- مأساة المفقودين في الجزائر

 

مأساة المفقودين في الجزائر

عبد الحق صداح: من فرط دائب عائلات المفقودين على التظاهر كل صباح أربعاء أمام مقر هذه اللجنة التي كان اسمها المرصد الوطني لحقوق الإنسان أصبح المشهد شبه اعتيادي لا يكاد يثير فضول حتى المارة بيد أن المشكلة جسيمة والسنين المتعاقبة منذ مطلع التسعينيات لم تفلح في مداواة الجروح الغائرة في النفوس.

مواطنة جزائرية: أنا الزوج بتاعي توفي عمره 21 سنة دكها عنده تسعة سنين وهو مفقود من هاديك المدة اللي تركني في عمر 19 سنة تركني دَكها في عمر 29 سنة وأنا نحوس عليه ما عندي لا أطفال ما عندي غيره ما غيري ما عندي أخوة أبي شيخ كبير هذا اللي كان وحوسني ربي أعلم ربي أنا من فوق ويشهد عليا أمة محمد حوست حالي بالصحة حوس بالمال بعت ذهبي لأجل أصيبه ما صبتوش ياللي صروا لي.. توصل الدرجة بحب أبني المستقبل بتاعي لكن ضميري ما ريحنيش.

مواطنة جزائرية ثانية: كم نهار كان عندهم قوة وشجاعة وجاؤوا لديارنا في انصاص الليلي وكسروا بيبانا وقالوا لنا خرجوا ولادكم قيل أية يكون عندهم نفس الشجاعة ويقولونا وراهم أولادنا هذا ما كان.

عبد الحق صداح: الوقف أمام مقر لجنة حماية حقوق الإنسان أضحى طقسا تمارسه حتى الإدمان نساء متضررات من بينهن السيدة صليحة جبار التي فُقد زوجها في شهر أبريل نيسان من عام 1995 يوميات السيدة صالحة مع ابنيها محمد الأمين وسيف الدين انحصرت منذ فقد زوجها بين مدرسة تزاول فيها مهنة التدريس ولجنة تنتظر منها أجوبة عن مصير زوجها وبيتا ليس فيه من خصائص البيت غير الاسم غرفة واحدة في بيت أهلها هي البهو وهي المطبخ وهي غرفة النوم وفوق كل هذا مكتب يعوج بالوثائق من كل صنف كلها تروي قصة المأساة التي حلت بهذه العائلة.

صليحة جبار: الظروف الواقعة للاختفاء كان في شهر أبريل ثلاثة أبريل يوم الاثنين على الساعة ما بين ستة وسبعة كان خارج من الخدمة دياره خرج من الخدمة ستة، ستة ونصف دهمت قوات الأمن، الأمن بالزي الرسمي الحي وأداوة ولكن الواقعة ترجع إلى قبل في حوالي في عطلة الشتاء بتاع العطلة المدرسية جاؤوا هنا حوالي الإحدى عشر بتاع الصباح قوات الأمن ثاني حصرت المنطقة منطقة ولد شايح بعد ساعة أو ساعتين دهموا عدة منازل وأحضروا معهم أحد سكان الحي بعد ما فتشوا البيت وجدوا منقد قالوا لي بالجريدة هذه على شو كنتم مخبينها أنتم مجاهدين زوجك مجاهد عائلة مجاهدين قلت لهم اقرأها بصفتي مدرسة أنا نحب نعرف الأخبار نحب نتابع الأخبار قلت له كمان بنمسح بها المرايات قالي هذه تمسحوا بها الريسان مش عشان تمسحوا بها المرايات بالحرف الواحد أبقيت على هاديك الساعة نحوس نبحث رحت كل مكان سألت عليه فيه كان واحد عسس في البابين عم يجبلي شرطي ثم باب كبير قالي جيبي له الأكل وروحي جيت أديته أنا من داخل المكان وروحت وصلت ما قالي يا مدام هذا السيد ما كنش هنا.

عبد الحق صداح: ورغم أن الفوضى كانت سيدة الموقف في منتصف التسعينيات فإن الشك لم يساور السيدة صليحة مطلقا بشأن الجهة المسؤولة عن فقد زوجها.

صليحة جبار: أغلبية العائلات ما نقدرش نقول كامل العائلات كل العائلات نقول أغلبية عندهم دلائل عندهم شهود ما رحوش أولادهم هادك الجماعة المسلحة تيجي إلى هالدار ماتجيش قرار رسمية بنجيب إيش بدك هيك بدك جماعة مسلحة تيجي تأخذك يجوا بسيارة وياه ممكن ولكن إحنا الشرطة كمان الشرطة إيش زوجي ودته إن ما كنش للشرطة ما كنش جماعة مسلحة يوا في النيسان.

عبد الحق صداح: سيف الدين الابن الأصغر لا يذكر عن أبية شيء بينما لا يزال محمد الأمين يحتفظ في ذاكرته ببعض الصور كطيف في خيال هو اليوم ابن الثانية عشر لكن لهجة صوته تكاد توهم بأنه رب البيت القائم بشؤونه لولا تلك الدموع التي تخدع رجولته المبكرة.

محمد الأمين جبار: حساس روحي نقص بالذات بلا أب شغل يتيم.

عبد الحق صداح: حساس روحك مسؤول عن الدار انتظر؟

محمد الأمين جبار: عندي مسؤولية كبيرة.

عبد الحق صداح: كيف يعني كيف؟

محمد الأمين جبار: (كلمة غير مفهومة).

عبد الحق صداح: مأساة بهذه الجسامة ظلت طي الكتمان لفترة غير قصيرة تبادلت خلالها أطراف كثيرة معنية بالأزمة الجزائرية التهم بالمسؤولية المطلقة عن اختفاء أشخاص كثيرين في ظروف أقل ما يمكن أن توصف به أنها فوضوية؟

"
اختطفوا صحفيين في ظروف غامضة والتهم تشير إلى السلطة،  والسلطة لم تقدم دلائل قطعية على أنها بريئة من هذه العمليات
"
     احميدة العياشي

احميدة العياشي- مدير جريدة الجزائر نيوز: هناك بعض المفقودين بعض المفقودين افتقد يعني كانت قامت باختطافهم الجماعات الإسلامية المسلحة وكانت قد تبنت ذلك وهناك أيضا بعض المفقودين الذين عرفوا بمواقفهم السياسية القريبة من جبهة الإنقاذ من بينهم صحفيين فهؤلاء اختطفوا في ظروف غامضة وبالتالي تبقي التهم تشار إلى السلطة وإلى حد الآن السلطة لم تقدم جواب شافي في ذلك ولم تقدم دلائل قطعية أنها متبرئة من ذلك.

لويزة حنون- الأمينة العامة لحزب العمال: هذه من إفرازات الأزمة الجزائرية يعني الجزائر كانت في حرب اختطافات من الجانبين اغتيالات يعني هي مأساة وطنية فإحنا لابد نخرج من هذه الأزمة وبالتالي لابد نصفي كذلك كل الملفات.

مقران آيت العربي- محامي وعضو سابق في مجلس الأمة: هناك فئة من المفقودين التحقت بالجماعات الإرهابية وتم القضاء عليها من طرف مصالح الأمن والجيش في الميدان مجموعة أخرى كذلك اتصلت بالجماعات الإرهابية وتم تصفيتها من طرف جماعات إرهابية أخرى وتبقى الفئة الثالثة وهي المسألة الخطيرة بالنسبة للقضية هم الأشخاص المفقودين نتيجة وفاتهم تحت التعذيب عند الاستنطاق أو نتيجة إعدامهم خارج الإطار القضائي والقانوني.

فاروق قسنطيني- رئيس اللجنة الاستشارية لحماية حقوق الإنسان: .. بصفة قاطعة نهائية إنها قضية المفقودين الهيئات الدولية الرسمية بريئين من القضية هذه بريئين إنها حقيقة كانت التجاوزات اللي قاموا بها أعوان الدولة في ظروف خاصة بطريقة غير شرعية ولكن قضية التجاوزات متورطتتش فيهم أبدا هيئات الدولة.

صلاح الدين سيدهم- طبيب جراح وناشط حقوق الإنسان: أكذب ما يقوله بعض المكلفين بمهمة فيما يخص حقوق الإنسان واللي يقوله بالأعمال هذه أعمال معزولة قاموا بها أشخاص بدون أوامر لا هذا كذب هذه مغالطة كبيرة سياسة الاختطاف مرة أخرى تدخل في المخطط الاستئصالي للانقلابيين.

لويزة حنون: هل نعتبر إن كان قرار صادر عن هيئات نظامية يعني راح نقول تملكها الجنون وقالت اختطفوا آلاف من الجزائريين أو نعتبر أننا في ظروف حرب وحدثت أشياء كثيرة والضبابية مازالت موجودة.

عبد الحق صداح: إس أو إس مفقودون جمعية تأسست في منتصف التسعينيات تُعنى بشؤون المفقودين وتتحدث باسم عائلاتهم أمام السلطات العمومية الحركة لا تفتر في هذا المقر الضيق والمتطوعات هنا تساعدن النساء على تجهيز ملفاتهن وتدلهن على أساليب التعامل مع الجهات المختصة وأهم من كل هذا تشعرهن بأهمية النضال المنظم لتحقيق مطالبهن جدران المقر مزدانة بمئات الصور الفوتوغرافية إنها ليست للزينة بالتأكيد بل هي لمحاربة النسيان كما يقول القائمون على الجمعية ولتشهد على أن ما من فئة من الجزائريين حتى أعوان الأمن والمعوقين سلمت من ظاهرة الاختفاء القسري حسب اصطلح رجال القانون هنا في مقر إس أو إس مفقودون لا أحد يلتمس الأعذار للدولة بل أن الجميع يلقي بالمسؤولية الكاملة على عاتقها.

نصيرة يوس- رئيسة جمعية إس أو إس مفقودون: وضعوا تقريرا أوليا لست أدري كيف أسموه وأعطوا نتائج مستعجلة ألمحو فيها إلى أن كل المفقودين قتلوا وأن الدولة ليست مسؤولة ويطالبون برفع التهم عنها فإذا كانوا مستعجلين على إعطاء النتائج دون تحقيق فما الداعي لوضع اللجنة.

عبد الحق صداح: غير أن المفقودين ليسوا النتيجة الوحيدة للأزمة الأمنية التي عصفت بالجزائر طيلة عقد كامل فهناك ما يقارب عشرة آلاف مختطف على يد الجماعات المسلحة حسب ما تؤكده جمعية صمود التي تتولى اقتفاء آثارهم.

علي مرابط- رئيس جمعية صمود: كان في سنة 1993، 1994، 1995 حتى 1996 كانت الجماعات الإرهابية المسلحة تسيطر على 70% أو 80% من مناطق من البلديات الصغيرة وحتى الدوائر الجزائر العاصمة من لم ما سلكتش من العملية الإرهابية على هذا كانت اختطافات يومية بغية استنطاق ضحايا المختطفين اللي كانت مشتبه فيهم يخدوهم إلى الأمير ويعذبون لإيجاد حجة للاغتيال وبعد هذا يكون عرض الجثة أو أجزاء من الجثة لغاية ترهيب بقية السكان.

أحمد بن عيشة- الأمير الجهادي للجيش الإسلامي للإنقاذ المحل: الناس عندما يتكلموا عن المفقودين لا يريدون أن يفصلوا فهناك المفقودين وهناك المُختَطَفين لابد من توضيح المفقودون هم أولئك الذين فقدوا ولا يعلم أحد مصيره كمن يؤخذ من الشارع أو يؤخذ من المقهى أو يؤخذ من مكان لا يعلم أهله حقيقة أمره لكن هناك من.. أما المختطَفون هم أولئك الذين أخذوا من بيوتهم ويعلم أهلهم من اختطفهم وفي أي وقت اختُطف.

صلاح الدين سيدهم: هذه حقيقة أيضا حقيقة بعض من الجزائريين اختُطفوا من طرف الجماعات المسلحة حقيقة هذه حقيقة لا نخفيها.

"
أعمال الجماعات الإرهابية أعمال خطيرة ولكن لا يمكن أن تبرر قيام أعوان الدولة بإعدامات خارج الإطار القانوني
"
   مقران آيت العربي

مقران آيت العربي: الأعمال التي قامت بها الجماعات الإرهابية بصفة عامة أعمال خطيرة جدا ولكن هذه الأعمال الخطيرة لا يمكن بأي حال أن تبرر قيام أعوان الدولة بتصرفات غير قانونية أو بإعدامات خارج الإطار القضائي والقانوني.

عبد الحق صداح: ومهما اختلفت التسمية مفقودون أم مختطفون فإن النتيجة تكاد تكون واحدة لا سيام بالنسبة لذويهم الذين تساووا من بعدهم في ثملتهم من كؤوس الأسى خالتي عيشة واحدة من هؤلاء اختطفت الجماعات المسلحة أبناءها الثلاثة عثرت على جثة اثنين منهما بينما لا يزال ثالثهما في عداد المفقودين بين الحين والحين تأتي خالتي عيشة إلى هذه المروج في ولاد علال إحدى ضواحي الجزائر العاصمة مروج كان ذات يوم حيا عامرا ومعقل عتيدا من معاقل الجماعات المسلحة أزاله الجيش في عام 1997 في أعقاب عملية عسكرية كبيرة انتهت باستعادة الدولة سيطرتها على هذه المناطق إلى هذا المكان تأتي خالتي عيشة بين الحين والحين لتتذكر أياما مضت وبقت جراحها ولتقف على أطلال هذا الفندق حيث حوكم ولداها وقضي عليهما فيه بالإعدام.

خالتي عيشة – أم لثلاثة مختطفين على يد الجماعات المسلحة: كانت دوائر، دوائر إرهابيين تولت على نعرفهم تاوه إلى مروج هنا هذاك قصدوه هذاك الحوش كان ميت والناس يعذبوهم بهم ليش قالوا لهم كتفوه في الحمام بتاعه مسكين جابوه حطوه قدام الجامع هنا قدام المسجد هنا حطوه جوزك من الإرهابيين قالهم أنتم أهبلتم ما قبلتم تحطوه هنا إلا هو على يخاوتوه وقدروا حالك فينا وفيما لينا رفضوا يودوه حاله جيه يرفض يودوا حاله رموه في البير دخل البير آخرين يقولون لنا دا قصده آخرين يقولوا لنا دا ما تسير هذا ما تسيير على من واحد يقول لك على البير هناك واحد يقول لنا على القبة شنو مفهمناش البير ليه رموه فيه هما صح مرميين في البير الناس هذا اللي إداهم أنا ما على بالي إيش ما تصبحت فجانبت بره كنا نصبح طفل كبير يحوس وأنا نحوس كنا نجري يجري منا مخفتهمش نجري ونعيط هكذا ما كانش خللي كل واحد يقول إيشيء يقول لي خرج لي العيد دا بو إسماعيل.. قال لي تشد في أمك أحسن نسيبك نكملوك اسمه عيد.. قال لي تشدي فمك سنه لحسن نكملوك لولادكِ أنا إش بتي روحي خفت وياه خفت وهكذاك وبقتل اثنين إيشيء بنجري ونعيط وجيت.. هنا هو يسكن والأمير بتاعهم وهو اللي كان في الكارثة أولادي وهو اللي قتلهم هم جم يقتلوا واحد مشي واحد بكروا يقتلوه يلاقيه وقع ويحكموا الشرع عليه يديروا الشرع عليهم يشرعولهم.

عبد الحق صداح: خالتي عيشة تعلم أن فلذة كبدها صارت رفات في إحدى هذه الآبار رفات في العرايك جرح مفتوح يمضح بدل الدم ذكريات تجلب معها كل ما مرت نصيبا أصبح معلوما من الحسرة والألم.

خالتي عيشة: ذكريات نفكر الطريق نفكر الأحباب نفكر أولادي نفكر الناس نفكر الطريق لدرجة شو ما دار معاه وليا طريق أحباب ومقاتلوش شوف أدي طريق يعني بتاع الاحباب ورموا ولاد مرابط ورموا ولادي..

عبد الحق صداح: عندك أمل خلتي عيشة أنه يرجعولك في نهار من النهارات؟

خلتي عيشة: أه وماوليش ولادي ولدي قتلوه خلاص ولدي قتلوه.

عبد الحق صداح: تتطابق روايات كثيرة في الجزم بأن جثث المعدمين كانت تلقى في آبار الري الكثيرة بالمنطقة وتحدث شهود عن انبعاث روائح الجثث المتعفنة إلى مسافات بعيدة في محيطها مما دفع بالسلطات إلى تطهيرها دون أن يعرف مصير ما عثر عليه من رفات.

علي مرابط- رئيس جمعية صمود: من خلال البحث اللي كنت نبحثه فيه على شقيقي في كل منطقة في بير كنت نحوس كل بير وخصوصية تبعه ونستخصي الغاشي والسكان اللي يسكنوا حوله ذكريات حتى نوري اللي يفوتوا تصور بتاع خلتي نورلهم شافوهم عاجبينهم ولا لأ كل بير يحكولي عليه قصة هذا مثلا جاي على حافة الطريق كان الناس يفوتوا بيش يقضوا في المدينة ممكن يشموا ريحة كريهة كبيرة جثه في 1995 والإرهاب كان يقتل بالزاف ويخطف هذا كل الأعوام 1995 1996 وكان يرموا في الآبار هادول (كلمة بلغة أجنبية) هذا تأكيد باللي فتحوا باللي هنا بالبير هذا فيه جثث وفيه جثث كبيرة ومدام جي من آبار أخرى اللي فتحت إذ يتعرفوا على اثنين أو ثلاثة مثلا البير هذا اللي هنا تسعة عرفوا منه ثلاثة والستة الآخرين وين راحوا هناك مشكل في تشخيص العظام على هذا اللي خلوا الآبار هذه مهجورة كي 17 من بئر هنا في الحوالي في المنطقة هذه فتحت منها اثنين فقط وكي مئات الجثث اللي متواجدة وكي ننتقل الآن مع تحسن الوضع والفلاحة كما ترون على ما يرام ممكن هذه الفلاحة مسقية بالدم بتاع الضحايا هادول والشعب والناس و(كلمة بلغة أجنبية) عم يكلوا فيها يذبحوا من جهة أخرى ويجوا يرموا هنا إياها وهذا بدون أي اعتبار للضحية.

عبد الحق صداح: وتبقى تفاصيل كثيرة للمأساة متوارية في النظرات الشاخصة للأمهات والزوجات والكل يرقب غدا يأمله موعدا للقاء الأحبة اختلف الخاطف والمخطوف لكن لوعة الفراق واحدة حرارة دموع السيدة صليحة لفقد زوجها بعد أن قبضت عليه الشرطة تساوت مع حرارة دموع خلتي عيشة التي لا تزال تداعب الأمل في عودة ابنها المختطف على يدي جماعة مسلحة مأساة واحدة خلفت جروح متماثلة يجمع الطرفان على أنها لم تندمل ما لم تسطع الحقيقة وضاحا فاضحة غير أن الحقيقة المنشودة ليست بهذه البساطة فتحرياتنا أوصلتنا إلى دلائل جديدة عن من أصطلح على تسميتهم بالمفقودين المزيفين عبء إضافي أثقل ملف المفقودين المثقل أصلا.



[فاصل إعلاني]

مصير المختطفين والمفقودين المزيفين

عبد الحق صداح: تجزم جمعية إس أو إس مفقودون أن كل الذين فقدوا هم في قبضة السلطات الأمنية الجزائرية أو أنهم قتلوا خارج نطاق القضاء في عمليات انتقامية في المقابل ظلت هذه السلطات لفترة طويلة تنفي وجود ما يمكن وصفه بملف المفقودين متهمة هؤلاء المفقودين بالالتحاق بالجماعات المسلحة في الجزائر أو ببعض التنظيمات التابعة للقائد في الخارج أو قائلة ببساطة إن بعض منهم يعيش حاليا بوثائق هوية مزيفة في الخارج وحتى بعد اعتراف السلطات الجزائرية في السنوات الأخيرة بوجود ما يزيد عن سبعة آلاف مفقود ظلت هذه السلطات تصر على وجود من اصطلحت على تسميتهم بالمفقودين المزيفين.

نصيرة يوس: نحن لا نتحدث عن مفقودين مزيفين نحن لدينا ملفات ملموسة وشهود وفي 50% من الملفات تظهر أسماء المسؤولين عن الاختطافات مثل السيدتين كيموش وغري واه التين تعرفين الضابطين المسؤولين في براقي وقبل مغادرتهم ودعاهما.

فاروق قسنطيني: المفقودين الآخرين اللي من طرف أعوان الدولة وهو العدد بتاعهم يساوي سبعة ألاف ومائتان وخمسين كما تقول هادوك اللي وقعوا لنا مشكل وهادوك اللي أنا أفكر في الملفات بتاعهم كان في العدد هذا كان المفقودين مزيفين اللي راحوا الجبال أو راحوا للخارج والعائلات بتاعهم اعتبرتهم على كل حال صرحت للإدارات المعنية بالأمر أو بالسلطات إنها مفقودين من طرف الأعوان دولا وهم مش مفقودين حقيقيين مزيفين.

عبد الحق صداح: تحرياتنا بخصوص هذا الملف أوصلتنا إلى أن هناك عدد من المفقودين مما لا تزال ملفاتهم مفتوحة لدى لجنة حماية حقوق الإنسان يزاولون حاليا حياة اعتيادية بين ذويهم من هؤلاء صلاح الدين زيدون القاطن ببوفاريك في ولاية البليدة والذي ألقي عليه القبض في مطار الجزائر بتهمة تزوير وثائق السفر حكم عليه بثلاث سنوات سجن قضاها ثم عاد إلى أهله في نفس المدينة منذ نحو ستة سنوات وهو يدير حاليا محلا لتأجير أشرطة الفيديو ومع ذلك فإن الرجل من الناحية الرسمية لا يزال في عداد المفقودين، هنا يسكن صلاح الدين أهله رفضوا في البدء الحديث إلينا خوفا من إيقاظ الجراح النائمة لكن أخاه أمين التقينا أمام محل أخيه ولم يجد حرجا في الحديث في الموضوع.

أمين زيدون: الحمد الله أخويا صلاح هنا وخدام ها المحل بتاعه أنا وخدام صح كان الواحد ها الوقت كان مفقود وبعد كده أتعود يبان ولبس بمكانه ومن الناحية القانونية الوضعية تعاه راح مسويها من الناحية القضائية يعني حياة والله عادية جدا.

عبد الحق صداح: يعني هو لما اختفى الأيام الأولي انتووا عملتوا تصريح..

أمين زيدون: عملنا تصريح وبعثنا تصريح حتى لرئيس الجمهورية وبعثنا للنائب العام هنا في مجلس قضاء البليدة بعثنا لهم وهم عاد يردوا لنا والحمد الله وبان والحمد الله لبس بهنا..

عبد الحق صداح: لكن انتووا مفكرتوش كعائلة أنكم تبلغوا هيئات حقوق الإنسان اللي أعلنتوا عندها أنه..

أمين زيدون: بعثنا للمرصد الوطني (كلمة بلغة أجنبية) المرصد الوطني لحقوق الإنسان بعثنا لهم وكي أجيء صلاح الدين قال لنا هنا عواد على أساس المحكمة فصل المحال مفقود (كلمة بلغة أجنبية) مفقود ما شيء مفقود وأكدنا لهم بس بيعيش في وسط أهله خدام على روحه وإن شاء عن قريب هو راح يتزوج والحمد الله ما به هو والحمد الله.

عبد الحق صداح: قد لا يكون المفقودون المزيفون بذاك الحجم الذي يؤثر في الإحصاء النهائي للمفقودين في الجزائر لكنهم بالتأكيد موجودون مثلما هي موجودة أزمة المفقودين التي بدأ الرئيس عبد العزيز بوتفليقة الاهتمام بها من خلال الاعتراف بوجودها أولا ثم إنشاء لجنة لمتابعتها ثانيا.

عبد العزيز بوتفليقة- الرئيس الجزائري: إن مشكلة المفقودين هي إحدى المسائل الأكثر حساسية التي يتعين عليكم معالجتها ليس فقط لأنها تُستغل أو تُفسح المجال لمهاترات لا خير يرجى منها ولكن لأنها تنطوي على الخصوص على شحنة عاطفية ناجمة عن الانتظار، الانتظار الطويل.. تحت وطأة التوجس الذي تعانيه الأسر هذه الأسر التي لا يفتوني أن أجدد لها هنا مرة أخرى باسم الشعب والجمهورية كل تضامننا وكل تعاطفنا غير أنني أطلب منها أن تضع ثقتها في القوانين الوطنية أن تضع ثقتها في مؤسسة بلادنا التي من واجبها أن تتحمل مسؤولياتها كاملة إزاء هذه المشكلة العويصة والتي تهم الأمة قاطبة بصالحها وطالحها.

"
الاعتراف بوجود مفقودين شيء إيجابي والاعتراف الرسمي هو جزء من الحل
"
مقران آيت العربي

مقران آيت العربي: أقول أن الاعتراف بوجود مفقودين في حد ذاته شيء إيجابي وأن الاعتراف الرسمي هو جزء من الحل وأن الخطاب السائد قبل هذا الاعتراف أنه لا يوجد مفقودون في الجزائر خطاب سياسي غير جدي ولا يؤمن به أحد كيف يمكن بمأساة مثل مأساة الجزائر تدوم منذ 1992 وسقط فيها بين 100 ألف و200 ألف شخص حسب الأرقام المتفاوتة ونقول أنه لا يوجد مفقودون وأن السلطة حاربت الإرهاب من البداية إلى اليوم بالورود.

صلاح الدين سيدهم: إذا أردنا أن نصل إلى حل جذري لمشكلة المفقودين لابد أن نمر على لجنة حقيقة وعدالة وإذا مرينا على لجنة الحقيقة والعدالة سيظهرون المدبرون الحقيقيون لهذه المأساة الجزائرية.

احميدة العياشي: أولا أعتبر الآليات الموجودة إلى حد الآن هي آليات تقنية و(كلمة غير مفهومة) يعني هي غير خفية لأن الآليات لا يمكن أن تكون فعالة إلا من خلال تنقية أجواء حقيقية تنقية الجو السياسي في الجزائر، اثنين أيضا من حتى أن تقول آليات فعالة أن يعطى مضمون حقيقي مضمون ملموس ومضمون سياسي لما يسمى المصالحة الوطنية في الجزائر.

لويزة حنون: الإرهاب اللي طلع يبلش بالحاجة لكن اللي اخطتفتهم يعني عناصر من هيئات نظامية بأمر أو في إطار انزلاقات ها مش إرهابي سمعنا كثير في الماضي وهذا جرح العائلات إن الجواب كان هذا راح يشبلو ماتوا لا الآن خلاص نقول الحقيقة نقوم بالتحريات في الملفات مكتوبة هاي يعني أشياء هناك أدلة لكن الغرض هو تسليط الضوء الحقيقة راح نقول مسألة ثورية.

أحمد بن عيشة: لو سألت أي إنسان في الشارع ماذا تعني المصالحة بين شخصين متخاصمين يقول لك وبكل بساطة أن يُرد ما يمكن رده وأن يعوض ما لا يمكن رده بكل بساطة نحن نقول بكل وضوح نحن لا نريد أن نزايد على أنفسنا ولا على غيرنا المصالحة بين المتخاصمين المعروفين يعني السلطة التي كانت قائمة يومها وأجلى سبيل للإنقاذ هو أننا نسترجع ما يمكن استرجاعه من كل الأطراف ومن كل الجهات ونعوض ما لا يمكن استرجاعه.

علي مرابط: ما دام مكانش عدالة كاملة للبحث عن مصير المفقودين والمختطفين من جهة وللبحث عن الحقيقة ومعاقبة المتسبب لماذا لأنها جريمة إنسانية بعد هذا ينجم يكون عفو من طرف العائلات تنجم العائلات متحولش لا تريد أن تتابع قضائيا بما أنها وصلت إلى الحقيقة وليس لها فائدة من متابعة هناك من عائلات التي لن تسمح إلا بإجراء تحقيق ومقاضاة المتسبب إلى مكنش إجراء من هذا النوع على مستوى العدالة وعلى مستوى الحقيقة مهياش مصالحة ومصالحة لا أعرفها بتاتا.

عبد الحق صداح: هل كانت الجزائر في غنى عن أزمة المفقودين؟ سؤال كالتساؤل عما إذا كانت الجزائر في غنى عن الفوضى السياسية والأزمة الأمنية اللتين عمت البلاد بعد توقيف المسار الانتخابي في شهر يناير من عام 1992؟ انقلاب عسكري أم إنقاذ للجمهورية الجزائرية؟ واليوم حلفاء ومتخاصمون الكل يبحث عن الحقيقة فهل هي حقيقة واحدة أم أن لها أوجه عدة كل فريق ينشد منها ما يرتضيه رُب قائل لا يهم المهم أن يستمر البحث إلى أن يسطع فجر جديد تهب فيه نسائم الصلح على الجزائر يقال إن من علامات تعافي الدول من محنها الداخلية جرأتها على فتح ملفاتها المحرمة والجزائر اليوم تفعل ذلك وعند المستوى الذي وصلت إليه معالجة ملف المفقودين قد لا يكون ذا أهمية القول بالمسؤولية المطلقة لأجهزة الدولة كما يدعي نشطاء حقوق الإنسان في الداخل والخارج أو الزعم بأن الجماعات المسلحة هي وحدها المسؤولة عن هذه المحنة الإنسانية المؤلمة كما قد لا يكون مهما في الوقت الراهن معرفة ما إذا كانت المعالجة الصحيحة هي معاقبة المتسببين وتعويض الضحايا أو ببساطة الصفح والعفو عما سلف المهم أن تنكشف الحقيقة حتى تتكشف الضغائن ويتحقق تصالح الجزائريين الذي ترومه العهدة الثانية للرئيس عبد العزيز بوتفليقة.