- قبرص التركية بين الحصار والفساد
- أسباب فشل خطة أنان لحل القضية
- دور تركيا في الصراع القبرصي

يوسف الشريف: في الرابع والعشرين من أبريل نيسان عام 2004 اقتربت المسألة القبرصية أكثر من أي وقت مضى من الوصول إلى حل يوحد شطري الجزيرة الشمالي التركي والجنوبي اليوناني في ذلك اليوم صوت القبارصة من الطرفين على صيغة حل اقترحها الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان، نتيجة الاستفتاء جاءت غير متوقعة فالجانب التركي المتهم بالتعنت والنزعة إلى تقسيم الجزيرة منذ دخول الجيش التركي إليها عام 1974 فاجأ العالم بقبوله للحل المقترح فيما رفضه الجانب اليوناني الذي كان دائما يشدد على ضرورة العودة إلى الشرعية الدولية والأمم المتحدة من أجل توحيد الجزيرة فما الذي حدث وكيف تبدلت الأدوار وانقلبت الموازين وما هو موقف الأمم المتحدة ودول العالم مما جرى؟.. أهلا بكم إلى الجمهورية الشبح، جمهورية شمال قبرص التركية التي لا يعترف بها أحد في العالم سوى من أقامها هنا يعيش حوالي مائتي ألف قبرصي تركي في عزلة عن العالم لا يستطيعون السفر إلا إلى تركيا ولا التجارة إلا معها بل إن رسائلهم تصل إليهم عن طريق عنوان بريدي وهمي في تركيا وفرصتهم الوحيدة للتواصل مع العالم من جديد تتمثل في قبولهم الخطة التي وضعها سكرتير عام الأمم المتحدة كوفي عنان لتوحيد شطري قبرص تحت راية جمهورية جديدة تجمع القبارصة اليونانيين والأتراك معا ولذا تبدو خطة حل الأمم المتحدة على مرارتها حسب ما يصفها كلا الطرفين من القبارصة أفضل من انتظار مجهول لا يأتي فقد نفذ الصبر.


قبرص التركية بين الحصار والفساد

مواطن قبرصي تركي 1: لم أقرأ ما جاء في خطة كوفي عنان ولكنني سأصوت بنعم من أجل دخول الاتحاد الأوروبي والحصول على حياة أفضل فأنا عاطل عن العمل والوضع الاقتصادي هنا سيئ للغاية ولا يهمني ما كتبه عنان طالما أنه سيوفر لي حياة أفضل.

يوسف الشريف: يلماظ حسن هو أحد القبارصة الأتراك الذين قتلوا على يد جيرانهم من القبارصة اليونانيين قبل نحو نصف قرن أثناء الصراع العرقي الذي اندلع في الجزيرة حينها إلا أن الواقع الذي يعيشه ابن يلماظ حسن اليوم باعد بينه وبين فكرة الانتقام لوالده فمحمد يلماظ الذي فقد أباه مبكرا بالأمس لا يريد اليوم أن يفقد أبناءه فبعد سنوات تجاوزت الخمسين من عمره قضاها في متابعة القضية القبرصية فإنه اليوم يحلم كغيره بالانضمام إلى الاتحاد الأوروبي ليؤمن على الأقل مستقبل أبنائه بعد أن أفنى عمره هو وزوجته في انتظار حل لا يأتي للقضية القبرصية ومتابعة الأخبار والجري وراء السياسيين ومبعوثي الأمم المتحدة الذين توالوا على زيارة الجزيرة منذ أكثر من أربعين عاما دون فائدة، محمد يلماظ يكاد يذكر قيام الجمهورية القبرصية عام 1960 ولا ينسى أحداث عام 1963 التي عاد فيها الصراع العرقي إلى الجزيرة ولاتزال صورة قوات الأمم المتحدة التي جاءت لفض النزاع حينها في مخيلته ويذكر أيضا كيف ساعد هو وغيره قوات الجيش التركي التي جاءت إلى الجزيرة عام 1974 لتحميه هو وأبناء جلدته من انقلاب عسكري يوناني كان ينوي توحيد قبرص مع اليونان وطرد القبارصة الأتراك من الجزيرة أو تصفيتهم جسديا ولا ينسى كيف أن الجيش التركي الذي جاء منقذ تحول من خلال بقائه في الجزيرة ورفضه الرحيل عنها إلى جيش احتلال في نظر الشرعية الدولية ويذكر جيدا أيضا يوم إعلان قيام جمهورية قبرص التركية التي لم يعترف بها أحد سوى تركيا والتي بقيت محاصرة سياسيا واقتصاديا بسبب فشل كل المفاوضات التي جرت بين زعماء القبارصة الأتراك واليونانيين لإعادة توحيد الجزيرة حتى لاحت خطة كوفي عنان في الأفق وهي الخطة الوحيدة التي يتم طرحها على الشعبين للتصويت قبل موافقة السياسيين عليها من أجل تجاوز تعنت السياسيين الذي طال عقودا، محمد يلماظ صاحب محل لإصلاح الإطارات يعمل به بنفسه وسط أدوات بدائية ومع اقتراب موعد الاستفتاء يخلو إلى نفسه من وقت لآخر يحسب حساب المستقبل الذي يراه في توحيد الجزيرة والانضمام إلى الاتحاد الأوروبي.

محمد يلماظ- مواطن قبرصي تركي: منذ أربعين عاما ونحن نقول لا، لا للأمم المتحدة ولم نحصل على شيء ومنذ قيام جمهوريتنا والأمور تسير من سيئ إلى أسوأ وأحوالنا المعيشية مزرية بسبب الحصار وبسبب الفساد السياسي فيما الجانب اليوناني الذي يعتبره العالم الممثل عن قبرص كلها على وشك الالتحاق بالاتحاد الأوروبي ولذا فأنا سأقول نعم للحل المطروح كي ننضم نحن أيضا إلى الاتحاد الأوروبي، لقد فقدت أبي في الماضي ولا أريد أن يفقد أولادي مستقبلهم أو أن يُقتل أحد مجددا.

يوسف الشريف: ليس لدى محمد يلماظ ما يخسره ولذا قال نعم لكن الأمر ليس بهذه البساطة بالنسبة لكثيرين غيره خصوصا ممن هجروا أراضيهم ومزارعهم في القسم الجنوبي قديما وجاؤوا إلى الشمال حيث أستملكوا أراضي ومزارع من نزح من القبارصة اليونانيين إلى الجنوب بعد عام 1974 فالمخطط الأممي يقول بعودة الأراضي إلى أصحابها الأصليين وإن بعد حين فكيف هو الحال إذن لمن لا يريد العودة إلى أرضه في الجنوب والاختلاط بالقبارصة اليونانيين ثانية أو من تعب من كثر الترحال والهجرة ولا يريد أن يترك أرضه ثانية؟ سالم كارابكير هو أحد هؤلاء وهاهو يحاول غاضبا أن يوضح لزوجته على الخريطة المكان الذي يجب أن يهاجروا إليه حسب مخطط كوفي عنان ويترك من أجله مزارعهم وبيتهم الكبير الذي عاشوا فيه أكثر من أربعين عاما.

سالم كارابكير- مزارع قبرصي تركي: حسب هذه الخطة فإنه بعد ثماني سنوات سيعود القبارصة اليونان إلى أراضيهم وعنان يريد مني أن أترك هذه الأرض له وأن أرحل كي أعيش في بيت صغير في الجبل، البيت لا يطعمني خبزا أنا أريد أرضا أزرعها وأعيش منها وإن لم يعطوني أرضا فإما أن أقتل أو أُقتل أقولها وبكل صراحة.

يوسف الشريف: أما فيما يتعلق بمزارعه التي تركها في الجنوب والتي لايزال يحتفظ بسندات ملكيتها معه حتى الآن فإن المخطط الأممي يعطيه الحق في استعادة ملكية ثلث تلك الأراضي فورا وثلث بعد خمس سنوات والثلث الأخير بعد عشر سنوات هذا إن بقيت الأرض على حالها كمزرعة بعد كل هذه السنين من الإهمال، خطة الحل المقترح تقوم على توازن مهم يقول باستعادة الجانب التركي حقه في السيادة على جزء من الجزيرة والمشاركة في الحكومة بنسبة الثلث واستخدام حق الفيتو في أمور السياسة الخارجية والدفاع مقابل انسحاب الجيش التركي وحصول القبارصة اليونانيين على نسبة أكبر من الأراضي في الجزيرة التي ستُقسم إداريا ضمن نظام فدرالي فريد من نوعه إلا أن هذا التقسيم الإداري بين شمال تركي وجنوب يوناني لن يمنع الاختلاط وحق التجول لأي طرف في أراضي الطرف الآخر، خطة الحل المطروح محشوة بتفاصيل كثيرة معقدة تقع في أكثر من تسعة آلاف صفحة وهو ما يدفع جونيت وأصدقاءه من شباب القبارصة الأتراك إلى ترتيب حملة ضد هذه الخطة.

جونيت علي- مواطن قبرصي تركي: خطة عنان قد تقدم حلا معينا لكن هذا الحل سيخلق مشاكل أخرى وهذا واضح وأريد أن أسأل العالم هل سيتحمل العالم الذي يطالبنا بالموافقة على هذه الخطة مسؤوليته عندما نبدأ بتنفيذها وتبدأ معها المشاكل من جديد أم أن العالم سيدير لنا ظهره حينها؟ الدول الكبرى ضغطت على الفلسطينيين في أوسلو وأجبرتهم على إتباع خارطة الطريق لكن تلك الخطة لم تطبق وعاد بعدها مسلسل قتل الفلسطينيين من جديد فما الذي فعلته تلك الدول أدارت ظهرها لهم ولم تتحمل مسؤولياتها ونحن هنا لا نريد أن نكرر ما حدث.

يوسف الشريف: الساعة قاربت الرابعة عصرا وبدأ العمال من القبارصة الأتراك في العودة من الشطر اليوناني الجنوبي الأكثر غنى إلى بيوتهم في الطرف التركي الشمالي الفقير، حوالي سبعة آلاف عامل قبرصي تركي يبحثون عن رزقهم يوميا في العمل لدي من يفترض أنهم أعدائهم أو على الأقل خصومهم في النزاع العرقي الدائر في الجزيرة بل إن غالبية هؤلاء العامل لم يرووا حرجا في إصدار بطاقات هوية من الجانب اليوناني الأمر الذي تعتبره حكومة الطرف التركي خيانة للقضية واعترافا غير شرعي للقبارصة اليونان بالسيادة لوحدهم على الجزيرة.

مواطن قبرصي تركي 2: نعم وجدت عملا بسهولة في الطرف اليوناني وأصدرت بطاقة هوية هنا أما في وطني فأن الحصول على عمل صعب للغاية كما أن ما أحصل عليه في الجنوب يكفيني ويزيد بينما المعاشات في الطرف التركي لا تكفي أجرة المواصلات.

يوسف الشريف: الاقتصاد في الشطر الشمالي التركي في حال يرثى لها فالحصار المفروض يحول دون تجارة قبرص الشمالية مع أي دولة أجنبية كما يحول أيضا دون وفود السياح إليها إلا من تركيا فيما تسيطر عصابات من المافيا على جزء من الاقتصاد تحت غطاء كازينوهات القمار المنتشرة إذ أن عدم اعتراف العالم بهذا الشطر جعله مخبأ مناسبا للمطلوبين من الانتربول الدولي فيما يتكفل الفساد الإداري والسياسي بالإجهاز على الجزء المتبقي من الاقتصاد ففي عام 2001 عاشت قبرص التركية أزمة اقتصادية خانقة أدت إلى إغلاق معظم البنوك فيها وهلاك المشاريع التجارية فيما الحصول على عمل رهن بوساطة تأتي من أنقرة وحبذا لو كانت من مسؤول عسكري أو أمني إذ أن صوت هؤلاء يسمع من أنقرة بشكل أقوى من أي قبرصي تركي في الجزيرة، كل ذلك أدى إلى هجرة الآلاف من الشباب ممن وجدوا طريقهم إلى الخارج بحثا عن عمل أو حياة أفضل فيما سعت تركيا إلى تعويض أعداد هؤلاء بمهاجرين من تركيا للحفاظ على التوازن السكاني في الجزيرة إلا أن ذلك خلق مشكلة جديدة إذ ينظر الجانب اليوناني إلى هؤلاء على أنهم مستوطنون غير شرعيين لا يمكن الوصول إلى حل قبل عودتهم إلى تركيا ومع كل ما تقدم تغلب الاقتصادي على القومي وأصبح التغيير مطلبا أساسيا لغالبية القبارصة الأتراك الذين وجدوا في مخطط كوفي عنان فرصة لذلك التغيير فصوت 65% منهم لصالح قبولها.

يوسف كاتلي: لم يقرأ أحد الخطة، السياسيون وحدهم اختلفوا حولها خطة عنان قدمت لهم نهاية العزلة عن العالم وإمكانية التجارة الخارجية وحرية السفر والإقامة في أي بلد في العالم أي الحياة كإنسان وفي المقابل تقول بأن دولتهم ستصبح أصغر وسيتم تهجيرهم إلى مناطق أخرى وغير ذلك من تفاصيل وشعبنا قال أنا موافق.



[فاصل إعلاني]

أسباب فشل خطة أنان لحل القضية

يوسف الشريف: المقاهي تكاد تشكل عصب الحياة الاجتماعية في عموم قبرص هنا يتناقش الجميع صغارا وكبارا حول مستقبل القضية القبرصية وجهود الأمم المتحدة لتوحيد شطري الجزيرة وهنا يبدأ الرهان حول ما إذا كانت هذه الجهود ستنجح أم ستفشل، رغم إعلان الأمين العام سحب خطته بعد التصويت برفضها إلا أن الحديث حول هذه الخطة لايزال الشغل الشاغل للجميع في الجزيرة هذا الأمر ينطبق أيضا على الجانب اليوناني الذي رفض تلك الخطة ويحاول الآن أن يجد خطة بديلة على أساس الحوار المباشر مع القبارصة الأتراك ليرفع عن نفسه تهمة الوقوف في وجه توحيد الجزيرة.

مواطن قبرصي يوناني 1: نحن قلنا لا لهذه الخطة ولكننا نقول نعم لخطة حل صحيحة وعادلة نحن لا نريد لتركيا واليونان وبريطانيا أن يتدخلوا في أمورنا، أنا متأكد لو أنهم تركونا لوحدنا فأنه باستطاعتنا أن نحل هذه المشكلة بأنفسنا.

"
القبارصة الأتراك دفعوا ثمن غزو الجزيرة من خلال الحياة البائسة التي يعيشونها اليوم
"
       مواطن قبرصي

مواطن قبرصي يوناني 2: السؤال ليس سهلا يجب أن يكون السؤال هل تحب بلدك أم لا وإذا كنت تحب بلدك يجب أن تقول لا لهذه الخطة، لماذا لسبب بسيط نحن نريد أن نعيش بوئام مع القبارصة الأتراك لكن ليس مع المستوطنين الأتراك الذين جاؤوا من تركيا لا نريد أن نعطي تركيا حق غزو الجزيرة مرة أخرى لقد دفعنا ثمن التدخل التركي ولا نريد أن نكرر ذلك كما أن القبارصة الأتراك دفعوا أيضا ثمن ذلك من خلال الحياة البائسة التي يعيشونها اليوم لكننا نريد مساعدتهم ولكن لا نريد أيضا لتركيا أن تتدخل في مستقبل هذا البلد.

يوسف الشريف: 75% من القبارصة اليونانيين رفضوا خطة كوفي عنان في شبه إجماع فالخطة كانت تعني بالنسبة لهم تقديم تنازل بلا ثمن، كانت تعني أن يتنازلوا عن جمهوريتهم القبرصية لتشكيل جمهورية مشتركة مع القبارصة الأتراك ويتقاسمون الحكم والسيادة والسلطة معهم فلما هذا العناء طالما أن العالم يعتبر القبارصة اليونانيين ممثلين بمفردهم عن جميع الجزيرة القبرصية ويعتبر القبارصة الأتراك خارجين عن القانون ودعاة انفصال، هل يترك القبارصة اليونانيون كل ذلك مقابل استرجاع جزء من الجزيرة يسيطر عليه الجيش التركي حاليا بينما انضمامهم للاتحاد الأوروبي يمكن أن يوفر لهم ذلك من خلال المحكمة الأوروبية التي تحكم للقبارصة اليونانيين بحق العودة إلى أراضيهم أو التعويض؟

مواطن قبرصي يوناني 3: أنا ضد الخطة.. نعم أنا ضد الخطة لأن الخطة تعامل القبارصة الأتراك على أنهم مواطنون من درجة أولى ونحن القبارصة اليونانيون درجة ثالثة، لماذا يجب علينا أن نتخلى عن كل ما لدينا من أجل الحل أن نتخلى عن دولتنا وعلمنا مقابل لا شيء لا بالطبع.

يوسف الشريف: أحتفل القبارصة اليونانيون في الأول من مايو عام 2004 بالانضمام إلى الاتحاد الأوروبي فالاتحاد لم يشترط عليهم حل القضية أولا أو قبول الحل الذي قدمه كوفي عنان ولم يعاقبهم لأنهم لم يتجاوبوا مع إرادة المجتمع الدولي والأمم المتحدة فيما بقي القبارصة الأتراك الذين قبلوا بتحكيم الأمم المتحدة وخطة حلها خارج الاتحاد الأوروبي وتحت نفس الحصار السياسي والاقتصادي.

ألتر تركمان- وزير خارجية تركيا الأسبق: خطة عنان كانت فرصة ممتازة للحل ولو أن الجانب التركي قبل بها عندما طُرحت لأول مرة عام 2002 لكان الجانب اليوناني مضطر للقبول بها لأن الاستفتاء حينها كان سيربط بين قبول الحل والانضمام إلى الاتحاد الأوروبي فإن رفضوا الحل خسروا الاتحاد الأوروبي لكن تأخرنا في قبول الحل وتأجيل الاستفتاء إلى ما بعد توقيع اتفاقية انضمام قبرص إلى الاتحاد الأوروبي جعل القبارصة اليونانيين غير مضطرين لقبول خطة عنان وتقديم أية تنازلات لأنهم لن يخسروا شيء إن قالوا لا وأعتقد أن الاتحاد الأوروبي لعب دورا سلبيا هنا عندما ضمن للقبارصة الأتراك أنه سيقبل عضويتهم بحل أو دون حل للقضية القبرصية مما رفع جميع عوامل الضغط عنهم.

يوسف الشريف: العروض الفلكلورية في قبرص تتجاوز حواجز الاختلاف العرقي والأثني لتعبر عن أصالة وفن إلا أننا نشهد وبالقرب من هذا العرض الفلكلوري الأصيل مشهدا غريب اليد واللسان، عرضا ومسابقة جمال للكلاب أمر لا يمت لثقافة الجزيرة بصلة وإنما هو من ثقافة الجالية البريطانية التي تسكن الجزيرة منذ القدم بل إن لبريطانيا حصة في الجزيرة لا ينازعها أحدا على سيادتها ولها فيها قاعدة عسكرية يصعب وصول الكاميرات إليها، بل إن للبريطانيين عدد من القرى الكاملة المتوزعة في أنحاء قبرص والتي تتميز بجمالها وهدوئها ومن فيها من بريطانيين لا يتحدثون إلى الغرباء أو الصحافة فهم لا يريدون أن يُسألوا من أين أتوا ومن أين حصلوا على حق السيادة في هذه الأرض التي يتنازع حتى اليوم أصحابها على ملكيتها والسيادة عليها منذ أربعين عاما وأكثر.

سردار دنكطاش- وزير الخارجية القبرصي التركي: لا أحد يجرأ على بحث ملف القواعد البريطانية في الجزيرة لأنه يعلم أنه إذا ما فعل فإنه سيخسر دعم بريطانيا بل وسيكسب عداوتها وعداوة من معها في أوروبا، بريطانيا تعلم جيدا أنه في حال التوصل إلى حل للقضية القبرصية وفي حال مصالحتنا مع القبارصة اليونان فإنها ستواجه متاعب لأننا قد نفتح ملف الوجود العسكري البريطاني في الجزيرة حينها فأنا كمواطننا هنا لا أتمتع بما يتمتع به البريطانيون وقواعدهم من سيادة عليها هذا أمرا لا يعقل بالطبع.



دور تركيا في الصراع القبرصي

يوسف الشريف: بعد انتهاء مهمته بدأ ممثل سكرتير عام الأمم المتحدة الفارو ديسوتو زيارات وداعية لقبرص وأنقرة وأثينا معلنا نهاية جهود دبلوماسية استمرت أكثر من ثلاثة سنوات بلا فائدة، في ذلك الوقت أعد كوفي عنان تقريرا عن جهود الحل الذي بُذلت واتهم في تقريره القبارصة اليونانيين بعرقلة جهوده لتوحيد الجزيرة وحل المسألة القبرصية من خلال تصويتهم برفض خطته وطالب المجتمع الدولي بتخفيف الحصار المفروض عن القبارصة الأتراك تكريما لقبولهم وموافقتهم على خطته التي وأدت.

رؤوف دنكطاش- زعيم القبارصة الأتراك: الدول الكبرى الراعية للخطة وعدتنا برفع الحصار عنها وبدأ التجارة معنا في حال وافقنا على الخطة وهددوا القبارصة اليونانيين بأن العالم قد يعترف بجمهوريتنا إن هم رفضوها وقد حان الوقت لتنفيذ هذه الوعود.

يوسف الشريف: الاتحاد الأوروبي، أميركا، بريطانيا ومنظمة المؤتمر الإسلامي كلها وعدت بتخفيف الحصار المفروض على قبرص التركية من خلال تسيير رحلات تجارية إلى مطارات وموانئ الشطر الشمالي التركي إلا أن كل هذه الوعود بقيت حبرا على ورق.

سردار دنكطاش: ما جرى بعد الاستفتاء يظهر جليا أي الطرفين القبرصيين مع إيجاد حل للقضية ومع توحيد الجزيرة وأيهما ضد ذلك وكان يجب على تركيا بعد الاستفتاء أن تطالب مجلس الأمن بمعاقبة القبارصة اليونان أو أن يصدر قرارا برفع الحصار عنا لكن تركيا لم تفعل ذلك وأنا كمواطن قبرصي تركي يحق لي أن أسأل وأن أحاسب الحكومة التركية على موقفها هذا وتقصيرها بحقنا.

يوسف الشريف: كل ما فعلته أنقرة حيال هذه التطورات كان الحصول على دعما من منظمة المؤتمر الإسلامي لخطة عنان وما جاء فيها وذلك خلال اجتماع وزراء خارجية المنظمة في أسطنبول في مايو عام 2004 ولم تطرق أنقرة باب الأمم المتحدة أو مجلس الأمن تحسبا من أن يمس ذلك سلبيا بعلاقاتها مع الاتحاد الأوروبي.

"
لا توجد لدى تركيا إستراتيجية واضحة لقبرص فهي تدافع عن القبارصة الأتراك وأحيانا تستخدمهم كورقة مساومة مع الاتحاد الأوروبي
"
        حسن كوني

حسن كوني- أستاذ العلاقات الدولية: لا توجد لدى تركيا استراتيجية واضحة ومحددة بالنسبة لقبرص فهي أحيانا تدافع عن القبارصة الأتراك وأحيانا تستخدمهم كورقة مساومة مع الاتحاد الأوروبي كما أن تركيا ومن أجل الحصول على العضوية في الاتحاد الأوروبي مضطرة لتنفيذ جميع الشروط الأوروبية وبالتالي فهي لا تريد أن تخسر الاتحاد الأوروبي أو أن تستعديه وفي نفس الوقت لا تريد أن تتخلى عن القبارصة الأتراك.

يوسف الشريف: لا شك في أن العلاقات بين القبارصة الأتراك وتركيا تحتاج إلى مراجعة فهل الذي يجمعهم امتداد قومي وثقافي أم مصلحة مؤقتة قد تنتهي بدخول تركيا الاتحاد الأوروبي أو إيجاد حل للقضية القبرصية؟ الخلاف حول ذلك يبقى قائما بين من يرون في تركيا أن قبرص عمقا استراتيجي لتركيا في الشرق المتوسط لا يجب التخلي عنه وبين ألئك الذين يؤمنون بأن المستقبل سيكون بالانضمام إلى الاتحاد الأوروبي وتوحيد المصالح معها وبالتالي رفع الحدود بينهم لكن يبقى بعد ذلك ما هو أهم وهو مستقبل العلاقة بين القبارصة الأتراك والقبارصة اليونانيين وهل سيتمكنا من تجاوز خلافاتهما والتعايش معا أم أن الجزيرة الخضراء ستبقى جزيرة الفرص الضائعة إلى الأبد.