علي الظفيري
إبراهيم بوتشيش
امحمد جبرون

علي الظفيري: أهلا بكم مشاهدينا الكرام، طابت أوقاتكم بكل خير، أحييكم بهذه الحلقة الجديدة من برنامج في العمق ونقاش فكري في هذه الحلقة، كما يعلم جميعنا أن الربيع العربي، هذه الثورات، هذه الانتفاضات، ليست فقط فيما يتعلق بالشأن السياسي إنما تتعلق بحالة المجتمع، اليوم نبحث فيما يؤسس لفكرة ومفهوم العدالة في التراث والتاريخ الإسلامي مع ضيوف هذه الحلقة، الدكتور امحمد جبرون أستاذ التاريخ والفكر السياسي في المغرب، مرحبا بك دكتور، والدكتور إبراهيم القادري بوتشيش الأكاديمي والمتخصص في التاريخ الاقتصادي والاجتماعي وحوار الحضارات، مرحبا بكم ضيوفنا الكرام. حينما نتحدث عن العدالة نحن نتحدث عن قضية حساسة جدا، قضية ترتبط بكل ما له علاقة بتقدم المجتمع، وبالتالي وهو أمر لا يمكن نقاشه من اليوم لما له جذور مؤسسة، أبدأ معك دكتور امحمد أولا، حضور هذا المفهوم في تاريخنا الإسلامي، في تراثنا الإسلامي، كيف حضر مفهوم العدالة؟ ما هي تجلياته؟ ما هي تطبيقاته؟ ما هي الإشكاليات المثارة حوله؟

مفهوم العدالة في التراث الإسلامي

امحمد جبرون: بسم الله الرحمن الرحيم، اسمح لي في البداية أن أتقدم بالشكر الجزيل لك ولمنتج هذا البرنامج الشيق، فيما يتعلق بهذا السؤال:العدالة في الإسلام هي عدالة أصيلة وأصّلها النص وأثبتها النص أولا، ولهذا عندنا مظاهر في مختلف مناحي حياة المسلمين سواء الاجتماعية أو السياسية أو الثقافية، إلى غير ذلك، ولكن باختصار شديد مفهوم العدالة في الإسلام وفي الفكر السياسي الإسلامي عرف تطورات عديدة واختلف تعريفها بحسب المجالات ولكن أقول باختصار أن العدالة في بداية الأمر كانت هي ثمرة الشريعة وتطبيق أحكامها وغير ذلك، ولكن هذا المفهوم الفقهي مع تطور الظروف والأحوال وتغير الأزمان أصبح يعيش حالة من الأزمة وهو ما جعل فقهاء المقاصد في فترات متأخرة يلجئون إلى تعريف جديد للعدالة ويربطوه بمقاصد الشريعة، حيثما كانت هذه المقاصد ومصالح المسلمين في الحياة العامة إلا وكان هناك مفهوم للعدالة.

علي الظفيري: محدد دكتور، نستطيع أن نتحدث عن حدود لهذا المفهوم أو مختلف ومتباين حسب الزمن حسب المكان؟

امحمد جبرون: هناك تباين لأنه ليس هناك تعريف جامد لمفهوم العدالة، وهذا أهم ما ميّز الفكر السياسي الإسلامي في تعاطيه مع هذا المفهوم،بحسب كانت هناك مرونة منهجية، مرونة فقهية وفكرية، أي هناك عقلانية في التعامل مع هذا المفهوم، ففي الفترات الأولى كان النص الشرعي كافٍ لتحديد مفهوم العدالة، سواء كان قرآن أو سنة أو غير ذلك أو سيرة الصحابة وما إلى ذلك، ولكن بعدين أصبح هذا المفهوم غير قادر على حل إشكالات وبالتالي لجأ فقهاء المقاصد إلى تطوير مفهوم العدالة و ربطوه بالمصالح حيثما كانت مصالح للأمة فيمكن أن نبلور مفهوما للعدالة مناسبا وقادرا على حل وتجاوز مشاكلهم.

علي الظفيري: دكتور إبراهيم بوتشيش له بحث، ورقة بحثية حول خطاب العدالة في كتب الآداب السلطانية منشورة طبعا في المؤتمر السنوي الثاني للعلوم الاجتماعية والإنسانية الذي يقيمه المركز العربي للدراسات والأبحاث والسياسات، ما هو مفهوم العدالة دكتور حينما نتحدث عن التراث؟ ما هي ملامح هذا المفهوم في كتب الآداب السلطانية كما أسميتها؟

إبراهيم بوتشيش: أولا أبدأ بالشكر لقناة الجزيرة على هذه الاستضافة الكريمة، وقبل كل شيء أريد أن أحدد الإطار العام عندما نتحدث عن مفهوم العدالة في الإسلام أو في العالم العربي الإسلامي، فإننا في الحقيقة نتحدث عن قضية عقلية، عن تصور عقلي أتى به الإسلام، واسمحوا لي أولا أن أحدد من الناحية اللغوية، فالعدالة التي هي من العدل، والعدل في  المفهوم اللغوي حسب المنظور هو الاستقامة، هو التوسط أو الوسطية وهذه كلها مفاهيم تناسب المفاهيم الإسلامية، ملاحظة أخرى وهي أن المفهوم الإسلامي للعدالة أتى في مناخ كان العالم كله يعيش أو يتعايش مع الاستبداد سواء في الإمبراطورية الفارسية أو في الإمبراطورية الرومانية أو في كل مختلف العالم آنذاك، فحقيقة إذن جاء كرجة جديدة وكهزة لمنظومة سار عليها العالم آنذاك، وبالتالي فإنه يشكل لحظة مفصلية في نظري في تاريخ العدالة الإنسانية.

علي الظفيري: هذا ما جاء به النص.

إبراهيم بوتشيش: نعم، أضيف إضافة، أنا كنت قد قرأت كتابا لديفد جونستون وتحدث عن تاريخ العدالة بكافة العالم ولكن للأسف لم أجد إشارة واحدة عن تاريخ العدالة في الإسلام، وهذا في الحقيقة يطرح التساؤل لماذا تغييب العدالة الإسلامية رغم أنها بصمت بصمات واضحة في تاريخ الإنسانية؟ وكما قلت فإنها شكلت هزة جديدة لتاريخ الإنسانية، وإذا سمحتم يمكن أن أربط بين هذا المفهوم، المفهوم الإسلامي لأن المفهوم الإسلامي أتى بثورة ديمقراطية بكل صراحة لأننا عندما نتحدث عن الديمقراطية عندما نتحدث عن العدالة لا بد أن نربطها بالديمقراطية، إذن فالإسلام، إذا كنا نتحدث اليوم عن الربيع العربي فأنا شخصيا أتحدث أيضا عن الشتاء والصيف الإسلامي، لأن رحلة الشتاء والصيف هي التي أتت لنا بهذه الثورة الفكرية في الإسلام الذي هو منبعه القرآن وهو الذي أعطى لنا هذا المفهوم الثوري في العدالة.

علي الظفيري: نحددها الآن في التراث في التاريخ الإسلامي، ماذا كانت تعني؟ ما هي تجليات هذا المفهوم، مفهوم العدالة؟ وتطبيقاته من قبل السلطة السياسية في الدولة الإسلامية، الدولة الإسلامية المختلفة، نتحدث عن مراحل ودول كثيرة.

امحمد جبرون: نعم، فيما يتعلق بتطبيقات العدالة، في ماضي المسلمين يمكن أن نربطه بالأساس في الفقه، وهو القانون، مرادف للقانون اليوم وبالمؤسسة القضائية، هذه المؤسسة في تاريخ الإسلام كانت مؤسسة من الناحية القانونية مرجعيتها القانونية مستقلة تماما، لم يكن تشريعا هو وظيفة من وظائف الإمام أي الخليفة أو وظيفة من وظائف ما يسمى اليوم بفقهاء السلطان، التشريع كان وظيفة الفقهاء على اختلاف مذاهبهم وألوانهم، وهم الذين كانوا ينصصون يحددون النصوص القانونية للعدالة.

علي الظفيري: ومستقلين بشكل كامل.

امحمد جبرون: ومستقلين بشكل كامل، فكان القاضي هو وظيفته أن يطبق فتاوى وأحكام الفقهاء المستقلين أصلا، فكانت العدالة هناك نزاهة واستقلالية في تعريف العدالة وفي تحديدها في حدود المتاح تاريخيا وفكريا وكذلك المتاح اجتماعيا لأنه ببساطة لا يمكن ان نفصل مفهوم العدالة أو مستواه ومنسوبها عن الحياة الاجتماعية وعن الحياة الاقتصادية وأنماطها وتقاليدها.

علي الظفيري: حقوق الفرد وأسأل هنا دكتور إبراهيم، النقاش مشترك ولكن أبدأ بالدكتور إبراهيم، ما هي الحقوق التي تترتب عليها حالة العدالة أو تطبيقات العدالة أو فكرة العدالة في الدولة الإسلامية المبكرة؟

إبراهيم بوتشيش: بطبيعة الحال عندما نتحدث عن العدالة هنا يحضرني بالدرجة الأولى العدالة السياسية في المفهوم السياسي، أي أننا نقوم بمرجعية إلى ما يسمى السلطة السياسية في الإسلام وكيف تأسست هذه السلطة وكيف أنها كانت سواء في العصر النبوي أو في العصر الراشدي مؤسسة على حقوق وواجبات، بحيث أن الفرد بقدر ما كان له واجبات تجاه الدولة الإسلامية بقدر أيضا ما كان له هذه الحقوق، ولم نسمع ولم تخبرنا كتب التاريخ أو مصادر التاريخية، لم تخبرنا أو لم نجد أي نص يتحدث مثلا عن تمرد أو عن أي شيء قد يتيح لنا فهم أنه لم تكن هناك عدالة سواء في عهد النبي صلى الله عليه وسلم أو في عهد أبو بكر أو عمر بن الخطاب، ولكن بعد حادثة التحكيم المشهورة وبعد ظهور الدولة الأموية بطبيعة الحال وقع نوع من الحراك.

علي الظفيري: هنا أمران مهمان، أولا هناك دولة الخلافة الراشدة، دولة النبي صلى الله عليه وسلم والخلافة الراشدة، هذه كمرحلة يمكن أن تكون مثل الجزيرة المعزولة يعني يمكن فصلها عما جاء بعدها، وربطتها أيضا دكتور، ربطت العدالة بقضية السياسة، بعلاقة الفرد بالحاكم بشكل رئيسي، دكتور امحمد في هذين العنصرين ربما نستطيع أن ننطلق في نقاشنا حول قضية العدالة؟

امحمد جبرون: نعم ممكن، أنا أريد أن أنبه إلى أمر أساسي وهو يجب أن لا نخطئ في إسقاط مفاهيم العدالة المعاصرة والمرتبطة بحقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية والاقتصادية بما كان في الماضي، نمط الإنتاج الحياة والبنيات الاقتصادية.

علي الظفيري: العلاقات.

امحمد جبرون: يعني كانت مختلفة جدا.

علي الظفيري: الدكتور أشار إلى أنه ما جاء فيه الإسلام على قضية العدالة كان متقدما على كل ما هو محيط في تلك الفترة.

امحمد جبرون: نظريا كان متقدما وحتى عمليا لأنه ببساطة معروف وهذا أمر يكاد يكون متوافقا بشأنه عند عموم المؤرخين وهو أن الإسلام كفكر وكحضارة أنقذ الحضارة الإنسانية وورث الحضارة الإنسانية لأنه بعد سقوط روما وبعد انهيار الحضارة الرومانية كان العالم دخل فترة ظلام وكان هذا أمر فيه نقاش وغير ذلك، نعود إلى موضوعنا فيما يتعلق بإسهام الدولة الإسلامية في بناء العدالة، لأول مرة في العالم العربي والإسلامي تصبح العدالة عندها مرجعية فكرية وقانونية واضحة جدا وهذا كان من مقتضيات إنشاء الدولة أصلا في الإسلام، لأنه الهوية السياسية للعرب والمسلمين في هذه المرحلة ارتبطت أساسا بوجود منظومة قانونية مستقلة عن نزاعات الأفراد ومستقلة عن الثقافة المحلية وغير ذلك، وكان النص الشرعي أي القرآن وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم محدد أساسي في هذا السياق ولهذا كان هذا عنصر أساسي تبلور في عهد الراشدين ولكن بشكل أساسي تبلور بشكل واضح في الدولة التي جاءت بعد الراشدين ولهذا أصبحنا نتوفر على نصوص قانونية منذ الشافعي عندما تعود إلى كتاب الأم للشافعي وغيره من الكتب الفقهية تجدها مصنفات قانونية كاملة القوام لا ينقصها شيء على المصنف القانوني في اليوم فيما يتعلق بالعائلة فيما يتعلق بالبيع والشراء فيما يتعلق بالشراكة فيما يتعلق بأشياء كثيرة جدا.

علي الظفيري: في قضية السياسة والعلاقة مع الحاكم، نشوء الدولة الأموية بعد الخلافة الراشدة كان مفصليا في قضية الحريات السياسية والعلاقة مع الحاكم، كيف أثر هذا في هذه الفترة التاريخية وكل ما حدث فيها على فكرة ومفهوم وتطبيقات العدالة؟

إبراهيم بوتشيش: نعم، إذا انطلقنا من إطار المرجع القانوني نلاحظ على أنه لأول مرة في العالم العربي يظهر ما يسمي بالبيعة، بيعة الرضوان التي كانت من أهم البيعات التي تؤسس لعلاقة الحاكم بالمحكوم، وهي علاقات من الناحية الشرعية تقوم على الرضا بين المتعاقدين.

علي الظفيري: حالة تعاقد قائمة على الرضا.

إبراهيم بوتشيش: تعاقد يقوم على الرضا، يعني ما بين الحاكم والمحكوم، واستمر هذا النمط حتى الخلافة الراشدة، لكن بعد ذلك هنا بدأت الأمور تتغير وبطبيعة الحال أنا أرى أنه يجب أن نكون صريحين مع التراث في نقده وقراءته لم لا، فعندما تولى الخلافة معاوية بن أبي سفيان وعهد بالبيعة لابنه يزيد هنا بدأ نوع من الشرخ في مجال البيعة، بدأ نوع من الشرخ السياسي والدليل على ذلك هو أن مجموعة من الصحابة عارضوا هذا التعيين الذي عينه، لماذا؟ لسبب واحد وهو انه لم يقم على الشورى، عبد الله ابن أبي بكر أوضح لمعاوية بن أبي سفيان على أن هذا التوجه الذي توجهوه هو توجه خاطئ وتوجه غير شوري، ونفس الشيء أيضا بالنسبة للصحابة الآخرين وكان الأمر في الأول سجالا عن طريق سلمي، ولكن في نهاية الأمر تحول إلى ثورات مسلحة.

التعاقد والبيعة وعلاقة الحاكم بالمحكوم

علي الظفيري: إذن هنا الإشكالية، تعرفون قضايا التاريخ والحوادث نقاشها وسردها طويل جدا، لكن الإشكالية أنه فكرة العدالة التي كانت قائمة بشكل رئيسي على قضية التعاقد والبيعة وعلاقة الحاكم بالمحكوم حدث إشكالية هنا حولها، ظهرت أنماط جديدة حكم المتغلب إلى آخره، دكتور تتفق مع أن هذه كانت مفصلية في مفهوم العدالة وما ترتب عليها بعد ذلك في تراثنا وتاريخنا الإسلامي؟

امحمد جبرون: أنا أعتقد مشكلة العدالة في فكرنا السياسي طرحت أول مرة في عهد عثمان رضي الله عنه وعليه السلام، ففي هذه الفترة يعني من بين المحرضات والحوافز التي حفزت على الثورة على عثمان مشكلة العدالة من زاوية وهو الخلاف حول قسمة الفيء، محاولة الإيهام بان عثمان وعائلته يستأثرون بالفيء بغض النظر عن قيمة هذه الدعاوى ومدى صدقيتها، ولكن هذا سؤال طرح مبكرا. الذي يجب أن ننتبه إليه هو أن هذا السؤال سؤال العدالة الذي طرح مبكراً الحلول التي قدمت له كانت حلولا بين قوسين واقعية وتاريخية أكثر مما كانت حلولا نظرية لأن النظري والفكري جاء تبعا لما جرى في الواقع وتبعاً لما حصل على الأرض، لم يكن ممكناً بالنسبة لمن جاء بعد عثمان عليه السلام وكذلك بعد علي رضي الله عنه إلا أن يكون على ما كان عليه معاوية وابنه، لأنه ببساطة الخليفة الثاني قتل، الخليفة الثالث قتل ويعني قتل علي كرم الله وجهه وقتل عثمان ، يعني المشكلة أصبحت مشكلة اجتهاد سياسي فيه خلل فكان يعني حل هذه العدالة الحل يعني البيعة بالرغم أنها أخذت منحى فيه قوة ولكن عدد كبير من الصحابة أيدوا هذا الأمر لسبب بسيط هو مصلحي لان بدونها أو بدون هذا النوع من استعمال القوة أو إدخال القوة على الخط لم يكن ممكناً حل مشكلة..

علي الظفيري: دكتور إبراهيم كأن هذا تبريرا.. حديث الدكتور امحمد ولا لأ وكأنه يبدو تبريراً لما حدث؟

إبراهيم بوتشيش: طبعاً نحن في تصوري أنه عندما نريد أن نحلل التاريخ فنحلله انطلاقاً من النصوص وانطلاقاً أيضاً من أقوال الصحابة لأن أقوال الصحابة كانوا آنذاك يمثلون القوى.. السلطة العلمية التي لا يمكن أن يجادلها أحد فعندما يرفض عبد الله بن أبي بكر وعندما يرفض مجموعة من الصحابة منهم الزبير وغير ذلك فمعناه أن هناك شيئا ما حدث وهذا الشيء هو الذي يجب طرحه وأن نصارح فيه أنفسنا وأن نتحدث لماذا؟ لأن السلطة السياسية الآن..

علي الظفيري: الآن هي ليست قضية النقاش، ماذا جرى وتبريره صحيح منطقي واقعي، لأن هذا نقاش آخر لكن ماذا جرى لفكرة العدالة بعد أن تحولت طبيعة النظام السياسي في الإسلام مع الدولة الأموية وما بعدها قضية التوريث وما إلى ذلك؟ ماذا جرى لها؟

إبراهيم بوتشيش: إذن هنا أدخلتنا إلى مرحلة جديدة التي نسميها بمرحلة الملك العضود وهنا بطبيعة الحال يحضر ما يسمى بالنص السلطاني هنا يكثر بعض الكتاب..

علي الظفيري: أطرح العناوين على الأقل أن السلطة كمصدر مولد للعدالة ،العدالة مسؤولية أخلاقية غير ملزمة للسلطان والعدالة طبعاً بعد ذلك نشير للعدالة كأساس لبناء الدولة وأداة للاستقرار ماذا تعني بأن السلطان بات مصدراً مولداً للعدالة؟

إبراهيم بوتشيش: نعم بما أن الكاتب سلطاني كان يمثل إرادة الحاكم.   

علي الظفيري: الكاتب المثقف الأديب المفكر الفقيه؟

إبراهيم بوتشيش: نسميه اليوم مثقف السلطة إذا شئنا

علي الظفيري: عشان بس الفروق المغاربية والمشارقية.

إبراهيم بوتشيش: نعم.

علي الظفيري: النخبة خلينا نقول..

إبراهيم بوتشيش: النخبة اللي كانت مرتبطة بالسلطان كانت تكتب في شكل نصائح لأن كل هذه المؤلفات التي استقينا منها المعلومات جاءت في شكل نصائح والنصيحة من طبيعة الحال هي غير ملزمة معنى أنك تعطي للسلطان مجموعة من نصائح في العدل ولكن لا تفرض عليه أن يطبقها فهو حر  في أن يطبق هذه النصائح وحر ألا يطبقها، إذن فبتالي نلاحظ على أن النص السلطاني كان من إيحاء السلطان نفسه ومن الذات السلطانية وبالتالي إن كان السلطان لا يظهر كموحي ولكن من خلال العلاقة التي تربط ما بين الكاتب والسلطان فنفهم على أنه كان يوحي بخطاب ويرسله عبر الكاتب إلى الرأي العام الإسلامي؟

التزام السلطة بقضية العدالة

علي الظفيري: هذه نقطة مهمة أسأل الدكتور امحمد عنها، بين ما جرى  لعمر بن الخطاب رضي الله عنه حينما قيل له نقومك بسيوفنا بالمعني في حالة الخطأ وما جرى وصلنا إليه بعد ذلك تحول السلطان إلى مصدر  لهذه العدالة وتحول الأمر إلى مسألة غير إلزامية إنما مناشدة، نصيحة وما إلى ذلك كما أشرت، هذا تحول خطير جداً في قضية التزام السلطة بقضية العدالة؟

امحمد جبرون: اسمح لي أنا عندي وجهات نظر..

علي الظفيري: تفضل.

امحمد جبرون: ربما تكون يعني مختلفة بعض الشيء عن هذا المنظور لأن هذا من الوهم الذي قد توقعنا فيه نصوص، بعض النصوص السياسية لأنه ببساطة العدالة من الخطأ أن نربط مصيرها بمصير  الدولة والسياسة في تاريخنا. لم تكن العدالة مسؤولية الدولة فحسب لأن تصرفات الدولة محدودة جداً حتى بمنطق السياسة الشرعية، العدالة في تجلياتها وفي معطاها الفقهي القانوني والتاريخي هي تمتد إلى المجتمع جزء كبير من صلاحيات تطبيق الشريعة كانت هي أكثر من 80% تقريباً وبحسب بعض الفقهاء الذين يوسعون يزيدون إلى أكثر من 90% فما كان مطلوب من السلطان العدالة بشكل مطلق، فجزء كبير كان مكلف به المجتمع وقواه وكان بعض هذه العدالة يتحقق من خلال  السلطان فإذن ربط العدالة بالسياسة فقط فيه مشكلة، الأمر الثاني أريد أن أنبه إليه هو أن علاقة الحاكم بالمحكوم في الإطار الإسلامي كان دائماً فيها بطبيعة الحال دائماً القوى التي يمكن أن نعبر عنها بضمير الأمة التي تريد أن تنبه الحاكم إلى مساوئه وهذه القوى هناك قوى داخلية قريبة من السلطان وهناك قوى بعيدة عنه فخطاب الأدب السلطاني يدخل فيه نوع من التنبيهات والضمير الداخلي بحيث كانت تؤطره فقهيات نصيحة الملوك لأن ببساطة هناك فقه خاص وهو كيف يمكن أن تعامل ملكاً وسلطاناً وتنصحه، وكان هؤلاء الناس مخلصون لم يكونوا ببساطة لا يمكن أن نشك في صدق الغزالي وفي صدق الطرطوشي وغيره من الكبار الذين كتبوا الآداب السلطانية، ولكن خارج  هذا الصنف وخارج هذا السياق كانت هناك معارضة حقيقية.

علي الظفيري: لكن لم نقصد انه لم  ينطلق من سلطة إلزام بمعنى أن الحاكم ملزم بقضية العدالة وبقضايا كثيرة؟

امحمد جبرون: لا هو  ملزم أخلاقياً وملزم نظرياً بإقرار..

علي الظفيري: قانونياً.

امحمد جبرون: قانونياً وأخلاقياً من صلاحيته واختصاصيته ووظائفه فكل كتب الآداب السلطانية بل عفواً كتب الأحكام السلطانية لأن فرق بين كتب الأحكام والآداب، كتب الأحكام التي تحدثت عن اختصاصات الأمام والخليفة كلها نصت على أن العدالة واحدة من الاختصاصات الأساسية، وأول ما كان يبرر انقلاب المعارضة وخروج بعض الجهات عن السلطان كان يبرر بكونه غير عادل غير ظالم..

علي الظفيري: لكن قضية الخروج عن الحاكم  هنا أسأل الدكتور إبراهيم كيف برر كتاب الآداب السلطانية كتاب التاريخ الموروث بشكل عام كيف برروا استبداد السلطان؟

إبراهيم بوتشيش: نعم، الحقيقة أنا لي إشكالية موجودة بكثافة في كتب الآداب السلطانية بحيث أنها احتلت مساحة مهمة جداً في هذه المؤلفات بحيث أنهم.. سأذكر نصاً معبراً جاء في كتاب أحد كتب الآداب السلطانية يعبر عن ذلك وهو  لابن رضوان في الشهوب  كتاب الشهوب اللامعة، ويقول: فإذا عدل السلطان كان له الأجر وعلى الرعية الشكر  وإذا جار كان عليه الإثم  وعلى الرعية الصبر، معنى ذلك أن الطاعة في مفهوم الآداب السلطانية تصل إلى أمر الوجوب، والأمر بالوجوب يرتبط أنه كلما حاد شخص عن هذه الطاعة فتقرن أعماله بأعمال الشيطان ولدينا نصوص تؤكد ذلك تؤكد على أن من خرج من طاعة السلطان فقد عصي الله..

علي الظفيري: أستكمل معك هذه الفكرة المهمة لكن أتوقف مع فاصل نعود بعده إلى وجوب شكر السلطان في حالة عدله ووجوب الصبر عليه كما جاء في الموروث في حالة جوره وظلمه تفضلوا بالبقاء معنا.

[فاصل إعلاني]

علي الظفيري: أهلاً بكم من جديد مشاهدينا الكرام في العمق الليلة مع دكتور امحمد جبرون والدكتور إبراهيم القادري بوتشيش مثقفان وأكاديميان مغربيان وأعتذر عادة على البحث عن المعمق والأصيل في المغرب العربي ومثقفي المغرب العربي، نبحث اليوم مفهوم العدالة في تراثنا وتاريخنا الإسلامي. دكتور أشرت لابن رضوان وما قاله من فكرة لكن هل هي الفكرة الحاكمة الوحيدة هناك أفكار كثيرة، هناك طروحات كثيرة لعلاقة مع السلطان في حالة ظلمه وغير ذلك؟

إبراهيم بوتشيش: أكيد، أكيد لأن تنوع العالم الإسلامي وتنوع العقل الإسلامي يعني أخصب الفكر وبالتالي ظهر تنوع وتعدد.

علي الظفيري: يعني ماذا من نصوص في الآداب السلطانية كما وفي الفقه وما إلى ذلك ماذا أسس لطاعة الحاكم  ولو بالإكراه؟

إبراهيم بوتشيش: هي أكمل الفكرة لأنه هذا من المنطلق الذي كان ينطلق منه من يجعل الطاعة في مرتبة أو في مستوى الأمر في الوجود كانوا ينطلقون أيضا من فكرة أساسية ولها أهميتها وهي تجنب الفتنة والاستقرار، استقرار الدولة الإسلامية، فهو يقول الكاتب السلطاني كان يرى على أن أي خروج عن الطاعة يمكن أن يسبب فتنة، ولذلك كان يقول يعني حكم سلطاني غشوم خير من فتنة تدوم.

علي الظفيري: أليس هذا منطقيا يا دكتور، أليس هذا منطقيا التخوف من قضايا تتعلق بانهيار الاستقرار، الفتنة المجتمعية إلى آخره، أليس منطقيا أم أنه استثمر لأقصى مدى وبشكل سيء من قبل الاستبداد؟

إبراهيم بوتشيش: بطبيعة الحال نحن عندما تحدثنا عن جانب الفتنة أو عندما تحدثنا عن هذا الجانب الفكر العدالي في الكتب الآداب السلطاني كنا نتحدث عن العقلية عن الذهنية عن بنية ذهنية وبالتالي هذا جزء من البنية الذهنية التي ربما تساعد على الجمود وعلى البقاء، البقاء Statics يعني.

علي الظفيري: دكتور امحمد، الإسلام العظيم الذي كان ثورة في المحيط في ذلك الزمان والذي أسس لفكرة، فكرة المساواة والعدالة تحول بعد ذلك طبعا تحول فهمه بعد ذلك إلى تبرير للحاكم المستبد دعوة لعدم الخروج عليه، آخر شيء وضعت اشتراطات، الحد الأدنى من الاشتراطات، أهم شيء يقيم الصلاة وبالتالي هذا يوجب عدم الخروج عليه مهما فعل، ألم يكن هذا انحدارا في الفهم ألأولينا أو قضية توظيف السلطة للمثقف للنخبة في تلك الفترة؟

امحمد جبرون: هو هذا من الأسئلة المحرجة جدا في فكرنا السياسي وخاصة عندما ننظر إلى الوراء ولكن لا بد من الانتباه إلى بعض الأشياء اللي هي كانت حاضرة لدى الفقهاء، من أهم هذه الأمور المحددة هو الخوف من الفتنة، الخوف من الفتنة عقد المفكرين السياسيين الإسلاميين على مدى تاريخنا، الخوف من الاقتتال، الخوف من التناحر، الخوف من انهيار الدولة والسلطة وبالتالي ضياع كل المصالح، وهذا الشيء خلا معظم الفقهاء يضيقون ويشددون في أمر الخروج وطالبوا بالصبر والطاعة أكثر مما حرضوا على الخروج..

المنظور الحداثي لسلطة الحاكم في العالم العربي

علي الظفيري: وضعونا أمام ثنائية إما القبول بالاستبداد أو انهيار الدولة، لماذا لم تبحث مسألة الاستقرار وتطوير أنظمة قانونية تحكم أداء السلطة السياسية؟

امحمد جبرون: هذه مشكلة تاريخية، مشكلة مرتبطة بثقافة العصر وروح العصر، لأنه هذه الفترة الذي نتحدث عنها لا ننسى أنها العصر الوسيط، العصر الوسيط كان الاستبداد هو أرقى ما وصلت إليه، ما وصل الفكر السياسي الإنساني..

علي الظفيري: دكتور نحن لحد اليوم بشار الأسد القذافي كل الحكام المستبدين كانوا هناك من يبرر لهم شرعيا..

امحمد جبرون: الآن ببساطة هذا الامتداد للاستبداد في تاريخنا هو استبداد بنية اجتماعية هو استبداد بنية اقتصادية هو استمرار للنمط  في الفكر لأنه ببساطة الآن إذا لاحظتم التحول نحو الديمقراطية ليس قرارا فكريا وقرارا إداريا التحول نحو الديمقراطية هو قرار تاريخي مرتبط بتحول اجتماعي وثقافي واقتصادي على الأرض، وبالتالي مشكلة الاستبداد هي مشكلة تاريخ وليست مشكلة دين وفكر، اليوم الآن نحن يعني مضطرين أو مكرهين على إنتاج فكر ديمقراطي إسلامي لأنه ببساطة الشروط التاريخية الذي نحياها هي شروط تحرض على..

علي الظفيري: هذا سنأتي له، فكر ديمقراطي إسلامي لكن أسأل الدكتور إبراهيم ألا يكون الأمر بين الاستبداد والعدل بمعنى المستبد العادل المستبد سياسيا المتحكم بشؤون الناس وأمورهم والعادل في جانب آخر من حيث يعني بعض الأمور إدارة المجتمع و الدولة..

إبراهيم بوتشيش: نعم، أنا في..

علي الظفيري: أم أنها تلاقي بعضها البعض؟

إبراهيم بوتشيش: أنا في ردي على هذا التساؤل المهم، سأحاول أن أرجع إلى التاريخ بدون أحداث ولكن  سأرجع إلى نظرية صيغت في الأدبيات الماركسية التقليدية وهي نمط للإنتاج الأسيوي، هذه النظرية التي تولى دراستها فيت فوغن تقول على أن الأنظمة يعني ابتدعت نظرية ما يسمى بالاستبداد الشرقي وهي أن كل المجتمعات الشرقية تمييزا عن الغرب، كلها نتجت في إطار ما يسمى بالمجتمعات المائية التي تقوم بمشاريع الري الكبرى، وهذه المشاريع الكبرى تحتاج إلى عمالة ضخمة، وهذه العمالة الضخمة تحتاج إلى قوة مركزية وحكم مركزي قوي ومستبد لكي يستطيع أن ينجز هذه الإنجازات الكبرى، ولذلك ما يقوله سقراط أن هذا النمط الذي اعتادت عليه الشعوب الشرقية يعني اعتادت عليه وألفته وتعايشت معه، وأنا في الحقيقة عندما أجد نوعا من الحقائق في هذه النظرية لماذا؟ لأننا اعتدنا على التعايش مع الأنظمة الاستبدادية اعتدنا على التغني بأمجاد المستبدين، هو مستبد ولكن  تقول فيه شعرا، هو مستبد ولكن تمدحه وتثني عليه وتكتب له الكتب وإلى ذلك، فمن أدب الكتب السلطانية هذا وجه من الأوجه، فهذه نظرية في اعتقادي نظرية تاريخية يمكن أيضا أن تفسر هذا التراكم الذي حدث على مستوى الاستبداد، ولكن عندما نتحدث كما قلت عن الحاكم المستبد العادل هذه أيضا نظرية مهمة جدا فالكاتب السلطاني بحد ذاته حقيقة حاول أن يولف ما بين الاستبداد الذي يتبناه السلطان وما بين العدالة حاول أن يولف، ولكن كيف ذلك؟ حيث أنه أراد أن يبين السلطان على أنه شخص متميز عن سائر البشر..

علي الظفيري: كان تأليه للحاكم..

إبراهيم بوتشيش: قبل تأليه أولا تميزه على مستوى معيشته وطقوسه فللسلطان طعامه الخاص له يعني طقوسه الخاصة،  له مجلسه الخاص، الإنسان عندما يدخل عنده، هكذا تكتب الكتب في الآداب السلطانية، الإنسان عندما يدخل إلى مجلس السلطان عليه أن يتهيب وأن يختار من درر الكلام وأن يقول في مجلس السلطان ما يرضيه وبالتالي ولا يمكن رفع صوته وهذه..

علي الظفيري: هذه بداية التمييز.

إبراهيم بوتشيش: بداية التمييز أنا أتحدث عن التمييز  حتى لا ينطبق عليه ما لا ينطبق على سائر البشر من قانون، مميز، مثلا يقول أحد الكتاب السلطانيين عندما تدخل إلى المجلس السلطاني يجب أن تكون تخفض صوتك وهذا تشعر أنه نوع من بأنهم يريدون يماثلوا أو المماثلة النموذج النبوي، يريدون أن يحيلوا للنموذج النبوي في سورة الحجرات، إذن هو تشبيه السلطان بالنبي بأنه متميز وبأنه له زمنه الخاص وله طقوسه الخاصة وما إلى ذلك هو تبرير لعدم ملاحقته في قضاياه أو في استبداده الذي يقوم به.

علي الظفيري: دكتور امحمد إذن بدأت بالتميز ووصلت إلى التأليه في  عالمنا  العربي كان الحاكم  وما زال إلها مصونا لا يمكن مسه أو تجريحه أو الحديث عنه حتى بنقد جدي أنا أقصد ليس نقدا عاما.

امحمد جبرون: أنا أعتقد بأن معالجة هكذا موضوع لا بد من التحلي بحس تاريخي وتاريخاني يعني المقصود أن نحكم على الظواهر وأن نحكم على الأحداث والوقائع والممارسات وفق المرحلة التاريخية التي سادت بها،  يعني هذا الذي نسميه اليوم استبدادا ونطعن فيه وننقص منه وهو حقيقة في الواقع لم يكن كذلك في الماضي ولم يكن ليس فقط في ثقافتنا وفي تاريخنا بل في كل العالم، هل كان غيرنا أكثر ديمقراطية منا؟ هل كنا مستبدين أكثر من غيرنا؟ لا هذا بين قوسين هذه النواقص وهذه الشرور شرور الاستبداد هي كانت شرور العصر وروح العصر وإذا استثمرنا هنا بعض النظريات..

علي الظفيري: لكن أوروبا مثلا من 300 سنة 400 سنة بدأت تواجه هذا الأمر نحن ما زلنا متأخرين يعني هذا زمن الميقات أعتقد..

امحمد جبرون: هذا التحول الذي ساد في أوروبا بداية مع عصر النهضة ارتبط بتحولات تاريخية كبيرة جدا، مرتبطة بتحول على مستوى الإنتاج الاقتصادي، مرتبط بنهضة ثقافية وفكرية مرتبطة بإصلاح ديني، هل فعلا نحن عشنا مثل هذه التحولات واستمر عندنا الاستبداد.

علي الظفيري: ونحن يعني ما يريده العرب فقط حرية سياسية ما يجري اليوم في مصر على سبيل المثال، كل شيء يتم توجيهه للرئيس لكن الأمر لا يحدث إلا بحراك بتغييرات اقتصادية اجتماعية ثقافية وإلى ذلك.

امحمد جبرون: أنا أعطيك مثالا في هذا السياق هذا هل كان يمكن ونحن نعرف الأنظمة العربية بعد الاستقلالات الوطنية والدولة القطرية كلها استوردت مفاهيم ديمقراطية إما ليبرالية أو اشتراكية، وهل استطاع أي منهم سواء في النظام الاشتراكي أو في النظام الديمقراطي أن يكون ديمقراطيا؟ أبدا كلها تحولت لا في تونس ولا في كل الأنظمة التي سقطت كلها تحولت إلى أنظمة مستبدة مغلقة لأنه ببساطة الأمر ليس نظرية ومشكلة فكرة وقناعة، مشكلة تحول تاريخي كبير، اليوم هذه الأنظمة ولو تكون أنظمة مغلقة غير قادرة على أن تكون مستبدة لأنه ببساطة هناك تحول تاريخي كبير لا يستطيع أحد أن يقهره ولهذا فقدرنا أن نكون ديمقراطيين في المستقبل.

علي الظفيري: والاستبداد تدثر بالعدالة.

امحمد جبرون: بالتاريخ.

علي الظفيري: كما يقول الدكتور.

إبراهيم بوتشيش: بالإضافة إلى مسألة التفويض الإلهي التي تطرق إليها الزميل، التفويض الإلهي يعني ما هو المفهوم الذي نستنتجه منه؟ التفويض الإلهي معناه أن الخليفة نصب نفسه نائبا وظل مكملا للحضور الإلهي، معنى ذلك أنه بما أن الله هو العدل الأوحد فإنه نائبه أوتوماتيكيا سوف يكون عدلا، وبما أن الله هو الواحد أيضا نائبه لا يقبل القسمة، لا يقبل أحد أن يشاركه أحد في السلطة، يعني هذه المفاهيم التي يمكن أن نستخرجها من نظرتهم وهي نظرية خطيرة سادت أيضا في أوروبا.

علي الظفيري: دكتور تعليق سريع حتى ننتقل إلى النقطة الأهم.

إبراهيم بوتشيش: باختصار شديد أنا أريد أن أعلق فقط يجب أن نحكم أو نتخذ مواقف بناء على التيار الوسطي في الأمة، التيار الوسطي في الفكر في الفقه في الكلام في الفلسفة لم يؤله أبدا الحاكم.

علي الظفيري: الآن أحداث الثورة في مفهوم العدالة في حالتنا العربية الإسلامية كيف يمكن أن يجري؟ ماذا يجب أن نواجه تحديدا؟ ماذا يجب أن نطرح على طاولة النقاش بشكل رئيسي دكتور إبراهيم؟

إبراهيم بوتشيش: أنا أعتقد أن أول شيء يجب أن نفكر فيه هو دور المثقف، أين هو دور المثقف؟

إمكانية الاستفادة من التراث الإسلامي

علي الظفيري: لا لا أنا أقصد ومع هذا الكلام، هل يجب القطيعة مع التراث؟ هل يجب اليوم الاستيراد أو التعامل مع المفهوم بشكله الحديث كما يجري في العالم أم ثمة جسر واصل بيننا وبين موروثنا وتاريخنا الإسلامي يمكن التعويل عليه؟

إبراهيم بوتشيش: نعم، أنا أعتقد أنه في التاريخ أو في التراث الإسلامي حتى نتصالح مع التراث يجب أن ننتقده بإيجابية ونرى ما هي النقاط المضيئة منه مثلا ألا يمكن تكون المرجعية العمرية سواء في شقها لعمر بن الخطاب أو عمر بن عبد العزيز ألا يمكن أن تكون مرجعية نستلهم منها أفكارنا اليوم في فكرنا المعاصر.

علي الظفيري: هذا أمر منطقي خاصة أننا نحن أمام حادثة ما حدث مع عمر بن الخطاب حادثة تاريخية وفي زمن كانت تعتبر فيه غريبة جدا..

إبراهيم بوتشيش: عمر بن عبد العزيز يعني في اعتقادي أول مسلم أول خليفة مسلم طرح ما يسمى بجبر الضرر، الذي الآن تقول به الديمقراطية الانتقالية، الآن من بين المسائل الأساسية الديمقراطية الانتقالية التي تشهدها بعض الدول العربية هو جبر الضرر، فعمر بن عبد العزيز كان أول خليفة قام بها، إذن أنا أعتقد على أن هناك نقاط مضيئة نحن لسنا متشائمين من التراث بالعكس هناك نقاط مضيئة في التراث الإسلامي يجب أن نستغلها ونستلهمها في..

علي الظفيري: فلنسأل السؤال الآخر، هذه النقاط المضيئة ما الذي يجب أن نقطع معه دكتور امحمد حتى نستطيع اليوم أن ننطلق في بناء الدولة العربية الحديثة على أسس متينة ومنظمة لفكرة العدالة؟

امحمد جبرون: أهم شيء يمكن أن نقطع معه هو هذا الفكر الذي تحدثنا عنه طويلا فكر الاستبداد والذي تربى وترعرع وأنتج في إطار الاستبداد، هذا الفكر لم يعد صالحا ومناسبا اليوم لنا، وهذه القطيعة لا بد أن تكون قطيعة منهجية وقطيعة معرفية مدروسة بمعناه قائمة على تسوية على تحديث بأنه ببساطة لا نستطع اليوم أن نصنع أنظمة ديمقراطية يعني تحظى برضا شعوبها وتكون عادلة معهم دون أن تكون هناك مفردات تفهمها هذه الشعوب دون أن تكون هناك يعني صفات..

علي الظفيري: كيف تفهم التحدي دكتور أنت قلت الديمقراطية الإسلامية القول بأنه يعني أي مفهوم حديث يجب أن نجد له جذور حتى يقبله الناس، هناك إشكاليات في هذه النقطة مثلا المساواة الكاملة بين المختلفين دينيا على سبيل المثال..

امحمد جبرون: أنا أعطيك بعض الأمثلة على سبيل المثال.

علي الظفيري: المرأة والرجل.

امحمد جبرون: يكفي أن نعود اليوم إلى أصل أساسي فيما يتعلق بالعلاقة بين الحاكم والمحكوم أو الشرعية السياسية إلى أصل التعاقد في الإسلام، النبي صلى الله عليه وسلم تعاقد مع صحابته في كل تقريبا الأطوار الحاسمة في سيرته وفي حياته وكذلك فعلى الراشدين من بعده، والبيعة في أصلها تعاقد اليوم لا بد من شرعية سياسية قائمة على التعاقد الذي يكون في أشكال دستورية تحظى..

علي الظفيري: هذه النقطة الرئيسية لو يلاحظون الأخوان والأخوات المشاهدين أن نحن نركز على القضية السياسية بشكل رئيسي طبيعة نقاشاتنا أولا ولأنها المسألة الأساسية في قضية يعني ما يترتب عليها اقتصاديا واجتماعيا كله أمر ملحق ولا لأ دكتور؟

إبراهيم بوتشيش: أنا أعتقد مثلاً هذه القضية مثلاً مشكلة الأقليات مشكلة..

علي الظفيري: مثلاً؟

إبراهيم بوتشيش: هذه مثلاً موجودة في صحيفة المدينة.

علي الظفيري: الحقوق الثقافية.

إبراهيم بوتشيش: حلت هذه حلت بطريقة ذكية ومهذبة وحضارية، استطاع النبي صلى الله عليه وسلم أن يؤسس مجتمعاً مدنياً فيه اليهود في المسلمين فيه مختلف..

علي الظفيري: فمن ثمّ تحولت الدولة الإسلامية عالجت قضية الأعراق المختلفة العرب وغير العرب وما إلى ذلك.

إبراهيم بوتشيش: أصبحت المواطنة الانتماء أصبحت المواطنة يعني أصبحت مهضومة في تلك الفترة فلماذا يستعصى علينا الحل اليوم؟ هذا هو السؤال يعني.

علي الظفيري: الإصلاحيين من المفكرين الإسلاميين وإسهامهم وتأثيرهم ودورهم وأيضاً مشاكلهم الذي تعرضوا لها أقصد الحديثين منهم محمد عبده والأفغاني وغيرهم غير ذلك طرحوا هذه القضية..

إبراهيم بوتشيش: صحيح.

علي الظفيري: وكانت قضية الاجتهاد بشكل رئيسي وفهم النص.

إبراهيم بوتشيش: صحيح.

علي الظفيري: لكن اليوم لا نجد تأثيراً كبيراً لهذا الفكر لهذا الطرح بل هناك هجوم ربما..

امحمد جبرون: صح، صح لأنه ببساطة نحن خلال القرن التاسع عشر العالم العربي على وجه التحديد كان في مرحلة مخاض ممكن هذا المخاض من الناحية الفكرية والفقهية والسياسة أن يؤدي فعلاً إلى حداثة يعني عند تسويات سليمة مع ذاتها وفي نفس الوقت متفاعلة مع الآخر أي الغرب على وجه التحديد، المشكلة هو أنّ في الوقت الذي كان هذا المخاض وهذا التطور للأسف دخل الاستعمار الأجنبي، والأجنبي على الخط وبالتالي أجهضت هذه الحداثة مبكراً بعد الاستقلالات الوطنية وجدنا أنفسنا مضطرين إمّا للبداية وأعطانا ظواهر للأسف فيها جوانب كثيرة سلبية أو مضطرين للجوء للضفة الأخرى لاستيراد الحلول كما هي جاهزة سواء كانت نظريات أو أشياء مادية وغير ذلك، فإذن نحن بصدد إنتاج حداثة قائمة على التسوية مع الذات وفي نفس الوقت متطلعة للتفاعل مع الآخر وللأسف عبده وجيله بدئوا هذه الخطوة ولكن لسوء حظنا أجهضت وأجهضت بإصرار يعني من طرف القوى الأجنبية والغربية من خلال الاستعمار المباشر وتدخلات مباشرة فوجدنا أنفسنا بعد الاستقلالات الوطنية أمام أنظمة جديدة هي في الواقع استمرار للمؤسسات والبنيات الإدارية التي تركتها الحماية مثلاً في المغرب والانتداب البريطاني في المشرق وهكذا، فإذن نحن اليوم بصدد مرحلة تاريخية لإنتاج حداثتنا على الأقل على المستوى الفكري فيها بعيدة عن التشنجات بعيدة عن التطرف فيها خط فيه تسوية مع الذات ولكن في نفس الوقت كما قلت.

علي الظفيري: دكتور إبراهيم إسهام الإصلاحيين الذين ذكرناهم عبده

إبراهيم بوتشيش: نعم.

علي الظفيري: الأفغاني وهذا الجيل وإجهاض مثل هذا الطرح التمويلي والإصلاحي بذلك الوقت؟

إبراهيم بوتشيش: نعم أنا أحسب أنّ الإصلاحيين مروا بمرحلتين أساسيتين: المرحلة الأولى هي مرحلة الالتقاء بأوروبا فهم قد رحلوا إلى أوروبا عرفوا الفكر الأوروبي عرفوا عصر النهضة عصر الأنوار إلى غير ذلك فاستوعبوا ذلك وأرادوا أن يتقدم العالم العربي، لكن المرحلة التالية هو أنّهم صدموا بالاستعمار، وهذه مسألة أساسية يعني أين تلك المرجعية التي كانت يعرف فيها هؤلاء مصدر يعني مصدر النهضة وما إلى ذلك فإذ بها تتراجع وتصبح هي مصدر توتر داخل مجتمعاتهم، فإذن عندما جاء الاستعمار هنا الدور الاستعماري في تكسير وإجهاض النهضة يعني واضح فعلى سبيل المثال بالنسبة للمغرب، بالنسبة للمغرب في القرن التاسع عشر كان المغرب قد أوشك على تحقيق نهضة يعني من جميع النواحي نهضة اقتصادية إدارية إلى غير ذلك حتى أنّ المرحوم الأستاذ محمد المنوني سمّى كتابه في هذا الكتاب بمظاهر يقظة المغرب يعني عرفها باليقظة لكن بمجرد أن كان يسير في هذا المسار فإذا بالاستعمار يعني يرسل جواسيسه ويرسل تمهيداً للاستعمار وتمّت الصدمة الثانية مع الاستعمار فهذا أجهض النهضة بما هي التمظهرات أي أنه مثلاً جمد فكر العلماء.

علي الظفيري: طيب أنا فقط لضيق الوقت دكتور سامحني..

إبراهيم بوتشيش: نعم.

علي الظفيري: بعض الأخوة المشاهدين وبعض أصدقائنا حتى يعني ممن يقولون بعض كلام المثقفين والنخب قد لا يصل للناس، أريد في ختام هذه الحلقة أن يبسط كلاكما ماذا يعني أن يعيش الفرد اليوم العربي في دولة يتحقق فيها مفهوم العدالة كاملة؟

امحمد جبرون: ببساطة يعني وبلغة يدركها الجميع..

علي الظفيري: بدنا نبسطها عشان أصدقائنا اللي ينتقدونا مرات..

امحمد جبرون: لا، لا ببساطة يعني ممكن أنه الإنسان العربي عندما يحصل على قوت يومه ويتحرك آمناً في الشارع ويعبر عن مواقفه وآرائه بحرية ولا يحس بعدم التكافؤ في الفرص والحظوظ بينه وين غيره آنذاك يمكن أن أقول بأنّ هذا الإنسان العربي أخذ حد أدنى من العدالة اللي تسمح له أن يعيش بكرامة وبحرية..

علي الظفيري: قوت يومه.

امحمد جبرون: قوت يومه.

علي الظفيري: وأمنه.

امحمد جبرون: وأمنه وحريته في التعبير.

علي الظفيري: التعبير..

امحمد جبرون: وتكافؤ الفرص بينه وبين غيره كل هذه العوامل التي ذكرتها.

علي الظفيري: ماذا تضيف دكتور إبراهيم فيما يتعلق بالطبيعة السياسية؟

إبراهيم بوتشيش: أنا أضيف..

علي الظفيري: النظام السياسي.

إبراهيم بوتشيش: إلى ما ذكره زميلي أضيف أنه يجب أن نغير عقليتنا أيضاً فالتاريخ لا يتغير إلاّ بتغير العقليات، الآن دخلنا عصر العولمة وعصر العولمة فيه لم نعد نتقاسم المحلي فقط وإنما أصبحنا مجبرين على التعامل مع الخارج وبالتالي فيجب أن تكون هذه النظرة الانفتاحية أولاً..

علي الظفيري: عقدتها، إحنا قلنا نبسطها دكتور.

إبراهيم بوتشيش: نبسطها.

علي الظفيري: بكل بساطة.

إبراهيم بوتشيش: بكل بساطة الآية التي تقول: {الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ}[قريش: 4] فحقيقة يعني هذا هو..

علي الظفيري: في النظام السياسي كيف يجب؟ شكل النظام السياسي الذي يمكن أن نقول أنّ مفهوم العدالة تحقق فيه..

إبراهيم بوتشيش: النظام السياسي يجب أن يكون نظاماً ديمقراطياً تشاركياً.

علي الظفيري: بالكامل.

إبراهيم بوتشيش: بالكامل ويكون يعني ليس الديمقراطية يعني المموهة يعني يجب أن يكون فعلاً نظاما ديمقراطيا تمثيلياً على النمط الأوروبي كما نرى في أوروبا، أوروبا يعني..

علي الظفيري: سواء ملكي أو جمهوري هذا لا يهم.

إبراهيم بوتشيش: لا يهم لا يهم الذي يهم هو..

علي الظفيري: لأن البعض يفهم بأن الأنظمة الملكية أو الوراثية تنهار أو كذا..

إبراهيم بوتشيش: أن يعيش المواطن في كرامة أنا أريد أن أضيف هذه المسألة في كرامة يعيش المواطن العربي في كرامة..

امحمد جبرون: مصدر السلطة الشعب.

علي الظفيري: وأن تكون الأمة والشعب هو مصدر السلطة، دكتور امحمد جبرون الأكاديمي وأستاذ التاريخ والفكر السياسي شكراً جزيلاً لك..

امحمد جبرون: أشكرك جزيل الشكر.

علي الظفيري: الشكر موصول للدكتور إبراهيم القادري بوتشيش الأكاديمي والجامعي والمتخصص في التاريخ الاقتصادي والاجتماعي وحوار الحضارات كل الشكر لك وللدكتور امحمد على وجودكما.

 امحمد جبرون: شكراً لك.

إبراهيم بوتشيش: شكراً لك.

علي الظفيري: إذن قضية العدالة ومفهوم العدالة تاريخ ووجود وأصول للاستبداد الذي تمّ التأسيس له في التراث كان موضوع حلقة هذه الليلة من برنامج في العمق، شكراً لكم مشاهدينا الكرام على طيب المتابعة تحيات كافة الزملاء الفريق الفني مخرج حلقة البرنامج عماد بهجت والزميل داود سليمان منتج البرنامج في العمق، عناوين البرنامج صفحاته المختلفة تظهر تباعاً على الشاشة، الأسبوع المقبل لنا لقاء بحول الله دمتم بخير والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.