مقدم الحلقة: ماهر عبد الله
ضيوف الحلقة: عدة شخصيات
تاريخ الحلقة: 19/08/1999




ماهر عبد الله
ماهر عبد الله: هذه ليست الانتفاضة الفلسطينية، وهؤلاء الجنود الإسرائيليون لا يطلقون قنابلهم المسيلة الدموع على متظاهرين فلسطينيين، هدف هذه القنابل هم يهود الفلاشا أو اليهود الإثيوبيون.

فبعد أن تركوا موطنهم الأصلي منخدعين بالعملية الاستعراضية التي انطلقت في النصف الأول من الثمانينات تحت اسم "عملية موسى" ثم "عملية سليمان" فوجؤوا بأنهم ليسوا يهوداً، أو هكذا أخبرتهم المؤسسة الدينية في إسرائيل، وأن عليهم بالتالي الدخول في عملية تهويد جديدة قبل أن يقع قبولهم في المجتمع اليهودي؟

اديسو مساله (من قادة الإثيوبيين اليهود –عضو كنيست سابق): لقد كان ذلك مؤلما جداً أنا معتاد على مثل هذه الظواهر، ولكن لا أحد يعتاد على الألم، فكل ألم تشعر به مر جديد، وما جرى لم يكن له ضرورة، وهذا حري بي بأن أمنع تكرار ذلك، المؤسسة الدينية هي الأكثر عنصرية في دولة إسرائيل إنها تميز ضدنا في كل شيء حتى يومنا هذا، فمنذ أن هاجرنا إلى إسرائيل والحاخامية الكبرى لا تعترف بيهود أثيوبيا كيهود شرعيين، وفرضت الشك حول يهوديتنا وطالبونا بعبور عملية تهويد المشددة، وقد قمنا عام 85 بمظاهرة كبيرة استمرت 32 يوماً على مدار الليل والنهار أمام الحاخامية الكبرى في القدس، وللأسف لم تحل المشكلة.

مظاهر العنف الإسرائيلي ضد يهود الفلاشا
ماهر عبد الله: وما كادت تهدأ زوبعة إشكالية كونهم يهوداً أم لا حتى لفتهم دوامة زوبعة أخرى، فكما قررت المؤسسة الدينية عدم الاعتراف بيهوديتهم، قررت المؤسسة الطبية في إسرائيل عدم صلاحية دمائهم، وبناءً عليه جرى إتلاف كميات من الدم كان قد تبرع بها مجموعة من يهود الفلاشا، وذلك بحجة الخوف من مخاطرة أن تكون هذه الدماء ملوثة بعدوى مرض الإيدز، وهي عملية لو وقعت في بلد من العالم غير إسرائيل لقامت الدنيا ولم تقعد حول معاداة السامية.

يهودي 1 من يهود الفلاشا: أينما ذهبت هناك حالة إيدز، ولكن لا يوجد تميز، من حقك أن تكون مريضاً، لكن لم أر في حياتي هذا النوع من التمييز.

يهودية 1 من يهود الفلاشا: لم أر شيئا كهذا.. يعاملوننا كحيوانات يرمون دمنا في سلة المهملات.. لا نستحق هذا.

مسؤول يهودي: ليس طبعاً تميزا بمعنى أننا لا نأخذ دماً من المجموعات التي قد تشكل خطرا صحياً، هناك حالات مخاطرة صحية أخرى لا نأخذ دمها، حقيقة أن لون البشرة مختلف هي مجرد مصادفة، مصادفة مؤسفة، لكنها مجرد مصادفة.

أديسو مساله: اسمع، إذا دخلنا في أمر كل ما تعرضنا له والظواهر التي واجهتنا، وكيف أن الحاخامية الكبرى حاولت إهانتنا، وبعدها أرسلوا أبناءنا إلى مدارس في الدرك الأسفل من السلك التعليمي، وحتى يومنا هذا فإن الأقسام الداخلية للشبيبة المهاجرة المخصصة لأبنائنا هي الأسوأ، لقد رسب أكثر من ألفي طالب منا، وتركوا التعليم، وتلك الفضيحة التي ذكرتها كانت عاصفة، وغاضبة، وصعبة للغاية.

بنك الدم توقف عن تلقي التبرعات من المواطنين الإثيوبيين، وطردوهم خارجاً، كيف يمكن لهذا أن يحدث؟ وإذا كان هناك مشكلة طبية ينبغي معالجتها، وليس إظهار هذه العنصرية ضدنا، هذه المشكلة لا تزال قائمة للأسف الشديد.

ماهر عبد الله: وهي مشكلة لم يجد في حلها تدخل الحكومة التي حاول رئيسها آنذاك (شمعون بيريز) احتواء الأزمة عن طريق الاجتماع مع وجهاء الفلاشا في إسرائيل، هكذا تحطمت الصورة الإنسانية الجميلة التي حاولت إسرائيل رسمها لنفسها أمام العالم بعد عمليتي "موسى" و"سليمان" لإنقاذ يهود إثيوبيا، فهاتان الطفلتان اليهوديتان لا تحتجان على معاداة السامية في أفريقيا، أو في بلد عربي، إنهما تحتجان على منعهما من الصلاة في كنيس يهودي فيما قيل لهما: إنها أرض الميعاد.

اديسو مساله: ما جرى مع الطفلتين (نتي -فوت) جزء من الظاهرة العامة التي خلقتها الحاخامية الكبرى، طفلتان لم تبلغا العاشرة بعد، ولدتا في دولة إسرائيل، شقيقتان إثيوبيتان اعتادتا على دخول الكنيس، والكنيس بيت الله، لو حدثني أحد أن الأغراب فعلوا ذلك باليهود لما صدقته، أو ليستا من خلق الله، طفلتان صغيرتان ساذجتان أرادتا الوصول إلى الكنيس، ليس للاستجداء أو لطلب الحاجة، إنما لتعلم التوراة، والتوراة نزلت للجميع لكل من يؤمن بها، نحن لا ننتظر أحداً يأتي ويقول ما إذا كنا يهوداً أم لا، أو يهود جيدون أو أقل يهودية، اليهودية مسألة إيمان، وأنا اليوم يهودي، وغداً قد أكون شيئاً آخر، ليست اليهودية حكراً على هذه الطائفة أو غيرها، ما معنى كل ذلك؟ نحن يهود فخورون، ولسنا أقل يهودية من غيرنا، بل العكس ربما أكثر، أليست هذه عنصرية؟

ماهر عبد الله: اديسو مساله يهودي أثيوبي، وقد كان عضواً عن حزب العمل في الكنيست السابق، ولكنه في الانتخابات التمهيدية التي أجراها الحزب قبيل الانتخابات الأخيرة لتحديد مرشحيه للكنيست، فقد مقعده على قائمة الحزب لصالح مهاجرة روسية فيما يعتقد أنه جزء من مؤامرة ضده لكونه إثيوبياً أسود البشرة.

اديسو مساله: إنني منفعل جداً، فأنا أول إثيوبي انضم إلى حزب العمل، وذلك عندما كنت طالباً في الجامعة قبل سنوات عديدة.. إنني أحب حزب العمل، وأريد أن يفوز في الانتخابات كي يصبح (إيهود باراك) رئيساً للحكومة المقبلة، ولكن اليوم وهذا المساء أنا اديسو مساله أصبحت ضحية سياسية لصالح (صوفا لندفرن) ممثلة اليهود الروس، آلاف الأعضاء وجمهور إسرائيلي واسع وفقط في حالتي تغيرت النتائج، النتائج لم تتغير بالنسبة لـ (عوزي بلعام) ولا (ألوسي بيلين) فقط في حالة اديسو مساله تتغير النتائج.

بعد أن أسقطوني من قائمة المرشحين للكنيست في حزب العمل قلت: إن هذا تصرف عنصري من جانب إيهود باراك، ولن أتراجع أو أعتذر، بل أنا لست نادماً على ما قلت بكلمات قاسية، ونبرة حادة وقوية، كان عليَّ أن أتصرف كما تصرفت تماماً، لأن قيادة حزب العمل من الموظف الصغير حتى القائد الكبير إيهود باارك ومنذ الإعداد للانتخابات التمهيدية تحالفوا جميعاً ضدي بشكل مقرف، وفي حين أن كل المتنافسين -وهم حوالي مائة- تنافسوا بصورة نزيهة كنت أنا فقط هدفاً للتصفية السياسية بشكل جدي.

أنت تعلم أن باستطاعة زعيم الحزب أن يؤيد من يشاء أو يعارض من يشاء، لكن في حالتي كانت هناك تعبئة جدية ومكثفة اشتملت على إساءة وأكاذيب لقد شعرت بذلك، لا أستطيع القول: إن كل حزب العمل، وكل من فيه عنصري، لكن الظاهرة وما حدث من تعبئة ضدي كان فيهما عنصرية.

ماهر عبد الله: هذا الوضع الذي يعيشه يهود الفلاشا اليوم ليس جديداً على إسرائيل، والمجتمع الإسرائيلي، فهو تكرار لحالات مماثلة وقعت في الأيام الأولى لتأسيس الدولة، فقد كانت هذه المعاملة العنصرية من نصيب قطاع آخر شرقي أيضاً هم اليهود المهاجرون من البلدان العربية.

سام بن شطريت (كاتب يهودي مغربي): لم يعترف المجتمع الإسرائيلي بنا، وبمساهمتنا الحضارية والثقافية في الشعر، والأدب، والفكر اليهودي، والشريعة اليهودية، فهذا لم يعرفوه ولم يعترفوا به، وكان هناك حاجة ماسة جداً كي يعترف المجتمع الإسرائيلي بنا، وهو ما استدعى إقامة حركة (بياحد)، وقد أقمتها بعد أن نشرت مقالة في صحيفة "معاريف" عام 79 بعنوان "صرخة مدوية" عندها اتصل معي أكثر من 40 بروفيسورا ورجال فكر من بين المهاجرين اليهود من أصول شمال أفريقيا، وأقمنا الحركة.

ماهر عبد الله: في أيامهم الأولى كان هؤلاء المشارقة أقلية بينما أصبحوا يسمون بالإسرائيليين، وتحت وقع الدعاية الصهيونية المفعمة باستنطاق التاريخ، والحاذقة في توظيف النصوص الدينية، والمليئة بالوعد بحياة أكثر رفاهية، وأكثر استقراراً، وجدوا أنفسهم يخرجون من دول مستعمرة أو حديثة عهد جداً بالاستقلال، وفاقدة لأي شكل من أشكال الاستقرار، إلى دولة يحيطها النظام العالمي برعاية واهتمام، ويقوم على أمرها نخبة من الرواد المنتمين إلى فصيلة الرجل الأبيض، ذي الحضارة، والثقافة، والقوة، والجبروت، هذا الأبيض لم يعد الأوروبي المستعمر، بل هو أخ في العقيدة والدين، وها هو يفتح أبواب مملكة إسرائيل ليشرب اليهودي -كل يهودي- من لبنها وعسلها، تماماً كما وعد الرب.

كان هذا هو الشعور الذي يملأ قلوب اليهود الشرقيين، وهم يتوافدون على ما يعتقدون أنه أرض الميعاد، لكن الحلم وحديث النفس شيء، وما كان ينتظرهم على أرض الواقع شيء آخر.

إيلي رديعة (يهودي يمني-رئيس مجلس بلدة جديرا): بالنسبة لرش القادمين من اليمن بالـDDT فلم أسمع عن ذلك من والدي، لكن القصة ترددت فعلاً، وهناك أمور أخرى سمعناها، فقد قالوا لكل من أراد الهجرة من اليمن إلى إسرائيل: إنه لا يجوز له حمل شيء معه من اليمن إلى البلاد، أي شيء من مقدسات، أو ذهب، أو أي ممتلكات، وأن كل من سيصعد إلى الطائرة ومعه أغراض سيتم إنزاله، وسمعنا أنه كان هناك من استغل هذا الأمر، وأخذ معه بعض الممتلكات، ولكن بالنسبة للرش بالـ DDT وقع شيء كهذا على ما يبدو، ولكن والديّ لم يخبراني به.

ماهر عبد الله: وأسوأ من هذا كانت بعض أطراف المؤسسة الحاكمة تلجأ إلى خطف بعض أبناء المهاجرين الشرقيين، لا سيما اليمنيين منهم، وتعطيهم لعائلات أوروبية لتبنيهم وتربيتهم تربية أكثر رقياً.

ديفد شوقر (يهودي يمني فقد ابنته ثم عثر عليها بعد عشرين عاماً): القصة أنه عندما وصلنا إلى (رأس العين) ولدت لنا ابنة، وأخذوها إلى بيت الأطفال، كنت دائماً أزورها برفقة والدتها، وبعد فترة جئنا لزيارتها فقالوا: إنها ليست لديهم، وقالوا: لا شيء لقد كانت مريضة، وأخذوها إلى المستشفى في القدس، سافرت برفقة عضو اللجنة الخاصة بنا، واسمه (شلومو شرعبي) وبحثنا عنها فوجدناها في المستشفى، وحاولنا أخذها فمنعونا بحجة أن ذلك لا يتم إلا بعد فحص الطبيب، قالوا لنا: اتركوها وعودوا بعد أسبوع، كنت أسافر وأشاهد الطفلة وألاعبها، ولم يُسمحوا لي بأخذها، وقد خلقوا لي الكثير من المشاكل، بعد شهر ذهبت إلى المستشفى، وسألتهم عن الطفلة، قالوا: إن سيدة جاءت وأخذتها! مَنْ هذه السيدة؟ فوالدتها لم تأخذها! ولم يحدث شيء كهذا، ماذا بوسعي أن أفعل؟ هل أقاتل الطبيب؟

قالت لي الشرطة: عد إلى بيتك، ونحن سنعالج الأمر، نعرف أين هي، ولكن لا نستطيع إبلاغك بشيء، بعد حوالي أسبوعين لم أستطع الصبر، وعضو اللجنة (شرعبي) كان يعرف كل شيء حتى اللغة العربية، فقال لي: سنذهب إلى الشرطة في (بيتحتكفا) وما قالوه لي من قبل أعادوه عليَّ هنا، قالوا لي: عد إلى بيتك ونحن سنبلغك ماذا تفعل، بعد شهر تقريباً لم أعرف ماذا أفعل، جاء إليَّ صحفيون، وكتبوا كل ما قلت، وكانوا يسألونني، وأنا أقصُّ ما يجري، إلى أن اكتشفوا ما حدث، لقد سبب لي الأمر الجنون، ولم أدر ماذا أفعل؟

كانوا دائماً يقولون لي: إن الطفلة موجودة، ولكن لا نستطيع إبلاغك بمكانها، لقد عثرنا عليها عند سيدة رومانية زوجة روماني لم ينجبا أولاداً، جاؤوا وأخذوها من (رأس العين) وتبنوها، بعد ذلك توفي الأب، وبقيت الأم، لكنهم أبلغوها عندما كانت في الثانية عشر من عمرها: إنها ابنة متبناة.

ماهر عبد الله: هل كانت ظاهرة اختفاء الأطفال شائعة في ذلك الوقت؟

ديفد شوقر: نعم.. نعم، كانت ظاهرة شائعة، ويقولون: إن حوالي خمسمائة طفل قد اختفوا.

ماهر عبد الله: مَنْ كان يأخذ الأولاد؟

ديفد شوقر: كانوا يأتون سواحاً وبدون أولاد، وبدون شيء، وهذا كان معسكراً كبيراً في (رأس العين)كانوا يأتون، ويأخذون، وكان لديّ ولدي الأول، وقد كان على وشك أن يختطف، إذ إنني جئت لزيارته، وإذا بي أرى شخصاً مغطى الرأس يأخذ الولد، سألته: أين تأخذ الولد؟

ماهر عبد الله: مَنْ تتهم؟

ديفد شوقر: مَنْ أتهم؟!! لقد كانوا مدراء وقد ولى (بديحي) وانتهى.

ماهر عبد الله: لماذا أخذوا أولاد اليمنيين بالذات؟

ديفد شوقر: كان هناك مَنْ له عشرة أولاد، وكانوا يأتون، ويأخذون ولداً واحداً، ويقولون: ولد أقل لن يضركم.

ماهر عبد الله: بعد أن وجدت ابنتك هل ذهبت إلى الشرطة أو المحكمة؟

ديفد شوقر: لا، وماذا تنفع المحكمة؟ الشرطة قالت لي: لا تذهب إلى أحد، إننا نعرف كل شيء ولا نستطيع إبلاغك بأي شيء.

إيلي رديعة: بخصوص هذا الموضوع فإنه منذ ظهور الادعاء حول بيعهم أو تهريبهم خارج حدود الدولة، أو منحهم لعائلات لتبنيهم في أرجاء العالم، وهذه الرواية متواصلة حتى يومنا هذا، وقد أقيمت عدة لجان لمعالجة الأمر، وجمعت إثباتات تؤكد أن ذلك حصل فعلاً، وهناك من عثر على ابنه أو ابنته في نهاية المطاف، وأستطيع أن أشهد بأن أحد سكان بلدة(جديرا)قد عثر على ابنته بعد سنوات طويلة، لكن ذلك كان حادثاً منفرداً، وهناك آخرون غيره، على كل حال اختفاء الأطفال اليمنيين حقيقة فعلاً.

ماهر عبد الله: ولكن يهود الشرق لم يتنبهوا إلى سوء أحوالهم، وإهمال النظام لهم إلا بعد قرابة العشرين عاماً، ووقع التغير الأكبر والذي عكس حدوث تغيرات كبري في أوساط اليهود الشرقيين في الانتخابات العامة التي حدثت عام 77، فبعد ثلاثة عقود من تفرد حزب العمل -الذي كان يعتبر حتى ذلك التاريخ- بمثابة التيار الرئيسي، والوسطي، والغالب في الحركة الصهيونية، بعد تفرده كل هذه المدة بالحكم انقلب عليه الشرقيون بعد أن حملوه مسؤولية الأوضاع المزرية التي وجدوا أنفسهم عليها، وعاقبوه بالتصويت لخصومه السياسيين الممثلين في تجمع (الليكود) بزعامة رئيس الوزراء السابق مناحم بيجين.

وهكذا وجد تجمع الليكود نفسه يخرج فجأة من هامش السياسة، واحتراف المعارضة إلى سدة الحكم، وكان رهان الشرقيين أن الليكود سيكون أكثر تفهماً لقضاياهم، ومشاكلهم من حزب العمل.

سام بن شطريت: لا أقول: إنهم في أقصى اليمين، ولكن أقول إنهم في الوسط، ربما هذا نتيجة ما مثلته حركة (مافاي) وفي تلك الفترة، مثلت مافاي شدة، وحزماً، ونهجاً لم يرغب الشرقيون في التماثل معه، وقد عانوا لأنهم لم يعترفوا بهم، ولا بواقع ثقافتهم، ولا بغنى حضارتهم الروحية.

ماهر عبد الله: لكن إذا كان على اليهود الشرقيين أن ينتظروا 30 عاماً ليكتشفوا حقيقة موقف أحزاب اليسار الصهيوني منهم، فإن جزءاً كبيراً منهم عرف حقيقة اليمين الصهيوني في فترة أقل من هذا بكثير، ففي عام 84، وبعد رفض السلطات الإسرائيلية تجديد فترة ولاية الحاخام (عباديا يوسف) حاخاماً للطائفة الشرقية، تداعى مجموعة من أتباعه وأنصاره لرد الاعتبار له، وذلك عن طريق تأسيس حزب سياسي جديد يمثل طموحات اليهود الشرقيين والمغاربيين تحديداً، على أن يكون عباديا يوسف زعيماً روحياً لهم، وهكذا قام الحزب بقيادة شاب مغربي مغمور في أوائل العشرينات من عمره، كان مملوءاً بالحيوية والطموح، ويدعى(أري درعي)وكان درعي يحظى بالثقة المطلقة للأب الروحي للحزب الجديد الحاخام يوسف.

الحاخام عباديا يوسف لو لم يكن يهودياً لكان قومياً عربياً بامتياز، فهو عراقي المولد، وشغل منصب الحاخام الأكبر للطائفة اليهودية في مصر، وهو اليوم يقود تجمعاً من المغاربة في إسرائيل، ولعله كان العامل الأكبر في رد الاعتبار لليهود الشرقيين هناك، ففضلاً عن زعامته الروحية والتوجيهية(لحزب شاس)ورغم وجود حاخام رسمي خاص بالطائفة الشرقية إلا أن سياسيّ إسرائيل الراغبين في الحصول على أصوات اليهود الشرقيين يجدون لزاماً عليهم زيارته، والتبرك بدعواته.

لم تعبر ولادة شاس عن تبلور وعي سياسي جديد يقوم على أسس إثنية أو عرقية فحسب، بل شكلت كذلك تعبيراً عن وعي ديني جديد يقوم على أسس إثنية وعرقية، فالحاخام عباديا يوسف كان عضواً بارزاً فيما يسمى بحكماء التوراة، الذي كان يشرف على أعمال الحزب الديني الإسرائيلي المسمى (أغودات إسرائيل) وانسجاماً مع الثقافة السياسية والاجتماعية السائدة كان حزب أغودات إسرائيل يجسد القيم الاشكنازية الأوروبية، حتى وإن كان حزباً دينياً صرفاً، فعدل عن غلبة الإشكناز في زعامته، إلا أن رمز أوروبته واشكنازيته الأكبر تمثل في اعتماده لليبش لغة للدراسات الدينية والتوراتية، وهي لغة هجين تمزج بين العبرية القديمة وبعض اللغات الأوروبية، لا سيما الألمانية، فهذا ما كان يؤرق الحاخامات الشرقيين الذين كانوا يريدون تبني العبرية لغة دينية.

سام بن شطريت: عليك أن تفهم شاس، فقد كانت شاس جزءاً من أغودات إسرائيل، وهنا أستطيع القول لك: إنه إذا أدعيت أنه لا يوجد تمييز متعمد ظاهر في دولة إسرائيل، فإنني لم أقل لك الحقيقة كلها، فعلى الأقل في أوساط المتدينين، وتحديداً من جانب أغودات إسرائيل هناك تميز مقصود وغير مخفي تجاه أبناء الطوائف الشرقية، والتاريخ يقول ويؤكد: أن آري درعي نفسه واتباعه توجهوا إلى أغودات إسرائيل، وإلى زعيمها (بورش) واستعطفوه أن يمنحهم المكان السابع أو الثامن في قائمة المرشحين للكنيست، لكنه رفض، عندها أقاموا شاس ضد أغودات إسرائيل.

الحاخام مئير بورش (زعيم حركة أغودات إسرائيل): نعرف أن شاس كلما تواجدت أكثر في السياسة جمعت أناساً غير متدينين، لأنهم كأبناء للطوائف الشرقية غير متدينين ويصوتون لشاس لأنها حركة طائفية، هم خلافاً عنا لا يركزون على الدين، لقد جاؤوا للاعتصام لأداء الصلاة ضد المحكمة العليا، لكننا نحن من قاد العملية، نحن القيادة لأننا نضع مسألة الدين والإيمان في صدارة سلم أولوياتنا، وهذا معناه أن الدين هو الأول لدينا وليس الطائفية.

ماهر عبد الله: هكذا جاء تأسيس شاس، كردة فعل على السيطرة الإشكنازية العلمانية والدينية، على رموز السيادة وصنع القرار في إسرائيل.

دودي زلبرشتاين (رجل إعلام): الوضع الآن أن جميع القضاة الإثني عشر في المحكمة العليا هم من الإشكناز الغربيين، وجميعهم من نخبة معينة، دولة على دولة إسرائيل، وتقود فيها ديكتاتورية قضائية.

إيلان حسن (من أنصار حركة شاس): هذا الأمر متواصل منذ أربعين سنة، ولم يصل نهايته بعد، وفي رأيي ستتسع الهوة أكثر.

أحد أنصار حركة شاس1: منذ أن كنت في سن السابعة وأنا أعيش في هذه الدولة، وقد جئت إليها من المغرب، وعلى مدار ثلاثين عاماً عانينا من الاضطهاد والتمييز العنصري من جانب السلطات، إلى أن قامت حركة شاس بقيادة الحاخام آري درعي البينة على كل ما أقوله هو أنه وقبل قيام شاس كانت البلدات، وكذلك القرى العربية في إسرائيل لا تتقدم بشكل معقول إلى أن قامت شاس، وجاء درعي ووقف على حال الفقراء الذين تم التمييز ضدهم بشكل عنصري، ولا أتراجع عما أقول، لقد عانينا من الاضطهاد فعلاً، لقد كنت عام 69 أمين سر إحدى البلدات، وذلك حتى عام 73 وشعرت في كل المؤسسات الرسمية التي قصدتها بالعنصرية والتمييز ضدنا كشرقيين، ونحمد الله على قيام شاس، لقد تصرف درعي بالمساواة تجاه كل سكان الدولة.

ماهر عبد الله: شارك حزب شاس في انتخابات عام 84 وحصل على أربعة مقاعد، رفعها في انتخابات 88 و92 إلى ستة مقاعد، ولفت نشاط زعيمه درعي الأنظار، وتقدم الحزب بخطوات متسارعة ليرفع عدد نوابه إلى عشرة عام 1996م ثم إلى سبعة عشر عام 99 ليصبح بذلك ثالث أكبر حزب في إسرائيل اليوم.

ومنذ أن تأسس الحزب وهو يشارك في الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، وواقع الحال في إسرائيل اليوم أنه لا يمكن تشكيل حكومة أكثرية في إسرائيل دون مشاركة شاس.

سام بن شطريت: شاب مغربي من مراكش يدخل الانتخابات فيحصل على سبعة عشر مقعداً، هذا أمر بالتأكيد قد سبب هزة عنيفة للمجتمع الإسرائيلي.

ماهر عبد الله: لاشك أن درعي وشاس أحدثا هزة عنيفة توجت حالة التململ التي كان يعيشها اليهود الشرقيون، وقد ساهم الحزب في تغيير الخارطة السياسية، والخارطة الفكرية في إسرائيل، وتحول اليهود الشرقيون الذين يمثلون نصف عدد الناخبين إلى قوة سياسية لم يعد بإمكان أحد تجاهلها، والمقولة الشائعة في إسرائيل اليوم أنك إذا أردت أن تكون رئيساً لحزب سياسي فأنت بحاجة إلى أصوات الإشكناز أما إذا أردت أ ن تصبح رئيساً للوزراء فعليك اجتذاب أصوات السفردين، ولا شك أن شاس ودرعي جسدا طموحات الكثيرين من اليهود الشرقيين.

إيتان بادره (من أنصار حركة شاس): لقد منح أري درعي جمهور الشرقيين الإقدام، ورفع رأس جمهور السفردين في دولة إسرائيل، نعم رفع رأس اليهود الشرقيين في دولة إسرائيل.

أكيفا إلدار (محلل سياسي -صحيفة هارتز): نتنياهو بحاجة إلى درعي أكثر من أي وقت مضى، بحاجة إلى شاس أكثر من أي وقت مضى، فهذا هو أساس قاعدته الشعبية.

ماهر عبد الله: لهذا حاول نتنياهو استمالة شاس بكل الوسائل للبقاء إلى جانبه، ولجأ إلى أساليب أثارت عواصف سياسية، مثلما حصل عندما حاول تعبئة أحد الآباء الروحيين لشاس ضد اليسار الإسرائيلي، وهو لا يعلم أن همسه مسجل.

بنيامين نتنياهو [مسجَّلاً]: لقد نسي اليسار معنى أن تكون يهودياً، فهم يظنون أنه يمكن وضع أمننا بيد العرب، سنعطي العرب جزءاً من أرضنا.. العرب سيحموننا، هل سمعت شيئاً أسخط من هذا؟!

ماهر عبد الله: ولكن ورغم التأثير غير العادي الذي يتمتع به الحاخام (اسحاق قادوري) شعبياً، وسياسياً داخل شاس، وخارجها إلا أن محاولات نتنياهو باءت بالفشل، فشاس أكثر مرونة من الأحزاب الدينية التقليدية في إسرائيل، وهو يعرف قوته السياسية، ويعرف بالتالي كيف يوظف هذه القوة مع أي شريك سياسي، ولهذا تمكن من التواصل مع إيهود باراك إلى اتفاق شارك بموجبه شاس في الحكومة الحالية.

لكن كان على شاس أن يشارك بمعزل عن زعيمه، فالشاب المغربي أحدث هزة أخرى حين اضطر إلى الاستقالة من زعامة الحزب بعدما أُدين قضائياً بجرائم مالية، وحُكم عليه بالسجن قبل الانتخابات الأخيرة بقليل، وهو توقيت فتح الباب واسعاً أمام التفسيرات السياسية، لا سيما وأن القضاة الذين أصدروا الحكم كانوا من الإشكناز.

أحد أنصار حركة شاس2: نعرف أن محاكمة درعي هي محاكمة لجميع أبناء الطائفة اليهودية الشرقية، وهي ليست ضد درعي فقط، فهم يمارسون ضدنا التمييز العنصري.

إيلان حسن (من أنصار حركة شاس): ما يجري لآري درعي بسبب كونه من أصل شرقي، وأيضاً لأنه متدين، لقد بدأ حياته السياسية صغيراً بالسن، ويبدو أن هذا يقلق وسائل الإعلام والحكام في إسرائيل الذين يسيطرون عملياً على كل شيء، وأؤمن أن الرد سيكون في صناديق الاقتراع.

ماهر عبد الله: وقد جاء الرد سريعاً، فقد ارتفع عدد نواب شاس في الكنيست إلى سبعة عشر مما رسخ من مكانته كشريك لازم لكل تحالف حكومي في إسرائيل مهما كان لونه السياسي.

أدرك باراك القوة السياسية المتصاعدة لليهود الشرقيين منذ اعتلائه عرش حزب العمل، ولهذا سارع إلى الاعتذار الرسمي والعالمي لليهود الشرقيين عما لاقوه من من تمييز واضطهاد تحت الإدارات العمالية المتلاحقة، وهو اعتذار وجد استنكاراً من القيادات التاريخية للعمل مثل رئيس الوزراء الأسبق شمعون بيريز الذي اعتبر الاعتذار إهانة لمن أسماهم بالآباء المؤسسين للدولة، ولكن الفوز برئاسة الوزراء أهم من الآباء المؤسسين للدولة، فالاعتذار سهل عليه التفاهم مع شاس، كما مكنه من الدخول في التحالف مع حزب مغربي آخر هو حزب (جيشر) الذي يقوده (ديفيد ليفي).

إيهود باراك (رئيس الوزراء الإسرائيلي): بناتي يحملن في دمائهن كل الأصول، فهن يهوديات، وإسرائيليات، وأيضاً اشكنازيات، وسفرديات، بناتي حلقة شخصية تم في فسيفسائها جمع الشتات في قائمة إسرائيل واحدة.

وحركة جيشر بقيادة ديفيد ليفي التي تحمل معها حساسية، ومشاعر اجتماعية مركزة، وقصة جميلة ومؤلمة في الوقت نفسه للهجرة الكبرى في الخمسينيات، والتي تحولت إلى عمود أساسي في بناء الشعب والدولة، وجيشر هي جسر إنساني من التقاليد الشرقية، الغنية، المعتدلة، والعقلانية.

ماهر عبد الله: المؤسسة الرسمية الإسرائيلية الإشكنازية الطبع أدركت متأخرة سوء فعلتها مع اليهود الشرقيين، ولهذا تجد نفسها اليوم تتعامل مع مجتمع إسرائيلي منقسم على نفسه، كما تجد نفسها مضطرة للخضوع لشروط من أدرك قوته الانتخابية من الشرقيين، واعتذار باراك الذي جاء متأخراً لم ينبع من صحوة ضمير متأخرة، بقدر ما نبع من تصاعد القوة السياسية لبعض اليهود الشرقيين، ولهذا ما زالت فئات أخرى في المجتمع الإسرائيلي تعاني من التمييز.

اديسو مساله: قبل عام من اليوم طلب باراك السماح والمغفرة من أبناء الطوائف الشرقية، واعتذر لهم عن الأضرار التي سببها لهم حزب العمل، أنا لن أنتظر عشرين سنة حتى يأتي باراك ويطلب السماح والمغفرة من أبناء المهاجرين الأثيوبيين.

ماهر عبد الله: في خضم هذا الصراع الداخلي على مَنْ يهمش مَنْ؟ ومن يعتذر لمنْ في إسرائيل؟ تتجاهل الفئات اليهودية المختلفة أنها جميعاً تشترك في اضطهاد وتهميش سكان البلاد الأصليين من الفلسطينيين.