مقدم الحلقة محمد البوريني
ضيوف الحلقة عدة شخصيات
تاريخ الحلقة 15/04/1999





مسعود يلمظ
محمد غولهان
محمد كيشلر
علي جوران
محمد البوريني
محمد خير البوريني: يتركز الصراع السياسي في تركيا بين السائرين في تطبيق النهج العلماني بسبب سيطرتهم على زمام السلطة، وبين الإسلاميين دعاة العودة إلى الشريعة وتعاليم الدين، والابتعاد عما يصفونه بالتقليد الأعمى للغرب الذي يقود البلاد في نظرهم إلى مصير مجهول.

وعلى جانبي هذه الهوة المتسعة بين التيارين المتصارعين في المسرح السياسي يقف الكثيرون من الأتراك في حيرة من أمرهم، فهناك من يرون في تيار (التغريب الحاكم) الذي يقود الدولة حالياً بدعم كامل من الجيش بعيداً عن التاريخ والجغرافيا الشرقيين ما يكبل بلادهم، بينما يوجد قطاع آخر ينظر النظرة ذاتها إلى التيار الإسلامي الذي يقوده حزب الفضيلة وريث حزب (الرفاه) المنحل، ولكن هذا الحزب الذي غير من تكتيكاته وطروحاته السياسية المعلنة يعتقد أنه يستطيع منافسة صحيح الأحزاب التركية الأخرى، وكسب تأييد الشارع المنقسم على نفسه.

أحد المواطنين1: حكومة (الرفاه) السابقة كانت تحاول جر البلاد باتجاه الشرق، وهذه الحكومة تحاول جرها نحو الغرب، لكن الدول الأوروبية لا تحب تركيا، إنهم مسيحيون، وتركيا دولة مسلمة، ويسبب ذلك

مشكلة لهم.

محمد خير البوريني: البرلمان التركي كان قد أقرَّ بالأغلبية مجموعة من القوانين التي تتعارض مع التوجهات الإسلامية الأمر الذي زاد الصراع تعقيداً بين العلمانيين الذين يتزعمهم حزب الوطن الأم بقيادة رئيس الوزراء السابق (مسعود يلمظ) وبين التيار الإسلامي، ومن أبرز تلك القوانين ما يمنع طالبات الجامعات من ارتداء الحجاب، وقد تم بموجب ذلك رفض عدد من الجامعات قبول الطالبات المحجبات على مقاعد الدراسة فيها من خلال رفض طلبات الدخول في السنة الأولى من الدراسة، وهو أمر نفت الحكومة التركية أن يكون لها ضلع فيه، وقالت إن للجامعات الحرية في الإجراءات التي تتخذها... كل هذا وغيره دفع مئات آلاف النساء والرجال الرافضين للنظام العلماني لتنظيم مسيرات ومظاهرات مؤخراً في أنحاء البلاد لا سيما في المدن الكبرى للمطالبة بإلغاء القوانين الجديدة التي يقولون إنها غير دستورية، وإنها تسلبهم حقوقهم الأساسية في الحرية والديمقراطية، وتعود بالبلاد سنوات طويلة إلى الوراء.

إحدى المواطنات1: أعتقد أن منع الحجاب هراء، لأنني أرتديه لسبب ديني وليس لأي سبب آخر، إن الله يريدنا أن نرتدي الحجاب، لكنهم يعتقدون أنني أرتديه لكي أعارض النظام الحاكم ويلومونني، على أي حال أنا أرتديه مرضاة لله.

أحمد المواطنين2: أنا لست مسروراً من طبيعة التوجه الديمقراطي القائم، بالنسبة للبنات الراغبات في التعلم، أعتقد أن هناك حقائق مختلفة وراء ما يجري من بينها سياسية وغيرها، أعتقد أنه يجب السماح بالحجاب للطالبات، أنهن يدخلن الامتحانات وينجحن، ويجب أن يأخذن حقهن في التعليم.

أحد المواطنين3: إذا أرادت أية إمرأة أن ترتدي الحجاب فلا يجب منعه لأنه ينبغي للناس أن يعيشوا بالطريقة التي يرونها مناسبة، فلا يجب منع ارتداء الحجاب في الجامعات التركية.

محمد خير البوريني: لكن دعاة العلمانية ليسوا معزولين عن الشارع التركي، إذ تجد طروحاتهم أصداءً واسعة في أوساط اجتماعية معينة لاسيما بين صفوف قطاعات من الشباب الذين يرون فيها تحرراً من القيود الدينية والاجتماعية المحافظة المتشددة التي يقولون إنها تحرمهم من حياة باتت طبيعية في هذا العصر.

إحدى المواطنات2: أعتقد أن الدين ليس ارتداء الحجاب، إذا كنت تؤمن بالله وبقية شروط الإسلام فإن بإمكانك أن تعيش دون ارتدائه، وهذا كل ما في الأمر.

محمد خير البوريني: يسيطر حزب الرفاه الإسلامي الذي وقفت وراء حلِّه المؤسسه العسكرية التركية، بسبب وصول شعبيته إلى درجة باتت تشكل خطراً يتهدد النظام العلماني، يسيطر على 145 من مقاعد البرلمان التركي، الأمر الذي جعله أكبر حزب في البلاد، وبعد حلِّه تأسس على أثره حزب جديد أطلق عليه اسم (حزب الفضيلة) يؤكد القائمون على هذا الحزب أن لا علاقة لهم بحزب الرفاه السابق، وذلك كما يبدو دفعاً لملاحقة العلمانيين لهم، وتحاشياً لسطوتهم إذ يمسكون بزمام الحكم، وقد يتخذون مزيداً من الإجراءات والقرارات ضد الحزب الجديد.

وُلِد حزب الفضيلة مع ما كثير من التبديل في طروحاته المعلنة عن سابقه الرفاه، حيث ابتعد عن ما يسمى بالتشدد إلى حد كبير، فأخذت معظم شعاراته تميل نحو توجهات أكثر مرونة ومطالبة بضمان الحريات الأساسية للمواطنين، كما أدخل الحزب لأول مرة العنصر النسائي في قيادته، بالإضافة إلى تبنيه لهدف علماني أساسي كان يرفضه الرفاه رفضاً قاطعاً وهو موضوع المطالبة بانضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي.

أحد المساجد في تركيا
بروفيسور علي جوران (نائب رئيس حزب الفضيلة لشؤون الانتخابات): نحن حزب جديد، ونسعى إلى إقامة علاقات مع الدول الغربية كالاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، والدول الآسيوية، وروسيا أيضاً. الأمر لا يتعلق بالانضمام إليهم أو اتباعهم، نسعى إلى إقامة علاقات توازن بين تركيا وأوروبا، إن مقولة الابتعاد عن الدول الإسلامية خاطئة تماماً، إننا نحاول إقامة علاقات مع الدول الأوروبية، وعلاقات متوازنة على حدٍّ سواء مع دول الشرق الأوسط، أما فيما يتعلق بدول الشرق الأوسط كان هناك بعض المشكلات مع إخواننا العرب حول إسرائيل، إننا أيضاً نحاول إقامة علاقات جيدة كذلك مع إسرائيل.

محمد خير البوريني: كما أصبح حزب الفضيلة يتطلع إلى قضية الحجاب في تركيا من مُنظار ديمقراطي أكثر منه إسلامي حسب ما يعلن بعض أعضائه على الأقل.

علي جوران: إننا لا ندعو ولا نرفع أصواتنا من وجهة نظر دينية، الدين مهم لنا لأننا مؤمنين بالله، ولكن هذا الأمر يتعلق بنا فقط، إننا لا نوجه الاتهامات أو نتهجم على الآخرين لأسباب دينية أو غير دينية، الدين شأن آخر، نحن لا نتحدث عنه هنا، إننا نتحدث ونصرخ من أجل الديمقراطية، إن وجهة نظرنا ديمقراطية.

بعض الناس يرغبون في ارتداء الحجاب وآخرين يرغبون في السفور، إن ذلك من حق المجتمع الديمقراطي، ويجب علينا أن نتبنى ذلك ونرعاه، لأننا وقعنا سابقاً على اتفاقات دولية، ويجب أن نطبق ما وقَّعنا عليه كأعضاء في حزب تركي رئيسي، إن المهمة بالنسبة لنا هي أن نطرح وجهة نظرنا ديمقراطياً.

محمد خير البوريني: ويسعى الفضيلة الذي ينبغي أن يكون وجهاً آخر لحزب الرفاه المنحل إلى مصالحة مع المؤسستين العسكرية والقضائية، تفادياً على ما يبدو لصدام جديد مباشر معهما، خشية سطوتهما واحتمال اتخاذهم لإجراءات جديدة لن تكون في صالحه بأي حال من الأحوال.

علي جوران: بتشكل الجيش من أبناء تركيا، أبنائنا وبناتنا، إنهم يحاولون حماية جمهوريتنا، إنهم يفترضون أن بعض الناس، وخاصة من حزبنا يُشكلون بعض الخطر على الجمهورية، وعلى الكيان الرسمي للدولة، إننا لسنا كما يفترضوننا، نحن نعمل على حماية بلادنا أكثر من الجيش، وأجهزة الأمن، والمؤسسات الأخرى، إننا نحُّب الجيش لأنهم أبناؤنا، ونحن ندعمهم بكل طاقتنا.

محمد خير البوريني: ومع تحول مؤيدي حزب الرفاه المنحل إلى مناصرة حزب الفضيلة الجديد، فقد تبنى هذا الحزب مجموعة من القضايا التي ورثها عن حزب الرفاه المنحل، ومن بينها الدعوة إلى تمكين العلاقات مع الدول العربية والإسلامية، بالإضافة إلى تبنيه المطالبة بإعادة فتح المدارس الإسلامية التي أغلقها النظام العلماني، المدارس التي يقول هذا النظام إنها سياسية، وإنه لابد من فصل الدين عن السياسة.

المدارس الإسلامية واحدة من مجموعة قضايا يلوح بها حزب الفضيلة، كانت قد دفعته للمطالبة بإجراء انتخابات مبكرة في البلاد، الانتخابات التي كان يعتزم خوضها دون تحالف مع أي من الأحزاب الأخرى، ويسعى حزب الفضيلة على ما يبدو إلى إحراج النظام العلماني أمام العالم في حال فوزه في تلك الانتخابات، كما يسعى أيضاً إلى إظهار مدى قوته على الرغم من حلِّ حزب الرفاه السابق الذي كانت بعض وسائل الإعلام قد تندرت بما وصف بتحالف زعيمه (أربكان) مع حزب (الطريق القويم) الذي تتزعمه (تانسو تشيللر) كما اتهمت (تشيللر) بمحاولة الحفاظ على قاعدة الرفاه الشعبية وإعطائها زخماً جديداً وقوة في الشارع التركي، وكانت تشيللر قد تعرضت لانتقادات لاذعة من سياسبين علمانيين بسبب العلاقة مع الرفاه المنحل.

علي جوران: نتوقع الحصول على أغلبية جيدة في الانتخابات المقبلة بما يؤهلنا لتشكيل حكومة، نتوقع ذلك ولكن على أي حال يمكن لأي شيء أن يحصل وهذا ليس مهماً، نحن نتوقع، ومن أجل ذلك كنا قد دعونا إلى إجراء انتخابات لعدة أسباب، أولاً: نزولاً عند رغبة الناس وسيكون بإجرائها قد لبينا لهم ذلك.

ثانيا: إن البرلمان سوف يتغير بعد الانتخابات فبعض رؤساء الأحزاب، والأحزاب سيخسرون، وأحزاب جديدة سوف تأخذ دورها وتظهر، هذا بالإضافة إلى أن الحكومة الآن لا تحظى بدعم الشعب التركي، لقد قاموا بتأسيس بعض المؤسسات العسكرية أو العمالية، إن ذلك لا يعكس ما يطالب به الناس من خلال البرلمان.

محمد خير البوريني: حزب الوطن الأم أسسه الرئيس التركي الراحل (توربوت أوزال) سنة 1983م ليكون حزباً علمانياً على الطريقة الغربية (أوزال) الذي كان لواء النهضة التركية الحديثة بعد أول رئيس للجمهورية التركية (كمال أتاتورك).

تنقسم قيادات هذا الحزب بين ثلاث تيارات: الأولى: هي اليمين الذي يغلب على الحزب. الثانية: هي تيار إسلامي ضعيف التأثير. أما الثالثة: فهو تيار(المحافظين).

يعتبر حزب الوطن الأم الحزب الثاني في تركيا من حيث التأييد الشعبي إذ يحتل المرتبة الثانية بعد حزب الرفاه السابق من حيث عدد مقاعد البرلمان، ويفسر ذلك التنافس الشديد بين التيارين الإسلامي والعلماني، منذ تسلمه السلطة يعمل حزب الوطن الأم بالتنسيق الكامل مع المؤسسة العسكرية التي يعتقد كثيرون في تركيا أنها هي الحاكم الفعلي للبلاد، المؤسسة التي ترى أن حزب الوطن الأم هو خير المدافعين عن المبادئ العلمانية التي أرساها كمال أتاتورك خلال العقد الثاني من هذا القرن، وكان قرار تغيير مدة الدراسة الابتدائية في تركيا من 5 إلى 8 سنوات ضمن آخر الخطوات التي اتخذتها الحكومة التركية السابقة، وذلك للحيلولة دون نقل أولياء الأمور أبنائهم بعد المرحلة الابتدائية المبكرة إلى مدارس الأئمة والخطباء، بينما هم في سن لا تسمح لهم بحسن الاختيار حسب رأي واضعي القانون الذين يتهمهم التيار المتدين بشن حرب شعواء ضد الفكر الإسلامي.

محمد كيشلر (نائب رئيس حزب الوطن الأم): جميع ادعاءات الحرب ضد الفكر الإسلامي في تركيا هي مغلوطة وغير صحيحة، عندما بدأت تركيا في تنفيذ فترة التعليم الإلزامي لمدة ثماني سنوات لم تبتعد في ذا القرار عن الدين الإسلامي، هذا القانون وكما يحدث في عدد من دول العالم اتَّبع نظام الثماني سنوات، أريد أن أوضح هنا إن درس التربية الإسلامية في المرحلة الإبتدائية وما يتبعها من مراحل هو إلزامي في تركيا، يتم تدريس الدين الإسلامي ابتداءً من الصف الرابع الابتدائي وحتى نهاية المرحلة الثانوية، وهذا الأمر مستمر منذ عام 1982م جميع المدارس مفتوحة، وما تم فعله هو ربط الدراسة الإعدادية والابتدائية في مرحلة واحدة بالإضافة إلى أن مدارس الأئمة والخطباء مفتوحة، المناقشات بهذا الخصوص كثيرة.

حزب الوطن الأم كان يدافع عن قانون التعليم المتعلق في أن يكون التعليم حراً واختيارياً في ذهاب الطالب إلى المدرسة التي يريدها، المدارس العادية أو غيرها من المدارس، واتفقنا ضمن إطار الحكومة، وخرجنا بقانون الثماني سنوات، وكنا مضطرين لذلك، هذا القانون على أي حال لا يخالف الإسلامي، بل أعتقد أن الإسلام يريد ذلك، والحديث الشريف يقول: "اطلبوا العلم من المهد إلى اللحد". ويفرق الإسلام بين من يعلم ومن لا يعلم، حيث تقول الآية الكريمة: (هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون).

محمد خير البوريني: كما ألحقت الحكومة التركية موضوع دروس القرآن الكريم التي كانت تتم في المساجد بوزارة الشؤون الدينية بدلاً من وزارة التربية وذلك بهدف السيطرة على نوعية المعلومات التي تقدم للدارسين، ولأسباب أخرى تقول الحكومة التركية: إن من بينها وقف عمليات غسل عقول صغار السن من قِبل شيوخ المساجد، وكان يلاحظ في عهد رئيس الوزراء السابق (مسعود يلمظ) أن وزير الشؤون الدينية التركي كان من قياديي الحزب الديمقراطي اليساري.

محمد كيشلر: الحزب الديمقراطي اليساري الذي يرأسه (بولاند أجاويد) حزب يفكر بطريقة مختلفة، نحن نرى أن تصبح الشؤون الدينية في تركيا بعيدة عن التداخل مع السياسة، وأن لا يتغير الوضع بالنسبة للشؤون الدينية بغض النظر عن الوزير الذي يتسلم حقيبة الشؤون الدينية، إدارة الشؤون الدينية انبثقت عن قانون مع ولادة الجمهورية، لا يمكن للوزراء أن يغيروا شؤون هذه الوزارة، وإن اختلفوا في التوجهات، لا يستطيع أي وزير أن ينفذ سياساته الخاصة في إدارة الشؤون الدينية، لا يجب على أحد أن يقلق بهذا الشأن، هذه مساومة بين الأحزاب وأثناء المساومة عادة تجري مناقشات كثيرة، ويتم بناءً عليها تقاسم الوزارات بين الأحزاب، وهذا ما حصل بالنسبة لوزارة الشؤون الدينية ليس في الأمر ما يتعلق بالفكر الخاص لأي حزب، إذا اعتقد البعض في العالم الإسلامي، إنما نفكر بها في مثل هذا الشأن خاطىء فهو مخطىء.

محمد خير البوريني: حزب الطريق القويم هو الأقرب إلى حزب الفضيلة في تركيا من حيث الطروحات السياسية والشعارات، كما أنه امتداد لحزب العدالة والمساواة الذي حلَّه العسكر في تركيا عام 1980م إثر تسلمهم السلطة.

يحتل حزب الطريق القويم 96% من مقاعد البرلمان التركي وقد أهَّله ذلك لاحتلال المركز الثالث في برلمان البلاد بعد حزبي (الرفاه) سابقاً و(الوطن الأم). تتكون قيادات الحزب من المدنيين المعتدلين، ويحظى بتأييد كبير من أبناء الطبقة الفقيرة والمتدينة، وقطاعات من سكان الريف والمدن الكبرى.

وكان (الطريق القويم) أول الأحزاب التركية التي أدخلت العنصر النسائي بين صفوف قيادتها وما تانسو تشيللر سوى مثال ساطع على ذلك، حيث كانت أول أمين عام لحزب تركي، وأول امرأة تصل إلى منصب وزيرة خارجية ورئيسة وزراء في وقت لاحق، معظم قيادات الحزب من السياسيين والعسكريين السابقين، ويرى قادة الطريق القويم أن حزبهم يجمع بين طروحات جميع التيارات التركية)، الأمر الذي يجعله قاسماً مشتركاً للشعب التركي حسب قولهم.

محمد غولهان (نائب أمين حزب الطريق القويم): يحتل حزبنا مكاناً وسطاً بين الأحزاب التركية، وفي إطارها -وإذا صح القول- نحتل مكاناً يمين الوسط في الحياة الاجتماعية، ويخطط كل حزب ويسعى إلى توفير فرص العمل الجيدة وجلب الاستثمارات ومستوى الحياة المناسب للمواطنين، حزب الطريق القويم يركز على كل ذلك معاً، وهذا ما يجعله مميزاً.

محمد خير البوريني: وبين ما تدفع قيادة الطريق القويم الشابة نحو تسلم مراكز القيادة داخل الحزب تدافع القيادة الحالية عن زعيمتهم تانسو تشيللر بشأن ما وجه إليها من اتهامات بالفساد وسوء الإدارة، وتحديداً من قبل حزبي الوطن الأم بزعامة رئيس الوزراء السابق مسعود يلمظ وحزب الشعب الجمهوري اليساري، كما يأخذ منافسو تشيللر عليها حملها للجنسية الأميركية علاوة على الجنسية التركية في محاولة للانتقاص من ولائها لبلادها.

محمد غولهان: تعلم أن الأحزاب متنافسة، وتعمل ضد بعضها البعض في كل الحالات، لقد تحدثوا لسنوات عديدة عن الفساد فيما يتعلق بتانسو تشيللر، وبقية قادة الحزب، ولكن ذلك ليس صحيحاً على الإطلاق، إنها أكاذيب، أكرر أكاذيب، وأذكرك بأننا قمنا بتشكيل لجنة برلمانية، وقامت بالتحقق من كل تلك الادعاءات، ولم يعثروا على شيء أبداً فيما يتعلق بالفساد، كما لم يعثروا على أي دليل بهذا الشأن، لم يعثروا على أي شيء.

محمد خير البوريني: لقد لاقت سياسة حزب الطريق القويم بزعامة تشيللر تأييداً واسعاً في صفوف أنصار حزب الفضيلة، سيما بعد تبنيها للحجاب بشكل شخصي فور حل حزب الرفاه، وتلتقي الأحزاب التركية الرئيسية الثلاثة، ومن بينها الطريق القويم على قواسم مشتركة من بينها السعي للحصول على عضوية الاتحاد الأوروبي، ولكنها تختلف في رؤيتها لإمكانيات حل المسألة الكردية التي تؤرق المسؤولين الأتراك.

وتقول تشيللر: إن حكومة يلمظ فشلت في التعامل مع حزب العمال الكردستاني، التي تقول إنها كانت قد نجحت في فتح حوار معه لإنهاء الصراع الدامي، الذي أودى بحياة عشرات آلاف الأشخاص خلال العقدين الماضيين كما نُقل عن تشيللر إتهامها لحكومة يلمظ بتلقي تعليماتها من المؤسسة العسكرية وأنها أبعدت البلاد عن الديمقراطية.

وتتواصل صراعات الأقطاب السياسية التركية المتباعدة التي لم يكن لاحتفالات الذكرى الخامسة والسبعين لتأسيس الجمهورية التركية التي قادها كمال أتاتورك أبو العلمانيين الأتراك على أنقاض الإمبراطورية العثمانية دوراً في تقريب بعضها من البعض.

أتاتورك الذي ينتصب ضريحه في وسط العاصمة (أنقره) كما تنتشر صوره في العديد من زوايا شوارع المدن التركية.

احتفالات مهيبة شهدها العيد الماسي لتركيا، ردد فيها المشاركون مئات المرات أسم أتاتورك، وتمت بمشاركة عدد من زعماء وممثلي دول العالم، ومن بينهم رؤساء جورجيا وتركمنستان وكازاخستان وأذربيجان الذين تربطهم مصالح مشتركة مع تركيا، كما حرص على حضور الاحتفالات الرئيس الإسرائيلي (عيزرا وايزمان) حيث ترتبط إسرائيل وأنقرة بعلاقات استراتيجية متينة، لكن تركيا تحاول التقليل من أهمية تلك العلاقة هرباً من الإحراج أمام عدد من الدول العربية والإسلامية.

الاحتفالات جاءت في وقت تجد فيه تركيا نفسها في طور محاولات ترسيخ مكانٍ لها في نظام عالمي مليء بالتحالفات السياسية، كما تأتي في مرحلة لا تزال تسعى فيها للحصول على عضوية الاتحاد الأوروبي، إضافة إلى عضويتها القائمة في حلف شمال الأطلسي، والأهم من كل ذلك هو إقامتها لهذه الاحتفالات في ظل استمرار خلافات أنقره مع معظم جيرانها كاليونان والعراق وإيران، بالإضافة إلى أرمينيا وروسيا، وسوريا، على الرغم مما يبدو تحسناً في علاقتها مع دمشق في الأونة الأخيرة، التحسن الذي يراه المراقبون شكلياً فقط.

على أي حال ينص ميثاق الجيش التركي على أنه حامي حمى دولة تركيا العلمانية، وبناء على ذلك قام على مدى الأربعين عاماً الماضية بثلاثة انقلابات أطاحت بحكومات مدنية، من بينها حكومتان رأسهما الرئيس الحالي للبلاد (سليمان ديميريل) الذي بات يتمتع الآن بمباركة ورضا المؤسسة العسكرية التي تؤكد بمناسبة وبغير مناسبة استمرار تمترسها خلف العلمانية في مواجهة أحزاب المعارضة، لا سيما الأحزاب ذات التوجهات الدينية، وإن كانت تلك الأحزاب قد اضطرت لتغيير برامجها لأغراض يقال: إنها تكتيكية.

الأحزاب التركية الكبيرة تسعى إلى تشكيل حكومة تنفرد في إدارتها، المتخصصون في شؤون الأحزاب يؤكدون على الدوام أن البقاء للأفضل، ويقول آخرون: البقاء للأقوى، ونقول في نهاية هذه الحلقة من (تحت المجهر): لا يصح إلا الصحيح، في تركيا أو في غيرها من دول العالم، إلى اللقاء.