مقدم الحلقة

أكرم خزام

ضيوف الحلقة

عدة ضيوف

تاريخ الحلقة

08/10/2000


أكرم خزام
مريم

شيشانية

شيشاني
شيشاني

أكرم خزام:

المشهد في هذه الحديقة الـ (موسكوفية) خلاب ورائع، لكنه لا يمس أحاسيس (مريم وحيدوفا) الملقبة بـ (شهر زاد) الشيشانية، لأنها متعبة من الذكريات عن الخراب الذي حَلَّ في الشيشان، وعندما عادت مريم إلى (جروزني) مع وصول الراحل (جوهر دوداييف) -في بداية التسعينات- إلى سدنة الحكم في جمهورية الشيشان لمساعدته في تنظيم شؤون السلطة الفنية كانت العاصمة الشيشانية تغص بالنقاشات حول مستقبل هذه الجمهورية.

النقاشات -وحسب رأي مريم- تمحورت حول مسألتين أساسيتين، إما المطالبة بالاستقلال والانفصال عن روسيا الاتحادية أو البقاء تحت لوائها شريطة الحصول على وضع متميز داخل الفيدرالية الروسية، وكان ذلك إضافة إلى تنافس قوى عديدة داخل الشيشان وروسيا على منابع النفط، والمشاكل الناجمة عن الصراع الدولي على ثروات بحر قزوين إيذانا في اندلاع حربين في التسعينات من القرن العشرين، الأمر الذي أدى إلى دمار مريع حل بشكل خاص على العاصمة الشيشانية، وحَوَّلها إلى مدينة أشباح.

مريم وحيد وفا:

صديقتي الروسية التي كانت معي سألتني، هل عندكم عيد اليوم؟ قلت لها: إنه يوم عادي في حياة عاصمتنا، فوجئت صديقتي بجمال المدينة وبالناس وبلباسهم وخاصة الرجال الذين اعتادوا على ارتداء الثياب البيضاء الجميلة، وفي ذاكرتي بقيت جروزني على النحو الذي ذكرته إلى أن اندلعت الحرب، وتحولت مدينتنا إلى مدينة ميتة سُرِق منها الحلم والجمال.

أكرم خزام:

الحرب الثانية في الشيشان لم تعصف بالحلم والجمال فحسب، وإنما انقضت على الجذور، ونعني بها الأشجار والبيوت والمتاحف والمعاهد العلمية والرموز التاريخية وطالت الطيور أيضًا، وفي مدينة الأشباح لم يبقَ إلا التراب ومناظر مفجعة تعكس هول الحرب وحجم العنف الذي استخدم في تدميرها.

كما لم يـبقَ إلا قلة من البشر الذين لم يستطيعوا مغادرتها قبيل اقتحامها والانقضاض على معالمها من قِبَل القوات الفيدرالية التي صَبَّت جام غضبها على الجدران والنوافذ والجسور وكامل البنية التحتية، والأهم من ذلك على السكان المدنيين.

حجم الدمار والخراب الناتجين عن الحرب الثانية في الشيشان لا يتناسب إطلاقًا مع الأهداف المعلنة والمتمثلة في القضاء على من وصفتهم موسكو بالإرهابيين إذ لا يعقل أن تعج بيوت المدينة بأكملها بهم.

وقد يكون الانتقام من الهزيمة التي لحقت بالقوات الفيدرالية في الحرب الأولى سببًا دفع بالآلة العسكرية الروسية إلى التصرف على هذا النحو بشكل فاق بفداحته كل ما شاهدنا في الأفلام الوثائقية عن دمار برلين.

مواطن روسي:

كافة كتاب الفانتازيا الكبار لم يبلغوا بأفكارهم مستوى فانتازيا العسكريين الروس التي افتقدت إلى المنطق والتعامل الإنساني، مما أدى إلى مقتل السكان المدنيين.

أكرم خزام:

غياب المنطق لا يبرر إطلاقًا الأفعال العسكرية التي أحاطت بالمعالم الأثرية والتاريخية، وطمست رموزًا تعشعش داخل كل شيشاني.

مريم وحيد وفا:

تعلمنا نحن الشيشانيين أن رموز بلدنا تعيش بداخلنا إلى الأبد، يمكن لهم تدمير جروزني لكنها ستبقى على الدوام رمزًا نفتخر به، كما يمكن لهم تهجير الشيشانيين، بيد أن الأرض الشيشانية ستبقى رمزًا نابضًا لنا، وعلى أساس هذا المفهوم ستتربى أجيالنا القادمة التي ستعود إلى أراضيها حتمًا.

أكرم حزام:

من بقي في جروزني بعد اقتحامها من السكان المدنيين يجوب المدينة باحثًا عن قبوٍ، من زاوية تؤمن له النوم لساعات معدودات مليئة بالأحلام المزعجة التي تصور ذكرياته عن فترة القصف الذي لم يفرق بين مدني ومقاتل، بين عجوز وشاب، بين رجل وامرأة، بين طفل وشجرة.

من بقي في جروزني لا يملك إلا التوجه صباحًا إلى الساحة العامة للحصول على فتات تعينه في البقاء حيًّا هربًا من الموت، وإذا سمينا الأشياء بمسمياتها فيمكن أن نقول: إن من بقي هناك يعيش حالة احتضار، فلا كهرباء ولا غاز ولا ماء ولا مأوى.

مواطنة روسية:

نعيش في جهنم نحن مصابون بالهستريا وبأمراض أخرى ومصيرنا مجهول ولا نعرف إلى أين نتجه.

أكرم خزام:

ما قل ودل، نعم إنها جملة لخصت مصير أناس لا ذنب لهم في مرحلة خطيرة، انتهكت فيها حقوق الإنسان في مدينة الأشباح والأراضي الشيشانية الأخرى.

العاصمة الشيشانية بشكلها الحالي ستظل شاهدًا على مرحلة اتسمت بالعنف والقصف بلا هوادة على مبانٍ سكنية وآثار تاريخية، الأهم من ذلك أن إعادة إعمار ما دمرته الحرب الثانية في الشيشان يتطلب عشرات السنين.

الصور الفاجعة التي شاهدناها في جروزني لم تمنع بعض الشيشانيين من الاحتفاظ بالأمل، ولو أن هذه الكلمة تبدو غريبة على أناس أصيبوا برحلة التشرد المهنية.

مواطنة شيشانية:

أتمنى أن يهنأ جيل المستقبل بالسعادة، أريد أن أعيش في بيتي بدلاً من التشرد في روسيا، فالفقراء لا مكان لهم إلا في بيتهم الأصلي، أتمنى أن تنتهي الحرب بسرعة، أقسم أن روحي تعبث لقد تعبنا جميعًا؟ فأطفالنا خلال تسع سنوات لا يدرسون، ولا يعيشون حياة إنسانية.

هذا الشعور ليس عامًّا، ويبدو أنه أمر طبيعي أن تجد في ظل هذه المأساة من فقد الأمل بأي شئ.

مواطن شيشاني:

كيف لك أن تسأل عن شعورنا بعد الذي حل بنا من دمار؟ لقد قُتل شعبنا مرتين، هل معك روس؟ إنهم قتلة و هتلر لم يفعل ذلك، أوروبا صامتة إنهم هناك يأكلون، ويرتاحون، أما نحن هنا فنحتضر.

أكرم خزام:

كلمات مبعثرة وقد لا نجد ترابطًا منطقيًّا بين أجزائها، وهذا طبيعي، لأن تعابير هذا الرجل تعكس حالة استثنائية للعديد من الشيشانيين الذين فقد بعضهم كل شيء، وراح بعضهم الآخر ضحية القصف، بينما ذهب آلاف منهم إلى إنجوشيا ومناطق أخرى عبر رحلة اللجوء المبهمة.

كافة الدلائل تشير إلى أن الحرب الثانية في الشيشان لم تنته، ويبدو أنها ستطول طالما لم يحصل السكان المدنيون على إجابات تتعلق بسكنهم ومعيشتهم وعملهم ومستقبلهم.

السكان المدنيون حصلوا على إجابة، لكنها إجابة تبدو خالية من أي منطق يتعلق بكيفية حياة الإنسان علمًا أن الحد الأدنى للحياة -وفقًا للمعايير الطبيعية- يجب أن يوفر اللباس والأكل والمأوى والدواء والماء.

أكثر من مائتي ألف لاجئ شيشاني انحشروا في الخيام وعربات القطار وبيوت الإنجوش ومستشفيات الجارة إنجوشيا، ومنذ بدء الحرب الثانية في الشيشان وحتى الآن لم تتغير أوضاعهم على الإطلاق، ويبدو أنها ستظل على هذا المنوال لأسباب عديدة من أهمها أن الكرملين لم يعلن عن برنامج متكامل لحل مشكلة اللاجئين ناهيك بكيفية إعادة إعمار الشيشان وحل القضية الشيشانية بالكامل، بشكل يوقف سفك الدماء ويؤمن الحد الأدنى لمعيشة لائقة للشيشانيين الذين ينظر إليهم –بفعل الخلط في العبارات- على أنهم إرهابيون أو متطرفون أو رجال عصابات.

مواطن شيشاني لاجئ في أنجوشيا:

كيف يمكن اعتباري مواطنًا روسيًّا إذا قاموا بالتحقيق معي وضربي بين الحين والآخر، لا أملك حرية التعبير، في كل لحظة يمكن لهم إيقافي وإيداعي السجن لأنني شيشاني؟

مريم وحيد وفا:

خطورة الوضع تتمثل في استمراره بالمراوحة، إذ يدعون بأنهم يطاردون رجال العصابات، بينما يقضون على السكان الآمنين، ويدمرون قرى بأكملها، فيما الشعب الشيشاني مضطر لملاقاة الشتاء مجددًا في الشيشان، والكارثة أن البرد والمرض يتربصان بالشعب الشيشاني في هذه الحالة.

أكرم خزام:

عن البرد والأمراض حدث ولا حرج، ففي كل يوم تتكشف نتائج الحرب الثانية في الشيشان وآثارها الوخيمة على اللاجئين بشكل خاص، أمام نقص في الأدوية، وافتقار المراكز الطبية والمستشفيات لاستيعاب كم بشري هائل تضرر من العمليات العسكرية التي أصابت الأطفال والنساء والعجائز، ولم تستطع حتى الآن القضاء على من وصفتهم موسكو بالإرهابيين.

مواطنة شيشانية:

الحقد. . لا أملك سوى الحق. . عمري ثلاثين عامًا ماذا سأفعل بعد قطع قدمي؟ وماذا سأقدم لأطفالي الصغار؟!

مواطنة شيشانية:

لم نعد نملك مأوى، ولا نعرف أين سنعيش؟ دمَّروا كل شئ، وسرقوا ما لدينا، نملك خطًّا وحيدًا يتمثل بشنق أنفسنا.

أكرم خزام:

حالة اليأس والتساؤلات تعتبر سمة أساسية لكل شيشاني كُتب له أن يمضي أيامه في رحلة اللجوء المبهمة بفعل حرب قيل إنها هدفت للقضاء على الإرهابيين، لكنها تحولت إلى سلوك غير مفهوم للآلة العسكرية الروسية، التي عصفت حتى بأبنائها.

لود ميلا الكسييفا:

العسكر الجائعون ينهشون كل شئ، وأنا لا أبرر أفعالهم، لكنني أتحدث لماذا يقومون بهذه الأفعال؟ أعرف جيدًا من الجنود الذين عادوا من الحرب، أن ضباطهم باعوا عددًا من الجنود الروس للمقاتلين الشيشان.

أكرم خزام:

ورغم ذلك فإن الشعب الروسي لا يزال مغمض العينين، أو أنه لا يريد أن ترى عيناه بوضوح حقيقة ما جرى، وما يجري، وما سيجري.

لود ميلا الكسييفا:

آلة الكرملين الإعلامية نجحت في إقناع وسائل الإعلام، وغالبية الشعب الروسي في أهمية الحملة العسكرية ليس ضد المقاتلين، وإنما ضد الشعب الشيشاني، وهذا أخطر ما في الأمر.

أكرم خزام:

خطورة النتائج المرئية والأولية للحرب الثانية في الشيشان تتمثل في أن هذا الطفل الشيشاني أو ذاك، يمكن أن يتحول إلى حامل سلاح في المستقبل للقتال ضد هذا الروس أو ذاك، نظرًا لأنه لا يدرس، ولا تتوفر له فرص العمل حينما يكبر، ولا يعيش في ظروف توفر الحد الأدنى لمعيشة لائقة، بمعنى آخر يمكن للتاريخ أن يكرر نفسه في حرب تستند إلى أساس قومي.

مريم وحيد وفا:

في القرن الماضي، وبعد ثلاثين عامًا من المقاومة، وبعد ما استسلم قائد المقاومة (شامل)، واصل رجل شيشاني آخر المقاومة، وهو فاقد إحدى قدميه، وإحدى يديه، وإحدى عينيه، لقد انتزعت الحرب أجزاءً من جسده، وكان هذا المقاتل يطلب أن يُشدَّ بحزام على صهوة جواده، لينطلق إلى القتال، وذلك لإيمان بأنه لا يجوز الخنوع.

أكرم خزام:

لا أحد يدري ما الذي سينتج عن الشيشاني الذي انحشر في عربة قطار لمدة غير معلومة، خاصة وأنه يتعرض لغول البرد في الشتاء، ولحُمى الحر في الصيف، بعيدًا عن الوطن الأم.

حالة من الأسر تتطلب صبرًا من نوع خاص، فالحياة هنا تنتزع من مخيلة الشيشاني كلمات كالأمل والمستقبل، إذ يتراءى له أن كافة الطرق للخروج من محنته باتت مسدودة، وهو لا يدري ماذا يُقدِّم لطفله، ويشعر أنه يقف عاجزًا عن التخطيط حتى ليومين قادمين، فقد دخل الدائرة المغلقة التي تجبره على تكرار أفعال ضيقة قد لا يكون لها معنى في العرف الإنساني للكلمة.

البكاء يعتبر المنقذ الوحيد من حالة الأسر، ويصبح كالعدوى، إذ ينتقل من عين إلى أخرى، ليشكل نسيجًا يتكرر بين الحين والآخر، وكأنه صار طقسًا يُميز هؤلاء اللاجئين عن غيرهم من البشر، مُجمل ما يفكر به اللاجئون الذين انحشروا في عربات القطار، أو في الخيام أو في الأقبية الإنجوشية، أو في المستشفيات، يتلخص بأمرين أساسيين هما متى ستنتهي الحرب؟ ومتي ستتم العودة إلى الوطن الأم؟

ما يخفف أحيانًا من غلواء مصائبهم الزيارات الخاطفة التي قامت بها وفود من العالم الإسلامي لتفقد أوضاع اللاجئين، وتقديم العون لهم علَّ في ذلك ما يعينهم على شد سواعدهم استعدادًا للمرحلة المقبلة المجهولة، والمتمثلة بالعودة إلى الديار، بالرغم من الدمار الذي حلَّ بها، على أن زيارات وفود العالم الإسلامي والعالم الغربي، وما نتج عنها من تصريحات أجمعت على انتهاك حقوق الإنسان في الشيشان، لم تساعد في وقف العمليات العسكرية، ودفع موسكو للإعلان عن تسوية سياسية شاملة.

وبات واضحًا أن أوروبا لا تنوي التخاصم مع بلد نووي، أما العالم العربي والإسلامي فقد التزام بالرأي القائل: إن ما يجري في الشيشان أمر داخلي بحت، وأن احترام وحدة وأمن الفيدرالية الروسية ضروري بالرغم من سيل الاتهامات حول دعم المنظمات الإسلامية -العربية وغير العربية- لمن وصفوا بالإرهابيين في الشيشان، خاصة في ظل تواجد ما يُسمى بالمجاهدين العرب الذين يترأسهم القائد الميداني خَطَّاب.

مريم وحيد وفا:

أنا أتساءل بدوري، من يُمِّون العربي خطاب؟ إذا كانت الدول العربية تموله، لماذا لا تُوجه موسكو احتجاجًا رسميًّا إلى هذه الدول؟ أو لماذا لا تطاله شخصيًّا، ولديها ما يكفي من الوسائل سواء على مثال (تروبسكي) أو على مثال (دوداييف) الذي قُتل بصاروخ ذاتي التوجيه؟ بينما خطَّاب يتمتع بحرية الحركة، ولا أحد يبحث عنه أو يطارده لاعتقاله.

كيف يمكن أن يتحدث في قناة الجزيرة في البث مباشر لخمس عشرة دقيقة دون أن يتم تحديد مكانه؟ ولا أدري من قدَّم له الشاي في تلك الدقائق، وهل كان ذلك في الكريملين؟

ديني تيبس:

أنا ضد المرتزقة بشكل عام، سواء كانوا روسًا يقاتلون إلى جانب الصرب في كوسوفو، أو فرنسيين يحاربون في إفريقيا، أو أمريكيين يقاتلون في أمريكا اللاتينية، إنه أمر مرفوض تمامًا، وأنا ضد أي حرب مهما كانت، ومن المرفوض أيضًا الحديث عن أن مسألة ظهور خطَّاب وغيره من البلدان العربية وفَّرت حجة لهجوم القوات الروسية، وأعتقد أنه كان يمكن للروس أن يخترعوا خطابًا أو أية ذريعة أخرى لتنفيذ مآربهم.

أكرم خزام:

الفاجعة في النتائج الأولية والمرئية للحرب الثانية في الشيشان تكمن في الكم الهائل للقتلى من الجانبين، ناهيك بآلاف الجرحى المرشوقين في المستشفيات.

إحصاءات الجانب الروسي الرسمية تشير إلى مقتل أكثر من ستة آلاف عسكري من قوات وزارتي الدفاع والداخلية منذ بدء العمليات العسكرية وحتى الآن، كما تشير إلى مقتل أكثر من سبعة عشر ألف مقاتل شيشاني، بينما لا تذكر شيئًا عن الضحايا بين أوساط السُّكَّان المدنيين، التي تتراوح بين سبعين إلى مائة ألف حسب المصادر الشيشانية والمستقلة.

أما الجانب الشيشاني فيؤكد مقتل أكثر من عشرين ألف من العسكريين الروس، بينما لا يعترف بما ذكرته الإحصاءات الروسية عن عدد القتلى بين صفوف المقاتلين الشيشان، فيما يتحدث الجانب الشيشاني عن مقتل الألوف من السكان المدنيين الذين راحوا ضحية القصف العسكري الروسي.

وبغض النظر عن التباين بين إحصائيات الجانبين، فمن المؤكد أن الحرب الثانية في الشيشان جلبت المصائب لعشرات الألوف من أمهات وآباء القتلى، والأخطر من ذلك أن عدد القتلى من الجانبين يزداد يومًا بعد يوم، خاصة بعد العمليات الانتحارية التي يقوم بها المقاتلون الشيشان، وردود الفعل العنيفة عليها من قِبَل القوات الفيدرالية، وكأننا داخل دائرة مغلقة، الاحتكام فيها إلى لغة التفجيرات والصواريخ والنار، والنتيجة زهق الأرواح البشرية.

مطالبة أمهات الجنود الروس بوقف العلميات العسكرية لم تجد نفعًا، ولم تؤثر على مسار قرار القيادتين السياسية والعسكرية في روسيا، أمام ظاهرة لافتة للنظر تتمثل في تأييد غالبية الشعب الروسي لقرار العمليات العسكرية. وقد يكون ذلك عائدًا إلى مسلسل الانفجارات التي وقعت في العاصمة، والمدن الروسية الأخرى، وأدت إلى مقتل المئات من الناس الذين لا ذنب لهم بألاعيب السياسة الكبرى، والاتهامات التي أُلصقت بالشيشانيين في تدبير الانفجارات دون التدليل على ذلك حتى الآن.

لكن الرأي قد يتبدَّل في أية لحظة، خاصة إذا ما استمرت العمليات الانتحارية من قِبَل المقاتلين الشيشان، أمام إصرار من العسكريين الروس على البقاء في الأراضي الشيشانية لفترة طويلة.

وفي محاولة لتصوير الأمور بشكل يوحي بأن الشارع الشيشاني يقف إلى جانب موسكو، أقدم الكريملين على تعيين (أحمد قادروف) حاكمًا مدنيًّا لإدارة شئون الشيشان، ريثما تنضج الظروف لتشكيل هيئات السلطة المحلية، والتحضير للانتخابات البرلمانية والرئاسية، ضاربًا -أي الكريملين- بذلك عرض الحائط بشرعية الرئيس الشيشاني المُنتخب (أصلان مسخادوف) .

ديني تيبس:

أعتقد أن قادروف اختار دربًا إجراميًّا، فبمحاولته جذب جزء من أنصار الاستقلال، إلى جانبه، وبقبوله السلطة من أيدي موسكو، إنما يُدخل الحرب الأهلية إلى الشيشان، فالأغلبية الشيشانية لن تميل إلى قادروف، ولن تسانده، وسيتناقص مؤيدوه يومًا بعد يوم، ولو افترضنا أن (قادروف) كان مقبولاً لدى الشعب الشيشاني لما اضطر إلى الاحتفاظ بأعداد كبيرة من الحُرَّاس الروس حوله.

أكرم خزام:

صعوبة المرحلة الراهنة في الشيشان تتمثل في وصول الأمور إلى خط اللارجعة عن الأهداف المعلنة، بمعنى آخر لم تعد (موسكو) تستطيع التراجع عن أهدافها المُتمثلة بالقضاء على من تصفهم بالإرهابيين، أمام قناعة لديها بأن تطبيع الأوضاع في الشيشان يمر عبر تعيين مُمثلين مواليين لها، يستطيعون -تدريجيًّا- إقناع الأغلبية الشيشانية بالتخلي عن شعار الاستقلال عن روسيا الاتحادية، ورفض الأساليب المتطرفة، ولعن الإرهابيين، علَّ في ذلك ما يساعد الشيشان في التخلص من محنتها.

أما المقاتلون الشيشان فلم يبقَ أمامهم إلا مواصلة القتال ضد القوات الفيدرالية لقناعتهم بأن غالبية الشعب إلى جانبهم، وأن العمليات الانتحارية، وحرب العصابات ستنجحان في إجبار الجيش الروسي على الرحيل عن الشيشان، الأمر الذي يُمهد لعلاقة جديدة بين روسيا الاتحادية والشيشان عبر طريق المفاوضات.

مريم وحيد وفا:

بعض الشخصيات المتعجرفة في الكريملين لم تتعلم شيئًا -للأسف-، والجيش لم يخرج بأي استنتاجات عن كيفية الحرب على هذه الأرض وكسبها، هزيمة 96 ستتكرر مرة أخرى، ليس عندي أدنى شك في ذلك، وقد يفعل الكريملين ما فعله الأمريكي في حينه مع الهنود، حيث أهدى الأمريكيون للهنود الحُلي والزينة، وقالوا لهم: نحن الآن أصدقاؤكم، وقد يظهر شخص في الكريملين ليقول: فلنتصادق مع الشيشانيين، ولنعلن أننا لن نتحارب معهم بعد الآن، أعتقد أننا سيظهر إلى مكان آخر باستقلالنا، ولربما سنطلب من روسيا استقبالنا مجددًا ضمن حدودها، فالشيشانيون يحسنون الصداقة.

أكرم خزام:

لا ندري كيف سيرد الكريملين على هذه الفكرة، لكن الوقائع تشير إلى أنه يرفض فكرة الاستقلال نهائيًّا، وإلى أنه سيبذل أقصى جهده لمتابعة إحكام القبضة الحديدية، على جمهورية كانت من ويلات حربين في التسعينات من القرن الماضي، الأسئلة عن المستقبل تهجم مُلِحَّةً، والزمن يمر، والهوة بين حجم المأساة والخلاص، منها عميقة إلى حد الفاجعة.