لم تعد روسيا اليوم مجرد خصم للولايات المتحدة، بل إنها طلقت ثلاثا قواعد الخصومة القديمة، التي ظل معمولا بها حتى في أوج الحرب الباردة، فلم يسبق أن دخل قط الأمن النووي كورقة تفاوض في الأزمات الأخرى.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين اليوم يقول إن بلاده قد تستخدم السلاح النووي في حروب تقليدية، كما انسحبت روسيا من العديد من التفاهمات الخاصة بمنع الانتشار النووي وخفض الترسانة النووية بسبب أوكرانيا والدرع الصاروخية الأميركية في أوروبا.

ضم الروس شبه جزيرة القرم، ونقلوا نموذج تدمير الشيشان إلى سوريا، وتوعد أحد قادتهم العسكريين مدينة حلب السورية بمصير غروزني عاصمة الشيشان التي سويت بالأرض.

وزيادة على ذلك، تقترب الطائرات الروسية من أجواء الأطلسي، بل يتحرش الطيران الروسي بسفن أميركية، وتدخل سفينة روسية المياه الإقليمية لبريطانيا.

بالمقابل تبدو الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا عاجزين عن مواجهة النفوذ المتزايد لروسيا في ساحات شتى ليس أقلها الشرق الأوسط، مما يطرح تساؤلات منها: ما المدى الذي يمكن أن يصل إليه بوتين في صدامه بالغرب؟ وما هي منطلقات السياسة الروسية الحالية في منطقة الشرق الأوسط؟ وكيف يمكن لدول المنطقة التعامل مع هذا النفوذ المتزايد؟

إعادة المجد
يعزو المحلل الروسي المختص بشؤون الشرق الأوسط يفغيني سيدروف سبب هذا التحول الروسي إلى حالة التهميش التي تعرضت لها وعوملت بها روسيا بعد انهيار الاتحاد السوفياتي على الصعيد الدولي ولاسيما من الدول الغربية والولايات المتحدة.

ومن وجهة نظره فإنه مع مجيء بوتين للكرملين، فقد بات واضحا أن هدفه هو استعادة القوة المفقودة للاتحاد السوفياتي، وجعل روسيا دولة يحسب لها حساب ويؤخذ رأيها بعين الاعتبار لكي تكون على قدم المساواة مع جميع الدول التي حاولت تهميشها.

ويرى سيدروف أن هذا ما حدد سياسة بوتين التي تظهر تداعياتها وأثارها في مناطق مختلفة من العالم اليوم.

لكن لماذا انتظر بوتين كل هذه الفترة؟ يجيب المحلل الروسي بأن روسيا كانت ضعيفة جدا اقتصاديا وعسكريا في بداية الألفية الجديدة، لذلك احتاجت وقتا للإعلان على نفسها قوة عظمى، واستغلت هذه الفترة لتعزيز قدراتها العسكرية والاقتصادية.

ويؤكد أن لروسيا حلفاء محتملين ومرشحين وحقيقيين في الشرق الأوسط، مثل مصر التي تتطابق مصالحها مع روسيا على أسس براغماتية في نواح عديدة مثل التبادل الاقتصادي والتجاري والسياحة.

ويضيف أن هناك أيضا في دول الخليج اعترافا بدور روسيا المهم في الشرق الأوسط، وهي مواقف تعكس الواقع، إضافة إلى أن هذه الدول تريد أيضا نوعا من التوازن في علاقاتها بين الغرب وروسيا.

تخاذل أميركي 
من جانبه يلفت مدير مركز أبحاث الخليج عبد العزيز بن صقر إلى زاوية أخرى في أسباب هذا التمدد للنفوذ الروسي، مشيرا إلى أن بوتين استفاد من تخاذل السياسة الأميركية في فترة رئاسة الرئيس الأميركي باراك أوباما في أماكن عدة من العالم.

ويرى صقر أن بوتين يرى أن الرئيس السوفياتي السابق ميخائيل غورباتشوف ومن تبعه في روسيا تهاونوا وقللوا من حجم ودور روسيا في منظومة السياسة العالمية.

أضف إلى ذلك، يتابع صقر، أن روسيا وجدت نفسها أمام تهديدات معينة من حلف الأطلسي والدرع الصاروخية، مما دعاها لتغيير توجهاتها السياسية، فوجدت في الشرق الأوسط فرصة عظيمة لتعيد ماضيا كان لها في هذه المنطقة.

وأوضح أن روسيا تريد إعادة التموضع في المنطقة بشكل جيد، والوجود العسكري المدعوم بالمصالح الاقتصادية يحقق هذا لها.

مصالح مشتركة
أما بيل دانفرز، وهو باحث في معهد التقدم الأميركي المختص في مجال الأمن القومي الأميركي والشأن الروسي، فيؤكد أن لدى الولايات المتحدة ورسيا مصالح مشتركة، رغم أن واشنطن تعاني بسبب مواقف روسيا في سوريا وأوكرانيا.

وأضاف أن الإدارة الأميركية تواجه صعوبات وخلافات مع روسيا، وهي تعبر عن ذلك، لكنها في الوقت نفسه تتعاون معها في ملفات عديدة مثل ما حدث في الملف النووي الإيراني وكذلك في سوريا.

وأكد دانفرز أن الولايات المتحدة قادرة على حماية مصالحها وعلاقاتها وحماية حلفائها في الشرق الأوسط، ولديها علاقات جيدة بالدول العربية.

وختم بأنه عندما تختلف واشنطن وموسكو حول قضايا أساسية مثل الأزمة الإنسانية في سوريا، فإن ذلك يولد توترات بين البلدين، لكنه في الوقت نفسه لا يحدد سياسات واشنطن فيما يتعلق بالشرق الأوسط وسوريا.