الحبيب الغريبي
الحاج علي وراق
عبد الوهاب الأفندي

الحبيب الغريبي: أهلا بكم مشاهدينا الكرام بلد أتقن على مر تاريخه الحديث فن الرقص على الرمال المتحركة وغاصت قدماه في وحل الجغرافيا إلى حد كبير وكلما طويت صفحة تفتح صفحات جديدة لتكتب فيها أحرف وكلمات بطعم الدم والرصاص، بالأمس كانت حرب سنوات الجمر مع جنوب ثائر تواق إلى الانفصال حصدت أرواحا ودمرت الأخضر واليابس وانتهت بالتوقيع على وثيقة الطلاق بالتراضي بعدها أطلت قضية دارفور برأسها وارتضى الخصوم بالاحتكام إلى منطق السلام لكن اتضح لاحقا أنه سلام هش آيل للسقوط المدوي في كل لحظة، واليوم تزداد الجراح وتمدد المواجهات لفعل ولادة بؤر جديدة من التوتر في جنوب كردفان والنيل الأزرق دمل كثير ونتوءات دامية في الجسد السوداني أدت إلى تفجر كل التناقضات دفعة واحدة سياسية وعقيلة مما جعل خارطة البلد عبارة عن ثقوب كبيرة في الرداء الفضفاض، هل هي أزمة عصيان وتمرد أم أزمة تآكل وإهتراء في آليات الوحدة الوطنية؟ هل هي قضية مركز وأطراف أم أنها أزمة حكم وديمقراطية؟ هل ما يجري هو بفعل التدافع الداخلي فقط أم أن للخارج يدا فيه؟ موضوع نقاشنا الليلة هو جملة هذه التحديات التي يواجهها السودان اليوم والأفق الذي تفتح عليه فسيفساء مشاكله وأزماته أهلا بكم مجددا.

ومعنا للغوص في عمق هذه القضية هنا بالأستوديو الأستاذ الحاج علي وراق رئيس تحرير صحيفة حريات الالكترونية والحائز على جائزة القلم الدولية ومن لندن عبر الأقمار الاصطناعية الدكتور عبد الوهاب الأفندي أستاذ العلوم السياسية في جامعة أكسفورد، وقد حاولنا أن نشرك معنا في هذه الحلقة أحد الضيوف الحكوميين لكننا لم نتوفق قبل البدء في النقاش نتابع تقرير زميلنا فوزي بشرى الذي يلقي الضوء على المشهد السوداني.

[تقرير مسجل ]

فوزي بشرى: على مدى السنين التالية للاستقلال في عام 1956 من القرن الماضي احتال السياسيون السودانيون عسكرا ومدنيين على حل الصراع مع الجنوب بالحسنى وبغيرها، دماء كثيرة سفكت من جانب طرفي الصراع وسقط آلاف القتلى وخيضت الحرب تحت رايات الوطنية حينا وتحت رايات الجهاد حينا آخر كما هو الحال على عهد حكم الرئيس عمر البشير، وانفصال الجنوب كان بيانا ليس في عجز العسكرية عن تحقيق الوحدة بل في عجز السياسة السودانية عن استيعاب تعقيد وطن لما يتشكل قوامه الوطني بعد، فأسئلة الحرب كانت من التعقيد بأكثر مما تحتمل البندقية فض نزاعه فنقص السودان من جراء ذلك في عهد البشير كما لم ينقص في عهد حاكم قبله، كانت قضايا السودان ولا تزال وثيقة الصلة بالهوية الثقافية والعرقية وبمطالب تأسيس جديد للدولة السودانية يتجاوز ما رتبته علاقات الهيمنة والنفوذ لفترة ما بعد الاستقلال، وبذهاب الجنوب المختلف دولة منفصلة تكون أولى النتائج السياسية المترتبة على ذلك أن المتبقي من البلاد ستصح سياسته وعلائق اجتماعه وقد سطت ثقافته وعقيدته وقل تنافر أعراقه، لكن الأزمات السياسية الممسكة بخناق البلاد تقدم حيثيات تؤكد أن مطلب الوحدة لا يزال بعيدا وأن توتر العلاقة بين المركز وأطرافه وصلت في تأزمها حتى الحرب كما هو حاصل في جنوب كردفان وجنوب النيل الأزرق وهو تجسيد عملي لمفهوم الجنوب الجديد في مصطلح الجغرافيا والتجسيد السياسي لعجز المقاربات لقضايا الوحدة والمواطنة والمشاركة السياسية، وقد قدمت أزمة دارفور شاهدا على أن الأمر يتجاوز جدلية العلاقة بين الشمال والجنوب، وأزمة السودان بعد الانفصال تتجاوز كذلك علاقة المركز بالأطراف لتكشف عن أزمة المكونات السياسية للمركز نفسه فقد انفردت حكومة الإنقاذ بقيادة الرئيس عمر البشير بالمشهد السياسي على مدى أكثر من 20 عاما تم خلالها تبني أخطر سياسة في الإمساك بمفاصل الدولة التنفيذية والعسكرية والأمنية فيما اصطلح على تسميته بسياسة التمكين وهي تمكين أهل الولاء وتم بذلك عزل كتلة عظيمة من أصحاب القدرات فضلا عن ملايين المواطنين عن المشهد العام، صحيح أن أحزابا كبيرة وذات قاعدة شعبية كبيرة كحزب الأمة بقيادة الصادق المهدي والاتحاد الديمقراطي بقيادة محمد عثمان الميرغني قد صالحت النظام وعادت ومعها قوى حزبية أخرى من مهاجرها السياسية بيد أن هذه الأحزاب جميعا قد انطوت على غبن من مشهد الانتخابات الأخيرة 2010 التي فاز فيها البشير بالرئاسة وحزبه بمعظم مقاعد البرلمان، طعنت الأحزاب في شرعيتها ثم تعاملت مع نتائجها بمنطق الأمر الواقع، وإذا كانت تجربة حكم الإنقاذ قد تم النظر إليها على أنها تجربة الإسلاميين في الحكم فإن المفاصلة التي وقعت في صفوف الحركة الإسلامية عام 1999 جعلت من الصعب إطلاق ذلك الوصف على الحاكمين اليوم، ولا يزال حزب المؤتمر الشعبي بقيادة زعيمه حسن الترابي يطعن في أهلية الطبقة الحاكمة وفي جدارتها السياسية وما يفتأ الترابي يدعو إلى تغيير النظام عبر الوسائل السلمية بل إن الحركة الإسلامية نفسها دخلت فيما تُنبأ عنه مذكراتها ومرجعاتها حالة من التوهان لا تعرف معها إن كانت هي مؤتمرا وطنيا أم أن المؤتمر الوطني هو الحركة، ويزداد أمر السياسة سوءا في السودان ما بعد الانفصال بأزمة اقتصادية تقول عناوينها إن ديون السودان بلغت 40 مليار دولار وإن العجز في الموازنة العامة يقدر بأربعة مليارات دولار وإن التضخم وصل إلى 23% وإن البلاد التي تباهي بسعة أراضيها الخصبة ووفرة مياهها استوردت منتجات غذائية بأكثر من مليارين و600 مليون دولار، يقول الخبراء إن علل الاقتصاد السوداني تكمن في الترتيب الخاطئ للأولويات وسوء الإدارة والفساد المستشري في مفاصل الدولة، أما أزمة الحكم برأي كثيرين فمكمنها في عقلية الهروب من مطلوبات أدناها الديمقراطية وحكم قانون وأكثرها إلحاحا إعادة تأسيس الوطن على عقد سياسي واجتماعي جديد وإلا يقول المشفقون سيضطرد اقتصاد البلاد في الأرض وفي الشأن معه.

[نهاية التقرير]

السودان والأزمات المتلاحقة

الحبيب الغريبي: أهلا بكم وأهلا بضيفي في الأستوديو الأستاذ وراق الذي لابد أن أعترف بأن الملف السوداني مرهق جدا لمن يريد أن يقف على النقطة والفاصلة ويجمع أجزاء الصورة لأن كل القضايا تقريبا متشابكة ومتداخلة وموزعة على أكثر من منطقة وإقليم لذا قد يستحسن في البداية أن نفهم الـ DNA خلينا نقول تركيبة الحمض النووي للسودان اليوم الذي ظن الكثيرون بأن نهاية حربه الجنوبية وإعلان دولة الاستقلال في الجنوب هي نهاية لكل أوجاعه.

الحاج علي وراق: شكرا جزيلا، السودان الآن مهدد بمزيد من الانفصالات لأن مصنع التأزيم ومصنع خلق الأزمات من أفكار ومؤسسات وأشخاص مازال ينتج أزماته في السودان، السودان يعاني من أزمة بناء وطني منذ الاستقلال لأنه بلد متعدد الأديان متعدد الثقافات ويعاني من عجز تنموي كان يمكن أن يبنى السودان في فترة ما بعد الاستقلال لكن النخبة السودانية عجزت عن الإيفاء بمتطلبات البناء الوطني، لكن هذا العجز تصاعد ووصل إلى درجات غير مسبوقة في الكيف والكم بعد وصول انقلاب الإنقاذ في 1989 الإنقاذ جاءت بأفكار فاسدة هي تقوم على احتكار الحقيقة المطلقة ولذلك حاولت احتكار السياسة وفرضت ثقافة أحادية وهوية أحادية للسودان المتعدد الأديان والثقافات والأعراق ولأنها سلطة أقلية حاولت أن تحدث برنامج تنموي بأن تحدث برنامج تنموي لكن بحكم طبيعتها كأقلية حافظت على السلطة بالعنف وبالتالي تناقصت في اهتماماتها، الاهتمامات التنموية، واشتغلت بالهموم الأمنية والعسكرية ولذلك هذا الفساد تحول، فساد الأفكار، إلى فساد شامل طال المؤسسات وطال كل أوجه الحياة ثم انتهى بإفساد النسيج الوطني وانشقاق البلد إلى قطرين ومازال هناك احتمال لانشقاق مزيد من الأقاليم السودانية.

الحبيب الغريبي: لكن يعني التاريخ القريب هو يؤرخ لانفصال دولة جنوب السودان يعني كيف يمكن فهم أن هذا الانفصال أصبح مشكلة بدل أن يكون حل؟

الحاج علي وراق: طبعا أحد الافتراضات التي يعني تنازل بها الحكم عن السعي لجعل الوحدة جاذبة أنه سيحقق السلام بالانفصال، الآن خسرنا وحدة البلد ولم نكسب السلام ولم نكسب الجوار الأخوي مع الجنوب، هناك الآن حرب اقتصادية على الجنوب، حصار اقتصادي، هناك توتر عسكري، هناك حرب بالوكالة بدعم الميليشيات تجاه الجنوب، ولذلك الآن الوضع متوتر وربما تعود الحرب من جديد بين الشمال والجنوب، ولذلك لم نكسب الوحدة وخسرنا السلام وهذا نتيجة مباشرة لكل يعني فساد الأفكار والمؤسسات التي حكمت السودان لأكثر من 20 عاما وتمخضت إلى هذه النتائج ويمكن أن نفصل في..

الحبيب الغريبي: فيما سيأتي من حديث دكتور عبد الوهاب عملية فك الارتباط بين الشمال والجنوب لماذا لم تجر بالسلاسة المفترضة لماذا تركت هذه الألغام مزروعة وترك الوضع ليتعفن ويصل إلى ما وصل إليه في الأيام الأخيرة؟

عبد الوهاب الأفندي: تحية لكم حقيقة، تصحيح في الأول أنتم نسبتموني لجامعة أكسفورد وأنا في جامعة ويست مينستر وإن كنت أستاذ الآن في جامعة كامبردج، حقيقة هذا يعود إلى طبيعة اتفاقية السلام، اتفاقية السلام لم تكن توافق حقيقي حول قضايا الوطن الرئيسية وإنما كانت أشبه بهدنة بين طرفين كل طرف له أجندته المتعارضة تماما مع أجندة الآخر يعني النظام القائم حاليا له أجندته التي لها طابع عروبي شمالي أكثر منها إسلامي والجنوب له أيضا الحركة الشعبية كان لها توجهاتها التي ترى أن السودان يجب أن يكون إفريقي الهوية والنزعة، حقيقة كلا النظرتين ليست شاملة بما فيه الكفاية وكلا الحزبين الشريكين في الحكم كان عبارة عن يعني إطار ضيق تحالف ضيق بين قوى قليلة صغيرة ولا أسمي الحكومة حقيقة إسلامية ولا حتى عروبية أحادية ولا أسمي أيضا الحركة الشعبية أنها حركة جنوبية فهي حركة أيضا ذات طابع قبلي مختصر جدا وبطبيعة الطبيعة الديكتاتورية في الحركتين كان هناك أيضا ما يسمى بالغيرة على أن كل واحد يكون له منطقة نفوذه لهذا كان مثل خلط الماء بالزيت لم يكن هو اتفاق على حد أدنى لهذا هذه هي الإشكالية، يعني ما يهمنا الآن بالنسبة لنا الآن أكثر هو ما يحدث في الشمال ولا أريد أن أفعل ما فعله الأخ الحاج الوراق وأبدأ من البداية لكن نبدأ من هنا الآن من هذه النقطة..

الحبيب الغريبي: ولكن الآن دكتور، دكتور الآن هناك إعلان صريح من قبل الرئيس السوداني عمر البشير للتعبئة العامة وتجييش الشعب وحتى أن أحد المسؤولين الحكوميين ذهب بعيدا في تهديداته قال إن جوبا ليست بعيدة، إلى أي مدى يمكن أن يتطور الوضع إلى حرب طاحنة بين البلدين؟

عبد الوهاب الأفندي: هي أصلا حرب بين البلدين حقيقة يعني، الحرب الحالية هي حرب بين الجنوب والشمال لأن الحركة الشعبية قطاع الشمال لم تكن سوى يعني فصيل قطاع من قطاع الجيش الجنوبي الذي كانت تقوده الحركة الشعبية وليست هناك يعني لا نستطيع أن نكون من المثاليين ونقول أنه إذا كان رفاق السلاح بالأمس يعني يهاجموا اليوم الذين قاتلوا معك 20 عاما أنت ستقف مكتوف الأيدي، بالقطع حراك الجنوب هو الآن يغذي هذه الحرب والشمال أيضا يعني يستخدم أدواته للضغط على الجنوب، لكن أنا أعتقد إنه فكرة التعبئة لم تكن مقبولة الآن من الشعب السوداني كما كانت مقبولة في السابق وسيكون حتى الإسلاميون الآن لهم نظرة والذي أردت أن أقوله أنه كان يجب أن تطرح أسئلة عند الحكام وعند مؤيدي الحكومة الآن إنه ما هو الخلل يعني لماذا نحن نذهب من حرب إلى حرب كما ذكرتم في المقدمة يعني لماذا من حرب الجنوب إلى حرب دارفور إلى حرب الشرق إلى حرب الآن جبال النوبة يعني كما في قصة موسى وصاحبه عندما أراد أن يعني أن ينقذه من عدوه ويجده اليوم الثاني أيضا يقاتل شخص آخر فقال له إنك لغوي مبين يعني الإنسان الذي كل يوم يقاتل عدو مختلف هو الخلل فيه هو يعني فيجب أن يطرح أسئلة عن من هو المسؤول في الحكومة وفي النظام عن هذه المشاكل المتكررة..

إشكالية الهوية وجدلية المركز والهامش

الحبيب الغريبي: وسنحاول قدر الإمكان طرح هذه الأسئلة لنجد لها إجابات منك ومن ضيفي هنا في الأستوديو الحاج وراق، من دارفور إلى جنوب كردفان إلى النيل الأزرق يعني هل هي أزمة جدلية تاريخية بين المركز والأطراف بحكم اتساع الجغرافيا السودانية أم أن هناك أسباب موضوعية يمكن أن تفسر هذا التوتر؟

الحاج علي وراق: في جوهره هي أزمة قبول التعدد، لكن تترافق مع عجز تنموي وأزمة حريات، النظام الموجود في السودان لا يقبل التعدد الثقافي والديني وبالتالي هو يمارس عنصرية مزدوجة، عنصرية على أساس العرق وعنصرية على أساس الدين، ولذلك لا يقبل المواطنة المتساوية، إذن أهم القضايا التي قادت إلى التأزم الآن ليس الصراع بين الشمال والجنوب لأنه دارفور ليست متعلقة بالجنوب والآن هناك توترات شديدة جدا في شرق السودان لنفس هذه الأسباب وحتى يعني أعطيك مثال واضح لفساد الأفكار وفساد المؤسسات الذي يقود لإنتاج الأزمات في السودان في عام توقيع اتفاقية السلام 2005 الحكومة السودانية خصصت لكهرباء الفلل الرئاسية، كهرباء رئاسة الجمهورية، أكثر مما خصصت لتنمية القطاع التقليدي في كل السودان، والقطاع التقليدي يعيش فيه أكثر من 50% من السودانيين، فهذا يعطيك إنه لما تحكم أقلية تهتم بشؤونها الخاصة كأقلية ولا تهتم الاحتياجات التنموية للبلد..

الحبيب الغريبي: ولكن هل من العادل يعني تعليق كل الأسباب وتعليق كل الخطايا على شماعة النظام يعني هناك أيضا حركات تمرد هناك أيضا يعني توجهات انفصالية ربما تكون مدعومة من الخارج هذا ما يقوله النظام؟

الحاج علي وراق: طبعا يعني عندما تحرم الناس من حقوقهم الأساسية، حقوق المواطنة المتساوية، حقوقهم في التنمية، حقوقهم في الحياة، حقوقهم في الحريات والحقوق المدنية والسياسية، لهؤلاء الناس الحق في المقاومة بشتى أساليبه وأشكاله بغض النظر عما نختاره نحن يعني حصل فساد كبير في تخصيص موارد البلد السودان كان بلد نفطي لأكثر من 10 سنوات حتى الانفصال منذ 1999 وحتى 2011 السودان عنده موارد نفطية هذه الموارد النفطية لم تخصص لتنمية البلد وإزالة الفروق التنموية بين أقاليم السودان المختلفة خصصت للصرف على الأجسدة السياسية أو السيادية والأجسدة العسكرية والأمنية كمثال واحد ميزانية هذا العام 2012 ميزانية جهاز الأمن في مليون و200 مليار جنيه سوداني، ميزانية الصحة والتعليم، الصحة 500 مليار والتعليم 400 مليار يعني ميزانية الصحة والتعليم في كامل البلد أقل من ميزانية جهاز الأمن، فهذا فساد تخصيص الموارد، وهذا أدى إلى إنه الفساد يشمل كل أوجه الحياة، السودانيون الآن ليس في دارفور القصية حيث لا يتوفر حق الحياة نفسه يوميا تقصف الطائرات المواطنين المدنيين العزل والأبرياء وأكثر الآن من 2 مليون و300 ألف دارفوري في معسكرات النزوح وأكثر من مليون دارفوري الآن في معسكرات اللجوء أكثر من 550 ألف مواطن من جبال النوبة والنيل الأزرق الآن في معسكرات النزوح واللاجئين يعني الآن من كل 100 سوداني هناك 13 سوداني هم إما في معسكرات النزوح أو اللجوء بفعل الحرب العبثية للنظام على شعبه، ويعني ليس في دارفور القصية فقط حتى في داخل الخرطوم المياه ملوثة في بلد نفطي وفي عاصمة البلاد التي تحدها 3 أنهر المياه ملوثة، ولا تصل للإحياء العريقة في العاصمة وبعض المياه الصحة نفسها بعضها ملوث بمواد مسرطنة يعني أساس الحياة هو المياه غير متوفر وكذلك فساد في التعليم..

آفة الفساد في السودان

الحبيب الغريبي: يعني تكررت كثيرا عبارة الفساد في مداخلتك وبالأرقام يعني هذا استطلاع رأي أجري أخيرا في العديد من الدول العربية 59% من السودانيين يعترفون ويقولون بأن الفساد مستشري على نطاق واسع و57% منهم غير راضون عن الوضع السياسي دكتور أفندي إلى أي مدى تتفق مع ضيفي هنا الحاج الوراق بأن المشكلة أو السبب الرئيسي المركزي هو تنموي هو غياب الحوكمة الرشيدة واستشراء الفساد؟

عبد الوهاب الأفندي: يعني اسمح لي الأستاذ الحاج أختلف معه قليلا في هذا يعني كأنه هو يرى أنه الإشكالية هي بين كما ذكر أنه عنصرية وأن هناك يعني اصطدام بين العرب والشماليين والآخرين حقيقة الوضع أكثر تعقيدا من ذلك يعني مثلا الآن في دارفور الإشكالية ليس مثلا هو أن الشماليين أو الجلابة ذهبوا إلى دارفور حتى يحاربوا الأفارقة هناك الإشكالية إنه في دارفور نفسها هناك انشقاق بين عناصر مختلفة وأنه الحكومة أو النظام بمعناه الضيق يعني حتى ليس الإسلاميين ولا الشماليين ولا العرب تحالف مع بعض القبائل أو الميليشيات الموجودة في دارفور نفسها وأجج الصراع بين أهل دارفور، نفس الشيء في الجنوب مثلا كانت هناك ميليشيات جنوبية متحالفة مع النظام فهناك علاقات سلطة علاقات قوة بين أطراف معينة يعني قد تكون معزولة عن بقية القطاعات وفي الشمال أو في الجنوب أو في الشرق أو في الغرب وإلى حد ما يعني هناك صحة الآن مثلا دور المؤسسة الأمنية والأجهزة يعني بعض الأجهزة السلطوية أنا اعتقد أن الجيش نفسه ليس طرفا راغبا أو راضيا في هذه الصراعات يعني فإذن هناك في قلب نظام الحكم الجهة ليست حتى مدعومة من بقية أطراف الحكم وهي أصبح الآن هناك تحالف ما سميته أنا تحالف أهل السلطة أو تحالف الدولة، مؤسسات القائمين عليها وهذا بطبيعته طبعا يعني هو فاسد ومفسد لأنه إذا أنت ضيقت نظام الدولة الآن وأصبحت تدافع عن هذا لب هذا النظام اللي هو مجموعة صغيرة من حتى مؤسسات الدولة نفسها مثلا كالمجلس الوطني والمؤتمر الوطني ويعني كلها ليست لديها سلطة، في كثير من الأحيان تتخذ القرارات ولا يعرف من الذي اتخذها وكيف اتخذت، ومن الذي مثلا أشعل الحرب الآن في كردفان وفي جنوب النيل الأزرق، المسؤولية في هذا ليست معروفة وليست يعني متبعة وفي رأيي إنه البداية تكون بتفكيك هذه القصة وفهم من هو المسؤول مباشرة عن وضع السياسات وتنفيذها ومن هو المسؤول عن يعني تخصيص الأموال كما ذكر الأستاذ الحاج الوراق بهذه الطريقة غير الصحيحة.

الحبيب الغريبي: مع أن طبعا للاعتبارات السياسية دورها المحدد تقريبا في الكثير من القضايا لنا الحالة الاقتصادية الآن في السودان خاصة بعد انفصال دولة الجنوب وتراجع الثروة النفطية أو تراجع العوائد النفطية أو ربما يؤدي إلى تعفين الوضع أكثر فأكثر كما يرى البعض دكتور خالد التيجاني النور يلقي الضوء على أوجه من هذه الأزمة أزمة السودان الاقتصادية نتابع.

[شريط مسجل]

خالد التيجاني النور/رئيس تحرير صحفية إيلاف الاقتصادية: استقلال جنوب السودان أدى إلى ذهابه بمعظم احتياطات النفط، الموارد النفطية التي كانت تعتمد عليها موازنة الدولة بدرجة كبيرة في السنين العشرة الماضية من هذا القرن وبالتالي يعني تبدى إلى درجة كبيرة أن الاستقرار الاقتصادي الذي كان تحقق خلال السنوات الماضية وكذلك معدلات النمو العالية وتضاعف حجم الاحتياطي السوداني كانت إلى درجة كبيرة هشة بدليل أنها في خلال أشهر قليلة جدا من بعد التقسيم يعني حدثت الآثار السلبية المباشرة لهذا التقسيم، ظلت الحكومة أول مشاريع حكومية غارت إلى درجة كبيرة أو يقللون من شأن تأثير الانفصال خاصة اقتصاديا على الشمال بعد الانفصال وكان هذا حقيقة يفتقد كثير جدا من المنطق وبالتالي لم يكن هناك تدبير كافي لمواجهة هذه المرحلة يعني لم يتم تبنِ برنامج إسعافي لمعالجة الأزمة الاقتصادية الناجمة عن التقسيم إلا بعد حدوث تقسيمها بالفعل وبالتالي جاءت هي هذه الحركات متأخرة جدا في ظروف غير مواتية طبيعة إدارة الاقتصاد خلال السنوات الماضية يعني أدير بقدر كبير جدا من انعدام الرؤية الإستراتيجية، أصبح الاقتصاد اقتصاد استهلاكي لم يوجه إلى الإنتاج بحيث تستفيد منه الموارد الضخمة المتاحة للسودان في تصدير هذه الطاقات بالتالي أصيب السودان بما يعرف بلعنة الموارد، توفرت أموال ضخمة هذه الأموال لم توجه بصورة صحيحة وأدير الاقتصاد بأولويات يعني سياسية لتحقيق أغراض قصدي سياسي قصير النظر.

الحبيب الغريبي: دكتور أفندي لعنة الموارد هل هذا المصطلح أو ربما أصبح قابلا للاستعمال في السودان بعد أن يعني ذهب النفط ويعتقد البعض أنه ذهب إلى الأبد ما هي الخيارات الأخرى المتاحة الآن للسلطة المركزية؟

عبد الوهاب الأفندي: أولا طبعا للأسف أنا ما سمعت كلام خالد التيجاني لو ممكن تصلحوا ما يحدث في الأستوديو لأنه ما قاعد اسمع ما يحصل يعني..

تداعيات أزمة النفط بين الشمال والجنوب

الحبيب الغريبي: لا، هو تحدث أساسا دكتور أفندي تحدث أساسا عن الموارد النفطية عن يعني أزمة الثروة النفطية بالتحديد وأنا سؤالي كان لأن هذه الثروة النفطية قد ذهبت إلى الأبد كما قال أحد الجنوبيين مرة متهكما باي باي بترول الشمال، يعني أمام هذه الأزمة هل يوجد في السودان الآن خيارات أخرى بديلة؟

عبد الوهاب الأفندي: يعني أولا النفط لم يذهب كله يعني مازال 20 أو 30% منه موجود في الشمال يعني تكفي لبعض الشيء وبعضه لكن الإشكالية طبعا أنه النفط لم يستثمر في وقته في أشياء أخرى وأن السودان طبعا بلد زراعي وفيه يعني إمكانيات كبيرة ويمكن أن تستغل لكن الإشكالية الأساسية في نظري ليست إشكالية الموارد الآن، وإنما كما ذكر الأستاذ الحاج الوراق إشكالية تخصيص الموارد إذا كنت أنت الآن تخصص موارد أكبر من اللازم مثلا للأجهزة الأمنية وتخصص أيضا موارد للحرب في جنوب كردفان وتخصص أيضا موارد للحرب في دارفور وأيضا أنت الآن بسبب الحرب في دارفور ملزم بتعويضات وبعمليات تنموية إضافية لم تكن يعني مبرمجة مثلا حقول حرقت تعيد بناءها كانت موجودة أصلا لم تكن محتاجة لإعادة بناء فإذن أنا في رأيي أنه قبل أن نتحدث عن الإشكالية الاقتصادية يجب أن ننظر إلى طريقة إعادة الرشد إلى طريقة إدارة الموارد والإشكالية أيضا الأساسية هي الشفافية في تخصيص الموارد حتى يطمئن المواطنون إلى أن هناك عدالة حتى عندما يعني الآن نحن مثلا في بريطانيا يتحدث الحكومة عن تقشف وتطالب المواطنين يعني يربطوا الأحزمة على البطون ولكن هناك نقاش جدي شفاف أو حول من يدفع أكثر من يدفع الضرائب أكثر هذا أيضا يحتاج إليه الأمر، هناك إشكالية أخرى أنه الآن نظام الحكم قائم على ترضيات يعني حتى مثلا عندما تأتي أنت بالحركات الدارفورية وبالأحزاب المتحالفة هذه كلها تصرف لها موارد لم يكن هناك داعي لصرفها في هذه الأمور فنحن إذن نحتاج إلى ترشيد وشفافية وحوار جاد حول الموارد وكيفية صرفها.

الحبيب الغريبي: دكتور، سوف نستمر لاحقا في هذا النقاش ومن هذه الزاوية بالتحديد ولكن بعد فاصل قصير، فتفضلوا بالبقاء معنا مشاهدينا الكرام.

[فاصل إعلاني]

السودان وإمكانية الخروج من المأزق

الحبيب الغريبي: أهلا بكم من جديد في حلقتنا التي نبحث فيها المشهد السوداني ما بعد الانفصال، الحاج وراق هذا المنحى للحسم العسكري الذي يريده النظام ويحاول انتهاجه البشير بكل صرامة يعني، بكل ثبات، إلى أي حد يمكن أن يخمد كل هذه الحرائق المشتعلة؟ ما نجاعة هذا المنحى ربما في جعل هذه الحرائق تطفأ واحدة وراء واحدة؟

الحاج علي وراق: في البداية ملاحظة بسيطة، أنا لم أقل إنه المشكلة في السودان هي العروبة والإسلام، المشكلة في السودان أن هناك أقلية احتكارية توظف العروبة والإسلام للتغطية على احتكارها للسلطة والامتيازات بصورة غير مبررة، ورأس الدولة في خطاب مشهور في القضارف قال إنه انتهى عهد الدغمسة، يعني الدغمسة اللي هو القبول الخجول بقدر من التعددية في السودان، هو قال هذه عهد الدغمسة انتهى، نحن بلد عربي إسلامي، وهو غير معني بالعروبة ولا بالإسلام، إنما معني بتبرير احتكاره للسلطة، استخدام العروبة والإسلام كجُنة، كغطاء نفاقي لاحتكار الامتيازات، وهذا التفكير يستبعد الآخرين ويقصيهم، يقصيهم تنمويا ويقصيهم عرقيا، ويقصيهم من حقوقهم وحرياتهم ولذلك لا يمكن أن يستقر السودان وأنت تستبعد غالبية السودانيين، غالبية السودانيين، هناك من السودانيين من لا يصنفوا أنفسهم كعرب وهناك غير مسلمين، لا يمكن أن تقيم نظام الدولة على إنكار حق الآخرين في أن يكونوا آخرين، ولذلك هذا الفكر الفاسد الذي أنتج الأزمات في السودان، إذا لم ينته لن تستقر الأوضاع في السودان، وأنا أركز على الفساد ليه، لأن هذا النظام برر مشروعيته على إنه يريد أن يربط قيم السماء بالأرض، وانتهى إلى إنه أفسد نظام في تاريخ السودان الحديث، وهذا بشهادة منظمة الشفافية الدولية، السودان هو الدولة رقم 177 من 182 دولة في العالم، يعني خلفنا فقط أربع دول لأننا مشتركين مع تركمانستان، وبعدنا فقط كوريا الشمالية والصومال، وأفغانستان، وميانمار، إما بلدان فيها ديكتاتوريات عتيدة أو بلدان في تحت الاحتلال وغير مستقرة، ولذلك انتهى النظام لأفسد نظام في تاريخ السودان الحديث، وهذه ليست شهادة منظمة الشفافية العالمية فقط، شهادة إسلامي مخضرم مستقل مثل الطيب زين العابدين، سوداني قال إنه هذا أفسد نظام مر على تاريخ السودان الحديث، مرشد الإخوان المسلمين في السودان، واحد من مؤسسي حركة الإخوان المسلمين في السودان، صادق عبد الله عبد الماجد قال أن هذا أفسد نظام في تاريخ السودان الحديث، الدكتور الترابي، عراب هذه التجربة قال إنه هذا أفسد نظام في تاريخ السودان الحديث، وبالتالي حتى إذا توفرت موارد، ما دام بالوعة الفساد مستمرة، هذه الموارد لن تظهر على موائد الفقراء، لن تظهر في غذائهم، أو تعليمهم، أو صحتهم.

الحبيب الغريبي: وضحت الفكرة، دكتور الأفندي، قلت مرة، إن أكثر ما يقلقنا إذا لم يتحرك القادرون على إصلاح الأمور هو أن يتأرجح أمر البلاد بين السيناريو الليبي والسيناريو الصومالي، يعني ما المطلوب كوصفة إصلاح؟ ولماذا يعني اخترت السيناريوهين وبين البينين؟

عبد الوهاب الأفندي: يعني حقيقة أنا أرى أن الحكومة طبعا على خطأ، لكن أيضا أرى أنه المعارضة المسلحة على خطأ يعني نحن في ردة الآن، يعني لو قلنا نحن وصلنا بعد اتفاقية السلام الشامل إلى مرحلة أصبحنا فيها أقرب إلى السيناريو المصري، بمعنى أن هناك توجه نحو توحد السودانيين حول برنامج لا أعتقد أن كثيرين يختلفوا عليه، أنه السودان لا يصلحه إلا نظام ديمقراطي تعددي يقبل بالآخر ويكون منفتح وشفاف، ويختار فيه الشعب ممثليه، فهذا الأمر يحتاج إلى أن يكون الأجندة السودانية وأجندة السودانيين موحدة إلى حد كبير، ما حدث في مصر وتونس وإلى حد ما اليمن أيضا أن كل قوى المعارضة أصبحت أو حتى القوى التي كانت تدعم النظام، الأنظمة السابقة، كلها اعترفت بأن هذا النظام ديكتاتوري.

الحبيب الغريبي: وهذا هو السؤال، في الحقيقة دكتور الأفندي يعني، أين النخب السياسية في السودان؟ أين المعارضة؟ لماذا عجزت إلى حد الآن عن تحريك الشارع إلى الدفع إلى الأمام؟

عبد الوهاب الأفندي: يعني كجزء من المشكلة إنه بعض المعارضة الآن أصبحت مسلحة، وعندما تكون المعارضة مسلحة، يعني نحن مثلا رأينا في سوريا عندما قامت المعارضة المدنية فالحكومة تتهم المعارضة بأنها مسلحة لأنه عندما تتعامل أنت مع معارضة مسلحة يختلف الأمر عن معارضة سلمية، وبالتالي إن قيام المعارضة المسلحة في جبال النوبة وفي النيل الأزرق وفي دارفور باللجوء إلى الخيار العسكري بدل أن تتوحد كلها مع بقية أطياف المعارضة وحتى تدعو لحل سلمي وحل أيضا يقبل بالآخرين كمان، يعني الإسلاميون لا يزالوا رغم ما يقال عنهم أنهم ما يزالوا أكبر قوة في، أو قوة يعني لا يمكن إقصاؤها يعني، يجب أن نتوحد.

الحبيب الغريبي: اسمح لي دكتور أن نستمع قليلا إلى صوت الشارع، إلى صوت الشعب يعني كيف يرى الشعب السوداني الوضع في بلاده، وما موقفه من الحكومة؟ نتابع نتائج استطلاع الرأي التالية.

[تقرير مسجل]

فوزي بشرى: يظهر استطلاع للرأي أن 56% من السودانيين راضون من مستوى الأمان في بلدهم، مقابل 42%، في حين لم يدلِ 2% بإجاباتهم، وقال 66% إنهم غير راضين عن وضعهم الاقتصادي، و23% راضون إلى حد ما، بينما قال 8% أنهم راضون جدا، ولم يجب 2%، وكان للشعب السوداني رأيه بانتشار الفساد المالي والإداري فقد رأى 59% أنه منتشر جدا، وقال 30% إنه منتشر إلى حد ما، بينما رأى 7% أن الفساد منتشر بشكل قليل، ورأى 2% أنه غير منتشر إطلاقا، واعتبر 55% أن الدولة تطبق القانون ولكنها تحابي البعض بينما قال 21% إن الدولة تقوم بتطبيق القانون بين الناس بالتساوي إلى حد كبير، ورأى 17% أن الدولة لا تقوم بتطبيق القانون بين الناس بالتساوي على الإطلاق، ووفقا للاستطلاع فإن 42% من السودانيين لا يثقون إطلاقا في حكومتهم، في حين أن 30% يثقون إلى حد ما وأن 25% يثقون بشكل كبير، وتسفر النتائج أن 57% من السودانيين غير راضين عن الوضع السياسي مقابل 38%، ويؤيد 81% من السودانيين استلام حزب ديني السلطة، ويعارض ذلك 14%، في حين أن 5% لم يعطوا جوابا.

[نهاية التقرير]

الحبيب الغريبي: هذه طبعا عينة عشوائية في هذا الاستطلاع، الحاج وراق، هل هناك أيضا أزمة معارضة؟ نتحدث دائما عن أزمة الحكم وأزمة الديمقراطية والحوكمة الرشيدة، ولكن هل للمعارضة أيضا يعني مسؤولية في كل ما يجري، كيف تفسر هذا العجز الكبير في تحريك الشارع، خاصة وأن هناك أحزاب يعني وقع احتواؤها وتهجينها بشكل يسير ولافت.

الحاج علي وراق: صحيح، هناك مسؤولية في المعارضة، وهناك أسباب موضوعية لعجزها، وكذلك هناك أسباب ذاتية لعجزها، الأسباب الموضوعية، القمع غير المسبوق الذي واجهته المعارضة، قمع وتخويف وإرهاب، وكذلك تخريب للحياة السياسية والمدنية بوسائل شريرة ومعقدة لم يعهدها السودان في تاريخه جميعا، لغم الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني بالوشاة والجواسيس والمرتشين، وإلى آخره، وكذلك أيضا من الأسباب الموضوعية، نتيجة للفقر والقهر ونظام الصالح العام فصل مئات السودانيين من أعمالهم لسياسة تمكين، هاجرت النخبة الثقافية والنقابية السودانية إلى خارج السودان، ولذلك حصل فراغ قيادي، وهذا يحتاج سده إلى فترة من تدريب كوادر جديدة وقيادات جديدة، أيضا من الأسباب الذاتية أن هناك بعض قيادات المعارضة، يتعاملوا مع النظام الحاكم مثل ديك العدة، يعني الديك وسط الأواني الزجاجية، يخافوا إنه إذا حاولوا إنه يهشوا على هذا الديك أن يكسر الأواني الزجاجية في البلد ولذلك يريدون أن يترفقوا بحيث يطردوا هذا الديك من الأواني الزجاجية دون أن تتكسر هذه الأواني، لكن الآن الأوضاع في البلد وصلت إلى درجة أن هذا الديك إذا تركته سيكسر الأواني وإذا حاولت أن تهشه ربما يكسر بعض الأواني لكن لديك فضيلة المحاولة، ولذلك تكلفة بقاء هذا النظام الآن تكلفة باهظة جدا سترتب مزيد من الانفصال وتفكيك هذا البلد، أيضا واحد من الأسباب أن هناك بعض القيادات ضعفت أمام الرشاوى، النظام سياسته المنهجية منذ عشرين عام أن يرشي النخب بدلا من أن يغير أوضاع الجماهير، وكذلك أيضا بعض القيادات استجابت لسياسة النظام في الابتزاز، كلنا كأشخاص عندنا عيوب وخطايا، والبلد، الشعب السوداني بلد محافظ وتقليدي، ويمكن استغلال عيوب الناس حتى إخراسهم من الحديث عن النظام، والنظام حاول ابتزاز هذه القيادات، لكن المهم في المسألة إنه مهما حدث للقيادات، ومهما حدث للأحزاب، إنه الشعب قادر على التحرك ولذلك مسألة التغيير هي مسألة وقت..

الحبيب الغريبي: مسألة وقت، هل هي كذلك دكتور الأفندي؟ وبودي أن أختم معك بسؤال دقيق ومحدد، حول ما إذا كان السودان يمشي عكس التيار الآن، يعني عكس تيار المنطقة، لأن الربيع العربي كما نعلم جاء بالإسلاميين إلى الحكم والسودان يبدو أن مشكلته مع الإسلاميين، كيف يمكن أن نفسر هذه الحالة؟

عبد الوهاب الأفندي: صحيح، هو أحد الظرفاء علق يعني إنه لم تحدث انتفاضة في الخرطوم لأن المعارضة مشغولة بالتعبئة في واشنطن، يعني أنا اختلف تماما مع ما ذكره الأخ الحاج وراق أنه الدول التي حدثت فيها انتفاضات مثل ليبيا وسوريا ومصر، حجم القمع فيها لا يقارن بما يحدث في السودان، يعني قد يكون المشكلة أنه في السودان القمع لم يكن كاف، يعني مثلا في سوريا عضو الإخوان المسلمين يحاكم بالإعدام، في ليبيا كان أي حزبي يعدم، وفي مصر نعرف الإخوان المسلمين كانوا ممنوعين وكذا، بالعكس الذي حدث أن هناك تقارب أكثر من اللازم بين برنامج الحكومة وبرنامج المعارضة، الحكومة الآن أصبحت يعني استقطبت الـ business والناس رجال الأعمال وغيرهم وأصبحت هناك ارتخاء، لكن المعارضة السودانية ما زالت تنظر إلى، الانتفاضات التي حدثت في مصر وليبيا وغيرها لم تقودها المعارضة المنظمة بمعنى الأحزاب وهكذا، إنما انفجرت من الجماهير يأسا من الأحزاب ومن الدولة معا، لكن المعارضة السودانية تنظر إلى الخلاص من الخارج، إما من الحركات المسلحة أو من الضغط الأجنبي، ولم تدخل حتى الآن في خطاب مع الجماهير حتى تحركها يعني، أستغرب أنه لم تستطع المعارضة حتى الآن في السودان، مع إنه في أحزاب كثيرة وهي لها مكاتبها وصحفها ووجودها في الميدان، لم تستطع أن تحشد ألف متظاهر في قلب العاصمة، ناهيك أن تأتي بعشرات الآلاف، فإذن الإشكالية ليست أن المعارضة مقهورة أكثر من اللازم، بالعكس، ربما تكون مستوعبة أكثر من اللازم ولا تجد حافز للتحرك لأنه قد يكون حتى إذا حكمت ربما كانت ستتناول وهذا يفسر ما ذكرته من أن بعضهم استقطب في الإطار الحاكم، فالمطلوب الآن في نظري أن هو أن يتحرك المفكرون والسودانيون لوضع صيغة تجذب الجماهير نحو...

الحبيب الغريبي: دكتور أنا آسف على المقاطعة، يعني أفترض أن الفكرة وصلت، أشكرك دكتور عبد الوهاب الأفندي، إذن مشاهدينا الكرام نصل بهذا إلى نهاية حلقتنا في العمق، نشكر ضيفنا هنا بالأستوديو الأستاذ الحاج علي وراق، رئيس تحرير صحيفة حرية الإلكترونية والحائز على جائزة القلم الدولية، ومن لندن عبر الأقمار الصناعية إذن معنا الدكتور عبد الوهاب الأفندي أستاذ العلوم السياسية في جامعة ويست مينستر، شكرا جزيلا على المتابعة وإلى اللقاء في حلقة قادمة.