- الثورة التونسية وانتقال سلس للسلطة
- البعد الإسلامي والنقاش الحزبي التونسي

- القوى السياسية وصياغة الدستور

- التحدي الاقتصادي والمساعدات الخارجية

علي الظفيري
المنصف وناس
رفيق عبد السلام
علي الظفيري: أيها السادة يقف التونسيون على أعتاب جمهوريتهم الثانية، يقف الجميع صفاً واحداً الأحلام والآمال والبوعزيزي وسنوات النضال الطويل والحياة التي ازدهرت في أقبية القمع والاستبداد، لا شيء يعكر صفو اللحظة سوى فلول الماضي وخلافات القوى السياسية وتربص الخارجين الذي فقد ذراعه الداخلي برحيل الزين وبات يعرض المساعدات المالية لرعاية التحول الديمقراطي بعد أن كان يعرض السلاح وقنابل الغاز المسيل للدموع عند اندلاع الثورة المجيدة، هذا إضافة لإحباط شباب الثورة من تراجع صفوفهم وتصدر النخب الحاكمة والمعارضة الواجهة من جديد، وعودة النقاشات الثانوية حول الهوية والانتماء وعلاقة الدين بالإنسان وصراع الفضاءات بين الحيز العام والخاص لكن الأحلام الكبرى تستحق شيئاً من هذا العناء، في تونس أيها الأخوة أنضج وأعتى تيار علماني عربي، وتتصدر حركته الإسلامية ساحة التنوير والتجديد والمواكبة والاجتهاد في عالم الإسلام السياسي في المنطقة العربية وفي تونس أيضا تغيب الطوائف والأعراف ورغم سنوات الاستبداد الطويلة إلا أن الجمهورية البورقيبية نجحت بامتياز في دفع عجلة التعليم والتحديث وخلق أرضية للمواطنة بمفهومها العصري وفي تونس أيضا كانت الثورة الأولى التي ألهمت العرب من المحيط إلى الخليج فهل يدفع هذا كله بقطار عملية التحول الديمقراطي المنشودة وإيجاد النموذج المفقود لعالمٍ عربي يتوق للمستقبل، هذا ما نبحثه الليلة في العمق فأهلاً ومرحباً بكم، معنا للغوص في عمق هذه القضية هنا في الأستوديو الدكتور رفيق عبد السلام الباحث في الفكر السياسي والعلاقات الدولية، ومن تونس العاصمة الدكتور منصف وناس أستاذ الاجتماع في جامعة تونس وعضو الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة مرحباً بكم ضيوفنا الكرام مرحباً بك دكتور رفيق، دكتور منصف أبدا معك في تونس أنت قريب من الأجواء نحن اليوم على عتبة انتخابات المجلس التأسيسي هناك هل بوصولنا إلى هذه المرحلة بعد التأجيل الأول بعد مخاوف أيضاً من حدوث هذا الاستحقاق الانتخابي هل بوصولنا له نكون دخلنا منطقة الأمان في قضية إتمام الثورة التونسية لأهدافها وحدوث انتقال سلس أيضاً للسلطة ؟

الثورة التونسية وانتقال سلس للسلطة

المنصف وناس: مساء الخير لك أستاذ علي ولضيفك أود أن أشير منذ البدء إلى أن تونس استطاعت قبل أيام قليلة من الانتخابات أن تنجز ما لا يقل عن 50% من متطلبات الانتقال الديمقراطي، فقد تمكنت تونس خلال أشهر ثمانية أن تخرج من المرحلة الصعبة مرحلة ما بعد 14 / يناير أن تتجنب انهيار الدولة وانهيار المجتمع أن تسيطر بشكل واضح على الثورة المضادة رغم كل الإمكانيات التي كانت تتوفر عليها وقدرتها على الإرباك وعلى الفوضى وعلى الإزعاج، تمكنت بفضل الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة والإصلاح السياسي والانتقال الديمقراطي أن تنجز نصوصاً قانونية ومراسيم قانونية جديدة وتمكنت اللجنة العليا المستقلة للانتخابات من أن تهيأ للانتخابات نحن اليوم في وضعٍ أفضل نحن اليوم في وضعٍ أفضل حتى من بعض الجيران لأن تونس تمكنت على الأقل من عنصر مهم وهو السيطرة على الفوضى وعلى عناصر الثورة المضادة والتهيؤ..

علي الظفيري: إذا سمحت لي إذا كانت الهيئة قد أنجزت 50% وهذا طبعاً واجبها ما الذي لم تنجزه الهيئة؟

المنصف وناس: الآن على التونسيين جميعاً بغض النظر عن مواقعهم وعن مواقفهم وعن انتظاراتهم من الانتخابات أن يعملوا جميعاً على الحضور بكثافةٍ في الانتخابات أن يجسدوا اختياراتهم الفكرية والسياسية والأيديولوجية، وأن تكون الانتخابات منطلقاً جديداً مرحلة جديدة مهمة في تاريخ تونس للتدرب الجماعي على الانتقال الديمقراطي وعلى استحقاقات الانتخابات وتكون منطلقاً لثورة سياسية تعيد بناء النظام السياسي والاجتماعي برمته في تونس فدور المواطن اليوم هو دور مهم ومكمل تماماً لدور..

علي الظفيري: هو الدور المكمل إذن أنتم أنجزتم 50% وأنت ترى أن المواطنين وممارسة العملية الانتخابية والتفاعل هو الـ 50% الباقي، دكتور رفيق هل أديرت العملية في المرحلة الانتقالية بالشكل اللازم والمطلوب حتى نصل لهذه النقطة وهذا الاستحقاق اليوم الانتخابي في المجلس التأسيسي؟

رفيق عبد السلام: أتصور ذلك أستاذ علي ربما كانت هناك بعض ثغرات بعض صعوبات انتقال ما في شك، نحن بعد إرث استبدادي هائل امتد 23 سنة من حكم بن علي ومنذ سنة 56 في حقيقة الأمر ناهيك كنا نعيش ثقل دولة استبدادية ليس من اليسير الانتقال من وضع استبدادي بالكامل إلى وضع ديمقراطي نجحنا كتونسيين في إدارة المرحلة الانتقالية بقدر من التوفيق وأهم عنصر ساعد على إدارة المرحلة الانتقالية هو الإجماع والاتفاق العام بين النخب السياسية وبين مختلف القوى السياسية، يعني تأسست المرحلة الماضية على ما يمكن تسميته بشرعية الأمر الواقع، توقف التونسيون تقريباً في منتصف الطريق الذين أنجزوا الثورة لم يتسلموا الحكم بصورة مباشرة كما وقع في كل الثورات السابقة تقريباً لأن هناك مؤسسات من داخل الدولة ساعدت على عملية الانتقال بما في ذلك مؤسسة الجيش الآن التونسيون ينتظرون الانتقال من شرعية الأمر الواقع إلى الشرعية الشعبية الديمقراطية، لاستكمال مسار الثورة وأتصور كل الآمال معلقة على هذه المحطة الانتخابية، المرحلة الماضية ربما كانت بعض الصعوبات بعض الاحتكاكات، هذا أمر طبيعي ولكن في الأخير تغلبت روح الوفاق العام وروح الاتفاق بين مختلف القوى السياسية، أدرنا المرحلة الانتقالية على صعوباتها وعلى أناتها بقدر كبير من التوفيق، الدولة لم تنهر، مؤسسات الدولة بقيت تشتغل، هناك بيروقراطية عريقة في تونس حافظت على قدر عام من الاستقرار، الحياة العامة للتونسيين والمصالح الحيوية استمرت، نحن الآن ننتظر هذه المحطة الانتخابية لندخل مرحلة الانتقال الديمقراطي بمعنى الكلمة..

علي الظفيري: دكتور المنصف كأكاديمي وسياسي يراقب المشهد هناك ما الذي يتصدر البرامج السياسية للأحزاب التي تخوض اليوم عملية انتخابية معقدة أكثر من 1200-1300 من القوائم، 10 آلاف أو أكثر من 10آلاف مترشح، هناك ازدحام ربما حزبي في الساحة التونسية اليوم، ما الذي يتصدر النقاش الانتخابي في تونس؟

المنصف وناس: أستاذ علي من الصعب جداً أن نكثف كل برامج الأحزاب التي بلغ عددها إلى حد اليوم 115 حزب يترشحون لهذه الانتخابات، ولكن بشكل عام إن أذنت لي يمكن أن أصل إلى استنتاج وجود برامج 4 مميزة لأغلب هذه الأحزاب، البرنامج الأول يتمثل في تحقيق كرامة التونسيين وإرجاع الاعتبار لهم واحترام إرادتهم وضمان حريتهم، البرنامج الثاني هو ما يسمى ببرنامج العدالة الاقتصادية أي ضمان توزيع أكثر عدالة لمردود التنمية وخيرات الاقتصاد الوطني عامودياً وأفقياً على الجهات وعلى الفئات في نفس الوقت، البرنامج الثالث وهو البرنامج الاجتماعي وهو برنامج يحرص على إنصاف التونسيين اجتماعيا على تشغيل الشباب خاصةً ومنحة فرصاً في حياة كريمة وفي تشغيل مضمون خاصةً وأن نسبة عدد البطالين في تونس بلغ 800 ألف أكثر من 90% منهم من الشباب خاصة أن البطالة وصلت في صفوف خريجي الجامعات التونسية التسعة خلال ال 5 سنوات الأخيرة بلغت النسبة 49,9 % ، المحور الرابع هو ما أسميه بمحور الهوية أي المرجعية الثقافية والحضارية في تونس، ثمة مجموعة كبيرة من الأحزاب تؤكد على ضرورة احترام الهوية العربية الإسلامية، على تنزيلها في الدستور الجديد ما بعد الانتخابات منزلة محترمة ومكرمة ومعززة وثمة أحزاب أخرى قليلة منتمية إلى اليسار غالباً تؤكد على ضرورة أن يعترف بالعلمانية وأن تصبح مقوماً من مقومات الشخصية التونسية وعنصراً من عناصر الفعل السياسي والثقافي في المجتمع، تقريباً هذه المحاور الأربعة والبرامج الأربعة.

البعد الإسلامي والنقاش الحزبي التونسي

علي الظفيري: هذه المحاور الأربعة والبرامج الأربعة ذكرتها دكتور البرامج الثلاثة أو المحاور الثلاثة الأولى من الواضح أن هناك شبه اتفاق على الأقل، يعني رؤى تصب في هدف واحد، لكن المحور الرابع دكتور رفيق يشكل قضية لا نعرف إن كانت قضية أساسية تستحق كل هذا النقاش والجدل أم أنها قضية مفتعلة لا يجوز لها أن تأخذ مساحة كبيرة جداً من النقاش المادة الأولى تقول تونس دولة حرة مستقلة ذات سيادة، الإسلام دينها والعربية لغتها والجمهورية نظامها ما الحاجة اليوم لكل هذا النقاش ولكل هذا التدافع حول قضية العلاقة مع الدين أو قضية الهوية قضية موقع العروبة، البعد الإسلامي في النقاشات الحزبية التونسية؟

رفيق عبد السلام: تصور أستاذ على هذه المسالة مضخمة أكثر من حجمها الحقيقي ، هي قضية تخص النخبة أكثر مما تخص عموم التونسيين لأن سؤال الهوية محسوم في تونس بالسليقة والبديهة والشعوب لا تطرحها في كل يوم وليلة سؤال الهوية من أنا، أنت إذا سميت علي وأنا سميت رفيق لا يعني أني أطرح كل يوم لماذا سميت..

علي الظفيري: الغنوشي يقول الدولة الإسلامية قائمة بالفعل في مصر وتونس..

رفيق عبد السلام: هناك ما يشبه الإجماع الحد الأدنى المتفق عليه من جميع التونسيين هو الفصل الأول من دستور سنة 59، الذي يقر بأن تونس لغتها العربية ودينها الإسلام ونظامها الجمهورية، هذا تقريباً محل اتفاق عام هنالك بعض المجموعات الأيديولوجية ربما يميناً ويساراً تدفع باتجاه تفجير الصراعات الأيديولوجية بما في ذلك التنصيص على مبدأ علمانية الدولة أو لا ملكية الدولة، مبدأ فصل الدين عن السياسة وهناك ربما مجموعات أيديولوجية أخرى على الطرف الآخر تدفع باتجاه أسلمة الدولة بطريقةٍ أخرى، أتصور أن الأمور ستنتهي باتجاه الاتفاق العام باتجاه التأكيد على الفصل الأول من الدستور التونسي ،الحفاظ على البعدين الرئيسيين مكونين للهوية التونسية اللي هو بعد العروبة والإسلام نحن عرب ومسلمون هذا بالبديهة وتونس من أكثر البلدان العربية تجانساً..

علي الظفيري: هل قدم الإسلاميون، حركة النهضة هل قدمت ما يكفي لطمأنة التوافق طمأنة الآخرين حول توافق سينشأ حول هذه القضايا؟

رفيق عبد السلام: أتصور حركة النهضة التزمت بأنها تؤكد على الفصل الأول من الدستور التونسي، وأن موضوع الهوية مثل ما ذكرت موضوع محسوم سلفاً وليس موضوع نقاش وهي لا تطالب أكثر من ذلك كل ما تطالب به أن تحافظ تونس ...

علي الظفيري: كيف محسومة سلفاً، أيضاً هذه مسالة مفخخة يعني..

رفيق عبد السلام: لأ محسومة سلفاً طرفها عامة الشعب في النهاية المجتمع التونسي لا يطرح سؤال الهوية هذه قضية محسومة من طرف المجتمع ربما بعض النخب لاعتبارات أيديولوجية خاصة، والغريب في الأمر أن موضوع العلمانية لم يحسم حتى في بلدان أخرى بما في ذلك ربما تركيا ربما حسمت فيها موضوع العلمانية على نحوٍ معين تونس من سنة 56 تاريخ الاستقلال ثم جاء دستور 59 وأكد على مبدأ العروبة والإسلام وليس هنالك مبرر أصلاً لطرح موضوع العلمانية أصلاً إحنا ليس عنا لا أقليات دينية ولا أقليات عرقية موضوع الحرية وموضوع الديمقراطية هذا موضوع متفق حوله فيما زاد على ذلك قضايا خلافية تخص النخبة ولا تخص عموم الشعب التونسي.

علي الظفيري:أسأل الدكتور منصف حينما يقول أحمد إبراهيم الأمين العام لحركة التجديد حين يقول إن حركة النهضة تشكل تهديداً أو خطرا حقيقياً على قيم الحداثة في تونس وهناك اتجاه حداثي يسعى لتدعيم الحريات والقيم التقدمية واتجاه ثاني يريد استغلال المشاعر الدينية ويسعى لفرض وصاية ونمط معين وأن الحركة تلجأ للخطاب المزدوج، على ماذا يتكأ هذا الطرح اليوم المتخوف من حصول حركة إسلامية مثل النهضة على تمثيل واسع في المجلس وبالتالي التخوف المستقبلي من تغييرات جذرية في قوانين وفي نصوص الدستور التونسي؟

المنصف وناس: فيما يتعلق بهذا السجال الفكري والسياسي هو سجالٌ طبيعيٌ يعود إلى المرحلة التحضيرية للانتخابات وإلى إبراز الاختلاف بين الأحزاب السياسية فهذا أمر طبيعي لكل حزبٍ أن يدافع عن أطروحته يحاول أن يبرز خصوصيته قياساً بالأحزاب الأخرى وأن يبين بأن الأطروحات المناقضة تماماً هي أطروحات غير مقبولة ولكن ما يجب أستاذ علي أن نتفق عليه اليوم هو أن المجتمع التونسي على الرغم من الاستبداد ومن القمع ومن الظروف الصعبة التي عاشها على امتداد عقودٍ خمسة أستطاع أن يراكم بعض المكتسبات الأساسية والضرورية التي يتوجب على جميع الأحزاب بغض النظر عن مرجعيته الفكرية والثقافية وبغض النظر عن أطروحاتها السياسية والأيديولوجية أن تحترمها، المكسب الأول ويتمثل في احترام ذات المرأة والحرص على مشاركتها السياسية والاجتماعية وعلى إعلاء شأنها وعلى احترام حريتها وكرامتها ذلك من خلال مجلة الأحوال الشخصية التي تعد مكسباً قانونياً وثقافياً وحضارياً في العالم العربي..

علي الظفيري: موقف النهضة دكتور، عذراً للمقاطعة موقف النهضة واضح في هذا الأمر.

المنصف وناس: حسب ما أطلعت على تصريحات رموز بارزة وقيادية في النهضة لا أريد الأسماء ولكن هي رموز قيادية مهمة هناك تأكيد على هذا المكسب والتأكيد على أن النهضة ملتزمة باحترامه، المكسب الثاني ويتمثل في منظومات قانونية متطورة جداً في مجال العمل وفي مجال التشغيل لا يجوز مهما كانت الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية التراجع فيها، المكسب الثالث أننا إزاء مدرسة نسبياً متطورة وفيها درجة من العلمنة ومن الحداثة ومن الاحترام للمكاسب الحقوقية والقانونية الأمر الذي لا يجعل أي حركة من الحركات السياسية اليوم أن تتنازل عن ذلك بل عليها أن تصل إلى نوع من التلاؤم الفكري والثقافي والحضاري بين برامجها وبين هذه المكتسبات التي تم التوصل إليها لأنها أصبحت هذه المكتسبات أصبحت جزءاً أساسيا من التراكمية التونسية من شخصية المجتمع التونسي ومن الشخصية القاعدية التونسية، الإشارة أيضاً المهم أنه لا أعتقد بأن النهضة تري تناقضا بين القيم المدنية ممثلة بالمواطنة والمشاركة وحقوق الإنسان واحترام الذات البشرية وبين القيم الدينية بالعكس هي تعتبر أن هناك تلاؤم مرحلة ما بعد الانتخابات ستختفي..

علي الظفيري: وهو هذا الذي يطرح دكتور منصف هذا ما يطرح الخشية من تقية سياسية دائماً يواجه بها الإسلاميون من إنه هذا خطاب أولي سيتغير لا حقاً، السؤال المهم الذي تواجه به الحركات الإسلامية النهضة تحديداً إلى أي درجة من العلمنة كما وصفها الدكتور تقبل بها حركة النهضة وهي مكون رئيسي اليوم في النشاط السياسي إلى أي درجة؟

رفيق عبد السلام: أنا أختلف مع الدكتور منصف هنا في الجمع، وضع الأمور في سلة واحدة المكتسبات العلمانية والحداثة يجب أن نميز، الحداثة مكتسب في تونس وفي غير تونس الحداثة فرضت نفسها، مسار التحديث تونس ليست حالة استثنائية في العالم العربي بدرجات متفاوتة عاش مسار التحديث هذا في المشرق وفي المغرب العربي، وتونس ربما تقدم فيها نسبياً مسار التحديث على مستوى التعليم على مستوى حقوق المرأة نسبياُ في أكثر من بلد عربي ولكن يعني تونس لا يعني أنها استثناء من الحالة العربية العامة بقي موضوع العلمانية لا أتصور أن موضوع العلمنة هو ثابت من ثوابت تونس بنص الدستور التونسي في الفصل الأول تونس لغتها العربية ودينها الإسلام إذا قصد بالعلمنة هنا أن تكون الديمقراطية فهذا أمر متفق حوله إذا قصد بمكتسبات الحداثة وحقوق المرأة مسألة الحقوق المدنية موضوع المواطنة فهذا بلا شك من مكتسبات تونس وليست حالة خاصة في تونس وليست حالة تنسب إلى شخص معين تنسب إلى بورقيبة أو بن علي أو إلى زيد أو عمر هذه مكتسبات المجتمع التونسي المجتمع التونسي حتى قبل الاستعمار كان لديه نزوعا نحو التعليم يعني تجد المواطن التونسي يعيش في أعماق الريف التونسي...

علي الظفيري:خلينا في العلمانية..

رفيق عبد السلام: مبدأ العلمانية ليس من ثوابت الحياة التونسية ليس هنالك ما يثبت أن مبدأ العلمانية ال متفق عليه، نحن نتفق على مبدأ الحداثة وأنا ممن يقولون بالفصل بين العلمانية والحداثة العلمنة والحداثة ليست كتلة موحدة بل الحداثة حالة قد تكون منفصلة عن العلمانية وقد تكون مرتبطة في تجارب كثيرة

علي الظفيري: دكتور إذا كانت الحركة الإسلامية تقبل بمكتسبات وقيم الحداثة في العلمانية ما الذي لا تقبل به تحديداً؟

رفيق عبد السلام: العلمنة إذا قصد بالعلمانية هنا الطابع الدهري مفهوم العلمانية مفهوم مركب ومعقد لا يمكن اختزال العلمانية في مقولة الفصل بين الدين والسياسة هذا مفهوم وظيفي ولكن هذا التعريف الشائع في الأدبيات السياسية، ولكن العلمانية مفهوم أوسع من ذلك العلمانية عرفها مثلاً أحد علماء الاجتماع الذي ربما الدكتور منصف يعرف هذا جيداً العالم الألماني ماكس فيبر يقول نزع الهالة القدسية والهالة الدينية عن العالم بمعنى إبعاد المرجعية الغيبية أو ما ترجمه جمال الدين الأفغاني في وقت مبكر بمبدأ الدهرية، فإذا قصد بالعلمانية بمبدأ الدهرية فنحن مسلمون عرب ليس هناك مبرر بأن نقول أن العلمانية تمثل ثابتا من ثوابت المجتمع التونسي، هذا أمر ليس متفقا حوله، نحن متفقون على مكاسب الحداثة أو مكاسب التحديث..

علي الظفيري: سؤال إلى أي قدر المرجعية الدينية المفترض توفرها ووجودها في الدولة التونسية حسب الرؤيا الإسلامية أو رؤية حركة النهضة؟

رفيق عبد السلام: الدولة يجب أن تعبر عن الهوية العامة في المجتمع والموضوع هذا كما ذكرت محسوم من دستور سنة 59 وليس هنالك موجب لتغيير الدستور سواء باتجاه العلمنة أو الأسلمة مهمة الدولة أن تحترم الهوية العامة للمجتمع تحترم ثقافته وتحترم دينه وأن تحافظ على قدر من الحياد ، و أن تحترم الحريات الدينية والثقافات العامة أن تحفظ الديمقراطية أن تحفظ السلم المدني هذه الدولة بصفة عامة ولا نريد دولة تدخلية سواء باتجاه فرض الأسلمة أو فرض العلمنة ليس من مهام الدولة فرض الأسلمة أو فرض العلمنة وظيفة الدولة حماية السلم للمجتمع.

القوى السياسية وصياغة الدستور

علي الظفيري : كيف إذا كانت القوى السياسية التي سوف توجد في المجلس التأسيسي هي القوي الأساسية التي سيكون من مهمتها صياغة دستور جديد وبالتالي ستضع طابعها على الأقل .

رفيق عبد السلام: طابع الدستور التونسي هناك قدر متفق حوله كما ذكرنا التونسيون متفقون وأغلب القوى السياسية على الحفاظ على الفصل الأول من الدستور التونسي وليس هناك موجب لطرح موضوع العلمنة أو موضوع الأسلمة هذه قضية مفتعلة ومصطنعة تخص بعض النخب وبعض المجموعات الأيديولوجية، المشروع المجتمعي لا يصنع من تطلعات وأحلام بعض المجموعات الإيديولوجية هو شأن متروك للصيرورة الاجتماعية للحركية الاجتماعية لا يمكن أن نحسم الموضوع بجرة قلم نقول أن تونس علمانية لا يوجد دولة في العالم العربي أقرت بأنها دولة علمانية الدولة الوحيدة التي قالت أنها دولة علمانية هي تركية وتركية الآن تتجه من التحول من العلمانية التسلطية..

علي الظفيري: والشيخ الغنوشي يقول أن النموذج التركي هو الأقرب لنا خاصةً أن الإسلاميين الأتراك اعتمدوا كثيراُ على أدبيات الحركة تحديداً الحركة الإسلامية في تونس

رفيق عبد السلام: النموذج التركي ضمن السياقات التركية طبعاً لابد أن نضع تركية ضمن سياقاتها الخاصة، تركية هي عضو في الحلف الأطلسي ولا يمكن لتونس أو أي دولة عربية أن تكون عضوا في الحلف الأطلسي، تركيا أقرت في دستورها بأنها دولة علمانية نحن لسنا دولة علمانية قطعاً ولكن ما يمكن الاستفادة منه في التجربة التركية في جوانب كثيرة خاصة فيما يتعلق بتجربة الحزب، الحزب التركي حزب العدالة والتنمية انتقل من علمانية تسلطية إلى ديمقراطية محايدة هذه مسألة أساسية ومهمة الشيء الأساسي والإنجاز الاساسي الذي أنجزه حزب العدالة والتنمية ليس العلمنة بل هو الديمقراطية، الانتقال من علمانية أتاتوركية تدخلية إلى ديمقراطية تحترم الهوية العامة للمجتمع والثقافة العامة للمجتمع من هذا الجانب ممكن أن نستفيد من التجربة التركية، الجانب الآخر أنه حزب براغماتي يهتم بالمصالح الاقتصادية والسياسية للناس وأتصور أن الأمور تتجه في هذا المنحى في تونس، أنت الآن في حركة النهضة تجد المرأة المحجبة وغير المحجبة في الدائرة الثانية في تونس ترأسها الدكتورة سعاد عبد الرحيم وهي امرأة غير محجبة في الدائرة الأولى يترأسها الدكتور أبو يعرب المرزوقي المفكر والفيلسوف المعروف وهو لا ينتسب تاريخياً لحركة النهضة هذا يعني أن حركة النهضة تتجه الى لأن تكون حركة وفاقية مفتوحة أمام جميع التونسيين

علي الظفيري: كان يفترض دكتور أبو يعرب أن يكون أحد ضيوفنا ولكن يبدو أن هناك منعا لبعض المرشحين من المشاركة ومنعا أيضاً التقصد تجاه فئات معينة دكتور منصف هل تبدو التجربة العلمانية التركية بعد التحديثات والتحسينات الإسلامية عبر حزب العدالة والتنمية هل تبدو جذابةً للتيار العلماني المتشدد في تونس؟

المنصف وناس: فيما يتعلق بالمسألة ربما لأنني لم أجد الوقت الكافي لتوضيح المسألة لم أتحدث عن علمانية وإنما عن علمنة، العلمنة تعني الإقرار عملياً في المجتمع في المدرسة في الحياة السياسية والمدنية الإقرار بحق الاختلاف إزاء الدين وإزاء قراءة الدين والإقرار بأنه يمكن أن نختلف في الأفكار وفي مقاربة المقدس والدنيوي والديني ولكن دون صدام، هذه الحرية هي نسبياً موجودة في المجتمع التونسي منذ الستينيات موجودة في المدرسة بإمكان الأستاذ أن يختلف مع طالبة والعكس أيضاً صحيح، هذا مكسب يسمى في إطار العلمنة وليست علمانية، العلمانية تيار فكري سياسي يختلف تماماً عن العلمنة..

علي الظفيري: طيب بالنسبة لسؤالي دكتور..

المنصف وناس: فيما يتعلق بالمثال التركي، المثال التركي اليوم مغري تماماً للحركات الإسلامية بدرجة أساسية وللحركات العلمانية بدرجة اقل لأنه هذا المثال استطاع أن يخترق العلمانية التركية المتشددة والمتحجرة استطاع أن يبرز أنه لا يوجد تنافر وتضاد وتصارع بين القيم الدينية والقيم المدنية يمكن للمسلم أن يعتنق الديمقراطية أن يمارسها أن ينخرط في الحياة السياسية والحزبية والجمعاتية ولكن في نفس الوقت يقوم بمتطلبات وشعائر المقدس، المسألة الثانية أن هذا التلاؤم بين المدني وبين الديني سمح لحزب العدالة والتنمية في تركية أن يكتسب القاعدة الشعبية أن يوسع من ولاء الأتراك له أن يحصل على شرعية اجتماعية وظيفية تمكنه من إزاحة ومن استبعاد عدد من الأحزاب العلمانية، هذا التلاؤم أيضاً بين الدين وبين الديمقراطي سمح لحزب العدالة والتنمية أيضا بأن يحظى بموقع دولي وإقليمي مهم ولاحظنا مواقف تركية في كلٍ من ليبيا والآن في سورية، وهذا المثال لا أقول أنه نموذج هو ليس نموذجا هو مثال تجربة سياسية هذا المثال وهذه التجربة صارت تحظى بنوع من القبول بنوع من الإغراء والحركات الإسلامية اليوم، المسألة الثالثة هذا المثال حظي بقبول أيضاً هناك توجه أميركي واضح لتشريك الحركات الإسلامية للنظم السياسية بدل إقصائها ومحاولة تصدير التجربة التركية إلى ليبيا إلى تونس ربما إلى سورية أيضا إن سمحت الظروف بذلك هناك سياق داخلي في تركية معين ولكن أيضاً هناك سياق دولي ساعد كثيراً على إغراء المثال التركي على إغراء التجربة التركية وعلى اتجاه الحركات الإسلامية نحو الاحتذاء ولكن اتجاه الحركات العلمانية إلى التفكير والتأمل فيه، وهذا أعتقد مهم..

علي الظفيري: نعم طبعاً هناك السيد سامي إربال المستشار السياسي للحزب الديمقراطي التقدمي وهو أحد المنافسين المنافس الرئيسي لحزب النهضة له عبارة لافته أن كل المواضيع التي تتطرق من بعيد أو قريب للهوية العربية الإسلامية في تونس هي عبارة عن متفجرات ربما استلزم هذا التوقف عند قضية الدين وعلاقته في الدولة ومسألة الهوية في مستقبل تونس بعد الفاصل نبحث في حظوظ القوي السياسية شكل التحالفات القادمة، تأثير الخارج أيضاً في تونس ما بعد الثورة وتونس الديمقراطية فابقوا معنا..

[فاصل إعلاني]

علي الظفيري :أهلا بكم من جديد مشاهدينا الكرام في العمق يبحث الليلة مستقبل تونس إثر الانتخابات المرتقبة للمجلس التأسيسي مع الدكتور رفيق عبد السلام والدكتور منصف وناس من تونس أود أن أنتقل لنقطة أخرى ولكن هناك إغراء كبير عادة للنقاش حول الهوية وحول الدين وحول العلمانية والعلمنة بين الأكاديميين والمختصين والمهتمين لديك تعليق دكتور رفيق قبل سؤالي القادم..

رفيق عبد السلام: طبعاً أنا أتفق ربما في مساحات كثيرة مع الدكتور منصف وربما نختلف في موضوع العلمنة وأختلف معه من ناحية المصطلح أنا ممن يرون مصطلح العلمانية مصطلح إشكالي لم يستقر حتى في الاستخدامات الغربية قبل أن نتحدث عن الاستخدامات العربية، ما اعتبره قيم علمنة يمكن أن تكون قيما إسلامية اعتبرها قيما حضارية عربية إسلامية ، مسألة التعددية الدينية، لم تحتج المجتمعات الإسلامية إلى العلمانية أو العلمنة حتى تكون مجتمعات تعددية، نحن في تاريخنا الإسلامي في تعددية عرقية طائفية مذهبية ولم يمثل ذلك إشكاليات كبيرة ربما هذه من المشكلات المترتبة عن نشأة الدولة القومية المتصلبة والمنغلقة على نفسها فلم نحتج إلى العلمانية، مسألة التعدد قيم التعدد التسامح يمكن أن تتأسس على أرضية علمانية كما وقع في السياقات الغربية عامة بدرجات متفاوتة حتى تجارب العلمنة لسوء حظنا في المغرب العربي كما في ذلك تونس عندنا تصور اختزالي للعلمانية وتصور فرنسي ، والتجربة الفرنسية استثنائية حتى بالمقاييس الأوروبية، نحن للأسف في المغرب العربي لم ننفتح على بقية التجارب أميركا بلد متدين في كل مستوياته مستوى ارتياد الكنائس في أميركا تقريباً يفوق 50% تحضرني هنا مقولة لالكسيس ديكوكفيل من أهم المؤرخين الذين أرخوا للثورة الفرنسية وكذلك أرخ للثورة الأميركية يقول أهم مؤسسة سياسية في الولايات المتحدة الأميركية هي الكنيسة كل ما يوجد في الولايات المتحدة محكوم بالثقافة السياسية الدينية

علي الظفيري: يبدو النموذج الأميركي محبب ولطيف بالنسبة للحالة العربية..

رفيق عبد السلام: يعني إذا استثنينا موضوع المصطلح قد يكون النموذج الأميركي أقرب للوضع العربي الإسلامي بمعني أن العلمانية في فرنسا تعني تطهير المجال العام من الحضور الديني، العلمانية الأميركية تعني تفتح المجال العام أمام مختلف التعبيرات الدينية هذا ربما يكون مناسبا للعالم العربي ولكن أنا مع تجنب استخدام هذا المصطلح أنا لا أميل لاستخدام هذا المصطلح لأنه مصطلح إشكالي..

علي الظفيري: ما هي حظوظ القوى السياسية اليوم هل ثمة فرصة لحضور أكبر لحزب معين على حساب الأحزاب الأخرى أم أن الأمور ستخضع لتوازنات ما قائمة على نتائج متقاربة من ذلك؟

رفيق عبد السلام: أتصور من خلال قياسات الرأي الموجودة التي تسمي استقصاء عند التونسيين تعطي ترجيحا انه ستكون هناك كتلة سياسية هي حركة النهضة مع وجود أحزاب أخرى سيكون المجلس التأسيسي مجلسا تعدديا، في أحزاب متعددة وربما ستكون قائمة المستقلين حاضرة على نحو أو آخر ولكن ستكون فيه كتلة رئيسية حركة النهضة ولكن لا يعني ذلك أنها ستكون لها الأغلبية المطلقة لان القانون الانتخابي أصلاً نظام البقايا لا يسمح بذلك، تعدد القوائم الانتخابية، سيكون مجلسا تعدديا ولكن بوجود كتلة انتخابية رئيسية..

علي الظفيري: هل صممت الأمور بشكل يدفع إلى عدم تفرد ؟

رفيق عبد السلام: مؤكد أتصور ذلك أن القانون الانتخابي هو أصلا صمم لهذا الغرض بحيث لا تكون فيه أغلبية مطلقة لأي قوى من القوى السياسية هناك مخاوف من إنفراد قوى سياسية بالحياة السياسية أو بإدارة شؤون الدولة.

علي الظفيري: بإدارة القوى الإسلامية.

رفيق عبد السلام: تحديداً ربما يكون القوى الإسلامية أتصور أن هذا الهاجس موجود عند المشرع التونسي ولكن فضلاً عن ذلك هناك التعدد في القوائم الانتخابية والتعدد في الأحزاب الآن تقريباً ما يقرب من 115 حزب، هنالك مخاوف كبيرة وهناك تشكيات من بعض النخب وحتى من عامة التونسيين من تعدد الأحزاب أنا شخصياً لا أتخوف...

علي الظفيري:هناك 5 تجمعات رئيسية.

رفيق عبد السلام: نعم ولكن أتصور أن المسألة مسالة وقت هذا الانفجار السياسي أمر طبيعي في مرحلة23 سنة من الاستبداد وربما أكثر من ذلك ربما تبلغ 5 عقود نلاحظ هذا الانفجار السياسي في الأحزاب ولكن ستنتهي هذه الأمور إلى عملية فرز طبيعي سنكون إزاء 3 أو 4 كتل سياسية وستنتهي هذه الأحزاب إلى التجمع في كتل رئيسية، مثل ما ذكرت المجلس التأسيسي بكل تأكيد سيكون مجلسا متنوعا وأتصور أن المرحلة السياسية القادمة ستدار بخلفية وفاقية بين مختلف المكونات السياسية ولن يكون هناك حزبا منفردا في إدارة شؤون الدولة أو المقدرات السياسية للبلد.

علي الظفيري:وثيقة إعلان المسار الانتقالي تشي باتفاق ما، بتوافق ما سيكون بين الأحزاب الحاصلة على مقاعد رئيسية في المجلس؟

رفيق عبد السلام: هنالك اتفاق بين الأحزاب، ما سمي بخارطة الطريق لا أريد أن أستخدم هذه الكلمة ولكن هناك اتفاق هنالك وثيقة وقعها ما يقرب من 11 حزبا لإدارة المرحلة الانتقالية ومجلس تأسيسي مدته لا تزيد على سنة على أبعد تقدير مهمته الرئيسية وضع دستور ووضع مرتكزات النظام السياسي الجديد سيدعو لانتخابات سيعين رئيسا، سينتخب رئيسا.

علي الظفيري: هوية الدولة الرئاسية .

رفيق عبد السلام: هذا الأمر سيناقش في المجلس التأسيسي، هوية النظام هل يكون نظاما رئاسيا نظاما برلمانيا نظام مزدوجا، كل ذلك سيناقش في المجلس التأسيسي وبالمناسبة التونسيون أخي علي لديهم تجربة ، هذا الأمر ليس بكرا، إحنا بدأنا حياتا السياسية بعد رحيل الاستعمار وتكوين الدولة التونسية بتكوين مجلس تأسيسي، التونسيون لديهم خبرة في هذا الجانب ولذلك ليس من الغريب أن يعود التونسيون إلى تأسيس مجلس تأسيسي.

علي الظفيري: دكتور المنصف إن لم يكن لديك ما تختلف به من حيث الرؤيا للتوصيف الذي تحدثنا به مع الدكتور رفيق حول حظوظ القوى السياسية وبقية الأمور إن لم يكن هناك ما تختلف به سؤالي القادم حول ما هي ابرز الرهانات والتحديات في تونس بعد انتخاب المجلس التأسيسي وظهور نخبة سياسية وفق التوصيف الذي أشير له قبل قليل؟

المنصف وناس: في كلمتين أتمنى ككل التونسيين أن يكون المجلس الوطني التأسيسي القادم توافقياً وأن يعكس التنوعية السياسية والحزبية والجمعياتية في تونس، فيما يتعلق بالتحديات إن سمحت لي أستاذ علي سأتحدث مع بعض الكرم من الوقت من جهتك يعني المرحلة القادمة في تونس حافلة بكثير من التحديات والصعوبات الهيكلية العميقة التي لا يجب نكرانها، الصعوبة الأولى هي اقتصادية بلا شك فتونس ما بعد الانتخابات بحاجة ماسة إلى استثمارات أجنبية ووطنية وإلى تفعيل الاقتصاد التونسي الذي مر بركود قاتل خلال الثمانية أشهر الأخيرة وإلى مزيد تفعيل السياحة في بلد تصل فيه المديونية إلى حد اليوم إلى 19,2 مليار ومن المتوقع أن تصل خلال ال5 أو 6 سنوات القادمة إلى 29 أو 30 مليار دولار في بلد فيه أكثر من 800 ألف عاطل عن العمل، التحدي الثاني وهو لا يقل أهمية هو تحدي اجتماعي ويتمثل في تحقيق نوع من العدالة الاجتماعية وتوزيع شبه معقول للثروة وتشغيل الشباب والعمل فعلاً على توفير فرص الكرامة وتحقيق الذات بالنسبة للشباب الجامعي، المستوى الثالث من التحديات وهو أسميه بتأمين أي ضمان المجتمع التونسي وتأمين الحدود خاصةً ونحن نجاور بلداً يعيش ظرفاً استثنائيا ظرف الحرب الأهلية ويتجول فيه عدد هائل من قطع السلاح يقدرها العارفون بهذا البلد وبشأنه بحوالي 10 مليون قطعة سلاح الآن موجودة، التحدي الرابع والأهم فيما يبدو لي أيضاً هو الخروج بقراءة عقلانية مستقبلاً لموقع الدين والعلمانية في المجتمع التونسي والوصول إلى أرضية ثقافية فكرية وسياسية لا يهيمن فيها السياسي على الدين ولا يهيمن قيها الدين على السياسة أي حالة من العقلانية لأن الشخصية القاعدية التونسية شخصية معتدلة ومنفتحة وقابلة للحوار وهي لا تتقبل لا الغلو الديني ولا الغلو العلماني هي مجموعة كبيرة من التحديات نأمل تماماً أن تتعاضد وتتآزر كل جهود القوى السياسية ومكونات المجتمع المدني والمجتمع التونسي والمدني خاصةً من اجل مجابهة هذه التحديات ورفع الصعوبات لتنطلق من تونس الانطلاقة الصحيحة.

التحدي الاقتصادي والمساعدات الخارجية

علي الظفيري: طيب دكتور ذكرت فعلاً تحديات مهمة جداً أوجزت فيها الصورة القادمة للأحزاب السياسية ولمن سيقود تونس في الفترة القادمة وهذا أمر مهم جداً اسأل الدكتور رفيق في التحدي الأول الذي أشار إلية الدكتور منصف التحدي الاقتصادي، تونس أصلاً تعاني اقتصاديا أيام استقرارها كان هناك وهم التنمية وأشرنا إليه في هذه الحلقة وبحثنا جيداً ووجدنا مشاكل كبيرة حين يتحالف الاستبداد مع الغرب اليوم ليتم تجميل الصورة حتى صورة التنمية الاقتصادية بحثناه هنا جيداً أذكر هذا الأمر مع نخبة اقتصادية، الآن زادت الأمور سوءاً لا يوجد داعم عربي محتمل يوجد أضاد عربية ربما هذا النموذج ربما غير مرغوب بتعميمه عربياً ،لا يوجد إلا الغرب أوروبا فرنسا الولايات المتحدة الأميركية وهنا يشير الدكتور جورج قرم في مركز الجزيرة للدراسات أن المساعدات الدولية التي بدأت والتي سوف تستمر تريد أن تعيد تونس إلى شروط التبعية كيف يمكن تجاوز هذا التحدي الاقتصادي الكبير الذي أنهك الشعب التونسي في ظل هذا الظرف الاقتصادي دون تحمل تبعات هذه المساعدات؟

رفيق عبد السلام: طبعاً هذا تحدي كبير ليس من السهل حله ورثنا تركة كبيرة من الفشل الاقتصادي والإخفاق الاجتماعي وباعث أصلا من بواعث الثورة هو هذا التهميش الاجتماعي يعني صحيح أن الثورة التونسية ثورة كرامة وثورة مطالب سياسية ولكن أيضاً فيها مطالب اجتماعية واقتصادية، الشباب قطاع واسع من الخريجين لا يوجد أمامهم أي فرصة للتشغيل

علي الظفيري: 49% كما قال الدكتور المنصف.

رفيق عبد السلام: في بعض المناطق قد تصل إلى هذه النسبة وربما أكثر ما في شك هذا تحدي حقيقي مطروح وطبعاً هناك إرادة من طرف الدول الغربية والمؤسسات البنكية الدولية باستخدام ما يسمى بالقوي الناعمة أي احتواء أوضاع الثورة هذه مش حالة خاصة بتونس أيضا مصر يعني توجيه الثورة من خلال استخدام سلطة المال والقروض، أصلا تونس غارقة في القروض وللأسف كانت فيه كذبة كبيرة ...

علي الظفيري:كيف يتم ذلك دكتور في تونس فقط في القروض ولا عبر تماس أكبر مع المكونات السياسية في المجتمع؟

رفيق عبد السلام: طبعاً هو بالأساس عملية الاقتراض الأجنبي معناها صندوق النقد الدولي والبنك الدولي والإتحاد الأوروبي كله يتدخل بخلفية لمساعدة الثورة ولمساعدة التونسيين على تجاوز هذه الأزمة الاقتصادية نحن نقول لهم مشكورين على هذا الجهد لكن لابد للتونسيين أن يعولوا على إمكانياتهم وإمكانيات في محيطهم العربي والإفريقي، نحن مشكلة من المشكلات الأساسية أستاذ علي أن تونس كانت تشتغل في خط واحد ما في شك في قوانين جغرافية نحن بلد متوسطي ولا مهرب من البعد المتوسطي وأنا شفت برامج بعض الأحزاب السياسية تقريباً متفقة على تعزيز اتفاقية الشراكة مع الاتحاد الأوروبي ولكن هناك حلقات أخرى عندها توجهات وأبعاد إستراتيجية لابد أن نشتغل عليها في المستقبل البعد المغاربي البعد العربي البعد الإفريقي فهذا مغيب نحن نجاور بلدين مغربيين مهمين نجاور الجزائر مغرباً على الحدود الغربية ونجاور ليبيا على الحدود الشرقية ليبيا تربطنا بامتداد إلى المشرق إلى مصر وما بعد مصر وما بعد مصر وبعدنا العربي كذلك تربطنا بالبعد الإفريقي والجزائر بلد مؤثر ومهم وثقيل وأوضاع المنطقة متداخلة في حقيه الأمر

علي الظفيري: الجزائر ممكن تلعب دورا إيجابيا في القضية؟

رفيق عبد السلام: يعني أتصور الجزائر ربما لديها مخاوف الآن ولكن بعامل الوقت لا مهرب من التعاون المغاربي من تفعيل المغرب العربي ووجود كتلة اقتصادية سوق مغاربية مشتركة، هذه ستخفف الأزمات الاقتصادية في تونس وفي المغرب وفي الجزائر لأن الفضاء المغاربي مترابط في حقيقة الأمر مترابط جغرافياً ومترابط سياسياً ومترابط اجتماعيا وكذلك سياسياً أريد أن أقول هناك أبعاد لا بد أن نشتغل عليها في المستقبل البعد العربي البعد الإفريقي البعد المغاربي هذه حلقات أساسية كانت مغيبة تونس بلد متعدد الأبعاد، فيه بعد متوسطي كما ذكرت نحن نبعد بضع عشرات الكيلومترات على إيطاليا على حدود المتوسط ولكن نحن أيضا بلد مغاربي وعربي، وهذه ليست مجرد شعارات لا بد أن تترجم اقتصاديا أستاذ علي بحيث يكون هناك هذا التوجه المستقبلي لا بد أن نفتح آفاق، هذا عبر الخيال الاستراتيجي مشكلة الحاكم العربي ومشكلة الذين حكموا تونس كانوا يشتغلون في اتجاه واحد وبعقلية نمطية الاعتماد على القروض والإعانات الأجنبية وكانت مثلما ذكرت لك كذبة كبيرة، تونس كانت تصنف التلميذ النجيب لصندوق النقد الدولي تبين أن كل هذا مجرد أوهام فشل وإخفاق اقتصادي وتهميش اجتماعي فهنالك تركة اقتصادية ثقيلة لا بد أن نواجهها ولا يمكن أن نواجهها إلا بتعاون بين مختلف القوى السياسية وبين مختلف مكونات المجتمع التونسي والتعويل أيضا على بعدنا المغاربي والعربي والإفريقي والإسلامي إلى جانب بعدنا الأوروبي طبعا أو المتوسطي.

علي الظفيري: تتفق دكتور المنصف على ما تحدث به الدكتور رفيق وأيضا كيف يمكن تحقيق ثنائية الحصول على دعم دولي فتح باب المساعدات سواء الدولية أو العربية مع الحفاظ على السيادة التونسية في مرحلة انتقالية حرجة من عمر الجمهورية في تونس؟

المنصف وناس: اتفق ولك فقط أضيف بعض المعطيات البنيوية الأساسية اللافت للانتباه أن مجموعة الثماني حينما اجتمعت أخيرا فإنها اقترحت على تونس حلا غريبا ويتمثل في مزيد دعمها ماديا من خلال المديونية فاقترحت عليها خلال العشر سنوات القادمة مديونية إضافية تنضاف 19 مليار دولار قوامها 25 مليار دولار، وهذا أمر لافت للانتباه كيف نجابه المشاكل الاقتصادية والاجتماعية والتشغيلية والجهوية والتنموية، نجابهها بالمديونية الخارجية، المعطى الثاني لم تتلق تونس أي دعم عربي إذا استثنينا القرض القطري الذي أبرم مع تونس منذ حوالي أسبوعين، الدعم الوحيد وهو دعم بسيط جاء من الجزائر حيث أعطت الجزائر هبة غير مستردة لتونس قوامها مئة مليون دولار، ولهذا أستاذ علي لا بد أن نكون صرحاء لنقول أن المديونية ليست حلا لمستحقات ومتطلبات التنمية كما أن المشكلة العويصة لا تحل بالمديونية كانت هناك فرص أخرى للاستثمار في تونس دعم الاستثمارات وجعل تونس قبلة استثمارية أوروبية أميركية استثنائية، لم يتم التبني لهذا الحل لأن المديونية تسمح بالتحكم بمستقبل تونس تسمح بالتحكم في استقلالية القرار وفي التحكم في أي نتائج غير منتظرة وغير متوقعة من هذه الثورة، المديونية هي أغلظ الوسائل والسبل للنيل من الشعوب والتحكم في استقلالية قرارها، المسألة الثانية أختم بها إن سمحت لي..

علي الظفيري: باختصار، دكتور لأن الوقت انتهى تماما.

المنصف وناس: أدعو إلى العودة إلى الشعب التونسي والتعويل على قدراته وعلى إمكانياته والسعي فعلا أن يكون التونسي خلاقا ومبدعا في مجال التنمية متضامنا في مواجهة..

علي الظفيري: هذا واضح دكتور، مثلما ذكرت في المقدمة دكتور باقي لي دقيقة ونصف الاستبداد من محاسنه أن دفع في عملية التحديث في المجتمع التونسي لا توجد طائفية لا قبلية شوية جهوية مثلما نقول ولكن مفهوم المواطنة حديث في تونس، أول ثورة ألهمت هذا العالم العربي، درجة تعليم عالية جدا، بلد أيضا صغير نسبيا يمكن التحكم به، هل يمكن أن تكون تونس، هل تونس مرشحة بشكل كبير لنموذج عربي يقتدى به؟

رفيق عبد السلام: أتصور ذلك أستاذ علي مثلما ذكرت أنت المعطيات السابقة هذه كلها من العوامل المساعدة على انتقال ديمقراطي جاد وحقيقي في تونس، أول شيء بينية اجتماعية متماسكة ليس لدينا طوائف ولا أعراق مختلفة، تقريبا 99 لم أقل 100% من التونسيين هم عرب مسلمون سنة مالكيون تقريبا ربما عنا أقلية بربرية قليلة وهي متعربة بالكامل ومندمجة بالكامل، مستوى التعليم نسبيا مرتفع، مستوى التمدرس في تونس يعتبر حالة متقدمة، انخفاض مستوى الأمية رغم وجود أمية على كل حال بالمقاييس العربية يعتبر جيدا، كذلك الحالة السياسية، الثقافة السياسية نسبيا هناك خبرة سياسية تسمح بهذا التطور، هنالك الروح الوفاقية، تونس، الأحزاب تقريبا مختلف التيارات السياسية متفقة هنالك جوامع مشتركة..

علي الظفيري: ما في احتمال تدخل العسكر مثل النموذج الجزائري.

رفيق عبد السلام: لا أعتقد ذلك أول شيء تونس ليس عندها تقاليد عسكرية، المؤسسة العسكرية ربما هذا من حسنة بورقيبة، بورقيبة لديه الكثير من المساوئ وربما هذه الحسنة الموجودة عند بورقيبة أن حيد المؤسسة العسكرية لمخاوف أمنية واعتبارات خاصة به، المؤسسة العسكرية لا تتدخل بصورة مباشرة هي ساعدت على إنجاح الثورة، وهي الآن تدير ربما تساعد في إدارة الوضع التونسي ولكن لا أتصور أن المؤسسة العسكرية لديها طموحات في التدخل في الوضع السياسي التونسي، أنا أستاذ علي متفائل من وضع المستقبل، الروح الوفاقية ستكون غالبة والجميع مقتنع بتجنب اللعبة الصفرية بمعنى أن لا يكون هناك رابحين بالكامل وخاسرين بالكامل ستنتهي الأمور إلى حكومة ائتلاف وطني تجمع بين مختلف المكونات السياسية ولن يوجد حكما انفراديا لأي طرف من الأطراف في تونس.

علي الظفيري: رفيق عبد السلام باحث الفكر السياسي والعلاقات الدولية شكرا جزيلا لك، الدكتور المنصف وناس عضو الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة في تونس وأستاذ الاجتماع، علم الاجتماع في الجامعة التونسية، شكرا جزيلا لكم طبعا هناك تعويل كبير على هذا النموذج التونسي للقيادة والتأثير على النماذج العربية الأخرى، انتهت هذه الحلقة تحيات الزملاء الزميل راشد جديع مخرج البرنامج، في الأسبوع المقبل لنا لقاء بإذن الله تعالى شكرا لكم، في أمان الله.