- بذور الطائفية في الكويت
- سوريا والبحرين والتناقضات في مواقف الأنظمة والقوى

- الاحتراب الطائفي في العراق

- مستقبل العلاقة بين الشيعة والسنة

- الأنظمة العربية والمصالح الطائفية

- تقسيم الدول العربية على أساس طائفي


علي الظفيري
خالد الشطي
محمد المختار الشنقيطي
لطيف السعيدي

علي الظفيري: أيها السادة كل شيء في عالم السياسة والمصالح والهيمنة والنفوذ مستباح، وأكثر ما استباحته السياسة وجدان الناس وتدينهم وبساطتهم، تعمل القوى الداخلية والخارجية على إعادة إنتاج الهوية كلما استدعت مصالحها ذلك، فيكتشف العربي مثلا أن التعريف الوطني لا يكفي، لا يفي بالغرض أن يكون الإنسان مواطناً متساوياً مع الآخر في كل شيء بغض النظر عن دينه وعرقه وقبيلته وجهته، ثمة من يستفزه بالتعبير عن انتمائهم المذهبي والعرقي والجهوي في بعض الأحيان، وفي الحراك الذي يشهده العالم العربي نحو التغيير، تقف الطائفية عقبة حقيقية في وجه الأحلام، وقد تدفع لاحتراب واقتتال كما شهدت أمم أخرى من قبلنا، والليلة لنا وقفة في العمق مع هذا الملف فأهلاً ومرحباً بكم.

معنا للغوص في عمق هذه القضية الليلة الكاتب والمفكر الإسلامي الدكتور محمد المختار الشنقيطي أستاذ تاريخ الأديان بكلية الدراسات الإسلامية في مؤسسة قطر، مرحباً بك دكتور، سنبقيك معنا اليوم الجزء الأول أجرينا فيه مقابلتين مع المحامي والناشط السياسي الكويتي خالد الشطي، وكذلك مع الشيخ لطيف السعيدي الكاتب العراقي. هاتان المقابلات تعرضان جانباً من الواقع الطائفي الذي تعيشه اليوم بلداننا العربية أو في جزء منها، وقبل هاتين المقابلتين مشاهدينا الكرام لا يمكن الحديث عن الطائفية في العالم العربي إلا ويحضر النموذج اللبناني إلى الذهن، دعونا أولاً نعود بالذاكرة إلى نشأة وبناء هذا النظام السياسي الاستثنائي.

[ تقرير مسجل]

رائد فقيه: في لبنان الطائفية هي أقدم من عمر الكيان اللبناني نفسه، فالجبال التي بنيت عليها هذه الدولة شكلت موطناً على مر التاريخ لأقليات هربت من أكثريات عرقية حيناً ودينية حيناً آخر، وعليه لم تشكل أدبيات الطائفية ونظامها يوما حرجاً للبنانيين على مر التاريخ، فهذا النظام برأي أبنائه هو الضامن والحامي لحقوق كل الطوائف، الحرب الأهلية الأخيرة لم تكن الأولى التي هزت الكيان اللبناني، تتعدد قراءات دوافع الحرب بين اللبنانيين كل فترة من الزمن، لكن لا أحد ينكر أن الخلفيات سببها اختلال التوازن بين الطوائف أو راعييها من دول الإقليم أو المذهب، لم يغير الاتفاق الطائفي الذي أنهى نظرياً الحرب الأهلية الأخيرة من صيغة الميثاق اللبناني طائفياً، بقي رئيس البلاد مارونياً، وعلى رأس الوزارة سنياً ورئيس البرلمان شيعياً، غير أن هذا الاتفاق تضمن توزيع حصص الصلاحيات بين الطوائف، ترجمت بمنح الصلاحيات الأكبر في البلاد لمجلس الوزراء مجتمعاً وبكلمة أخرى للطوائف مجتمعة، أما إقليمياً فالاتفاق أعاد رسم خريطة النفوذ في المنطقة، فنال نظام الأسد مستفيداً من حرب الخليج الثانية حصة الأسد في لبنان، فكان ما سمي هنا من سنوات طويلة النظام الأمني السوري  اللبناني، المنطقة تشهد تغييرات دائمة ومعها يعيش لبنان مخاضاً جديداً على وقع هذه المتغيرات، تطورات فرضت مصطلحات جديدة على قاموس أدبيات النظام الطائفي ومنها: الديمقراطية التوافقية والأمن بالتراضي، والمسعى منها كما يقول بعض المحللين محاولة عجز تداعيات المتغيرات الإقليمية عن تركيبة المعادلة الداخلية رغم استمرار الفرقاء كافة بمحاولة توظيف هذه المتغيرات لصالح نفوذ طوائفهم، وهنا يبقى للبعض من اللبنانيين السؤال: لماذا لم تفعل بنود اتفاق الطائفي الخاصة بإلغاء الطائفة من الحياة السياسية في لبنان؟ ولماذا يبدو اللبنانيون وزعماؤهم بعيدين عن استخلاص العبر والدروس من الحروب الأهلية التي سبقت كلما دق نذير الاستنفار الطائفي؟ رائد فقيه، الجزيرة، بيروت.

[نهاية التقرير]

بذور الطائفية في الكويت

علي الظفيري: أهلاً بكم مشاهدينا الكرام مجدداً وأهلاً بضيفنا من الكويت المحامي والناشط السياسي خالد الشطي في هذه المداخلة من الحلقة التي تتناول موضوع الطائفية، أستاذ خالد الكويت حالة ربما يمكن أن نتحدث عن درجة عالية من الاحتقان فيها، ولماذا هذا الاحتقان اليوم المذهبي الشيعي السني في الكويت؟

خالد الشطي: طبعاً في الكويت لا نستطيع أن نسمي هناك احتقان مذهبي حقيقي، ولكن هناك أجندات تريد أن تجعل أن هناك احتقان طائفي في الكويت، لأن اليوم على المستوى الفقهي أنا أتفق مع الإخوان السنة في الفقه أكثر مما أختلف معهم، وفي الجانب السياسي الأخ نبيل الفضل السني هو أقرب لي من بعض النواب الشيعة في داخل البرلمان، لذلك الحقيقة..

علي الظفيري: إذا سمحت لي..

خالد الشطي: تريد أن تضفي على الكويت في أن فيها وضع طائفي.

علي الظفيري: أجندات من؟ وما هي هذه الأجندات؟ ومن يحملها أو من يفرضها في الكويت؟

خالد الشطي: هذه الأجندات من أيادٍ موجودة من بعض عناصر ما تسمى بالمعارضة في الكويت تريد من خلال أجندتها بأن تصنع صراعاً طائفياً في البلد، وفي الحقيقة بأن السنة والشيعة هم إخوان في هذا البلد، وهناك وجهات نظر يعني قد نختلف وقد نتفق فيها مع بعض إلا أن هذا الاحتقان يراد له ومتعوب عليه وترف عليه الأموال وتهدر عليه القنوات الفضائية والإعلامية من أجل أن فعلاً هناك يصير صراعا طائفيا في البلد.

علي الظفيري: أستاذ خالد يحكى عن تأثير إيراني في الكويت وأنه هذا التأثير يؤدي إلى تأجيج علاقة حتى أن مفردة السني والشيعي لم تكن رائجة في الكويت في عهد ما، اليوم نشهدها بقوة حتى أنه الناس بدأت يعني كما حضرتك قبل قليل تصنف الأشخاص بمذاهبهم؟

خالد الشطي: يعني بالنسبة حق أكذوبة التأثير الإيراني أنا أعتبرها أكذوبة وفكرة سمجة لا وجود هناك لتدخل إيراني في هذا الشأن، بل أن هذا الطرح، بل هذا الطرح والتأكيد على هذه الفكرة المشبوهة في الكويت هو أعتقد بأنه من ضمن المخطط حتى يدفع الشيعة دفعاً إلى جانب إيران.

علي الظفيري: طيب ماذا يستفزكم أستاذ خالد، واسمح لي أن أتحدث هنا مذهبيا، كشيعة من الطرف الآخر السني والذي يؤدي إلى احتقان داخل الطائفة الشيعية؟ أنا آخذ  الكويت كمثال.

خالد الشطي: يعني أكثر ما يستفز بأن هناك من بعض العناصر ومن بعض القيادات التي تجعل من نفسها قيادات في المعارضة لم نسمع لها يوم من الأيام تصريح يدين التفجيرات في العتبات المقدسة، لم نسمع لها تصريح يدين الإرهاب في العالم وفي دول العالم. السلوك الدكتاتوري والسلوك الذي يريد أن يلغي الآخر في المجتمع، هذه الأمور جميعاً تجعلنا فعلاً نستفز من هذه الأطروحات ومن التأييد ومن خلال غض النظر على العمليات الإرهابية التي تحوم حولنا في هذه المنطقة.

علي الظفيري: في المقابل ألا يستفز الطرف الآخر أن تكون أنت كمحامي تتولى الدفاع عن ياسر الحبيب مثلاً الرجل الذي امتهن شتيمة أم المؤمنين السيدة عائشة وهذا الأمر الذي يستفز الطرف الآخر بشكل واضح وبشكل جلي؟

خالد الشطي: أنا أعتقد أن زج هذا الموضوع يعني موضوع ياسر الحبيب في شأن محاكمة قانونية عادلة منصفة يعني المحاكم الكويتية لا تسمح بالنظر قضية إلا بوجود محام لهذا الشخص ولغيره من الأشخاص الآخرين من كل الأطراف، فهذه مصادرة لحقوق الدفاع مصادرة للمحاكمات المنصفة، مصادرة للعدالة.

علي الظفيري: أستاذ خالد.

خالد الشطي: أي متهم من المتهمين من حقه بأن يضع له محامي يدافع عنه وهذه من أبجديات وأبسط قواعد حقوق الإنسان والقواعد المنصفة التي كفلتها جميع الشرائع.

علي الظفيري: لكن أستاذ خالد، أستاذ خالد الشطي.

خالد الشطي: ما يجعل هنالك سبب من أحد أسباب الطائفية أعتقد هذا المطلوب وأعتقد بأن هذه من الأفكار السمجة التي تروج في كثير من الأحيان في هذا الشأن.

علي الظفيري: لكن ألا تعتقد أنه ضبط عملية تناول الرموز والمقدسات لدى كافة الأطراف هي مسألة مهمة في تخفيف من منسوب الاحتقان في قضية احترام كل طرف للآخر؟

خالد الشطي: أؤيدك، بدون شك أنا أؤيدك وأشد على يدك في هذا الطرح بأن الرموز جميعها يجب أن تحترم ولا يجب التعدي على رموز الآخرين، وإذا أردنا بأن نجعل معادلة في هذا الموضوع فإن هناك انتهاكات كثيرة تحصل يومياً على الرموز الشيعية سواء في الكويت أو خارج الكويت وبطريقة مستفزة وبطريقة استدراجية للرد من قبل بعض الشيعي المتحمس، لكن أنا من هذا المكان أناشد الجميع بأن نقطع دابر هذه الفتنة والإساءة إلى الرموز من كل الأطراف.

علي الظفيري: لماذا التناقض في الموقف الشيعي مثلاً السياسي يعني الموقف في الحالة الشيعية خلينا نقول: في الحالة الشيعية في الكويت، معظم الشيعة ضد المعارضة الكويتية التي تطالب بمطالبات ما معروفة للجميع، وهي مع كل المطالبات للمحتجين في البحرين، وهي ضد كل المطالبات للمحتجين في سوريا، لماذا يبدو أن هناك موقف شبه موحد في الحالة الشيعية وينظر له على أنه أحد عوامل الفرقة عوامل الاستفزاز لدى الأطراف الأخرى؟

خالد الشطي: أخي العزيز هذه الفكرة من خلال طريقة هذا السؤال نجد بأن هناك موقف مسبق تجاه هذه المواقف، لذلك يُصاغ السؤال بهذه الطريقة، ولكن ثق وأعتقد بأن المطالبات اللي يطالب فيها الشعب البحريني التي نحن نتمناها لكل شعوب العالم الحر نتمناها أيضاً لبلدنا، نتمناها للكويت لا نفرق بين شعب وشعب لا نفرق بين دولة ودولة ولكن كل المطالبات..

علي الظفيري: وفي الحالة السورية؟

خالد الشطي: في شأن من؟

سوريا والبحرين والتناقضات في مواقف الأنظمة والقوى

علي الظفيري: في الحالة السورية، والعدد وصل إلى أكثر من 25 ألف قتيل.

خالد الشطي: الحالة السورية أنا أريد أن أؤكد لك بأنه نحن مع التغيير في سوريا ونريد التغيير في سوريا، وأن الحالة الشيعية العامة والوجدان الشيعي في الكويت وخارج الكويت مع التغيير في سوريا، ولكن فلتكف المعارضة السورية عن أمرين: الأمر الأول: الإرهاب، والأمر الثاني: التكفير، إذا تنازلوا واستبعدوا الإرهاب والتكفير من أجنداتهم ومن سلوكهم فنحن مع المعارضة السورية، ولكن بما أنهم متمسكون بالإرهاب والتكفير فنحن بلا شك لا نؤيد هذه الثورة، وأما بالنسبة للمطالبات بين البحرين والكويت، المعارضة الكويتية والمعارضة البحرينية هناك ظلم في التماثل بأن نجعل هناك مثيلين بين البحرين والكويت، الكويت أخي العزيز لم تقتل ثمانين شخصاً، الكويت لم تزج الأحرار في السجون، الكويت لا يوجد فيها سجين رأي، الكويت لا توجد فيها هذه البطالة الموجودة في البحرين..

علي الظفيري: أستاذ خالد..

خالد الشطي: الشعب البحريني مطالبه محقة ومستحقة بأن يطالب فيها، ولكن أن نخلط هذه الأوراق بين الكويت والبحرين أعتقد بأن هناك ظلم كبير للكويت وللحكومة الكويتية.

الاحتراب الطائفي في العراق

علي الظفيري: شكراً لك المحامي والناشط السياسي خالد الشطي من الكويت، وطبعاً مشاهدينا الكرام نحن نعرض وجهة النظر ونحتاج إلى وقت طويل، وأنا أعرف أن هناك ردود كثيرة على ما تفضل به الأستاذ خالد لكن هي وجهة نظر نريد أن نعرضها في هذه الحلقة، نتحول الآن إلى لندن معنا من هناك السيد لطيف السعيدي الكاتب العراقي المستقل، شيخ لطيف العراق نموذج لاحتقان بل لاحتراب طائفي هل تجاوزنا مسألة ضبط الأمور؟ أم بالإمكان اليوم إعادة حالة التعايش العراقي التي كانت موجودة وقائمة طوال قرون يعني لا نقول فقط حتى عقود؟

لطيف السعيدي: الحقيقة أن الاحتقان الطائفي لم يكن وليد اليوم، وإنما الاحتقان الطائفي ولد من زمن الخلفاء ومن قبل الخلفاء وحتى ولدت الشعوبية في زمن رسول الله عليه الصلاة والسلام، وفي القرآن ربنا يقول: {وَٱعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ ٱللَّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ}[آل عمران: 103].

علي الظفيري: خلينا باليوم، شيخ لطيف الله يخليك مداخلة قصيرة، اليوم.

لطيف السعيدي: بسرعة نعم، فنحن اليوم الآن، تاريخياً بسيط جيد جداً من قتل ثلاثة خلفاء؟ كيف قتل ثلاثة خلفاء؟ ما هي الفتنة بين علي ومعاوية رضي الله عنهما؟ ما هو وضع زيد بن علي؟ وهكذا إلى أن نصل إلى اليوم، في العراق أميركا لم تستطع أن تغزو العراق لولا موافقة المرجعية بالعراق وقالت للناس اجلسوا في بيوتكم، وخلوا الأميركان يشوفوا دربهم، وفي نفس الوقت هذه النقطة مهمة هنا، هذه النقطة جدا مهمة وفي نفس الوقت سلطوا أبناء الفرس الذين جاؤوا من إيران قتلوا الشيعة العرب هذه مهمة النقطة وقالوا لهم قتلوكم السنة حتى يروحون السنة يقتلون السنة العرب، وأنا أتحدى أن تكون أي عملية استهدفت المواطنين العراقيين أن يقوم بها السنة، مستحيل لأن السني يمشي بقضية شرعية، السني ماشي بطريق شرعي مبين..

علي الظفيري: سيد لطيف لا يوجد سنة من داخل العراق أو خارج العراق قتلوا عراقيين بشكل عام وعراقيين شيعة على وجه الخصوص؟

لطيف السعيدي: أبداً، وإنما ممكن تصير بطريق الخطأ، ولكن بطريقة التعمد أبداً لأن السني في العراق أو المسلم نحن ما نقول سني المسلم في العراق يمشي طبقاً لفتاوى وطبقاً لأصول موجودة، لا يمشي طبقاً لما يريد الشيخ أو السيد أو فلان يا أخي أنا..

علي الظفيري: تفجيرات المواكب وتفجيرات الحسينيات وتفجيرات في الطقوس الدينية الشيعية التي كان يذهب ضحيتها مئات وآلاف الأشخاص.

لطيف السعيدي: أبداً، لم يقم بها السنة، أبدا لم يقم بها السنة يقوم بها عناصر استخباراتية معينة لكي تجعل من الشيعة العرب يستفزونهم حتى يقتلون إخوانهم العرب، وأنا أقول لك شي: أنا عشت هذه المراحل في إيران عشت هذه المراحل، أخي حتى العربي الشيعي غير محترم في إيران والشيعة كلهم أتحداهم يعرفون هذا، الآن أعطيك شيء بسيط أنا جايبه معي هذه مجلة تسمى مجلة المهجر هنا كاتب هذا الرجل الذي يسمى محمد الحيدري يعطيك تاريخ الحسينيات، تاريخ الحسينيات بالعراق صار له 120 سنة هي أول حسينية أسست في مدينة الكاظمية ما معنى هذا؟ هذه بدعة ولا مو بدعة؟ هنالك عندنا مساجد بسم الله الرحمن الرحيم  {..صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ}[ الحج: 40]..

علي الظفيري: ايش القصد، إيش تريد تقوله شيخ لطيف، ماذا تريد أن تقول تحديدا بالضبط في هذه الجزئية؟

لطيف السعيدي: نعم، أريد أن أقول أن الطائفية في العراق هي الآن على أعلى درجاتها وهي الآن مهيأة لأن تنفجر، والآن الآن هنالك من يدفع بها من خلال هذه الحسينيات ومن خلال هذه اللطميات، ومن خلال هذه القصائد؛ أعطني قصيدة شيعية هي ضد الشيعة! أعطني قصيدة لطمية قاموا بها السنة ضد الشيعة، الحسينيات أخي الحسينيات الآن تدفع بالناس لكي يأخذوا الثأر، من مين يأخذون الثأر؟ الثأر للحسين، هل قتلته أنا! أو قتلته أنت يا علي الظفيري؟

علي الظفيري: سيد لطيف، الآن النظام السياسي القائم في العراق والقائم على المحاصصة؛ المحاصصة المذهبية الشيعية السنية العرقية العربية الكردية وما إلى ذلك، برأيك الآن هذه أصبحت قدر نهائي على العراقيين؟ هل تلعب دور في التأجيج الطائفي؟ أم أنها خففت بحيث إنه أصبح كل طرف ممثل في الحكم وفي وظائف الدولة؟

لطيف السعيدي: أخي المحاصصة الطائفية الأميركان أوجدوها في العراق لأجندتهم الخاصة، العراق بثلاثة شركاء: أميركا وإيران وإسرائيل، الأميركان والإسرائيليين يعرفون أنهم غير قادرين على لي ذراع العراق، إيران قادرة على لي ذراع العراق لأن لديها طابور خامس كبير في داخل العراق، لماذا لم يقسمون الأتراك إلى سنة وشيعة؟ لماذا يقسمون التركمان إلى سنة وشيعة؟ لماذا لم يقسمون الآخرين؟

علي الظفيري: شيخ لطيف جعلت من الشيعة طابوراً خامساً لإيران؟ يعين هل هذا مقبولاً في طرح توافقي طرح تعايشي مثلاً؟

لطيف السعيدي: لا أبداً، لم أجعل من الشيعة طابور خامس، الشيعة الذين هم أبناء الجالية الفارسية، ولهذا الشيعة العرب الآن يقتلون، الشيعة العرب تنهب بناتهم، الشيعة العرب تنهب أموالهم، الشيعة في الجنوب تأتينا رسائل من عندهم يبكون يتضورون مما يتعرضون له من مصائب، الشيعة العرب مظلومين بقدر ما مظلومين السنة في الوسط وفي الشمال.

علي الظفيري: طيب شيخ لطيف، سؤالي الأخير الآن إذا تكرمت الآن نعرف أنه هناك حالة احتقان سني تحديداً بعد احتلال العراق وهذا أمر واضح وملاحظ بشدة، ماذا يمكن أن يجري الآن حتى يمكن تخفيف من منسوب الاحتقان لدى السنة في العراق والعودة إلى ما كان عليه العراقيين قبل الاحتلال، ماذا يمكن أن يجري تحديداً ويرضي هذا الطرف؟

لطيف السعيدي: يجب أن تكون هنالك انتخابات عراقية تحت إشراف الأمم المتحدة إشراف مباشر وتشترك فيه الأطراف العراقية الأصيلة سواء كانوا عرب أو أكراد، سنة أو شيعة مسيحيين أو تركمان وحتى اليهودي الذي برا إذا كان عراقي ويثبت أنه عراقي فليشترك في هذه الانتخابات ولتكن تحت إشراف المنظمات دولية وعربية وإسلامية، هذا هو الذي ينقذ العراق وينقذه من الطائفية في هذه المرحلة.

علي الظفيري: الكاتب العراقي لطيف السعيدي من لندن شكراً جزيلاً لك، إذن مشاهدينا الكرام استمعنا إلى وجهتي نظر مختلفتين متباينتين ومثالين فقط وطبعاً لأسباب مهنية هناك أشياء كثيرة لا يجوز حتى عرضها أنها تسهم في كثير من التأجيج الحاصل الآن، بعد الفاصل سنحلل هذه الظاهرة ظاهرة الطائفية علاقتها اليوم بالربيع العربي، هل هذا الربيع يقودنا إلى مزيد من الطائفية بسبب ما يجري اليوم في سوريا مثلاً ما جرى في العراق في البحرين، أم يقودنا إلى الخروج من هذا المستنقع، بعد الفاصل تفضلوا بالبقاء معنا.

[فاصل إعلاني]

علي الظفيري: أهلا بكم من جديد مشاهدينا الكرام أرحب مجددا بضيفي الدكتور محمد المختار الشنقيطي أستاذ تاريخ الأديان في كلية الدراسات الإسلامية في قطر مرحبا بك دكتور، هذا التقرير يتحدث عن النموذج العراقي الجديد بعد احتلاله عام 2003، الزميل مضر جمعة يعرض لنا الحالة العراقية.

[تقرير مسجل]

مضر جمعة: لم تكن الطائفية منتشرة في العراق كما هو الحال بعد الاحتلال الأمريكي عام 2003، فقد لعبت النخبة السياسية المعارضة دورا كبيرا في رسم المشهد الطائفي، بعد أن قدمت نفسها كمعارضة طائفية للنظام، وتعامل الاحتلال معها على هذا الأساس، شكل مجلس الحكم الذي جاء عقب الاحتلال تحولا في النظام السياسي للعراق، فقد توزعت القوى السياسية التي حكمت البلاد بعد الاحتلال على قاعدة التمثيل الطائفي بين المكونات المذهبية والعرقية، حيث نال الشيعة الحصة الأكبر من المقاعد بزعم كونهم الأكثرية في بلد لا يوجد فيه على مدى تاريخه الحالي أي إحصاء على أساس الطائفة، ومنذ ذلك الوقت والطائفية تمثل الخطر الأكبر الذي يخشاه المواطن العراقي بعد انهيار الأمن، وتجاوب السياسيين العراقيين مع قرارات الحاكم الأميركي الذي حل وزارتي الدفاع والداخلية وأعيد تشكيلهما فيما بعد على أساس طائفي، ووفق النسب التي قررها الأميركيون لكل طائفة، اشتعل الصرع الطائفي بين القوى المتصارعة، وبدأ القتل والتهجير على الهوية، حتى أصبح الفرز الطائفي في المحافظات والمناطق واضحا للعيان، دون أن تحرك الحكومات المتعاقبة التي تشكلت على أساس طائفي أي ساكن، بل إن الحكومات نفسها بدأت في  عملية الاستحواذ على مفاصل الدولة وتهميش الآخرين، بدءا بالوظائف الأمنية والعسكرية، وصولا إلى بقية دوائر الدولة، وطال الحرمان والتهميش مناطق بعينها، حيث تتعرض للحصار والتفتيش شبه اليومي والاعتقالات التي طالت أبناءها باعتبارهم معادين للحكومة، وحسب هيئة علماء المسلمين في العراق، فإن أكثر من تسعين بالمئة من المعتقلين في سجون الحكومة هم من طائفة واحدة، ورغم ذلك اتسمت نظرة غالبية العراقيين إلى ما يثير تلك الفتنة على أنهم جماعات سياسية متنافسة على السلطة،  لا جماعات ممثلة للطائفتين، وبأنها تستخدم الخطاب السياسي الديني في صراع يدور في حقيقته داخل أروقة السياسة، وأنهم يديرون ذلك الصراع بأدوات طائفية.

[نهاية التقرير]

علي الظفيري: إذن هذا النموذج العراقي يضاف إلى النموذج اللبناني، ويتخوف من نماذج جديدة طائفية، دكتور، تشخيص الأزمة المذهبية تاريخيا.

محمد المختار الشنقيطي: الصراع السني الشيعي صراع قديم، من أقدم الظواهر في التاريخ الإسلامي، وهو صراع أنا أقترح أن لا ينظر، أن لا يشطر، أن لا ينظر إلى شطره دون الشطر الآخر، إذا أردنا أن نشخصه تشخيصا أكثر إحاطة، ففهمي الشخصي من خلال دراستي للصراع السني الشيعي، وهو صراع تفرغت لدراسته لسنوات، هو أنه مجرد عرض لأزمة أعمق، وهو ما أسميه الأزمة الدستورية في الحضارة الإسلامية.

علي الظفيري: ماذا تعني بالأزمة الدستورية؟

محمد المختار الشنقيطي: أقصد بالأزمة الدستورية شرعية السلطة، الصراع السني الشيعي لو وضعنا له سياق الخلاف داخل الأديان، قياسا بالخلافات داخل الأديان الأخرى مثلا، فهو ليس صراعا عميقا من الناحية الاعتقادية، إنما حساسية هذا الصراع والذي جر كل هذه المشكلات والدماء على مدى التاريخ هما أساسا مسألتان، مسألة شرعية السلطة، ومسألة الذاكرة التاريخية، كيف يرى السنة شرعية السلطة، وكيف يراها الشيعة، وكيف ينظر السنة إلى صدر الإسلام، إلى الجيل الأول.

علي الظفيري: الخلافة.

محمد المختار الشنقيطي: نعم، الجيل الأول من المسلمين، وكيف يراه الشيعة، هاتان المسألتان، وكل منهما ليس مسألة اعتقاديه،  هما أكثر المسائل حساسية إلى اليوم،  وأكثر المسائل التي جرا للمشكلة.

علي الظفيري: الأئمة مثلا في المذهب الشيعي، وكذلك مكانة الصحابة التي يجب أن لا تمس بالنسبة للسنة، كيف يمكن أن يوظف هذا الأمر؟ لأن معظم الخلاف يدور حول هذه النقاط.

محمد المختار الشنقيطي: هذا صحيح، أنا أعتقد أنه إذا تأملنا الخلاف بعمق نجد أن الآلية الذهنية المستعملة من طرف السنة والشيعة هي نفس الآلية الذهنية، إنما تختلف بمستوى الكثافة فقط، لأن المذهب السني، والمذهب الشيعي كلاهما نبع من رحم نفس الأزمة التاريخية، وهي أزمة الشرعية السياسية، ولذلك نجد عند الطرفين تقريبا نفس التصورات وإن بشكل مخفف عند هذا الطرف أو ذاك، قال الشيعة بعصمة الأئمة، وقال السنة بعدالة الصحابة وهي صيغة مخففة من العصمة، وهذا جزء منه، حصر الشيعة شرعية السلطة في البيت النبوي، حصرها السنة في القبيلة النبوية، في قريش، في الحالتين هو ابتعاد عن القيم السياسية الإسلامية المفترض  أن تكون قائمة على العدل والشورى هي مطلقة ليست مقيدة بأسرة، ولا مقيدة بقبيلة، فالشيعة استخدموا التقية مثلا، السنة ظهر مفهوم سياسي يسمى المداراة، وهو أيضا صيغة مخففة من التقية، أنا أقول أن هذا كله يدل على أن الأزمة في جوهرها هي أزمة واحدة لها أعراض قد تختلف من حيث الكثافة أم لا.

علي الظفيري: لماذا لا تقول إنه هذا الاختلاف أو الخلاف الشيعي السني في الإسلام أكثر سطحية أو أقل عمقا من خلافات في حالات أديان أخرى، ممكن مقارنة مثلا.

محمد المختار الشنقيطي: طبعا، من خلال دراستنا للخلافات في الديانات الأخرى ننظر مثلا الخلاف المسيحي، في التاريخ المسيحي بين الكاثوليك والبروتستانت، الخلاف بالطبع هو أعمق من الخلاف بين السنة والشيعة لأنه يتعلق بأمور، مثلا في النص المقدس، هذا الكتاب المقدس عدد أبوابه يزيد سبعة عشر كتابا عن هذه النسخة عند هذه الطائفة مثلا، خلاف بأمور أكبر، ما في ذلك شك، من الناحية الاعتقادية، ومن الناحية التشريعية الخلاف أكبر في الغالب في الديانات الأخرى، لكنه أكثر إثارة للحساسية عندنا اليوم، والسبب أننا لم نستفد، لم نستخلص العبرة التاريخية اللازمة مما وقع فيه هؤلاء من قبل، الكاثوليك والبروتستانت تقاتلوا لمدة مئة وسبعة وثلاثين عاما، حرب المئة عام، حرب الثلاثين عاما، حرب السبع سنوات، كل هذا أرادوا أن يطفئوا الفتنة بالدم، لم تطفأ.

مستقبل العلاقة بين الشيعة والسنة

علي الظفيري: هل مرشح الحالة السنية الشيعية اليوم لاقتتال، لتباين أكبر مما هو عليه الأمر الآن، قريب مما جرى في أوروبا مثلا بين المسيحيين، بين الكاثوليك والبروتستانت؟

محمد المختار الشنقيطي: لا، لا أتوقع، أنا أتوقع أن الأزمة الطائفية رغم أننا نعيش اليوم بعض آلامها الشديدة، هي في إدبار، أصبحت في إدبار، الأزمة الطائفية بدت بوجه دموي بشع وتشهيري والشيطنة من الطرفين، بدأت مع بداية الحرب العراقية الإيرانية، مع الأسف، واليوم رغم أن بعض آلامها لا تزال موجودة، ولكن أعتقد أنها بدأت تنحسر، وأن الربيع العربي حقيقة سيحل هذا الإشكال، لأنه سيحل إشكال الشرعية السياسية.

علي الظفيري: ألا يوجد فارق بين الحالة العراقية، والإيرانية؟ مثلا في الحالة الإيرانية كان هناك مذهب سائد ومغلق، في الحالة العراقية كان هناك نظام شمولي مستبد، يرتكب طبعا جرائم وكوارث كبيرة لكنه لم يكن يعتمد على شرعية مذهبية، هذا حتى ما يحتج به الآن في العراق، أن النظام العراقي السابق وإن كان انتماء الحاكم، رأس الدولة للمذهب السني، لكنه كان نظاما شموليا بعثيا ليس له علاقة بالمذهب وتوظيف المذهب، بخلاف ما جرى بعد احتلال العراق.

محمد المختار الشنقيطي: طبعا أصبحت الطائفية أكثر إسفارا عن وجهها بعد احتلال العراق ما في ذلك شك، ولكن مع ذلك الأنظمة الشمولية عندنا حتى وإن كان وجهها شموليا، حتى وإن تبنت أيديولوجيات ظاهرها أيديولوجيات معاصرة، فهي حقيقة في باطنها وفي آلية عملها أحيانا تكون تنتمي إلى ولاءات ما قبل الدولة، مثل الطائفية، النظام السوري مثلا.

الأنظمة العربية والمصالح الطائفية

علي الظفيري: العشيرة في حالة صدام حسين، وفي حالة الرئيس الحالي في سوريا، العشيرة أقوى من الطائفة، العشيرة، العائلة مثلا، يعني لماذا اليوم يصر البعض على نسبة النظام السوري للمذهب العلوي؟ ولماذا يصر البعض على نسبة النظام العراقي السابق إلى المذهب السني؟ هذا تجمع عصبوي عائلي مثلا مصلحي.

محمد المختار الشنقيطي: هو تجمع عصبوي، جانب منه مصلحي ما في ذلك شك، وجانب منه هذه الولاءات التي لم تخترقها الدولة، الدولة غير الشرعية لا تستطيع أن تضعف الولاءات السابقة على الدولة، سواء الولاءات الأصغر من الدولة أو الولاءات الأكبر من الدولة، مشكلة الدولة العربية المعاصرة هي أنها دولة غير شرعية، فلذلك الولاء الأصغر سواء للقبيلة أو للطائفة يخترقها، والولاء الأكبر لوحدة أكبر، وحدة الأمة الإسلامية أو نحو ذلك من الولاءات الأكبر من الدولة، أيضا تخترق الدولة، فالمشكلة في جوهرها ترجع إلى شرعية الدولة، ثم إلى شرعية السلطة.

علي الظفيري: عندي سؤال دكتور، ومُلح حقيقة، يعني الأنظمة في سوريا على سبيل المثال وأيضا في العراق، أنظمة كانت ترفع شعارات تقدمية وتتبنى أيديولوجيات معاصرة دعنا نقول، وحكمت نصف قرن تقريبا، بمجرد أن حدثت الثورات، أو حدث الاحتلال في العراق، كأنه رفعنا الغطاء  الانتماءات الأولية والمذاهب، فجأة خرج لنا الشيعة والسنة في العراق، قبل ذلك كان يعتقد أن هذه الأمور تلاشت، في سوريا اليوم أيضا، هناك حالة وطنية سورية، هوية سورية، فجأة حينما حدثت الثورة خرجت هذه الانتماءات، العلوي والدرزي، والسني، والشيعي، والإسماعيلي وما إلى ذلك، ألم تستطع الأنظمة بشعاراتها، بأيديولوجياتها المعاصرة القضاء على هذه الانتماءات الأولية؟

محمد المختار الشنقيطي: هناك أثر يقول الفتنة نائمة، لعن الله من أيقظها، نائمة لا يعني أنها ميتة، الفتنة كامنة في كل المجتمعات، حتى المجتمعات التي تظهر لنا اليوم معافاة من الفتنة، المجتمعات التي يحكمها الاستبداد، فتنة كامنة لأنها تحت القهر، لكن هذا لا يعني أنها نائمة، كل ما في الأمر أنك كشفت الغطاء فانكشفت الكوامن التي كانت موجودة، لم يوجد هناك فضاء مرن يسمح بالتفاعل.

علي الظفيري: كان العراقي عراقيا في تلك الأزمان، والسوري سوري.

محمد المختار الشنقيطي: نعم، أنا أتفق معك.

علي الظفيري: الآن أصبح سوري علوي، سوري سني، سوري اسماعيلي، عراقي شيعي، عراقي سني، حتى الناس انصدمت لأن حالة التعايش في العراق كانت قوية.

محمد المختار الشنقيطي: أعتقد هذا يا أستاذ علي يرجع إلى تآكل الشرعية القومية والشرعية الوطنية إلى حد كبير، طبعا أنا أتفق معك، هو الأيديولوجية القومية في فترة من الفترات ساعدت على كبت أو تجاوز الولاءات الطائفية إلى حد بعيد، في الدول العربية المعاصرة، لكنها لم تتحول إلى ثقافة لأن الدولة لم تتحول إلى مؤسسة شرعية، فتآكل الأيديولوجية القومية، وتآكل الأيديولوجية الوطنية فتح الباب لولاءات ما قبل الدولة، أما بالنسبة لي فأنا أعتقد، وأحب أن أضيف كلمة هنا وهو أنه في قضايا العلاقات السنية الشيعية أنا أعتقد أنه ينبغي أن نميز بين أربعة مفاهيم، مفهوم الخلاف ومفهوم الصراع، الخلاف موجود وسيظل موجودا، لا مجال لهذا، لكن تحول الخلاف إلى صراع هو المشكلة، نحن نحتاج أن نرجع هذه الأمور إلى خلافات ليس إلى صراعات.

علي الظفيري: نؤجل هذه النقطة دكتور لأنني أريد تفصيل منك حولها إذا تكرمت.

محمد المختار الشنقيطي: نعم، تفضل.

علي الظفيري: سؤالي، النظام العراقي كان نظاما شموليا دكتاتوريا، النظام السوري كان نظاما، وما زال نظاما شموليا دكتاتوريا، هل هذان النظامان يمكن وصفهما بالطائفية؟ في الحالة العراقية، ما قبل الاحتلال، نظام صدام حسين.

محمد المختار الشنقيطي: نعم.

علي الظفيري: والنظام السوري الحالي، هل يمكن وصفهم بالأنظمة الطائفية؟

محمد المختار الشنقيطي: نعم، كلاهما كان نظاما طائفيا، ولكن الطائفية لم تكن هي الوحيدة التي يعتمد عليها، كان جزئيا يعتمد على الطائفية، جزئيا يعتمد على العشائرية، وعلى الإقليمية، وعلى الانتماءات الأيديولوجية، كل هذا هو تركيب، ولا يوجد حقيقة نظام ينبني على مسوّغ واحد من مسوغات الشرعية، لا أعتقد ذلك، لكن على ذكر النظام الشيعي، عندي نقطة مهمة، حقيقة هذا ساءني في بداية البرنامج، أنه ونحن نعيش هذه الملحمة في سوريا، والشعب السوري يضحي يوميا بمئات من الشهداء في ثورته، ومع هذا يوصف الثوار.

علي الظفيري: بالإرهاب والتكفير.

محمد المختار الشنقيطي: نعم، الأستاذ خالد بالإرهاب والتكفير، أنا حقيقة، بتعبيره هو هذا كلام سمج حقيقة، ولا يليق، وبصراحة أنا أستسمح أني أقول هذا، هذا كقوس لو تسمح لي.

تقسيم الدول العربية على أساس طائفي

علي الظفيري: مثلما  ذكرت، كل الكلام يرد عليه، وأنا عرضت الحالتين كنموذجين للتفكير الواقعي والقائم اليوم، أريد أن أسألك عن الاستعمار ودور الاستعمار في تأجيج الحلة الطائفية، نعرض هذه بس، كيف لعب الاستعمار، الاحتلال الفرنسي مثلا دورا في تقسيم الدول العربية على أساس طائفي، أشهر طبعا مشروع كان مشروع غورو مثلا في المندوب الفرنسي السامي في سوريا ولبنان عام 1920 لتقسيم بلاد الشام، تخيلوا كيف كان التقسيم المفترض في ذلك الوقت، دولة حلب مثلا، دولة دمشق، لواء اسكندرونه الذي تسيطر عليه تركيا طبعا الآن، دولة العلويين، دولة لبنان الكبير، وأخيرا دولة الدروز يعني، كان يقسم بلاد الشام بهذه الطريقة، لذلك الآن أيضا أصبح مرة أخرى الأمر مطروح دكتور محمد، قضية إنه هل ممكن تقسم سوريا إلى طوائف، دروز، سنة، شيعة، علويين إلى آخره؟

محمد المختار الشنقيطي: لا أعتقد ذلك.

علي الظفيري: دور الاستعمار.

محمد المختار الشنقيطي: إنشاء دول جديدة هو ليس بالأمر السهل، إذا كان سهلا عندما كان الاستعمار مسيطرا، ويقرر مصائر الشعوب بمجرد خطوط.

علي الظفيري: بس عملها في العراق وقائمة اليوم.

محمد المختار الشنقيطي: كان ممكنا ولم يعد ممكنا.

علي الظفيري: يعني حتى الحزب الشيوعي في مجلس الحكم  العراقي كان يعرّف بأنه شيعي، يعني العراق لم يكن يعرف هذه التعريفات.

محمد المختار الشنقيطي: نعم، صحيحة هذه المفارقات، لكن التقسيم بمعنى إنشاء دول جديدة، هذا أمر ليس بالسهل في العصر الحديث، لأن نوعية الدولة تحتاج إلى قبول من الخارج، قبول إقليمي وقبول دولي، وما إلى ذلك، إنما طبعا الفرنسيين حاولوا، ما في شك فكروا في التقسيم وأنا أعتقد يرجع الفضل إلى حد كبير إلى الحس القومي في تلك المرحلة الزمنية.

علي الظفيري: عند الطوائف كلها.

محمد المختار الشنقيطي: نعم، عند الطوائف كلها، الحس القومي العربي عند الطوائف كلها أنقذ سوريا من التقسيم في الثلاثينيات لما فكر الفرنسيون في ذلك، وهذا أمر يحمد عند كل السوريين، سنة وعلويين، ومسيحيين وغيرهم، وظهر التضامن رغم الدعوات التي ظهرت من هنا وهناك، ما في ذلك شك، ومن هنا أهمية الجوامع التي تجمع الشعوب من وراء هذه الانتماءات الصغيرة.

علي الظفيري: الآن نفترض أنه شيعي وسني على هذه الطاولة، كيف يمكن التقريب بينهما في ظل هذا التأجيج والتحريض والعبارات المستفزة، والمسيئة، وتشاهد فيديوهات تتكلم عن أمهات المؤمنين، وتشاهد مثلا سنة متطرفين يتحدثون عن مراجع شيعية، ويسمون الشيعة حتى بمصطلحات مستفزة، في ظل هذا الجو المشحون اليوم، كيف نقرب؟

محمد المختار الشنقيطي: المفارقة أنه كلما درست العلاقات السنية الشيعية اقتنعت أن إستراتيجية التقريب إستراتيجية فاشلة أصلا، لأن قضية التقريب هي نوع من الجدل النظري بين المتخصصين، تصلح بين مدرسي الأديان، أو مدرسي علم الكلام، وما إلى ذلك، العقائد لكي تكون عقائد لا بد أن تكون نابعة من الاختيار، ليس فيها مجاملات وليس فيها تقريب، إنما الذي نحتاجه هو التعايش والاحترام، والإنصاف، والأهم من كل ذلك الاعتراف بحق الاختلاف، من حقي أن أكون مختلفا، من حقي أن يكون لي مذهب مختلف.

علي الظفيري: طيب، يظهر لك واحد نشاز، ويستخدم لغة تحريضية سواء سني أو شيعي أو أي فئة أخرى، ويؤجج هذه الحالة من جديد، كيف يمكن ضبطها؟

محمد المختار الشنقيطي: هذه الأمور واجهتها مجتمعات أخرى، واجهتها بسلطة القانون، وبسلطان المجتمع، لكن ليس بمجامع تقريبية جدلية نظرية، لا، نحن ما نحتاجه حقيقة هو بناء فضاء يضمن حرية العبادة، وحرية الدين للجميع، لا فرق بين من يريد أن يؤسس مسجدا، ومن يريد أن يؤسس حسينية، ومن يؤسس كنيسة، هذه حرية ضمير يحتاج المجتمع أن يضمنها بسلطة القانون، ثم بعد ذلك تحتاج الدولة بسلطة القانون أيضا، وبسلطة المجتمع أن تضمن احترام الجميع.

علي الظفيري: بمعنى أنه.

محمد المختار الشنقيطي: ما في استفزاز.

علي الظفيري: يتم تجريم أي أوصاف قد تستفز بشكل واسع مكون مذهبي معين.

محمد المختار الشنقيطي: في كل الدول الديمقراطية.

علي الظفيري: يعني لا يحق لأحد أن يتحدث لا عن الصحابة.

محمد المختار الشنقيطي: صحيح.

علي الظفيري: لا عن أمهات المؤمنين، لا عن المراجع الدينية سواء الشيعية أو السنية بطريقة مستفزة.

محمد المختار الشنقيطي: صحيح، في كل الدول، أكثر الدول ليبرالية وحرصا على حرية التعبير، وحرية الضمير، هناك قوانين تمنع الاستفزاز، تمنع التحريض، تمنع التحريض على القتل، التحريض على  الفتنة، هناك فرق بين التعبير عن الرأي المختلف وبين الاستفزاز، أنا ما عندي مشكلة لو رأيت أحد قال أن علي رضي الله عنه أولى بالخلافة من أبي بكر رضي الله عنه، ما في مشكلة في هذا، حتى أن يقال هذا أفضل من هذا ما هي المشكلة في هذا، هذا رأيه، حتى وأن يقال خلافة أبو بكر ليست شرعية، وخلافة عمر غير شرعية، هذه ليست عقيدة، هذا رأي، لكن لما أرى واحد عنده بالون كاتب عليه عائشة في النار، والكلام السخيف بالطريقة هذه هو استفزاز، هذا ليس رأيا، هذا استفزاز للمجتمع حقيقة، وهذا الاستفزاز ليس مقبولا، هذا سوء ذوق، وسوء خلق، معارض لأخلاق الإسلام، بغض النظر عن المعتقد، ومعارض لأخلاق المدنية الحضرية، وعندنا في القرآن الكريم{وَلاَ تَسُبُّواْ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ فَيَسُبُّواْ اللّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ} [الأنعام: 108] هذا النوع أيضا يؤدي إلى نتائج عكسية طبعا، فطبعا تحتاج الدول العربية إلى قوانين واضحة تردع المستفزين، وتضمن حرية التعبير والعبادة.

علي الظفيري: أنتم المغاربة مرتاحين من قضية المذهبية، يمكن عندكم مشاكل أخرى، في المشرق العربي، دولة المشرق العربي، الدولة المشرقية، لماذا لم تنجح دكتور في خلق هوية جامعة، هوية وطنية عربية حتى إسلامية، رغم أن هناك مكونات غير إسلامية في هذه الأوطان.

محمد المختار الشنقيطي: طبعا الفسيفساء الديني في المشرق العربي أكثر، حتى أن بعض مؤرخي الأديان يقولون لا توجد أرض أخصب في الأفكار الدينية من العراق والشام، لا يوجد نوع من الأفكار الدينية إلا وجد في هذه الأرض وبقي موجودا، ولكن هذا ليس المشكلة حقيقة، طبعا في المغرب العربي هنالك نوع من الوحدة منذ أن انتهت الدولة الفاطمية، وانتهى الخوارج إلى حد كبير في منطقة جبال الجزائر، لكن المشكلة حقيقة ليست في التعدد، تعدد المجتمع، أو انسجام المجتمع، المجتمع المنسجم ظاهريا يمكن أن ينفجر في الصراعات السياسية والاجتماعية، الذي منع الدولة في المشرق العربي من تحقيق التعايش هو انعدام الديمقراطية، وهذا يمكن أن يقود لنفس الشيء في المغرب العربي، ليس على أساس خطوط طائفية، وإنما على أساس خطوط قومية مثلا، عرب وأمازيغ، أو عرب وأفارقة، وما إلى ذلك.

علي الظفيري: ممكن تعزز هذه الهويات الصغيرة الانتماءات الأولية، شاهدنا حالات، ما أعرف من الخطأ يمكن أن نتحدث عن الديمقراطية في لبنان أو حتى في العراق، يعني لا أعرف متى دقة هذا التوصيف، لكن عززت الهويات الأولية، أصبح لدينا تجمعات سياسية، تجمع سياسي كردي، تجمع سياسي سني أو شيعي، أو ما إلى ذلك، وهذا الأمر ينفرط بسهولة، يعني عملية الانتخاب والتعبير ليست ضمانا لتحجيم الطائفية.

محمد المختار الشنقيطي: مشكلة المحاصة هو فعلا أنها تعمق التمايز، بين الكتل الاجتماعية، بينما الأصل في الهوية الطائفية أنها هوية ثقافية اجتماعية، ليست هوية سياسية أصلا، إنما يفترض في الكيانات السياسية أن تخترق الولاءات الاجتماعية.

علي الظفيري: دكتور حتى نبسطها شوية، أنت لك الحق أن تقدم نفسك للناس على أنك أنت مذهبيا، يعني هوية اجتماعية، أنك سني، كذا، لكن سياسيا هي ليست هوية، ليست شعارا.

محمد المختار الشنقيطي: نعم طبعا المفترض أن هذه ولاءات دينية واجتماعية وثقافية وليست ولاءات سياسية، الولاءات السياسية قائمة على أنها برامج عملية وليست قائمة على هذا من ولد سنيا أو من ولد شيعيا فالتطابق..

علي الظفيري: الديمقراطية تجرم أن يكون هناك طابع مذهبي ديني عرقي مثلا لأي تيار سياسي؟

محمد المختار الشنقيطي: طبعا يفترض في الديمقراطية الحقيقية أن تمنع قيام حزب صرف لمذهب معين أو دين معين إذا كان هناك تنوع في المجتمع وهكذا يفترض، وحتى إن لم تضعه قانونيا وإذا وجدت ديمقراطية حقيقية، الأحزاب نفسها تريد أن تكسب كل المجتمع فهي بطبيعة الحال ستنفتح على كل مكونات المجتمع، بينما المحاصة الحقيقة تجعل المجتمع كتلا متفرقة مع ذلك..

علي الظفيري: مقابل الانفجار.

محمد المختار الشنقيطي: مع ذلك المحاصة أفضل من الانفجار في النهاية..

علي الظفيري: المحاصة لا تؤدي إلى الانفجار مثلا في الحالة العراقية اللبنانية.

محمد المختار الشنقيطي: المحاصة هي أفضل من الاقتتال وهي ليست ديمقراطية أصلا.

علي الظفيري: أفضل من الاستبداد.

محمد المختار الشنقيطي: هي أفضل من الاستبداد ما في ذلك شك.

علي الظفيري: مش مرات نقول والله المستبد العادل اللي مساوي بين الناس أفضل من أنه يتم تقسيم الناس على هويات.

محمد المختار الشنقيطي: لا يوجد مستبد عادل، هو المستبد العادل معناها الظالم والعادل هناك مشكلة تناقض منطقي.

علي الظفيري: المستبد معناه التفرد باتخاذ القرار وصناعة القرار.

محمد المختار الشنقيطي: هو ضعف الدول ما في شك لأنه من أسباب انفجارات الطائفية، الدولة القوية أحيانا تستطيع أن تسيطر عليها، لكن هذا مجرد حل على المستوى القريب..

علي الظفيري: سأسألك عن الربيع العربي دكتور سؤالي الأخير تقريبا في الحلقة، الربيع يقول أن الطائفية اليوم واضح أنه يكون في حشد مذهبي في حالات كثيرة في البحرين في سوريا مثلا، واضح أن الناس أصبحت مواقفهم مرتبطة بمذاهبهم، يعني يمكن أن يرى الظلم في هذه الحالة ولا يراه في حالة مشابه لها، هل الربيع العربي هذه الثورات حراك الشعوب يقودنا إلى مزيد من الطائفية والاقتتال في المشرق العربي.

محمد المختار الشنقيطي: الربيع العربي هو عبارة عن كشف عن الغيط، كشف عن غطاء عن المجتمع يعني المجتمع كان مغطى بالاستبداد بخيره وشره حينما ينكشف الغطاء يظهر المجتمع بخيره وشره يعني تظهر جوانب ضعفنا كما تظهر جوانب من قوتنا، أظهر الربيع العربي نماذج رائعة جدا من التلاحم الاجتماعي رأيناه في ميدان التحرير في مصر بين المسلمين والأقباط ولكنه أظهر أيضا الوجه القبيح والجوانب الأخرى الهشة لمجتمعاتنا، مع ذلك أنا الحقيقة أظن أن الربيع العربي سينهي الطائفية على المدى القريب ما في ذلك شك، هناك آلام وهناك مشكلات لأسباب طائفية واصطفاف عندنا مثلا محور بني إقليمي شيعي كاملة تقف مع نظام الأسد، نعم أنا أكره..

علي الظفيري: مستفز للطرف الآخر.

محمد المختار الشنقيطي: نعم أنا أكره أن أتحدث بهذه اللغة ولكنه واقع يعني والنخب على الأقل على مستوى النخب السياسية والدينية هناك اصطفاف يعني بني إقليمي باستثناء قليلة المحترمين هاني الفحص والأمين مثلا ممكن أن تكون استثناءات وهنالك حشد أيضا في بعض الطرف السني وكأنك الآن تقاتل الاتحاد السوفيتي سابقا، وتريد تحشيد جهاد ضد الرافضة وضد الملاحدة وما إلى ذلك من التعبيرات، في الحقيقة أن هذا مؤسف من أن يظهر بهذه الطريقة ولكن في النهاية هناك وعد الربيع العربي يعد بتجاوز هذا، تجده عند الشباب الذي لا يؤمن بهذه الخرافات التي ينشغل فيها الناس تجدها عند الشباب في الميدان الذي يتجاوز هذه الخطوة فالربيع العربي ما في ذلك شك أنه حل للأزمة الدستورية التي هي في مجتمعاتنا جير المشكلة الطائفية، المشكلة الطائفية مجرد عرض مرة أخرى للأزمة الدستورية، أزمة الشرعية السياسية في مجتمعاتنا.

علي الظفيري: الكاتب والمفكر الإسلامي الدكتور محمد المختار الشنقيطي أستاذ تاريخ الأديان في كلية قطر للدراسات، في كلية الدراسات الإسلامية عفوا،  في قطر شكرا جزيلا لك على حضورك معنا في هذه الحلقة، الشكر الموصول لكم مشاهدينا الكرام، مواقع البرنامج، صفحات البرنامج في موقع الجزيرة نت في قسم الفضائية تحديدا، في أيضا موقع الفيسبوك وكذلك في موقع توتير للتواصل الاجتماعي تحت عنوان طبعا في العمق، هذه تحيات الزملاء داود سليمان منتج برنامج في العمق، وعماد بهجت مخرج البرنامج وكافة الزملاء، في الأسبوع المقبل لنا لقاء بإذن الله دمتم بخير والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.