مقدم الحلقة:

محمد خير البوريني

ضيوف الحلقة:

علي باقري: رئيس بلدية بم
مسعود برشكيان: وزير الصحة الإيراني
ريتشارد مونز: الاتحاد الدولي للصليب والهلال الأحمر
رضا عرفاني: منظمة أطباء بلا حدود
مهدي جهانغيري: مدير عام التخطيط في إقليم كرمان
وآخرون

تاريخ الحلقة:

19/02/2004

- روايات الأسر المنكوبة عن الزلزال
- مخيمات الإيواء وفرق الإنقاذ الدولية
- تأثير الزلازل على أطفال المدينة المنكوبة
- أسباب انهيار المنازل

محمد خير البوريني: يعيد باحثون تاريخ مدينة بم الإيرانية إلى نحو ألفين وخمسمائة عام وكانت على طريق تجارة الحرير الواصل إلى الصين. مدينة وادعة يبلغ عدد سكانها نحو مائة وعشرين ألفا معظمهم من الفقراء ومتوسطي الحال. تتعرض المدينة إلى القحط منذ عدة سنوات. كان هذا سيلا للماء يشبه النهر يتشكل من ذوبان الثلوج التي تتراكم على الجبال القريبة والبعيدة خلال أشهر الشتاء ولكنه بات على هذا الحال. اُشتُهرت بم عبر القرون الماضية ببساتين النخيل والرُطَب عالية الجودة وكانت مركزا لتصدير التمور.

أحد الناجين من الزلزال: وقع الزلزال في الخامسة صباحا وقد وصلت فرق الإنقاذ إلى هذه المنطقة في الساعة الثانية بعد الظهر كان يجب أن يصلوا إلينا في وقت مبكر وبسرعة، لقد ظل الناس تحت الأنقاض فترة طويلة لا بل لا يزال هناك كثيرون منهم حتى الآن على الرغم من مرور أيام عديدة على وقوع الهِزَّة.

روايات الأسر المنكوبة عن الزلزال

محمد خير البوريني: غربت شمس مدينة بم الإيرانية، كانت هنا بيوت عامرة وأطفال يلهون وأمهات يَقُمن بإعداد وجبات ساخنة وأباء يذهبون إلى أعمالهم ويعودون، لكن كل ذلك انتهى بلمحة بصر. ثلاث عشرة ثانية كانت هي الفاصل. عشرات آلاف القتلى والمصابين وقبور جماعية ودمار شامل وشلل كامل في كل قطاعات الحياة ووعود بإعادة الإعمار وفتح أبواب خارجية ظلت مغلقة منذ قيام الثورة الإسلامية في إيران . عندما حانت ساعة وقوع القدر فجراً كان الناس في غفلة يغطون في نوم عميق باستثناء من كُتبت لهم النجاة وشاء الله لهم أن يخرجوا لأداء صلاة الفجر. بعضهم كانوا في طريق العودة من المساجد أو الحسينيات التي نالت نصيبها من الدمار بعد أداء صلاة أخيرة شكروا الله فيها على قدره خيره وشره.

هادي رشيد – رب أسرة منكوبة: كنت مستيقظا ساعة وقوع الزلزال لقد اهتز البيت بشدة وانقطع التيار الكهربائي حدث كل شيء بسرعة دخلت بين الأنقاض محاولا إنقاذ أطفالي سمعت صوت ابنتي فأخرجتها من بين الحجارة لكنني أضعت مكان نوم ولدي في هذه الفوضى من الركام ثم اكتشفت لاحقا أنه لفض أنفاسه تحت التراب. اعتقدت للوهلة الأولى أن ما حصل حصل لبيتي فقط ثم خرجت أطلب النجدة من الجيران المحيطين وقد ذهلت عندما شاهدت الجوار مظلما والغبار في كل مكان. صرخت بأعلى صوتي متوسلا ولكن أحدا لم يسمعن.

محمد خير البوريني: كان هادي تاجرا ميسور الحال إنه واحد من مئات أرباب الأسر التي انهارت منازلها تحت وقع الزلزال خسر خمسين من أقاربه، قرر مع أسرته كما قرر كثيرون أن يبني خيمته التي حصل عليها من فرق الإغاثة أمام منزله المدمر بالكامل على الرغم من واجهته التي تخفي أنقاضا خلفها. ملامح وجه ابنته الصغرى لا تخفي الفرح بنجاة ببغائها الملون على الرغم من فقدان الأسرة لولدها الوحيد. علي حسيني الذي توفيت زوجته قبل سنين هز الزلزال حنايا قلبه وكبده وكل عمره عندما هز المدينة فقد ذهب بأربعة من أبنائه جميعهم شبان إضافة إلى زوجة ابنه العريس وحفيده الذي لم يكمل ربيعه الثاني.

علي حسيني: عندما أخرجوني من بين الأنقاض وضعوني جانبا وغِبت عن الوعي لمدة نصف ساعة بعد ذلك أخرجوا ولدي رضا وكان قد مات ثم أخرجوا ولدي عباس ومددوه إلى جانب أخيه، كان رضا ينزف دما من فمه، لكنه كان لا يزال على قيد الحياة عندما فتح عينيه ونظر إلي قال وداعا يا أبي في أمان الله ومات على الفور، بعدها أخرجوا زوجة ولدي وكانت عروسا، ثم أخرجوا حفيدي، ثم ولدي الرابع وكانوا جميعا أمواتا. يا إلهي قُل لي كيف أحتمل هذا البلاء؟ كل عائلتي ذهبت في لحظة واحدة، كل أحبَّتي ومن كان لي في هذه الدنيا. ولدي يونس، ربابة، محمد، رضا، ولدي عباس، أين أنتم جميعا؟

معصومة أميني – ربة أسرة منكوبة: كنت أنام هنا كانت طفلتي في حضني تبلغ من العمر عشر سنوات ماتت في حضني، هنا كانت زوجة أخي وهنا في الوسط ابن أخي، هنا كان أخي وهنا كان ولدي، كان ينام تحت أرجلنا في هذا المكان مات أخي وزوجته ابنتي كانت معهم وفي هذا المكان مات أبناء أخي وأمي كانت هنا وأختي كانت تنام خلفها لقد رحلوا جميعا ماتوا جميعا اختناقا.

محمد خير البوريني: عد الضحايا كان دربا من المستحيل وسط الفوضى التي عمت المدينة بشوارعها وأزقتها وبيوتها، كان دربا من المستحيل حتى بالنسبة للجهات الرسمية نظرا لشمولية الدمار وحجم الكارثة فقد اختلط الأمر ولم يعد أحد يعلم شيئا عن أحد. من هنا جاءت فكرة حفر مقابر جماعية للجثث التي لا يوجد من يتعرف عليها فمن يعرف من إذا كانت أُسر بكاملها قد أبيدت؟ ومن يبحث عن من؟ إحصاءات تتحدث عن دفن ما يزيد على ثلاثين ألف جثة في مقابر جماعية ومنفردة وإحصاءات أخرى تتحدث عن دفن نحو أربعين ألفا، قالوا ثلاثين ألفا وقالوا أربعين وقالوا خمسين ألف قتيل والعدد الدقيق لا يزال غير معروف وعمليات الدفن تمت وسط مخاوف من احتمالات انتشار أوبئة وأمراض معدية.

رجل دين إيراني شارك في عمليات الدفن الجماعي: لقد رأينا هذه الفاجعة وكيف أن الموت حصد عشرات الآلاف من الناس ولم يفرق بين أحد منهم. هناك أطباء بينهم وهناك عمال وعلماء وأطفال ونساء وشيوخ من خلال ذلك كنا نشاهد كيف يكون الفناء والزوال في هذه الحياة، {إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ}.

محمد خير البوريني: المؤشرات عديدة على أن كثيرين قد يكونون تحت ركام منازل تعوي فيها الريح ويصيح فيها ديك غاب صاحبه عن الحياة إلى الأبد ولم يعد صياحه يجدي في إيقاظ جثث هامدة. ما عاد الفجر يبزغ عليها. في اليوم السابع على الزلزال كانت إيران في حِداد شامل مجالس عزاء في كل مكان، بكى الناجون من أهل المدينة ضحاياهم وندبت النسوة في الشوارع وعلى قارعة الطريق أحبة وأهلا خطفهم القدر في فجر يوم لم يكن كأي فجر آخر. الدمار كان هائلا والقائمون على بم وكما يشير واقع الحال يتحدثون عن أن نحو 80% من المباني هُدم تماما بينما تصدع ما بقي منها ولم يعد صالحا للسكن وأن البيوت الطينية سُويت بالأرض بنسبة 100%.

علي باقري: معظم مباني المدينة كان قديما وبعضه كان حديث البناء حتى الأبنية التي تحوي جسورا حديدية تساقطت ونظرا لعدم ترابطها ومراعاة الجانب العلمي في البناء حصل هذا الدمار الكبير، أما العامل الأهم فهو عامل الفقر، إذ ليس بإمكان الفقراء إنفاق الأموال لإنشاء بيوت حسب المقاييس والمواصفات.

امرأة دُمر بيتها في الزلزال: لقد انهار بيتنا إنه طيني لا نملك المال لبناء بيت قوي أو لاستشارة مهندس لقد ذهب كل شيء.

مخيمات الإيواء وفرق الإنقاذ الدولية

محمد خير البوريني: هنا كانت مدرسة وهنا كانت بيوت مجاورة. من هنا خرج الناس أو أُخرجوا ليتوزعوا بين المستشفيات وخيام التشرد خرجوا لرواية قصص عن مأساة استمر فصلها الوحيد ثلاثة عشر ثانية فقط. مخيمات عديدة أقيمت لإيواء عشرات الآلاف الذين نجوا من الموت في مدينة ذات طابع صحراوي باردة ليلا إلى درجة الصقيع. انتشرت هذه المخيمات في مساحات خالية تم تمهيد أراضيها واستصلاحها كمواقع سكن مؤقتة ولكنها لا تفي بالاحتياجات الإنسانية للمشردين. بعد الكارثة مباشرة كانت السلطات الإيرانية قد تحركت وجندت إمكاناتها الضخمة في عمليات الإنقاذ والإسعاف وتزويد المنكوبين قدر الإمكان بالمواد التموينية والمأوى. جهات دولية عديدة وصفت الجانب الإيراني بأنه البطل الحقيقي في مجمل عمليات ما بعد الكارثة بينما تبارت عشرات من دول العالم في مد يد العون للتغلب على آثار الهزة المدمرة. في الوقت نفسه كانت فرق إنقاذ وإغاثة دولية وطائرات تتدفق على إيران بأعداد تسببت في إرباك حركة مطار كرمان عاصمة الإقليم كما حدث ازدحام آخر في مطار مدينة بم الصغير الذي لا يكاد يتسع إلا لبضع طائرات من أحجام مختلفة. كانت المساعدات تُنقل أولا بأول إلى المخازن لحفظها أو لإيصالها إلى المتضررين مباشرة.

يوسف أحمد علي نور بالا – رئيس الهلال الأحمر الإيراني: ما يزيد على سبعين بلداً شاركت بإرسال فرق إنقاذ وإسعاف ومساعدات طبية وغذائية كما ساهمت في أعمال إغاثة وتأمين معيشة سكان مدينة بم إننا نشكر هذه الدول ونشكر المؤسسات الخيرية والأهلية التي ساهمت ووقفت إلى جانبنا.

مسعود برشكيان: لا يمكن لأحد أن يدعي أنه قام بالعمل المطلوب على أكمل وجه لكنني كوزير للصحة أؤكد أن مستشفياتنا كانت في حالة استنفار دائم لعلاج الحالات وإجراء العمليات الجراحية وحينما جاءت الفرق الطبية الأجنبية لم يكن هناك جريح واحد دون علاج إلا من أُخرجوا بعد وصول تلك الفرق.

محمد خير البوريني: التباري الدولي في تقديم المساعدات سواء أكان ذلك إنسانيا خالصا أم سياسيا بشكل من الأشكال شد وسائل الإعلام الدولية سيَّما مع قدوم فرق أميركية لمساعدة إيران وإعلان واشنطن رفع الحظر المفروض على طهران لمدة تسعين يوما بينما لا تزال الجمهورية الإسلامية على قائمة دول محور الشر الثلاث حسب المعايير الأميركية. المحور الذي تمكنت واشنطن من التخلص من قيادة إحدى دوله وهي العراق . كان المستشفى الميداني الأميركي عنوانا لمساعدات واشنطن لإيران حيث أقيم بتكليف من الإدارة الأميركية وكادر طبي تابع لمؤسسات أهلية كما أقام الجانب الأميركي مركزا للدعم اللوجيستي.


[فاصل إعلاني]

محمد خير البوريني: الصليب الأحمر الدولي كان الجهة الدولية الأبرز في ميدان الكارثة فقد أقام مستشفاً ضخماً استقبل كغيره من المستشفيات الميدانية الأخرى حالات مرضية خارج حدود المتضررين من الزلزال. الطفل باداك شُخِّص قبل الكارثة بثلاثة أشهر كمصاب بأحد أنواع السرطان يعمل والده خبازاً لم يعد يجد رعاية طبية بعد خروج المستشفيات المحلية من المعادلة الطبية بسبب ما لحق بها من أضرار. وهذه السيدة العجوز التي تبلغ من العمر سبعة وتسعين عاما نجت بأعجوبة عندما أُخرجت من تحت الأنقاض بعد تسعة أيام على الزلزال. أما هذا الرجل البالغ من العمر سبعة وخمسين عاما فقد تم العثور عليه حياً تحت الأنقاض بعد ثلاثة عشر يوماً على الكارثة في خرق جديد لمفاهيم عمليات الإنقاذ في مثل هذه الكوارث حيث لا يرى المعنيون مبررا للبحث عن ناجين بعد أسبوع على حصول الكارثة لاعتقادهم بعدم جدوى ذلك، على أي حال لم تُكتب له الحياة فقد مات بعد وقت قصير بينما كان الأطباء يحاولون فعل المستحيل لتنظيم أنفاسه المتهالكة والمضطربة. الهيئات الدولية عملت أيضاً على توفير المياه الصالحة للشرب في مدينة بم وتلك المستخدمة في أغراض الغسيل والاستحمام وغيرها فقد تم تركيب محطات لتنقية المياه وتعقيمها وعكف متخصصون على فحص هذه المياه بوسائل متطورة.

بييراوغي – عمليات الاتحاد الدولي للصليب والهلال الأحمر: لا يمكننا التأكد أو الركون إلى نوعية المياه الخاصة بشبكة المدينة سيما وأنه يمكن لها أن تزود نصف سكان فقط كما لا يمكن التأكد من صلاحية هذه المياه مع ما لحق بالشبكة من أضرار بسبب الزلزال لذلك علينا إيصال المياه بواسطة الصهاريج إلى جميع المواطنين نتعاون بهذا الشأن مع مصلحة المياه والهلال الأحمر الإيراني.

ريتشارد مونز: أعتقد أنه باستطاعتنا السيطرة على الوضع على المدى القصير هناك حاجة لتحسين الظروف الصحية العامة في المدينة لاسيما النفايات وذلك لتجنب تفشي الأمراض لأن ذلك قد يؤدي إلى خسارة مزيد من الأرواح سيما ونحن في فصل الشتاء وما قد يحدث للأطفال من التهابات لأنهم الأكثر عرضة في مثل هذه الحالات لإصابة بالتهابات خطيرة.

محمد خير البوريني: في مخيمات ضمت حشوداً من المشردين عملت مؤسسات دولية عديدة من بينها منظمة أطباء بلا حدود على تأمين ما تستطيع من الرعاية لمن يحتاجون إليها وقدم بعض تلك المنظمات خدمات تخطت الإسعاف والإنقاذ إلى محاولة مداواة نفوس الناجين.

رضا عرفاني: نظراً لما أحدثته الهزة المفاجئة من صدمة لسكان منطقة بم وإضافة لما شاركنا به من خدمات طبية وجدنا حاجة للاستعانة بأطباء نفسيين متخصصين يقوم الأطباء بالإشراف على المرضى من الناحيتين الصحية والنفسية ويقومون بزيارات لخيام المشردين وأماكن سكن الضحايا.

محمد خير البوريني: منظمات عديدة ساهمت في عمليات ما بعد الزلزال برعت في لفت انتباه وسائل الإعلام نحو جهودها في وقت كانت فيه شاشات التلفزة تزدحم بصور الهزة الأرضية وتتحدث عن حجم الكارثة، فقد عملت هذه الجهات على الترويج لم تقدمه من خدمات في كارثة كهذه خارج إطار مفهوم المنة أو الصدقة أو الاستعراض نحو مفهوم العمل الإعلامي المهني الصائب وهو الأمر الذي افتقرت إليه بعثات الإغاثة العربية التي ساهمت في مد يد العون لإيران.

عبد الرحمن بن عبد العزيز السويلم – رئيس جمعية الهلال الأحمر السعودي: هذا ميدان عملي وقوف المملكة ودول الخليج والدول العربية هو برهان على مصداق ما نقوله من أن صفحات جديدة فُتحت مع جيراننا وإخواننا وأنا أعتقد إن التعاون في مجالات كثيرة وهذا واحد من الأمثلة لكنه يمكن هناك في تعاون أكبر من هذا الشيء ولكن هذا لحداثته ولقوته ولاهتمام العالم فيه طبعاً تبرز فيه العطاءات لكنه بالتأكيد مثل ما تفضلت أنا أعتقد إن هذا هو ما صدَّقه العمل.

الملكة رانيا العبد الله – ملكة الأردن: إحنا الحقيقة جايين هون نشوف الوضع الإنساني هون وكان في ضرر كبير هاي الحقيقة محنة كبيرة وكارثة إنسانية ضخمة وإحنا واجبنا كلنا إن نحاول نقف جنب أهلنا وإخواننا بإيران نساعدهم قدر ما نقدر تعرف يعني هذه كارثة إنسانية ما بتعرف السياسة أو الحدود فإحنا طبعاً هون نقف جنب إخواننا وأهلنا إن شاء الله نساعدهم بكل ما نقدر عليه.

محمد خير البوريني: حجم الكارثة ازداد بحجم من تركهم القدر دونما هو وقد ازداد أكثر بأطفال ناجين لم يبق لهم في هذه الدنيا سوى أيادي المحسنين وقلوب عطوفة وهيئات الخير الإنسانية المحلية والدولية. منظمة حقوق الطفل الإيراني لعبت دوراً إنسانيا متواضعاً يدخل في إطار الترويح عن الأطفال المشردين وصرفهم ولو قليلاً عن صورة الكارثة والدمار وفقد أفراد من الأهل والأتراب وحتى المدرسة.


تأثير الزلازل على أطفال المدينة المنكوبة

جيلا كاشن – منظمة حقوق الطفل الإيراني: لا أعتقد على الإطلاق أن ما نقدمه لهؤلاء الأطفال كافياً مقارنة بحجم الكارثة هذا هو أقل القليل وأعتقد أننا المنظمة الوحيدة التي استطاعت جمع هؤلاء الأطفال وإخراجهم من خيم الإحباط التي يعيشون فيها في الوقت الذي يسعى فيه الأباء والأمهات لتأمين أبسط احتياجات أفراد أسرهم نقوم بتقديم ما يتوفر من أدوات ترفيه وألعاب ومواد تعليمية لإخراجهم قليلا من الظروف النفسية الصعبة يمرون بها بانتظار ما ستفعله الدولة لهم.

ناصر ضرابي – مستشار مركز التربية الفكرية للأطفال والفتيات في إيران: في مثل هذه الأوقات يحتاج الأطفال إلى تفريغ شحنات الألم والأسى من قلوبهم ونحن نقوم بالترويح عنهم من خلال مطالعة الكتب وقراءة القصص لقد قال اليابانيون إننا استطعنا تقديم خدمات أكثر مما يفعلونه في اليابان عندما يواجهون كوارث مماثلة نحن نقوم بتقديم الألعاب والقصص المسلية والعروض المسرحية في هذا المخيم.

بهنام – من ضحايا الزلزال: أخذت القصة حتى أتمكن من استعادة المعلومات التي كنت قد حصلت في المدرسة قبل وقوع الهزة كان يوفرون لنا الكتب عن طريق الاستعارة وأقوم اليوم باستعارة الكتب ثانية من هذه المؤسسة ولكن داخل المخيم وليس كما كان الحال سابقا إنني أستفيد كثيرا من هذه الكتب.

محمد خير البوريني: في مدينة كرمان عاصمة الإقليم تمكنت الأجهزة المعنية من جمع مئات من أطفال ضحايا الزلازل في دور أو مؤسسات أخذت على عاتقها رعايتهم. بعض هؤلاء الأطفال لا يدرك ما جرى ولا حجم أو عواقب ذلك ولا يزال يبحث عن قلم وورقة يرسم فيها على طريقته صورة تبعث الأمل في حياته.

طفل مصاب بصدمة عصبية – من ضحايا الزلزال: عندما وقع الزلازل كنت نائما خرجت من بين الأنقاض وهربت بعيدا عن المنزل من شدة الخوف أختلط كل شيء ووجدت نفسي في الشارع حيث أخذني الناس من مكان إلى آخر إلى أن وصلت إلى هذا البيت مع بقية الأطفال ولا أعلم شيئا عن مصير أهلي حتى الآن.

محمد خير البوريني: في مكان قريب جُمعت طفلات وفتيات من أعمار مختلفة في أحد البيوت التي علمن أن فاعل خير تبرع به لإيوائهن ولما كن في دولة إسلامية تفصل الذكور عن الإناث كان لابد لهذا الطفل أن يعيش معزولا عن أخته التي تقيم في منزل للفتيات وكان لابد له أن يأتي لزيارتها بين الحين والآخر.

فتاة يتيمة شردها الزلزال: عندما وقع الزلزال نزلنا الطابق السفلي من الأسرة ذات الطابقين التي ننام عليها واعتقدنا أن الهزة انتهت لكنها تكررت بقوة هذه المرة وضعت كلتا يدي على رأسي سقطت كتلة حجرية على رأس صديقتي بينما بقيت أنا تحت الأنقاض من الفجر حتى الظهيرة أنتم تعلمون أنه لا أهل لنا ونحن أيتام.

أسباب انهيار المنازل

محمد خير البوريني: ولكن لماذا دُمرت مدينة بأكملها وأبيد نحو 40% من سكانها وتشرد الباقون بحيث لم تبق بيوت تصلح للسكن؟

على تداعيان – مهندس مدني: من الطبيعي إلا تتحمل البيوت المبنية من الطين مثل هذا الزلزال لأنها لا تملك مقومات مقاومة الهزات الأرضية أو هزات قوية كالتي حصلت وذلك على عكس الأبنية المقامة على أسس علمية على الرغم من ملائمة البيوت الطينية للظروف المناخية في منطقة بم من حيث الحرارة والبرودة إلا أنها غير مؤهلة لمقاومة الزلزال.

محمد علي بني أسدي – صاحب منزل متصدع بُني بإشراف هندسي: بما أنه كان لدي مهندس أشرف على بناء منزلي فلم يحصل شيء سوى تصدع الجدران لم يؤد الزلزال إلى انهيار المنزل على رؤوسنا ولم أفقد أحدا من أفراد أسرتي والحمد لله.

محمد خير البوريني: بين الأنقاض يجلس ياسر الناجي الوحيد من بين أفراد أسرة تتكون من سبعة أشخاص قضوا جميعا تحت حجارة هذا المنزل لم يبق ما يدل على أثرهم سوى باقيا قطع أثاث تظهر أطرافها تحت الركام ولعب تدل على أن أطفالا كانوا بين الضحايا.

ياسر: قمت من النوم فجأة بينما كان المنزل يهتز كنت أنام عند مدخل البيت حاولت الهرب لكنني لم أتمكن من الابتعاد أكثر من خطوتين فقد انهار كل شيء وسقط على أحد الأبواب لقد حماني الباب من موت محقق عندما سقط السقف ربما كنت الآن في مقبرة جماعية إنني الناجي الوحيد من بين جميع أفراد أسرتي.

محمد خير البوريني: على الرغم من كل الجهود التي بذلت في الإسعاف والإنقاذ وتأمين المأوى والمأكل والمشرب إلا أن الهيئات المختلفة لم تتمكن من الوصول إلى جميع المنكوبين حتى بعد أياما عديدة.

إحدى ضحايا الزلزال: بحثت في كل مكان عن خيمة لإيواء ابنتي وطفلتها فقدنا جميع أقاربنا ورضينا ولو بخيمة واحدة لكننا لا نجدها حتى الآن وليس هناك من مجيب منذ الصباح لم نأكل شيئا أين ذهبت الخيام التي جاءت بها الدول الأجنبية؟

ضحية ثانية للزلزال: أين الخيام؟ وأين الغذاء الذي أحضروه؟ لماذا اضطر للعيش مع ثلاثين شخصا في غرفتين؟ لا أحد يمد لنا يد المساعدة ذهبت إلى بيت أبي فلم أجد سوى صورة لأخي الطبيب، كل شيء دمر الجميع ماتوا.

ضحية ثالثة للزلزال: لقد فعلوا ما بوسعهم لمساعدتنا ونشكر أهلنا الإيرانيين الذين قدموا لنا الكثير لقد عانينا بما فيه الكفاية منذ أن وقع الزلزال وما تلقيناه من مساعدات كان بمثابة نوع من المواساة لنا في مصابنا بعد أن فقدنا الأهل وكل ما نملك.

محمد خير البوريني: قضية إسكان المشردين في مدينة بم ظلت هاجس الدولة الإيرانية على أعلى مستويات القرار لم تمض أيام على الكارثة حتى وصلت إلى المدينة مجموعات من البيوت الجاهزة تبرعت بها تركيا التي كانت قد شهدت زلازل مماثلة، عشرات الوحدات السكنية المتنقلة تم نشرها في ساحات عامة بعد تمهيد الأرض وإيجاد المساحات المناسبة.

مهدي جهانغيري: نأمل أن يتم حل موضوع السكن المؤقت بسرعة في هذه المدينة حسب طلب الدولة سيتم إعادة الإعمار خلال عامين وسوف نسعى جاهدين لتحقيق ذلك لكن المهمة ضخمة حيث يجب إزالة ملايين الأطنان من الحجارة والأنقاض لكي نتمكن من البدء في الإعمار أود هنا أن أتقدم بالشكر إلى الدول العربية التي قدمت مساعدات سخية إلى إيران لمواجهة هذه الكارثة.

محمد خير البوريني: زلزال بم كما يرى كثيرون في إيران سيفتح ملفات عديدة قد تطيح برؤوس لا يمكن التكهن بشأنها سلفا سيما ما يتعلق بصرامة الالتزام بتطبيق المقاييس الدولية في البناء والحرص على سلامة أرواح المواطنين.

[شريط مسجل]

الرئيس الإيراني محمد خاتمي: يجب مراقبة المنازل التي تم بناؤها خلال السنوات الأخيرة وملاحظة مدى مقاومتها للزلزال الأخير، إذا انهار جسر في مكان ما من هذا العالم وتسبب في مقتل عدة أشخاص يتم البحث عن المسؤول عن ذلك ومعاقبته فكيف هو الحال عندما تنهار مدينة كاملة.

محمد خير البوريني: مدينة بم لم تخسر عشرات الآلاف من مواطنيها ولم تخسر بنيتها التحتية والفوقية فحسب وإنما خسرت معلما حضاريا كبيرا ظل شامخا على مدى ثلاثة وعشرين قرنا قلعتها الطينية التي احتفظت برونقها وأَلَقِها طوال كل تلك القرون هوت كما تهوي الجبال خلال ثوان معدودات القلعة التي حمت أهل المدينة التاريخية وصدت غزوات الغزاة وعتاة جيوش المهاجمين وقادتهم.

جان إغلاند – ممثل الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية: رسالة الأمين العام للأمم المتحدة كوفي أنان إلى الرئيس الإيراني واضحة جدا فهي تقول سوف نكون معكم في جميع العمليات الإنسانية وفي تقديم المساعدات وإعادة الإعمار لقد أدت الكارثة إلى تحريك العالم بأسره سوف نبقى هنا لسنوات مقبلة لدينا نحو مائة مليون دولار من المعونات حتى الآن وهذا أمر غير مسبوق نتوقع المزيد من الأموال ومع ذهاب كاميرات التلفزة العالمية نأمل إلا ينسى العالم بم.

محمد خير البوريني: مدينة تدخل ضمن التراث الإنساني هل ستعود إلى سابق عهدها؟ هل ستأخذ نصيبها الوافي من الرعاية الاهتمام المحلي والدولي؟ هل ستفي الحكومات والمنظمات الدولية بوعود قطعتها لإعادة البناء والحياة والأمل إلى أهلها؟ وهل ستعود قلعتها ذاك المعلم التاريخي الكبير مزارا للمولعين بالتاريخ والباحثين عن سبر أغواره سلام على مدينة كانت بم وأصبحت بعد الكارثة مدينة غم.