.

وبعيداً عن كريات أربع على أطراف الخليل والحرم الإبراهيمي القابع في قلبها، تبدو المدينة التي يشرف حرس الحدود الإسرائيلي على جانب من الأمن فيها نموذجاً لصعوبة التعايش تحت الاحتلال، إن لم يكن استحالته. الشوارع قفر إلا من الجنود، سنوات الصراع محفورة على وجوه البشر، واعتداءات المستوطنين داخل الخليل على حقوق الفلسطينيين أكبر من أن تجد لها تبريراً.

نوعام أرمين: يؤسفني أن أقول لك: أنني أعتقد أنك لم تسمع المعلومات الصحيحة، نحن نريد فقط أن نعيش هنا في مكان طبيعي كجالية يهودية كما يحدث في العديد من مدن العالم، لكن للأسف الشديد البيئة هنا عدائية وعدوانية جداً جداً، وقد شاهد العالم كله على شاشات التلفزيون كيف يهاجمنا العرب! آلاف العرب بقنابل المولوتوف، بالقنابل الحارقة، بالحجارة.

أيمن جاب الله: غير أن ما شهدناه بأعيننا وأعين الكاميرا كان أكبر من أي تضليل. هنا في شارع الشلال المتفرع من شارع الشهداء يسكن عدد من الأسر اليهودية في مواجهة الفلسطينيين أحياناً، يقتسمون البيت نفسه، غُطِّي الشارع في أغلب جوانبه .. غطاه الفلسطينيون درءاً لرذائل جيرانهم اليهود الذين يلقون عليهم ما قد تطوله أيديهم، بيوت الفلسطينيين هنا تحولت إلى متاريس، صارت النوافذ مدخلاً للشر، فأراح الفلسطينيون أنفسهم منها وسدوها.

هذا البيت صار بلا نوافذ، تعيش فيه أم وبناتها الثلاث عشرة إضافة إلى صبي، البنات احتجبن عن التصوير، لكن الجميع قبلوا بحياة أقل إضاءة ولكن أكثر أمناً. وغير بعيد من الخليل المدينة الأكثر توتراً يقع بيت لحم موطن بلاد المسيح،تحررت بيت لحم من أغلال الاحتلال، لكن سكانها يتعين عليهم الحصول على تصاريح أيضاً للمرور عبر المناطق المحتلة.

في بيت لحم والقرى المحيطة بها تستقر نسبة كبيرة من الأسر المسيحية في فلسطين، مقدساتهم الدينية أقل تعرضاً لأطماع اليهود، لكن حقوقهم الوطنية ليست كذلك. كنيسة المهد التي تعد -إلى جانب كنيسة القيامة في القدس- أهم المقدسات الدينية المسيحية في فلسطين يفد إليها مئات السائحين كل يوم، يقومون بزياراتهم وسط أجواء من السكينة تستمد جانباً كبيراً منها من غياب العنصر الإسرائيلي، من المعادلة الدينية التاريخية وأيضاً السياسية.

المسيحيون هنا يعتبرون أنفسهم إلى جانب المسلمين العرب الذين يشكلون السكان الأصليين لدولة فلسطين، ولا يجد المسلمون أو المسيحيون حرجاً في الإعلان عن لقاءات بين أقطاب الديانتين، لكنهم يجدون أكثر من مجرد الحرج، حين يتطرق الأمر إلى إمكانية أن ينضم إلى معادلة التعايش حاخامات اليهود.

الشيخ عكرمة صبري (مفتي فلسطين): نحن لسنا ضد الديانة اليهودية كدين، إنما نحن ضد الكيان الصهيوني، علاقتنا مع المسيحيين علاقة جيدة، ونؤكد ذلك عملياً، كذلك علاقتنا مع اليهود كانت جيدة حتى وعد بلفور.

الأرشمنديت عطا الله حنا: أنا أعتقد بأننا نستطيع أن نتحدث مع أي رجل دين يهودي شريطة أن يعترف بأن هذه الأرض هي مقدسة للجميع، وأن القدس ليست حكراً لأحد.

الحاخام مئير بوروش (زعيم حركة أغودات إسرائيل): أنا كشخص مؤمن ونحن كمؤمنين نود أن تجري الأمور حسب ما تنص عليه تعاليم الشريعة اليهودية.

أيمن جاب الله: لكن الشريعة اليهودية -كما يمارسها الحاخام- لا تحمل تاريخاً طيباً بحق المسيحيين الذين يؤمنون -حسب اعتقادهم- بأن أيادي اليهود ملطخة بدماء المسيح.

المسيحيون في فلسطين ليسوا استثناءً من القاعدة، رغم قلة عددهم يحل بهم ما يحل بالمسلمين من احتلال وهدم للمنازل ومحاولة للتهويد، لكنهم -شأنهم شأن المسلمين- يستمسكون بالأرض، يدافعون عن الحق في أن يكون لهم وطن. ورغم أن الخلافات الدينية والتاريخية بين العرب واليهود على أرض فلسطين ليست وليدة الحاضر، فإن التاريخ يؤكد أن استفحال هذه الخلافات إنما يرجع إلى عوامل سياسية، فإبان الصراع بين الإمبراطوريتين الفارسية والرومية أعان اليهود الفرس على احتلال بيت المقدس، وعملوا لهم كجواسيس بما حدا بالروم إلى اعتبارهم أعداء، وحينما عاد الروم إلى بيت المقدس منتصرين بعد بضع سنين، كان التنكيل والطرد جزاء ما اقترفه اليهود، وخلت القدس منهم حتى الفتح الإسلامي، وقتها بدأ اليهود التفكير في العودة والعيش الآمن.

واليوم لا تبدو السياسة غائبة عن الصراع، بل ربما كانت المحرك الأول له، فحكام إسرائيل لا ينفكون ينادون بالقدس عاصمة لدولتهم، تصريحات من هذا النوع من شأنها إثارة المخاوف في نفوس العرب مسلميهم ومسيحييهم، لا سيما حين تختلف الرؤى في كيفية الحل.

في المقابل لا يرى المسلمون حقاً لإسرائيل في استلام المدينة -بما فيها من مقدسات- خاصة وأنها باعتقادهم لم تعرف حرية ممارسة الأديان مثلما عرفتها تحت الحكم الإسلامي، ومع تبين التصريحات والحقوق والادعاءات تبقى المقدسات الدينية في فلسطين إما محتلة أو مكبلة بقيود الاحتلال، وتبقى القوة صاحبة اليد العليا، وبشائر الحل غائبة على الأقل في المدى المنظور.