مقدم الحلقة:

عيَّاش دراجي

ضيوف الحلقة:

عدة شخصيات

تاريخ الحلقة:

21/03/2002

- الديمقراطية في بنين والوصول إلى السلطة
- الإسلام في بينين وحالة المسلمين فيها

- الحالة الاقتصادية وتهريب الأطفال وقصة العبيد

نيسيفور سوغلو
برونو أموسو
محمد الحبيب إبراهيم
يوسف مشهود إدريس
مجدد دامالا
شيخ قرية أكبامي
بول ياسيغونبيه
علي إبراهيم عباس
عياش دراجي

عياش دراجي: ما إن تصل بلداً أفريقياً في المنطقة الاستوائية حتى تستقبلك الطبيعية بأحضانها، وترى أن كل بلدٍ هنا مؤهل لأن يكون وحده سلة للعالم، وبنين أو داهومي سابقاً لا تزال معمورة منذ استقلالها عام 1960، ربما لأنها بقيت بعيدة عن النزاعات القبلية التي تشهدها إفريقيا عادةً، وكان الجنوح إلى السلم يغلب دائماً الرغبة في تسوية الخلاف بالعنف. بينين هذا البلد الصغير في غرب إفريقيا يطل جنوبه على المحيط الأطلسي بساحل يفوق طوله 120 كيلو مترا، وتشكل خريطة الجغرافية رواقاً يتوسط نيجيريا وتوغو، وهي للنيجر وبوركينافاسو معبر إلى المحيط طوله 700 كيلو متر، وتبلغ مساحة بينين نحو 113 ألف كيلو متر مربع.

تناوب على هذا البلد الاحتلال البرتغالي والإنجليزي ثم الفرنسي، وأطلق عليه في الأربعينيات اسمه الحي اللاتيني تشبيهاً له بالحي اللاتيني في باريس، وقد كان فيه عدد كبير من المثقفين الأفارقة استفادت الإدارة الاستعمارية من توظيفهم في بقية دول إفريقيا الغربية المستعمرة، يبلغ عدد سكان بينين اليوم أكثر من ستة ملايين نسمة نحو 800 ألف منهم يقنطون (كوتونو) العاصمة الاقتصادية والمدينة الأولى في البلاد قبل العاصمة السياسية (بورتو نوفو) التي أسسها البرتغاليون، ويوجد بها اليوم مقر البرلمان.

ونصف عدد السكان لا تتجاوز سنهم العشرين عاماً، 25% مسلمون، والنسبة نفسها تقريباً من المسيحيين، بينما تبلغ نسبة الوثنيين أو معتنقي عقيدة (بودو) نحو 50%، وتبقى هذه النسب غير مؤكدة لعدم اهتمام الدولة التي تتحاشى إثارة النعرات القبلية، فبينين فيها أكثر من عشرين طائفة أو قبيلة لكل منها لغتها أو لهجتها الخاصة، وأهمها قبائل الفون، واليوروبا، وليون، والباريبا، والدنيدي، والسومبا، والفولالي، وتشترك كلها في اللغة الفرنسية كلغة رسمية للبلاد.

نسبة الأمية في بينين تتجاوز الـ 70% من السكان، وأكثر من ثلثهم يعيش تحت خط الفقر، وخط الفقر هنا يعني أن الدخل الفرد لا يتجاوز دولاراً واحداً.

أغلب سكان المدن يمتهنون التجارة ويصارعون من أجل البقاء، بينما يمارس القليلون منهم الصيد في المحيط الأطلسي أو في بحيرة (موكوي) المتفرعة عنه في كوتونو، ولكن مهنة الصيد لا تزال تقليدية، وتعتمد في الغالب على وسائل بسيطة، وما فائدة أن تجري الرياح والشراع مخترقة.

الزراعة في بينين أساس الاقتصاد، وهي تستقطب نحو 80% من حجم الأيدي العاملة، وتسهم في دعم الدخل القومي بـ 40%، وتزخر بينين بمساحات كبيرة من حقول القطن خاصةً في المناطق الشمالية، مما يجعلها تحتل المركز الثالث في إنتاج القطن في القارة الإفريقية بعد مصر ومالي، وتشكل العائدات من تصدير القطن ربع ميزانية الدولة، وتأتي زراعة ما يعرف بنخيل الزيت في الدرجة الثانية مع أنها سجلت انخفاضاً ملموساً في السنوات العشر الأخيرة، ويغطي نخيل الزيت 30 ألف هيكتار، علماً بأن نسبة الأراضي المستغلة لا تتجاوز 13% من أصل 11 مليون هيكتار قابلاً للزراعة.

وهنا في بينين كما في أغلب الدول الإفريقية لا تزال الطبيعة بكراً، وتراها متخمة بالخضرة، وتبعث على الوحشة، لكنها خالية من وحشية الثلوث.

فضلاً عن عائدات الزراعة فإن المبادلات التجارية أسهمت في رفع معدل النمو الاقتصادي في بنين من 5% عام 99 إلى 5.3% عام 2000، ويشكل ميناء كوتونو المحرك الرئيسي للمبادلات التجارية الإقليمية والدولية لا سيما أنه معبر أساسي بين الدول الفرانكفونية والأنجلوفونية في غرب أفريقيا، ويذكر أن حكومة بنين اعتمدت على سياسة اقتصاد السوق منذ عام 93، وهي تطمح إلى استغلال احتياطي البترول الذي يبلغ نحو خمسة مليارات ونصف المليار برميل في منطقة (سيماي)، كما تعلم على مواصلة تحرير الاقتصاد لاستقطاب الشركات المستثمرة في مجال الطاقة والنفط.

الديمقراطية في بينين والوصول إلى السلطة

قطار السلطة في بنين تعرض لتسعة انقلابات خلال اثني عشر عاماً منذ استقلالها عام 1960 حتى وصفت ببوليفيا الإفريقية، وما شذ على تلك الانقلابات هو أنها لم تزج بالبلاد في دوامة العنف.

الانقلاب الأخير قادة العقيدة (ماثيوكيريكو) عام 72 فأطاح بالحكومة المدنية، وشكل حكومة ثورية، وبعد ثلاث سنوات انتهجت الدولة الأيديولوجية الماركسية اللينينية فرفعت شعار الإلحاد واللادينية، وبمنطق الثورة والتجديد قرر (كريكو) تغيير علم البلاد وتبديل اسمها من داهومي إلى جمهورية بينين الشعبية واستقر حزب الثورة الشعبي كحزب واحد في البلاد.

مثلما سقطت الشيوعية في عقر دارها فقد سقطت هنا أيضاً في بنين أو داهومي سابقاً فلم يبق إلا هذا الرمز يتوسط ساحة النجمة الحمراء، ويشهد على عهدٍ ولَّى، فبنين اختارت التعددية السياسية حتى وصفت بأنها مخبر للديمقراطية في غرب إفريقيا.

خلال العهد الماركسي تنامى في وسط الشعب شعور عدائي تجاه الأجانب سرعان ما أفضى إلى الاعتداء على ممتلكاتهم، فاتهمت المعارضة النظام بأنه سبب جنوح الشعب إلى ذلك السلوك، وحاولت الإطاحة بالنظام، وهذه الساحة الذكرى تخلد الهجوم الذي تعرض له مطار كوتونو عام 77، دبرته المعارضة بالتعاون مع مرتزقة أفارقة وأوروبيين لقلب نظام الحكم، وقد اتهمت بنين حينها الجابون والمغرب وفرنسا بدعم المعارضة، وأقامت هذه النصب لتذكر بشهداء الثورة الماركسية.

نيسيفور سوغلو (رئيس بنين السابق): خلال الحرب الباردة بين الرأسمالية والشيوعية ارتمت بنين طوال سبعة عشر عاماً في أحضان الماركسية، وكانت منطلقاً لدعم المعسكر الشيوعي في حرب أنجولا، حيث استقبلنا هنا الروس، والكوبيين، والكوريين، وغيرهم، فتحت لهم المواني لمساعدة الشيوعيين في أنجولا، ولكن بعد انهيار جدر برلين، وبعد سبعة عشر عاماً من الديكتاتورية العسكرية الماركسية كنا البلد الأول الذي تحول سلمياً من خلال اجتماع وطني سُمِّي "الندوة الوطنية"، وطويت صفحة الديكتاتورية، وبدأنا عهد الديمقراطية، وانتخبت يومها رئيساً للحكومة.

عياش دراجي: الإرادة الشعبية وحدها كانت العامل الرئيسي في كسر شوكة الماركسية، فقد شهدت شوارع كوتونو وكورتونوفو، وباراكو، وغيرها من المدن الكبيرة مظاهرات حاشدة عام 89 ضمت العمال والطلبة وكل أطياف المجتمع الناقم على الوضع والطامح إلى التغيير.

برونو أموسو (وزير الدولة لشؤون الحكومة): أعتقد أن أي رجل سياسي لا ينال فضلاً كبيراً إلا إذا تعلم كيف يسمع شعبه، ويدرك رغبة شعبه في التغيير والديمقراطية، وعندها يكون ذلك مؤشراً على ذكائه الكبير.

عياش دراجي: لكن لا يبدو أن الذكاء الذي يوصف به (كيريكو) هو وحده الذي جعله يقبل بالتغيير، فالضغوط الداخلية جاءت متناغمة مع المعطيات الدولية ومتزامنة مع آخر أيام الحرب الباردة، ولم يعد هناك مناص للجنرال (كيريكو) المدعو بالحرباء سوى أن يقبل بإرادة الشعب أو يتنحى، وأصبحت الظروف مهيأة لانعقاد ندوة تاريخية في فبراير/ شباط من عام 90 هي ندوة القوى الوطنية الحية، كان شعارها "الجميع مجندون لمشروع مجتمع جديد"، شاركت فيها مختلف التيارات السياسية وكل ضحايا الحكم الديكتاتوري وحتى رؤساء سابقون قادوا انقلابات وسقطوا ضحايا انقلابات أخرى.

الجنرال/ ماثيو كيريكو (رئيس بينين الحالي): التجديد الديمقراطي الذي يجب أن ننتهجه في بلادنا أصبح ضرورة ملحة تماشياً مع متطلبات العصر ومع تجربتنا الوطنية، فشعبنا لديه من النضج السياسي ما يجعله يتحمل مسؤوليته بفاعلية ونجاح مع الحفاظ على النظام العام.

إن روح التجديد الديمقراطية وأهدافه التي يطمح شعبنا إليها بعمق تتجسد من خلال الاتفاق السياسي بين كل القوى الحية.

عياش دراجي: ندوة القوى الحية دامت عشرة أيام، وقد كان الرهان عليها كبيراً، وجميع الفرقاء أدركوا أن مثل هذه الندوة نادرة في إفريقيا وأن فشلها يعني الفوضى الكاملة، ورغم الحذر الشديد الذي سادها فقد تميزت بالمكاشفة والمصارحة، وسمحت بوضع أسس ديمقراطية قل مثيلها في إفريقيا، ولا تزال مفخرة لكل أهل بينين رغم بعض المآخذ.

الفرقاء السياسيون اغتنموا الفرصة لاتهام كريكو بقيادة البلاد إلى الهاوية، ونددوا بالفساد واستفحال الرشوة وانتهاك حقوق الإنسان. وهكذا نجحت الندوة وفرضت سيادتها على مؤسسات الدولة، وكان بيانها ملزماً للجميع، وأهم ما جاء فيها:

إنهاء الأيديولوجية الماركسية اللينية.

حل حزب الثورة الشعبية الحزب الواحد في البلاد.

تغيير العلم وإعادته إلى سابق عهده.

اعتماد التعددية الحزبية كنهج سياسي للبلاد.

إطلاق سراح المتعقلين السياسيين واحترام حقوق الإنسان.

كما تم تغيير اسم البلاد مرة ثانية من جمهورية بينين الشعبية إلى جمهورية بنين، وقرر ذلك المؤتمرون الذين ترأسهم المونسينيور دي سوزا كبير المطارنة في كوتونو، وقد فضل القائمون على الندوة إبقاء كريكو على رأس قياد الجيش وانتخاب رئيس حكومة للبلاد.

المونسينيور دي سوزا (اكبير مطارنة كوتونو): نعلن أن مؤتمرنا يعين السيد (نيسيفور سوغلو) رئيساً للحكومة بمجموع 360 صوتاً.

عياش دراجي: وبهذا كان الندوة الوطنية للقوى الحية في بنين منطلقاً لديمقراطية إفريقية ناشئة، وقد تكرست الديمقراطية أكثر عام 90، عندما فاز (سوغلو) بمنصب الرئاسة في أول انتخابات حرة وشفافة قلما يحدث مثلها في العالم الثالث، وتنحى كريكو عن المنصب لفترة 5 سنوات قبل أن يعود بقوة، ولكن ماذا بعد الندوة؟

نيسيفور سوغلو: على كل حال مرت الأمور بشكل جيد، لأننا وضعنا المبادئ الأساسية للتعددية السياسية وحرية التعبير وحرية الاعتقاد بعد أن كان الأديان ممنوعة، وبطبيعة الحال تحررت الصحافة من القيود، وتم إطلاق سراح المعتقلين السياسيين من محتشدات الأعمال الشاقة، فقد كان في بنين سبعة معسكرات كانت بمثابة سيبريا الصغيرة في مناطق متفرقة من البلاد، والأمر الذي فاجأ الجميع هو أن التحول السياسي تم بشكل سلمي، وهذا ما جعلنا نوصف بمخبر الديمقراطية حتى أن أكثر من ديكتاتور في المنطقة بدأ يحس بالأمان وبأن التغيير يمكن أن يحدث دون قطع الرؤوس، وقد حدث التغيير فعلاً في النيجر، ومالي، وكونغو برازافيل، ومدغشقر، وزائير، وغيرها.

عياش دراجي: هل بقي كيريكو بعيداً عن السلطة في فترة سوغلو فيما بين عامي 91 و96؟

برونو أموسو: لقد بقي بعيداً عن السلطة فعلاً، مما يجعل الشعب يكن له الاعتراف، ويقدر له ذلك، وقد أكبر الشعب فيه حبة العميق للبلاد، وإنه مواطن حقيقي أولاً، لأنه تفادي عام 91 إدخال البلاد في حمام دم، وانسحب من الانتخابات بمجرد هزيمته، ثم أنه لم يعرقل النظام الذي خلفه خلال السنوات الخمس التالية، وترك الدولة تسير بهدوء، وهذا ما جعله ينجح في العودة مرة أخرى عام 96 وأعتقد أن سلوكه مثال لابد أن يحتذى به، وهو اليوم يحظى باحترام الجميع داخل البلاد.

عياش دراجي: الجنرال كريكو الذي حكم البلاد من عام ا72 إلى 91، ثم عاد إلى منصب الرئاسة عام 96 بائتلاف حكومي قوي نجح في الحفاظ على منصبه هذا العام، وقد أخرج من عباءته برنامجاً جديداً مؤكداً على أنه لا يقاوم، وقد واجه كريكو ستة عشر مرشحاً كان أبرزهم الرئيس السابق (نيسيفور سوغلو) الذي وعد الشعب بخفض الأسعار ومحاربة البطالة ورفع معدل النمو إلى مستوى يضاهي ما شهدته النمور الآسيوية في عهدها الزاهر، وما يلاحظ في بنين هو اهتمام المرأة بالسياسة، فالأمازون أو المرأة المحاربة استبدلت سلاحها القديم، وفضلت أن تكافح في عالم السياسة، وتنافس الرجل في السلطة أو تشاركه فيها، ووجود 52% من المجتمع من النساء، دفع الوزيرة السابقة (ماري إيليس جبدو) إلى ترشيح نفسها لمنصب الرئاسة متخذة من (هيلاري كلينتون) رمزاً لها.

ومن بين المرشحين أيضاً (أكاندي أولفونجي) الأمين العام لمجلس ملوك بنين، وقد أثار ترشحه حفيظة أغلبية أعضاء المجلس باعتبار الدخول في السياسة مفسدة لما يتمتع به الملوك وأحفاد الملوك من احترام وسلطة تقليدية، فبعض القبائل لا تزال متمسكة بتراثها السياسية القديم، وفي مدينة (كيتو) مازال الملك (أدى توتو أديرو) يتربع على عرشه التقليدي، وقد أعتنق المسيحية دون أن يفرط في إيمانه بآلهة (هودو) الوثنية، ويشهد له في بنين بتمكنه من السحر والتنجيم، والتأثير في مجريات السياسة وحتى الرياضة، وله مجلس وزراء خاص به يدير شؤون آخر ما تبقى من قصره المهترئ.

الديمقراطية في بنين تؤذن في الناس دون كلل، وتستخدم الأحزاب كل المراكب لإيصال صوتها إلى أدغال القرى النائبة علها تفوز ببعض الأصوات.

أحد المواطنين: الحملة الانتخابية تمت دون علم، وقد شاهدنا في هذه القرية تنافساً بين حزبين اثنين.

عياش دراجي: الحملة كانت ساخنة، واستقطبت قطاعاً واسعاً من المجتمع، وقد بلغت نسبة المشاركة في الدور الأول من العملية الانتخابية أكثر من 80%، وما إن احتل كيريكو المركز الأول ينحو 45% من الأصوات حتى ندد صاحب المركز الثاني الرئيس السابق (نيسيفور سوغلو) بالتزوير وانسحب من العملية الانتخابية برمتها، وبالحجة ذاتها تبعه صاحب المركز الثالث رئيس البرلمان الذي كان مرشحاً هو الآخر، فبدأت الأوساط الشعبية تبدي قلقاً كبيراً إزاء مستقبل البلاد في حال إلغاء الانتخابات، واتجهت الانظار إلى صاحب المركز الرابع (برونو أموسو) الذي كان ولا يزال حليفاً للرئيس كيريكو، وقد اضطر إلى مواجهة حليفه بعد أن كان قد دعى أنصاره عقب الدور الأول إلى منح كيريكو أصواتهم،

بعض المراقبين قالوا إن منافستكم للرئيس كريكو في الدور الثاني كانت بمثابة إنقاذ له، وليس منافسة ديمقراطية، فهل هذا صحيح؟

برونو أموسو: صحيح إلى حدٍ ما، فقبل انسحاب المرشحين الثاني والثالث، دعوة أنصاري إلى التصويت لصالح كيريكو، إذ كنت مسبقاً ي شراكة سياسية معه كانت قد بدأت عام 96، لكن بعد مسألة الانسحاب تقدمت كمرشح أما كيريكو ليس بهدف الفوز، فلم يكن بإمكاني القيام بحملة انتخابية جديدة في بضعة أيام، وقد كان هدفي العمل على أن تستمر العملية الديمقراطية في بلادنا، وأن تنجح الانتخابات، وهذا ما حققناه فعلاً.

عياش دراجي: وهكذا احتفظ كريكو بمنصب الرئاسة، وبدأ ولاية جديدة مدتها خمس سنوات، وإذا ما اختتمها سيكون قد قضى تسعة وعشرين عاماً على رأس السلطة في بنين، وذلك ما يشد الغصة في حلق خصمه التقليدي (سوغلو) الذي فشل في العودة إلى الحكم.

البعض يتهمك بأنك متعطش للسلطة وتريد إبقاء البلاد في إطار سياسة البنج بونج أي أن يبقى منصب الرئاسة سجالاً بينك وبين كريكو؟

نيسيفو سوغلو لا، لا أعتقد، فالأمر ليس كاريكاتورياً بهذا الشكل، والحقيقة واضحة جداً، فقد كان الخيار مطروحاً بين الديمقراطية والديكتاتورية أو بين التسامح الديني والسياسي وبين القمع، وأعتقد أن الشعب هو نفسه الذي يختار، ولكن وقع تزوير كبير للأسف، والجميع في العالم تحدث عنه، فمثلاً إذا كان لدينا (بينوشيه) من جهة ومن جهة أخرى الديمقراطية الشينيون فلا يمكننا القول إن هذا بنج بونج سياسي، ونحن مازلنا في مرحلة انتقالية عمرها 10 سنوات وديكتاتور بلادنا الحالي بقي في السلطة سبعة عشر عاماً، وعاد إليها مرة أخرى، وقد رأينا مثل هذا المشهد كثيراً في بعض الدول الشيوعية، وأعتقد أن نظامه لن يدوم طويلاً.

الإسلام في بينين وحالة المسلمين فيها

عياش دراجي: إذا كانت الآلة الديمقراطية في بنين لا تزال عاجزة عن حل مشاكل الناس واستغلال ثروات البلاد، فلعله يكفيها أنها نجحت في إشاعة الأمن، وتكريس ثقافة السلام، وتعليم الناس التعاطي مع السياسة دون اللجوء إلى العنف في قارة كثيراً ما ظلمت نفسها وظُلمت ويكفي ديمقراطية بنين أيضاً أنها كرست حرية التعبير والاعتقاد في بلدٍ لا يمكن فيه تجاوز التنوع العرقي والاختلاف الديني.

رياح التغيير التي هبت على بنين وأطاحت بالدولة الشيوعية كانت نسائم حرية للمسلمين في كامل البلاد خاصة في حي زونجو الذي يقيم فيه ما لا يقل عن مائتي ألف مسلم، إذا دبت الحياة في مشروع مسجده المركزي الذي يعتبر من أهم معالم المسلمين في بنين.

مسجد الجامع المركزي

أكتمل بناء مسجد حي زونجو قبل نهاية عام 2000 بعد أن دام العمل في المشروع أربعة عشر عاماً بسبب قلة التمويل وعراقيل الدولة الماركسية، وقد بني بأموال مسلمي بنين، والمسلمين المقيمين فيها من العرب وغيرهم بكلفةٍ بلغت نحو سبعة ملايين دولار أميركي، ولا يخفي القيمون على المسجد أن العالم الإسلامي والعربي لا يزال ينظر إلى أفريقيا بعين قاصرة، وهم يرجون من المسلمين الوقوف إلى جنب إخوانهم في هذه القارة.

الشيخ/ محمد الحبيب إبراهيم (إمام المسجد الكبير في كوتونو): نود من العالم الإسلامي أن يهتم ببقية إخوانه في أرجاء المعمورة وخاصةً في.. في دول إفريقيا، فالعالم العربي والإسلامي عموماً لا يعرف عن إفريقيا إلى الأمراض والأوبئة والحروب، أما أن يهتم بإخوانهم على غرار النصارى فهذا أمر يكون.. يكاد يكون معدوماً، فالمطلوب أن يكون هناك نوع من التواصل، وأيضاً من.. من الشعور بالمسؤولية تجاه بعضنا البعض، هذا الذي نحتاج من العالم العربي والإسلامي.

عياش دراجي: يقول بعض المسلمين هنا إن مسجد حي زونجو هو من أوسع وأجمل المساجد في غرب إفريقيا وهو يتربع على مساحة اثني عشر ألف متر مربع وبإمكانه استيعاب ثلاثين ألف مصلي، إضافة إلى طاقة استيعابه في سطحه العلوي، وخطبة الجمعة هنا تترجم على مسامع المصلين بخمس لغات على الأقل قبل أن تبدأ الخطبة الأساسية باللغة العربية.

بجوار مسجد زونجو هناك إذاعة القرآن الكريم صوت الإسلام، وهي الإذاعة الأولى والوحيدة التي يملكها المسلمون في بنين، والمصدر الوحيد الذي يتلقون منه أخبارهم بست عشر لهجة محلية، وتغطي موجاتها ثلاث محافظات مجاورة لكوتونو فقط، لذلك يتطلع القائمون عليها إلى توسيع دائرة البث لتشمل بنين كلها على الأقل، وفي انتظار التمكُّن من تحقيق ذلك يفكرون أيضاً في بناء مشاريع أكبر ترقى لعددهم وتُسهم في نشر الإسلام فضلاً عن حماية دينهم من خرافات وثنية فودو التي لا تزال شائعة ومن أفواج التبشير النشطة.

الشيخ/ محمد الحبيب إبراهيم: والله المشاريع كثيرة، والهموم كبيرة، نريد إنشاء تليفزيون بإذن الله.. في البناء، وقدمنا طلبات من الحكومة، والمشروع الثاني هو مشروع بناء دار للأيتام على غرار ما تفعله الكنيسة، والمشروع الثالث بناء مستشفى، لأن كبرى المستشفيات في الدولة كنسية، وعلى حد علمي مستشفى أو اثنين أو ثلاثة فقط المسلمين.

عياش دراجي: من المشاريع التي نجح مسلمو بنين في إقامتها بناء المدرسة العربية الفرنسية، وهي مدرسة نموذجية تعمل بمناهج عصرية وتدرس اللغة العربية والفرنسية والثقافة الإسلامية، وتحظى باعتراف حكومي، وبإمكان التلاميذ المتخرجين منها دخول المؤسسات التعليمية العليا غير أن المسلمين لا يملكون سوى ثلاث مدارس نموذجية مثلها في كامل البلاد.

الشيخ/ محمد الحبيب إبراهيم: ينبغي للدول الإسلامية التي تمتلك أموالاً طائلة أن تبني تقريباً مدرسة نموذجية، بحيث تنتقي النخبة والأذكياء على غرار ما تفعله النصارى، الآن بنوا مدرسة عملوها تترقب العشر الأوائل في المدارس مسلم وغير مسلم، ترسلهم.. تعتني بهم وترسلهم إلى الخارج، فهؤلاء بطبيعة الحال إذا عادوا إلى الدولة يكونوا هم القادة، بينما نحن المسلمين يعني أمرنا كما.. كما يُرى يعني، لا يُحسد عليه.

عياش دراجي: ولا يُخفي بعض مثقفي المسلمين في بنين أن المنح الدراسية التي تمنحها لهم الدول العربية والإسلامية لا تتجاوز إطار منح العلوم الشرعية أو اللغة العربية، وقد أصبح هناك فائض من خريجي هذين التخصصين، إذ لا أحد من طلبة مسلمي بنين حظي بمنحة في العلوم التقنية أو الطبية أو العلوم الأخرى.

البروفيسور/ يوسف مشهور إدريس (جامعة بينين): مشاكل مسلمي بنين كثيرة، ففضلاً عن قلة الإمكانات المالية فإننا في حاجة إلى أي دعم من شأنه أن يساهم في نشر الإسلام ومواجهة العقائد الأخرى، فنقص الوسائل هو العائق الأول لنشر الإسلام، وإذا كانت بعض الدول العربية والإسلامية قد درست لديها أئمة من أبناء بنين، فإننا نطلب من تلك الدول ألا تتخلى عن هؤلاء الأئمة بعد عودتهم، وأن تقدم لهم الدعم الكافي.

عياش دراجي: تلاميذ مدرسة حي زونجو النموذجية يحلمون منذ دخولهم الصف الابتدائي بإتقان اللغة العربية باعتبارها لغة القرآن، كما يتبارون في فن التجويد.

وإضافة إلى التغني بالقرآن فإن التلاميذ يعرفون من الأناشيد العربية الكثير، وينشدونها حتى باللغة الفرنسية باعتبارها اللغة الرسمية في البلاد.

من حي زونجو معقل الإسلام كوتونو أردنا أن نرى أقدم مسجد جامع في بنين فاتجهنا إلى العاصمة بوتونوفو ثاني مدينة في البلاد من حيث المساحة وعدد السكان بعد كوتونو.

بورتونوفو المدينة التي بناها البرتغاليون في منتصف القرن الثامن عشر نصف سكانها من المسلمين، قبل أن نصل إلى جامعها الكبير استوقفتنا مدرسة قرآن عتيقة لا تزال جدرانها تقاوم عوائد الزمن، وتكاد تحدث أخبارها، وشيخ المدرسة يناجي ربه وينتظر قدوم تلاميذه.

الجامع العتيق في (بورتونوفو) رُفعت قواعده مع مطلع القرن الماضي على شكل كاتدرائية برازيلية وليس هذا من قبيل التقليد المصادفة، إذ أن بُناة المسجد هم أحفاد العبيد السود الذين اعتنقوا الإسلام وعادوا من البرازيل إلى وطنهم، وتبدو هندسة الجامع مزيجاً بين الطراز الأفريقي البرازيلي، الذي هو طراز برتغالي في الأساس تجلله مسحة إسلامية واضحة، ولا يزال الجامع مصدر إشعاع في المنطقة يقاوم الزمن تماماً كما هو حال الشيخ (مجدد دامالا) عميد المسلمين وإمامهم في بوتونوفو منذ عام 78، يُقاوم كبر السن، ويحرص على لم شمل المسلمين، ويؤكد أن مصيرهم رهن مساعدات إخوانهم من الوطن الإسلامي.

الشيخ الحاج/ مجدد دامالا (إمام المسلمين في بورتونوفو): نريد منكم أن تساعدوا مساعدات جزيلة، نريد ذلك اليوم، أن تغير يعني (...) في أيديكم نريد ذلك.
عياش دراجي: انتشار الإسلام في بنين يعيش حالة انتعاش مشهودة رغم قلة الإمكانات، وإضافة إلى نتائج النشاط الحثيث الذي يبذله أئمة المسلمين هنا، فإن تأييد الإسلام يأتي أيضاً دون تدخل من البشر، وقد سمعنا عن قرية اعتنق سكانها الإسلام بعد أن رأى شيخهم الوثني رؤية صحى منها حافظاً لسورة الفاتحة والشهادة على لسانه.

معتنقو الهودو يؤمنون بأن كل الكائنات الحية والميتة لها أرواح شريرة وأخرى خيَّرة، لا مجال لأن يُتقى شرها ويُرجى خيرها إلا بطقوس ورقصات خاصة ويقدمون لها الأضاحي، وينحت أتباع وثنية فودو أصناماً من الطين أو من الأسمنت، أو من أي شيء آخر ليعبدوها، ويحظى كبير الآلهة بأن يكون دائماً مسربلاً بدماء الأضاحي التي تُوهب له، وبعد العبور على هذه المتاريس الوثنية وصلنا إلى قرية (أكبامي) التي اعتنق سكانها الإسلام قبل بداية العام الجاري 2001، وذلك بعد إسلام شيخ قبيلتهم وكبير السحرة والمشعوذين في المنطقة.

شيخ قرية أكبامي: لقد كنت ساحراً، وعانيت من مشاكل نفسية كثيرة أفسدت عليَّ طعم الحياة، وفي إحدى الليالي أحسست بتعب شديد فنمت فرأيت شخصاً أو ملكاً جاءني وحفظني سورة الفاتحة وبعض قصار السور: (اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم. غير المغضوب عليهم. ولا الضالين).

(قل هو الله أحد، الله الصمد، لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد).

عياش دراجي: قرية أكبامي ومثل عشرات القرى في بنين طلقت وثنية الفودو وطقوسه الغريبة واعتنقت الإسلام عندما قرر شيخ القبيلة فيها أن يهدم معبده، ويبني مسجداً مكانه.

ودون عناءٍ كبير من دعاة المسلمين فإن كثيراً من القرى تدخل الإسلام أفواجاً، وقد بات ذلك يُثير أحياناً مخاوف السلطة.

الشيخ/ محمد الحبيب إبراهيم: في العام الماضي عندنا أكثر من ثلاثة عشر قرية اعتنقت الإسلام، لدرجة أن قصر الرئاسة اتصلوا بي رسمياً يا فلان، ماذا أتى بك إلى تلك القرى؟ قلت: والله هم الذين طلبوني.

قالوا: يعني لا.. يعني ما حاجتهم؟ قلت: والله اسألوهم.

الحالة الاقتصادية وتهريب الأطفال وقصة العبيد

عياش دراجي: الحالة الاقتصادية المتردية التي يعيشها سكان بنين وأدخلت البلاد في خانة أكثر عشر دولٍ في العالم تدفع بكثير من المحتاجين إلى السقوط في فخ شبكات تهريب الأطفال أو الاضطرار إلى التعامل معها.

هذه القرية الواقعة في منطقة صافي شمال كوتونو تتعرض دخولتها باستمرار إلى عمليات تهريب واستغلال، وقد تفاقمت شبكات تهريب الأطفال بسبب عجز الدولة عن توفير مشاريع اجتماعية واقتصادية لإنقاذ سكان القرى من الفقر والتخلف، وكانت منظمة اليونسكو قد أعلنت أن مائتي ألف طفل سنوياً في أفريقيا الوسطى والغربية يضطرون للعمل فقط للحصول على لقمة العيش ويضطر الكثير من الآباء إلى التخلي عن فلذات أكبادهم خشية الموت جوعاً، ولكن الطفل لا يعيش فقط ليأكل.

أحد لمواطنين: جهود الحكومة خفقت من نشاط المهربين في قريتنا، ونحن ننتظر جهودها في مجال التعليم.

عياش دراجي: للدفاع عن حقوق جميع الأطفال وتحسين مستقبلهم في العالم ستعقد الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر/أيلول المقبل جلسة طارئة، وفي انتظار تلك القمة يبقى الواقع الأفريقي مُعقداً لا يتعدى سقف مطالبه توفير لقمة العيش كي تسير عجلة الحياة على نحوٍ ما.

ميناء كوتونو

ميناء كوتونو يعرف منذ عدة سنوات عمليات مشبوهة لتنقل الأطفال دون مرافق من ذويهم وأحياناً دون أي مرافق إلى جهةٍ مجهولة خارج البلاد، وقد كانت الفضيحة الأكثر إثارة للرأي العام والتي عرفتها بنين في الفترة الأخيرة فضيحة السفينة (إيتيرينو)، غادرت الميناء وعادت إليه بعد رفض الجابون والكاميرون استقبالها وعلى متنها ثلاثة وأربعون طفلاً، بينما قالت بعض المنظمات الدولية إن عددهم كان أكبر من ذلك بكثير عند مغادرتها الميناء، ومن كان محظوظاً، ونجا من شبكة التهريب أو نجحت الشرطة في اعتراضه قبل وصوله إلى وجهته يؤول أمره إلى مثل هذه المنظمات الإنسانية كما هو حال ضحايا السفينة (إيتيرنو) وجدنا بعضهم في مركز الواحة التابع لمنظمة أرض البشر الدولية، وقد سافر بعضهم بهويات مزورة وبرفقة أشخاص لا يعرفونهم.

بول ياسيغونبيه (مسؤول مركز الواحة): عادةً يذهب من نسميهم بالوسطاء إلى القرى فيعزون الناس بالمال أو يعدونهم بشيء ما، ويقولون للعائلات سلموا لنا طفلكم ليذهب معنا إلى جابون أو إلى الكاميرون حيث سيربح مالاً كثيراً، وتحت وطأة الفقر تقع العائلات في الفخ، وتتخلى عن ابنها أو ابنتها دون العلم أن الطفل حين يصل إلى هناك سيتعرض للاستغلال ويعامل معاملة سيئة.

عياش دراجي: المصادر الأمنية في كوتونو تقول إنها اعترضت خلال الخمس سنوات الأخيرة ما لا يقل عن ثلاثة آلاف طفل، وأن رجال الأمن يقظون في حراسة الحدود البرية والبحرية خاصة بعد فضيحة السفينة (إيتيرينو) التي لا تزال التحقيقات بشأنها جارية.

علي إبراهيم عباس (نائب الجنرال المكلف بالأمن): الحكومة تقوم بجهود جبارة لمكافحة هذا النوع من التهريب على كل الحدود، ورجال الأمن مدربون على اكتشاف الأطفال الذين لا يرافقهم ذووهم ومنعهم من مغادرة التراب الوطني.

عياش دراجي: أطفال بنين كبقية دول المنطقة يترصدهم شبح العبودية العصرية، وكأن جرح أفريقيا ما يكاد يبرأ حتى يفتح من جديد ليجعل التاريخ يعيد نفسه على رقاب الأطفال، ولطالما عانت القارة السمراء من الرق الأسود خلال القرون القليلة الماضية.

رحلة العبيد الذي هجروا من بنين إلى أوروبا والأميركيتين بدأت من قصور مدينة أفومي عاصمة مملكة داهومي أو دانخومي، وهذه القصور تضم اليوم واحداً من أشهر المتاحف الأفريقية، وقد تم تصنيف مباني القصر ضمن التراث العالمي عام 85، انطلاقاً من هذه القصور كانت جيوش الملك (ديزو) ومن بعده (جليلي) تخوض حروباً توسعية ضد الممالك المجاورة، وتدافع عن تخومها، السواعد التي تعمل اليوم لجلب السياح كانت سواعد مثلها قبل أربعة قرون تقوم بنفس العمل وأكثر منه، لكن الغرض تغير، فقد كان الملك يختبر الرعايا والأسرى ثم يفرزهم حسب المهارات الحرفية والذهنية والانتماء الديني والقبلي، ويتم تقسيمهم إلى جزء مخصص لسوق النخاسة وجزء آخر يضاف إلى رعايا وعبيد القصر.

الجميع كانوا يأكلون من عائدات ما صنعته أيديهم من منسوجات ومنحوتات وتحف وتماثيل، وقد كانت كل قبيلة ولا تزال تشتهر بمهارة معينة، كالنحت على النحاس والبرونز أو الخشب، تماثيل اليوم تصور الرجل الأفريقي مكسور الظهر مثقلاً بحمل الماء، وتبرز مشهد الظلم والخنوع في آنٍ واحد، وتماثيل أخرى تختصر موقف الإنسانية كلها مما عانته ولا تزال تعانيه القارة الأفريقية.

سوق النخاسة ازدادت رواجاً في القرن السابع عشر في أغلب المناطق الأفريقية، وكان التناحر على أشده بين مملكة داهومي وجارتها، ولأنه لا حرب من دون سلاح فإن البرتغاليين لم يبخلوا به على ملك داهومي ما دامت آلة صيد العبيد تعمل.

هولونون جانفية (دليل سياحي): بأشياء بسيطة كان يُباع العبد كالمرايا مثلاً، أما مدافع الحرب فإن الملك يحصل على واحد منها مقابل إحدى وعشرين امرأة أو خمسة عشر رجلاً، طبعاً العبد ليس نحيفاً مثلي.

عياش دراجي: هذه الزاوية قُرب باب الخروج من القصر كانت محلاً للحدادين، هنا كانت تُصنع الأغلال والقلائد للعبيد الذين سيغادرون القصر ليُباع في المزاد العلني قُرب ساحل المحيط الأطلسي فكم مرةً يا تُرى نفخ في هذا الكيركي تصهر ناره صلابة الحديد؟ وكم قيداً خرج من هذه الأحجار المثقوبة؟ وكم من إرادة تحرر احترقت في مثل هذا الرماد.

من مقر مملكة أبومي بدأ طريق العبيد في بنين لينتهي جنوباً عند المحيط الأطلسي، حيث مملكة (أويدا) التي كانت تسهر على بيعهم وشحنهم نحو عالم مجهول.

من قصر مدينة أبومي إلى ساحل المحيط الأطلسي جنوباً مشى آلاف العبيد على طريق متعرج طوله 150 كيلو متراً، وكي لا يتطلع عبيد مملكة داهومي إلى الحرية أو يفكروا في التمُّرد تُضاف لهم قيود جديدة وقد اشتهرت قرية كانا بحرفة الحدادة، وكانت محطة حاسمة في طريق العبيد يُقيدون فيها من أرجلهم بالسلاسل، وفي قرية كانا يجدون أنفسهم -حقيقة لا مجازاً- بين المطرقة والسندان، ولا تزال آلات الحدادة شاهدة على لك الماضي الأليم.

يكمل موكب النخاسة سيره عابراً على (سينو) و(آجون) وقرى أخرى حتى يصل إلى بلدة (توفو)، وهي من محطات طريق العبيد التي لا تُنسى، عند الوصول إليها يعمل بعض السحرة والأطباء المشعوذين على فحص الحالة الصحية للعبيد، ويسقونهم محلولاً سحرياً يساهم في فقدان الذاكرة ويساعد على النسيان، كما ينصح الأطباء المشعوذون بضرورة إعطاء العبيد بعض الراحة، ويُسمح للعبيد بشرب الماء من ساقية القرية، ويُعطون بعض الطعام ليتناولوه وهم مشاة.

عند وصولهم صباح اليوم التالي إلى مدينة (أويدا) لابد أن يعبروا من هنا كي تتم عملية البيع فعلاً بين ممثلي ملك داهومي والتجار الأوروبيين، وقد كانت هذه الساحة هي الأكثر شهرة فيما بين القرنين السادس عشر والتاسع عشر، وقد سُمي المكان بـ"ساحة شاشا" نسبةً إلى تاجر برازيلي مرموق يُدعى شاشا، واسمه الكامل (برانسيسكو فينكس دي سوزا) وصل إلى أويدا كقائد جيش، وتحول إلى أكبر تاجر للرقيق، وقد كان يُسمى (اليوغوجان) أو الوسيط بين البيض والسود.

مائة وخمسون كيلو متراً طول طريق العبيد في بنين لم يبق منها سوى أربعة كيلو متراً، ولكن لابد من التوقف عند الشجرة المقدسة التي تُسمى "شجرة النسيان" إذ يقوم الرجال من العبيد بالطواف حولها تسع مرات والنساء سبع مرات، وتلك الطقوس الوثنية كان الهدف منها حمل العبد على نسيان الماضي وغسل الذاكرة، ثم ينتقل العبيد إلى المحطة الثالثة ليتم حبسهم في ركن خاص إلى أن تصل السفن وقد يدوم الانتظار أربعة أشهر، يحبسون في ركن زوماي، أي المكان الموحش الذي لا نار ولا نور فيه، يُقسَّمون إلى أفواج في زنزانات مظلمة لتعويدهم على الصبر في عنابر السفن الضيقة.

ولم يكن هناك مجال للتمرد أو التفكير في الحرية، فالعدالة غائبة ما دامت القوة تفرض القانون ليستمر الاستعباد.

ويُساق العبيد إلى الساحة الأخرى، أطلقت عليها منظمة اليونسكو تذكار (زونجبوجي) كانت بمثابة معبر جمارك يتم فيه إحصاؤهم، فالظلم لا يُستعبد الإنسان فقط، بل يرصد خلجات الحرية في نفسه. تحت هذه الأرضية اكتشفت منظمة اليونسكو عام 92 مقبرة جماعية لمن مات من العبيد، فأقامت هذا النصب التذكاري كشاهد قبر جماعي في ستة أمتار طولاً وأربعة أمتار عمقاً يؤرِّخ لأعمق جرح في ذاكرة الإنسانية، وقد نُقلت أغلال الرفات إلى المتاحف، ولكن ماذا يفعل الأموات بالحرية؟

ومن تذكار زونجبوجي يتجه العبيد إلى آخر محطة لهم قبل الميناء، فيطوفون ثلاث مرات حول ما يُسمى شجرة العودة التي لا تزال قائمة منذ القرن السادس عشر، إذ كانوا يعتقدون بعودة أرواحهم إلى أرض الوطن بعد موتهم، وقد ذهبوا وبقي كابوس آلامهم جاسماً على حاضر الأجيال.

لم تبق إلا مسافة قليلة قبل الوصول إلى شاطئ المحيط الأطلسي حيث نهاية طريق العبيد في بنين، عند ميناء أويدا الذي نُقلوا منه نحو أوروبا والأميركيتين أمام بوابة اللاعودة يتلاشى الأمل في الحرية ويعظم الأسف، فبعض العبيد ينتحرون بأكل الرمل، والبقية تمشي عليه متثاقلة الخطى نحو سفينة الرق الأسود.

عندما تُذكر كلمة طريق في تاريخ البشرية يذهب الخيال إلى حركة الشعوب بثقافاتها وبضائعها، غير أن طريق العبيد كان طريقاً للألم والمعاناة، ويبقى شاهداً على أنين ملايين الأفارقة وهم يساقون بحراً إلى مصير الاستعباد.