مقدم الحلقة فؤاد عليوان
ضيوف الحلقة - عدة ضيوف، -
تاريخ الحلقة 22/07/1999




خليل شتوي
مروان فارس
وليد جنبلاط
شفيق الحوت
هذا الفيلم يروي حكاية شعب أجبرته نتائج حرب 1948 على اللجوء إلى لبنان. وها هو بعد واحد وخمسين سنة على احتلال فلسطين ما انفك يتطلع بحنين لا يخبو نحو أرضه ودياره وما فتئ حلم العودة يداعب مخيلة أبنائه ويوقظ مكامن الحنين في أفئدتهم ووجدانهم.

عاش اللاجئون الفلسطينيون في لبنان في منازل مؤقتة ورفضوا منذ البداية أن يتخلوا عن مفاتيح بيوتهم في فلسطين وحملوا معهم صور الأحبة في ترحالهم المضني، لكن الغيبة طالت والرحيل صار إقامة وراح الوطن يتناءى والعودة باتت حلماً.

خمسون عاماً من المنفى ها هي الأجيال تتعاقب وعيون أفرادها لم تعرف روابي الكرمل ولا سهول عكا ولا تلال الخليل، لكن الوطن مازال مقيماً تحت الأجفان وبين الضلوع.

ليس المخيم مكاناً جميلاً للعيش لكنه مساحة كافية للدفء وللبحث عن الطمأنينة المفتقدة.

فؤاد عليوان: ما عاد المُخيَّم فسحةً للعيش الإنساني، بل صار رمزاً للتحفز من أجل العودة وعنواناً للشقاء اليومي والهلع الإنساني، وفي المخيمات يعيش الفلسطينيون وهم يصارعون أقدارهم متشبثين بالبقاء، لعلهم يوماً ما يُولدون من أجل الحياة، المخيم – باختصار – هو تكثيف ثاقب لحكاية الفلسطيني اللاجئ، لقد صار المخيم رمزاً متعالياً على الواقع، ولكن ماذا عن الواقع حقاً؟

في الثالث عشر من أيلول سبتمبر عام 93 وفي حديقة البيت الأبيض، وبحضور كل من الرئيس (بيل كلينتون) و (ياسر عرفات) و (اسحاق رابين) وقَّع كل من (شيمون بيريز) و (محمود عباس) اتفاقاً اشتهر باسم اتفاق أوسلو، اتفاق أوسلو هو باختصار إعلان مبادئ ينص على إعطاء الفلسطينيين حكماً ذاتياً في جميع أمور حياتهم ما عدا الأمن والسياسة الخارجية، وكان لتوقيع هذا الاتفاق وقع مفاجئ في المنطقة العربية وأبعاد سياسية تركت آثارها على الوضع العربي برمته، واعتُبر خطوة غيَّرت الكثير من الثوابت في المنطقة.

شفيق الحوت (عضو المجلس الفلسطيني المستقبل): أنا أعتقد أن أوسلو لم تكن فقط مؤامرة على الشعب الفلسطيني، وإنما كانت مؤامرة كذلك على هذا الأسلوب من النضال، الأسلوب السلمي في البحث عن حل عادل.

بداية مأساة الاجئين
فؤاد عليوان: فتح اتفاق أوسلو المجال واسعاً أمام بعض الدول العربية كي تخطو خطوات حثيثة نحو التصالح مع إسرائيل بعدما كان الاتصال بها أحد المحرَّمات الشائعة في عالم السياسة العربية.

وليد جنبلاط (نائب لبناني ووزير سابق): الخطأ الاستراتيجي للمثل الشرعي للشعب الفلسطيني، الممثل الشرعي بين هلالين، لأنه فلسطين عربية فلسطين مش بس فلسطين.. فلسطين عربية اللي كان فيه عرفات في أوسلو أول وثاني وآخر واحدة اللي مسحت (واي).

ياسر عرفات: إن معركة السلام أيتها السيدات والسادة هي أصعب معارك حياتنا، وهي تستحق منا كل الجهود لأن أرض السلام، لأن أرض السلام تتوق للسلام العادل والشامل.

د. مروان فارس (نائب في المجلس النيابي اللبناني): كل من يساند (إسرائيل) في الاستيطان، وفي الاعتداء على الأرض، والاعتداء على المواطن، كل هذا يرتكب جريمة بحق الشعب الفلسطيني.

سهيل الناطور (رئيس تجمع حقوق الفلسطينيين): لقد قاتلنا، وناضلنا، وضحينا، وتحملنا تدمير مخيماتنا في لبنان في صراعنا في سبيل العودة إلى فلسطين تحت راية منظمة التحرير الفلسطينية، وعندما وقَّعت قيادة منظمة التحرير على أول اتفاق مع إسرائيل تخلَّت عنا بكاملنا.

فؤاد عليوان: لم يتمكن اتفاق أوسلو من حل المشكلات الكثيرة المتراكمة، فتوالت اتفاقات تطبيقية على فترات متباعدة، وآخرها اتفاق (واي ريفر) الذي نص على انسحاب إسرائيل من 10% من الضفة الغربية وتسليمها إلى السلطة الوطنية، وثلاثة بالمائة تكون أراضي محمية، ولكن وبالرغم من هذه الاتفاقات – مازال العديد من القضايا الأساسية بلا حل، وأبرزها قضية اللاجئين الفلسطينيين.

وقعت فلسطين تحت الانتداب البريطاني في الحرب العالمية الأولى، وعلى امتداد 30 عاماً تدفقت مئات الألوف من اليهود إلى فلسطين برعاية من سلطات الانتداب، وبوعد مها بإنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين، وفي آيار/مايو من عام 48 ومن قاعة متحف (تل أبيب) تم إعلان قيام دولة إسرائيل، وقراءة وثيقة الاستقلال، وفي اليوم التالي اجتازت الجيوش العربية الحدود الفلسطينية لكنها لم تلبث أن خرجت منها بهزيمة قاسية، بسقوط فلسطين بأيدي الصهيونية بدأ فصل جديد بتاريخ المنطقة العربية، وكان من نتائج ذلك أن غادر فلسطين أكثر من 800 ألف فلسطيني، اتجه قسم قليل منهم إلى العراق فيما اتجهت الأكثرية نحو سوريا والأردن وغزة ولبنان وقد بلغ عدد الفلسطينيين الذين لجؤوا إلى لبنان في العامين 48 و49 نحو 130 ألف لأجيء، وقد عانوا المرارة تلو المرارة، وألم التشرد فوق فقدان الوطن.

"ادخلو بلدكم لبنان" الرئيس بشارة الخوري

سكن اللاجئون بداية في جنوب لبنان، ووُزعوا لاحقاً على كافة المناطق اللبنانية، المخيمات الباقية بعد الحرب الأهلية اللبنانية هي كالتالي: في بيروت مخيم (مار إلياس)، (شاتيلا) و(برج البراجنة)، في (صيدا) مخيم (عين الحلوة) و ( المية مية)، في (صور) مخيم (البص) و ( برج الشمالي) و ( الرشيدية)، في (طرابلس) مخيم(نهر البارد) و (البداوي)، في (بعلبك) مخيم(ويفل) أو (الجليل).

ها هي بيروت تخرج من تحت الركام، كانت بيروت مدينة متلألأة وثابتة ومشاكسة، فعصفت بها الحرب فحولتها مدينة منكوبة، كانت بيروت مدينة شابة ذات مشروع للتقدم والتحرر والنهوض، فإذا بها مدينة ذات مشروع وحيد وهو مشروع إعادة إعمارها، غير أن إعادة إعمار بيروت لا تلحظ أي إعمار للمخيمات، ولعل إعمار المدينة سيكون على حساب المخيمات المهددة بالجرف والإزالة.

اللاجئون وأمل العودة لا يفارق مخيلتهم
الضجيج والزحام سمة هذه المدينة التي تضج اليوم بالحيوية، بينما زحام المخيمات يكاد يكشف مأساتها، فالبيوت متلاصقة مثلما تتلاصق زنازين السجون، عاش –وما زال يعيش- القسم الأكبر من الفلسطينيين في لبنان في شبه معازل وهي المخيمات، حيث طوروا فيها أيديولوجيات ناقمة إزاء السلطات كلها، وفي هذه المعازل حافظوا على لهجلتهم المحلية، وكرَّسوا إلى حد كبير انقساماتهم الاجتماعية والعائلية الموروثة، والتقاليد الريفية المألوفة، وفي اتجاه معاكس كانت النُّخب المالية، والاقتصادية، والثقافية الفلسطينية التي غادرت لبنان في السبعينيات تندمج بالمجتمع اللبناني رويداً.. رويداً وتبرز مهاراتها الناجحة، ولكن الوضع انتهى مع تحول المخيمات إلى مراكز للفدائيين المسلحين خلال الحرب الأهلية اللبنانية، ولم تبق سوى الأوضاع المريرة المتدنية في الأحوال الصحية والتزايد السكاني.

سهيل الناطور: ما فيه شوارع، فيه أزقة صغيرة، لأنه عندما بُنيت بالبداية كان هناك شبه شوارع وبيوت مريحة نسبياً ثم بدأت تضيق، لأن كل واحد بدأ يبني غرفة ومرحاض وكذا أو بدأ يصعد صعوداً، لذلك هذا التركيب اللاهندسي الفطري الذي لا يتمتع بأي مواصفات صحية، في قضية الإضاءة، في قضية وصول المياه بشكل كافي، في قضية البنية التحتية، أي وجود مجاري وغيره لا توجد في المخيمات.

وللأسف عندما كانت الثورة الفلسطينية قائمة في لبنان ولها نفوذ على المخيمات قدمت الكثير ولكن منذ عام 82 حتى الآن لم نستطع حتى أن نعيد ما تدمر بسبب الحرب وما تلاها، ولذلك نجد أوضاع المخيمات الآن مهترئة وشديدة التخلف في المعايير البيئية والصحة البيئية إحدى المشكلات الكبيرة للفلسطينيين في لبنان.

قاسم عينا (المنسق العام للجمعيات الأهلية العاملة الفلسطينية في لبنان): اليوم عدد الفلسطينيين في لبنان، وفق ما أعلنته الحكومة اللبنانية 400 ألف، فالمخيم بمساحته الجغرافية التي أعُطيت للـ 100 لف ما زالت هي هي، فلذلك هناك مشاكل صحية واجتماعية ناتجة عن الكثافة السكانية لهذه المخيمات.

فؤاد عليوان: عندما استُقبل اللاجئون الفلسطينيون على الحدود اللبنانية الفلسطينية أعلن أمام المجلس النيابي وزير الخارجية آنذاك (حميد فرنجية) "سنستقبل اللاجئين الفلسطينيين في لبنان مهما كان عددهم، ومهما طالت إقامتهم، لن نتسامح لأي امتهان يلحقهم، وما يصيبنا يصيبهم، وسنقتسم فيما بيننا آخر لقمة خبز" ولكن لقمة الخبز لم تترك أي فسحة للشمس والهواء في المخيمات، تماماً مثلما لم تترك المصائر السياسية أي فسحة من الأمل أمام اللاجئين للعودة إلى ديارهم.

المكان ضيِّق حتى للأطفال، والتلوث فرد من العائلة، المخيمات أشبه بزرائب بشرية حيث النوم، والأكل والمراحيض المشتركة تتجاور معاً بشكل يومي، خلِّعت الحرب أبواب المدينة، لكنها أنشأت الكثير من بيوت الصفيح التي اتسعت حتى صارت شبه مخيمات، التهجير، وفقدان البيوت الأصلية وتدمير المخيمات أدت كلها إلى هذا المصير، هنا يتعايش الناس مع الأمراض والمياه الآسنة في مكان واحد.

لاجئة 1: لا حمامات فيه، ولا مية، ولا شي، هاي وقاعدين هون، الحمامات مشتركة العالم كله الآن ولادنا عم تمرض وكل يوم مستشفيات.

لاجئة 2: وعدة مرات بيجوا بسجلونا على أساس –يقولوا- بدنا نطلعكم بدنا نظبطكم، وهاي وش الضيف ما بنعود نشوف حدا فيهم، ولا حدا ميه ما في، حمامات ما في، هيك ما عيشة هاي يعني نشكو لمن.. إحنا الكبار، إحنا الكبار نتحمل، بس هاي الأطفال ما بتتحمل.

لاجئة 3: انتو بدكوا تعيشوني، بدكوا تطعموني وتسقوني أنا عشت، وعايشة في المزبلة، سامعني عايزين حبة بلاستيك، حبة تناك.. كرتونات لحتى (تزلعط) اللقمة، من أين بدي آكل أنا؟

فؤاد عليوان: التلوث في كل مكان والبيئة المحيطة منبت لكافة الأمراض السارية، والخدمات الصحية في حدها الأدنى، والمستشفيات أشبه بمستوصفات الخدمة العاجلة، والحياة اليومية لا ترقى أبداً إلى مستوى العيش الإنساني الكريم.

طبيب فلسطيني في المخيمات: الظروف صعبة، والناس ما عندها إمكانيات مادية إنها تطلع خارج المخيم، تسكن في شقق واسعة ومضيئة تدخلها الإنارة والتهوية، فعدم التهوية وعدم الإضاءة بيؤدي إلى أمراض كثيرة تصيب (الروايا) ومنها حالات السل، عدا عن ذلك نتيجة إنه ما فيه اهتمام في البيئة اللي موجودة داخل المخيم، الشوارع والمجاري اللي بتنكسر، ولعدم الاستخدام طبعاً الجيد للمواد المعقمة والمطهرة لأن إمكانيات الناس ما فيها عندها تؤدي إلى التلوث.

فؤاد عليوان: ما عاد المخيم يتسع لسكانه، تضاعف اللاجئون أكثر من ثلاث مرات خلال نصف قرن، لذلك راحت البيوت تتمدد إلى الأراضي المجاورة، فإن عجزت عن التمدد ارتفعت الطبقات بعضها فوق بعض، لم يترك التزايد السكاني أي مساحة للأطفال والفتيان، فتراهم ذاهلون في الشوارع والأزقة بين عربات الخضار وأصوات الباعة وزحام الأرجل.

سهيل الناطور: لأن الفلسطينيين عم يعيشوا في المخيمات، ومساحة المخيم المستأجرة من قبل "الأنردا" (وكالة غوث اللاجئين) ضيقة وعددهم عمَّال بيزداد، فكانوا مضطرين أن يبحثوا.. إما بتوسع المنازل على الأرض أي أفقياً، أو إذا ما سُمح أفقياً أن يتجهوا عمودياً، عمودياً كان القانون يمنع، فكانوا مضطرين إلى التمدد الأفقي، وهنا طلعت نظريات المعادين التي تقول: الفلسطينيون يتوسعون ويريدون أن يتوطنوا في لبنان، كيف يمكن لثلاثة أجيال أن تتزوج وتتوالد، وأنتو تعرفوا كل الناس بتعرف الفلسطينيين نسبة الزواج عندهم عالية، ونسبة الولادات عالية، والولادات جزء منها هدف سياسي.

خليل شتوي (مدير عام دائرة شؤون اللاجئين الفلسطينيين في لبان): اللاجئين الفلسطينيين نسبة تواجدهم وتوزعهم سكنياً داخل وخارج المخيمات تقريباً نسبة 50%، 50% يسكنوا ضمن الأحياء السكنية اللي بيسكنوا فيها اللبنانيين وغير اللبنانيين، و50% مازالوا يسكنوا حتى الآن ضمن المخيمات، اللاجئين عم بيسكنوا على أرض تابعة إما لأملاك الدولة اللبنانية أما أملاك خاصة والدولة اللبنانية تتحمل الجزء الأكبر، الجزء الأكبر من الأعباء المالية نتيجة سكن اللاجئين الفلسطينيين على أراضي تابعة لأملاك خاصة أو للدولة اللبنانية.

فؤاد عليوان: أبواب الرزق محدودة، ولعل بيع الخضار وأدوات المعيشة أقرب الأبواب إلى أيدي اللاجئين الفلسطينيين، غير أن المخيم ما عاد المكان الدافئ لهؤلاء الباحثين عن الطمأنينة والأمان بل أصبح مساحة يخلد إليها السوري والمصري واللبناني الفقير، صار مخيم (شتيلا) على سبيل المثال مثل مخيم (تل الزعتر) قبل سقوطه عام 76 ثم جرفه تماماً، ففي هذا المخيم تتعايش أنماط متنوعة من الأحياء البشرية وتتشارك في تعب الأيام الفلسطينيون في هذا المخيم هُجِّروا مرات عديدة وها هم اليوم مُهجرون حتى داخل مخيمهم.

قاسم عينا: 5000 أسرة مُهجرة نتيجة فقدانها لمنازلها نتيجة الحرب، الحرب التي حدثت، هدمت ثلاث مخيمات لم يعد لها وجود، مخيم (النبطية) ومخيم (تل الزعتر) و (جسر الباشا) وسكان هذه المخيمات مازالوا مهجرين يعيشون في ظروف سيئة للغاية.

فؤاد عليوان: لقد حولوا حتى المستشفى إلى مكان للإقامة، فما عادت الصحة مهمة بقدر المأوى الذي يقيَهُم غائلة التشرد.

لاجئة 4: مثل بيوت الكلاب بيتانا والله الكلاب ما بيسكونوها.. هه، اتفرج ودا! كأنه هما فلسطينيين، وإحنا أكنا لا وإحنا أتدمرنا بسبب المخيم، ما مثلنا مثلهم.

لاجيء 1: هذا الطابق بيتألف من 20 عيلة عايشين فيه، وكل عيلة من ست، سبع أنفار، زي أقل شيء فيه عشرة، 12 نفر في كل بيت، عندنا مطبخ.. للجلي المطبخ هذا عمومي، عندما خمس حمامات، الخمس حمامات غير صالحين اللي قاعد جوه بينزل عليه ميه من فوق يتنقط الميه، بتدلف عليه، وهذه عيشتنا هون بالطابق هون في البناية كلها.

فؤاد عليوان: وفي المكان الملاصق لمقبرة شهداء (صبرا وشاتيلا) نما مخيم جديد من بيوت الصفيح التي تفضح همجية الإنسانية وضحال العيش البشري، وفي هذا المخيم يتساكن الفلسطيني والسوري واللبناني الفقير مثلما يتجاور في المقبرة القريبة شهداء من فلسطين وسوريا ولبنان.

لاجئة 5: هاجرنا من الجنوب وجينا قعدنا هون بصبرا، لما إجت الإسرائيل والكتائب دبَّحوا جوزي وولادي وولاد عمي وسلايفي، كل راحوا في مجزرة صبرا وشاتيلا.

فؤاد عليوان: لم يبق الكثير من الفلسطينيين اليوم في مخيم شاتيلا، فقد دُمِّر القسم الأكبر منه في حروب المخيمات، ونزح قسم من سكانه إلى الأحياء المجاورة وحتى هذه المساحة الوضيعة مهددة بالجرف تماماً في إطار إعادة إعمار مدينة بيروت، إلى الجنوب باتجاه فلسطين، وفي نقطة فوق مدينة صيدا على المسافة الواصلة بين جبل لبنان وجبال الجليل يقع مخيم (عيم الحلوة) إنه المخيم الأكبر في لبنان، وفي أزقته عاش الفنان المبدع ناجي العلي.

لا يختلف مخيم عين الحلوة كثيراً عن بقية المخيمات الأخرى في لبنان، لكنه يتميز عنها باحتضانه مخيماً ليس موجوداً على خريطة مخيمات لبنان إنه مخيم (أوزو) الذي يشبه إلى حد بعيد عش الغراب، كل غرفة تتلاصق مع غيرها في تشكيل غريب، الحياة اليومية متداخلة ومتشابكة بحيث تنعدم تماماً أية خصوصية للناس، كل شيء يُشترك، كل شيء يفصح عن إهانة بشرية، وعن احتقار للكائن الإنساني، أرقام البيوت ليست دليلاً على حسن التنظيم، إنها إرشادات لتسهيل عملية الهدم التي ستُنفذُ قريباً.

لاجئة 6: مرقمة، الله أعلم –يعني- عم بنعمِّر بيوت وقاعدين، ما بنعرف أي ساعة بيطلعونا.

لاجئة 7: إحنا مستعدين نظل بقلب البيت ويهبطوا البيوت علينا، ونموت إحنا والولد والولاد، خليهم ييجوا يهبطوا البيت والأولاد بقلب البيت، لأنه بيكفي بلاءات اللي قاعدين، كمان أخرى كمان نقعد بلا بيت..

فؤاد عليون: بس راح يعطوكم مصاري..

لاجئة [مستأنفاً]: شو أديه بيعطونا مصاري ما بدناش مصاري، بدنا بيت بدال البيت.

فؤاد عليوان: عندما يبدأ شق الطريق السريع الذي سيربط بيروت بمدينة صور، سيخترق هذا الطريق مخيم (عين الحلوة) في الوسط، ويدمر ترابطه الحيوي، على الطريق الساحلي جنوب مدينة صور يربض مخيم الرشيدية، في حرب عام 82 حوصر هذا المخيم وقصفت بيوته الهشة قصفاً همجياً، وشهدت بساتينه معارك ضارية، واليوم يخضع هذا المخيم إلى حالة حصار غير مفهومة، إذ يُمنع على ساكنيه البالغين نحو 20 ألفاً إدخال أي شيء عدا المأكل والملبس.

ومن غير المسموح به بتاتاً وخلافاً لأي قانون أو تعليمات إدخال أي صنف من الصنوف التي تُستخدم في البناء أو الصيانة، بما في ذلك أسلاك الكهرباء وشواهد القبور البيوت تتلف في الشتاء، وليس في الإمكان إصلاحها أو ترميم الخرائب منها، يبدو ألا أحد مسؤول ولا أحد يعرف من اتخذ قرار الحصار ولا أحد يعرف كيف الخروج من حالة الحصار هذه، والجميع في دوامة من الغموض.

لاجيء 2: حتى حجر البطون ممنوع، كيس التراب ممنوع، إذا لفة كهربا ممنوع تفوتها على البيت، فيه واحد جعبة جايب بيشتغل بالإعمار جعبة جايبها فتشوها على الحاجز لقوا فيها مسمارين.. زتوها يعني تصور لحد وين!! طب هل هذا يعني إحنا.. هل إحنا لسنا كبشر!! ما نستحقش الحياة!! مع إنه إحنا عايشين بين دول عربية، مش عايشين في دول إسرائيلية ولا عايشين في أميركا، إحنا عايشين بين عرب زينا زيهم، ليش هذا المعاملة مثلاً؟! أو ليش هذا الحصار على مخيماتنا؟! وخاصة مخيمات الجنوب؟!

فؤاد عليوان: بلغت الأمية في صفوف الفلسطينيين في لبنان نحو14% وعلى الرغم من أن هذه النسبة تُعتبر جيدة جداً مقارنة بمثيلاتها في الدول العربية إلا أنها تعكس تراجعاً في مستويات التعليم مقارنة بأحوال الفلسطينيين قبل عام 82، واليوم تتزايد باطراد معدلات تسرب التلاميذ من المراحل التعليمية المختلفة لأسباب اجتماعية واقتصادية بالدرجة الأولى.

قاسم عينا: الكثير من الطلاب الفلسطينيين يتركون التعليم في المرحلة التكميلية، وبالإضافة لذلك هناك فرص التعليم الثانوي.. وهي قليلة، حيث أن (الأنروا) منذ ثلاث سنوات بدأت بإنشاء مدرسة ثانوية واحدة، والآن يمكن أن تتصور هناك ثلاث مدارس للتعليم الثانوي، تتولى مسؤوليتها وكالة الغوث، وهي (الأنروا).

خليل شتوي: الدولة اللبنانية فيه حوالي بين 10، 15% من اللاجئين الفلسطينيين بيتابعوا دراستهم بمدارس تابعة للقطاع الرسمي اللبناني، في المرحلة الجامعية هناك ما يقارب 1500 طالب جامعي بيتابعوا دراستهم بالجامعات الرسمية اللبنانية والتسجيل.. رسوم التسجيل وشروط التسجيل للاجئين الفلسطينيين في كافة المدارس الرسمية أو الجامعات اللبنانية هو نفس شروط التسجيل للطالب اللبناني.

فؤاد عليوان: إن المساعدات التي تقدمها (الأونروا) لا تنفك تتقلص عاماً بعد عام، والاتجاه العام يسير نحو إلغاء هذه الوكالة كلياً عندما تنتهي المرحلة الأخيرة من المفاوضات بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل، والتي من المفترض أن تبحث في قضية اللاجئين وأن تضع الحلول لها، مسؤولية الأونروا بحسب قرار إنشائها أشمل بكثير مما هي اليوم حيال الفلسطينيين، غير أن هذه المسؤولية تضاءلت حتى باتت تقتصر على بعض الخدمات التعليمية والصحية وبعض التقديمات العينية والاجتماعية وهي غير كافية في جميع الأحوال.

الفريد ومتيشيو (المدير العام لوكالة الأونروا في لبنان): لا نستطيع أن نقول أن هناك تخفيض في مساعدتنا للاجئين الفلسطينيين في لبنان، فالمنظمة لم تقلل من مساعداتها ولكن – الحقيقة – أن عدد اللاجئين في تزايد مستمر، كما أن غلاء المعيشة في لبنان في ارتفاع أيضاً، وهكذا نستنتج أن الاحتياجات قد زادت نسبة إلى ما تقدمه المنظمة للاجئين الفلسطينيين.

التوقيع على إعلان واشنطن الذي تلا اتفاق أوسلو 1993
سهيل الناطور : عندما وقع اتفاق أوسلو في عام 93 أعلنت الأونروا وبعدها بفترة أنها وضعت برنامج خلال خمس سنوات ستنهي وجودها وستسلم أعمالها إلى الدول المضيفة، وهذا أثار الرعب لدى الأنظمة العربية، لأنها لا تستطيع أن تتحمل عبء هذه الخدمات التي تُقدم للفلسطينيين، وبدأت الأونروا بتخفيض مبرمج وموجه بضغط أميركي لخدماتها، كي يشعر الفلسطينيون أنهم أمام أمرين: إما أن يقبلوا باتفاقات مع إسرائيل، حتى لو كانت على حساب حقوقهم الوطنية، وإما إذا رفضوها أن يعيشوا في مأساة اجتماعية واقتصادية كل الوقت وأنه بعد خمس سنوات لا يوجد لكم حتى دعم دولي منا، لذلك الأونروا هي جزء من خط سياسي يحكم المنطقة ومعادي لحقوق الفلسطينيين ويتلاعب بلقمة العيش بالحد الأدنى من المساعدة الطبية والتعليمية لهم.

فؤاد عليوان: الحياة اليومية في مخيمات لبنان كالحة جداً، كبار السن متروكون بلا رعاية، والرتابة والانتظار هما العنوان الأبرز للشباب الباحث عن عمل أو عن مصير، تبلغ نسبة البطالة 40% بسبب منع الفلسطينيين من مزاولة نحو74 مهنة، ولكن بعضهم يحاول الخروج من هذا المأزق بخرق قاعدة منع العمل.

طبيب فلسطيني متخرج: كفلسطيني ما عندك حقوق، ما عندك ضمانات، ما عندك نقابة، ما عندك حدا اللي يسعى يعني إلك، ما فيه يعني مجالات – مثلاً – نحكي المستشفيات الخاصة، بدك تنزل، بدك تشتغل، بس ما عندك ضمانات نرجع ونقول: ما عندك أي كفالة معاشات متدنية جداً – يعني – الفاعل العامل في البترول، في كذا أسهل.

سهيل الناطور : في لبنان منذ أن وصلنا حتى الآن الدولة اللبنانية لم تتخذ وضعاً قانونياً خاصاً للفلسطينيين، وبما أن الفلسطينيين لا يحملوا الهوية اللبنانية، ولا يريد أن يتجنس بالهوية اللبنانية، ولا تريد الدولة أن تجنسه، إذن هو أجنبي بالنسبة للقانون، القوانين التي تنطبق على الأجانب تقوم بـ.. تنطبق على الفلسطينيين، الفارق الوحيد أن هذه القوانين في لبنان قد بُنيت على قاعدة قانونية اسمها المعاملة بالمثل إذن على الفلسطينيين – إذا طبقنا هذا القانون أن دولته الفلسطينية تتعامل مع اللبناني كما ترغب بأن يعامل لبنان الفلسطينيين.. هنا نقف أمام خيار قانوني مُبهم ومعلق، وربما كان مقصوداً.

خليبل شتوي: هناك قانون العمل اللي بيحصر ممارسة بعض المهن باللبنانيين دون غيرهم، وهناك واقع العمل والفرق شاسع ما بين قانون العمل وواقع العمل، واقع العمل مختلف جداً، غالبية المهن المحصورة باللبنانيين دون غيرهم، الفلسطينيين عم يمارسوها على الأراضي اللبنانية، سواء داخل أو خارج المخيمات، أما المهن المرتبطة بالانتساب إلى نقابات كالمحاماة والهندسة أو الطب أو الصيدلة، فداخل المخيمات إحنا ما نلاقي إنه فيه عيادات طبية للفلسطينيين بنلاقي إنه فيه صيدليات موجودة لفلسطينيين فإذن فيه ممارسة، لا أعمل ولو كان القانون اللبناني منع الفلسطيني من عمل فيه إلا بحصول على إجازة، ولكن ها الأعمال هذه تمارس على الأراضي اللبنانية.

فؤاد عليوان: الكثير من المهندسين والأطباء المحامين يعملون في مهن بسيطة، ولكن هذا لا يكفي حتى لتخفيف وطأة موضوع البطالة، هذه الحالة دفعت المرأة إلى الخروج نحو المهن المختلفة، مما أدى إلى تفاقم المشكلات الناجمة عن غياب الزوج أو الزوجة، وعن فقدان الرعاية بسبب الموت أو الإعاقة، وهذه الأحوال كلها فاقمت الأوضاع الاجتماعية، وزادت من معدلات الانحراف.

لاجئة 8: الشاب الفلسطيني أكثر شعب هو متعلم هو الشعب الفلسطيني، كل المتعلمين ما عم بيقدروا بيشتغلوا، ابني مخلص جامعة، عم بيشتغل بالورق وبالعمار، وما فيه شغل، ما فيه إله للفلسطيني شغل، لا بالدولة ولا بأي شيء أنا بأحكي جد، عندي أنا 6 أولاد يعني أنا المرأة اللي عم بأشتغل وبأعول.

آمنة جبريل (رئيسة اتحاد المرأة الفلسطينية في لبنان): المرأة الفلسطينية تتحمل بشكل أساسي مسؤولية الكثير من العائلات –يعني- عائلتها بشكل أساسي، وأصبحت في كثير من الأحيان هي المعيلة الأساسية للعائلة، بحكم إن الزوج استشهد أو أصُيب أو اعتقل، أو أنفقد لأن فيه عندنا عدد كثير كبير من المفقودين، والشهداء، والمعاقين وحتى العاطلين عن العمل بحكم موضوع الإجازة اللي مفروضة على الفلسطينيين فيه كثير طبعاً من الشباب والأزواج لا تعمل، بالتالي المرأة صارت معنية أكثر بأنها تطلع يعني وتفتش عن عمل، حتى تقدر تعول عائلتها.

فؤاد عليوان: وصل الفلسطيني في لبنان إلى طريق مسدود، لم تتحرر فلسطين، ولم تتحقق وعود العاصفة، ما عاد متاحاً له إلا الهجرة التي ما انفكت تتزايد منذ اندلاع القتال في لبنان عام 75، حتى أن مخيم الجليل في بعلبك صار يسمى مخيم الدانمارك، لأن 60% من سكانه هاجروا إلى تلك البلاد، المخيمات الفلسطينية في لبنان تحولت اليوم إلى مأوى للعجائز والنساء المتروكات والأطفال الذين غادرهم آباؤهم بحثاً عن الرزق، اختفى الحب من أرجاء المخيمات وتُرك الأطفال بلا أمان في أزقتها، فأي مستقبل ينتظر هذه الأجيال المعذبة؟! ما عاد ألق الشباب يضج في الوجنات والأحداق، ما عاد صخب الثورة يطلق وعوداً وآمالاً وأمنيات، صارت صور الشهداء وتذكارات الموتى ورسائل المهاجرين رموز الأيام التي تجري بلا ارتواء.

لاجيء 3: هنا غلاء معيشة، كتير فاحش يعني الشعب الفلسطيني بالمخيم بيعاني كتير من الغلاء، ¾ الشعب الفلسطيني هاجر لبره من الغلاء يعني كان مؤلف الشعب الفلسطيني في المخيم هون أكتر شيء يعني 5 آلاف نسمة هلا ما فيش ألفين عندنا أو أقل كله هاجر من الغلاء.

فؤاد عليوان: الوعد العظيم الذي دشنته الثورة الفلسطينية المعاصرة جعل فكرة العودة إلى فلسطين مشروعاً قريب المنال، غير أن المصائر الفاجعة التي انتهت إليها هذه الثورة أعادت فكرة العودة من فضاء الإمكان إلى زوايا الأمنيات، ربما كان اتفاق أوسلو الخيار الوحيد أمام منظمة التحرير الفلسطينية، لكنه لم يكن الحل التاريخي للقضية الفلسطينية الذي طالما تطلع إليه العرب والفلسطينيون معاً، أي تحرير فلسطين بكاملها وعودة شعبها اللاجئ إلى دياره وأملاكه، ولعل لبنان كانت دولة الأكثر حساسية إزاء الوضع الفلسطيني بسبب تكوينه الديموغرافي وبنيته المذهبية المميزة، وإنها لمفارقة عجيبة حقاً أن يكون لبنان أكثر بلد عربي أحبه الفلسطينيون ويكون لبنان في الوقت نفسه أكثر بلد عربي جرى فيه الإجحاف بحقوقهم المدنية والقانونية والإنسانية.

شفيق الحوت: الحق المتعلق بالأرض أرض فلسطين، هل هي لنا أم لغيرنا؟ وكم من الأرض لنا، كم لغيرنا؟ هذا بند، البند الثاني: شعب فلسطين الذي شُرِّد من أرضه بعدوان لا مبرر له بغزوة من شعب لا علاقة للشعب الفلسطيني به على الإطلاق دون أي وازع، وأجلى هذا الشعب بقوة السلاح عن أرضه وأصبح لاجئاً، وامتد به اللجوء 50 سنة والبند الثالث: هو حق هذا الشعب بالعودة على هذه الأرض وتقرير مصيره فوق هذه الأرض.

وليد جنبلاط: من خمسين عاماً الأمر ليس بطويل –معلش– علينا كعرب تحمل – ربما – قرن إضافي أو أكثر، للوصول إلى الحق الشرعي في الأرض الفلسطينية العربية، هذه أرض عربية، وليست فقط أرض فلسطينية، هذه.. فلسطين ملك العرب، الصراع وجود أم حدود؟ الصراع وجود، نكون أو لا نكون.

سهيل الناطور: دول العالم والبوتقة الدولية التي تقدم مساعدات، أن لا تنظر فقط إلى أن مشكلة فلسطين هي فقط في الضفة وقطاع غزة بل أيضاً هي مشكلة اللاجئين، ولذلك تأمين اللاجئين بحد من الكرامة في معيشتهم يسمح لهم بأن يشاركوا بالقرار السياسي، الذي يُبنى ساعتها على ما يمكن أن يطمئن له الفلسطيني بأن يسميه يوما ما، السلام القادم، بدلاً من أن يكون هو سلاماً زائفاً خلابياً لا يعطيه الحقوق، ويحرمه حتى من العيش الإنساني كما عايشنا بالفترة منذ توقيع اتفاقات أوسلو حتى الآن.

آمنه جبريل: ولكن إحنا كفلسطينيين حقنا الشرعي إنه نظلنا نحلم بالعودة، وحقنا الشرعي إنه نظلنا نفكر بفلسطين، وحقنا الشرعي إنه نعمل من أجل العودة إلى فلسطين.

مروان فارس: نحن مع حفظ كرامة الفلسطيني الفرد، ونحن مع حقوق الفلسطينيين في التنقل وفي العمل، وفي الاستشفاء، وفي كل حاجات المواطن العادي، وهذا ليس منة منا.

فؤاد عليوان: ربما الحل مرتبط بنهوض فلسطيني جديد، يُعيد الاعتبار للمجتمع الأهلي، ومن دون ذلك فإن المستقبل لن يأت إلا بواحدة من نتيجتين: إما المزيد من التهميش والهجرة، أو توطين من تبقى في لبنان، أما حق العودة فصار مجرد حلم واه.