- مشاكل الدراما العربية وأدوارها الرئيسية
- دور رأس المال وتأثيره في العمل الفني

- قطرية الدراما ومكانة القضايا الكبرى في الإنتاج الدرامي

- حول شيوع الأعمال الأجنبية والتاريخية ومستقبل الدراما العربية


علي الظفيري
حاتم علي
بشير الديك
 
محمد مفتاح
علي الظفيري: أيها السادة رمضان شهر الدراما العربية، عالم الافتراض الذي تتجمع فيه هموم الناس وآلامهم وأحلامهم وأوهامهم، إنه موسم الملهاة والمأساة العربية لكن ليس كما يتمنى المرء أحيانا فما كل ما يعرفه العربي ويعيشه يقبل أن يكون عملا تلفزيونيا ينعم بالتمويل والتسويق والإعلانات، لا تتسع الدراما العربية للعراق وجراحه ولا لفلسطين ونزفها الدائم رغم استثنائية التغريبة، ولا للخليج الذي لا تحتمل شاشاته سوى الأمراء الشعراء التشكيليين المرهفين المتخمين فنا وعذوبة، لا وقت هنا لفقراء الخليج وأحيائه الهامشية. يبدو جليا أيها الإخوة أن الدراما العربية تعيش مخاضا صعبا هذه الأيام وإن كانت تنعم بمزيد من الأموال والإمكانيات ويتوفر لها العناصر المحترفة كتابة وتمثيلا وإخراجا وإنتاجا فإنها من ناحية أخرى مقيدة بضوابط السياسة والأهداف التمويلية ورواج ثقافة الترفيه القائمة على التسطيح والعبثية وهذا ما يدفعنا لأن تكون الدراما العربية في عمق بحثنا ونقاشنا الليلة مع نخبة من صناعها العرب، فأهلا ومرحبا بكم. معنا للغوص في عمق هذه القضية المخرج السوري الأستاذ حاتم علي والمؤلف والكاتب المصري الأستاذ بشير الديك والفنان المغربي الأستاذ محمد مفتاح، مرحبا بكم جميعا. حاتم علي صاحب "التغريبة الفلسطينية"، "الزير سالم"، "صلاح الدين الأيوبي"، "صقر قريش"، "ربيع قرطبة"، "ملوك الطوائف"، "الملك فاروق"، و"صراع على الرمال". الأستاذ بشير صاحب "سواق الأتوبيس"، "ضد الحكومة" -ليس أنت طبعا، العمل الذي قدمته- "ناجي العلي"، "أيام الغضب"، "زيارة السيد الرئيس" ومسلسل "البديل". محمد مفتاح أحد أهم أبطال الأعمال التلفزيونية المغربية، المسرح سابقا في الستينات مع أعمال كثيرة، "مقامات بديع الزمان الهمذاني"، "ديوان سيدي عبد الرحمن المجذوب"، "سيدي ياسين" و"مدينة النحاس" وأعمال غيرها، بعد ذلك أفلام في السينما الإيطالية والفرنسية والأميركية، كان لك عمل لافت ربما نتناوله قليلا، "الشيء المستحيل" الذي لم يذكر اسمك فيه بعد أن شاهدته بسبب الاسم "محمد" في هوليوود، رباعية الأندلس مع حاتم علي، مرحبا بكم جميعا ضيوفنا الكرام وفي موسم الدراما التلفزيونية. لكن قبل النقاش مشاهدينا الكرام زميلنا زياد بركات يرصد لنا في تقريره التالي واقع الدراما العربية والأزمة التي تعانيها.

[تقرير مسجل]

زياد بركات: هل أصبحت الدراما العربية أسيرة شهر رمضان ومن أجله يتم إنتاجها؟ عشرات الأعمال الدرامية من تاريخية إلى اجتماعية وما بينهما من أعمال كوميدية تظهر فجأة وتتزاحم على شاشات الفضائيات في رمضان لينفض السامر مع أول أيام العيد ولتعود الفضائيات نفسها لتجتر ما تم إنتاجه من أجل الشهر الفضيل. ذلك واحد من مظاهر عمليات إنتاج الدراما في السنوات الأخيرة حيث التراجع بين في بقية شهور السنة تاركا شاشات التلفزة العربية نهبا لأعمال درامية مدبلجة أو مترجمة. وكما في السياسة حينما هرعت تركيا إلى تصدر المشهد السياسي العربي ملءً لفراغ عربي غير منكر تقوم الدراما التركية لا غيرها بملء بعض ما عجزت الدراما العربية عن القيام به، ويعيد المختصون أسباب هذه الظاهرة إلى تراجع عدد الأعمال الدرامية العربية إلى نحو النصف في السنوات القليلة الماضية وهذا بدوره يعود إلى الأزمة المالية العالمية وإلى تسييس عمليات شراء بعض الأعمال الدرامية العربية أو مقاطعتها في تصفية حسابات سياسية بين بعض الدول العربية، وإلى أسباب أخرى أهمها ارتفاع تكاليف الإنتاج والارتفاع الجنوني لأجور بعض نجوم الدراما العربية حيث تقدر بعض أوساط الإنتاج أجور البعض منهم بنحو 50% من تكاليف إنتاج المسلسلات التي يقومون ببطولتها. ويقول متابعون لمسيرة الدراما العربية إن مواصفات الإنتاج الجيد تتطلب تمويلا كبيرا لم تعد بعض شركات الإنتاج الخاصة قادرة على تحمله ما يلجئها للعمل منتجا منفذا لبعض التلفزيونات الوطنية، والأخيرة -كما يقول هؤلاء- لا تقوم بهذا لوجه الفن بل لأسباب سياسية من مثل إنتاج أعمال درامية موجهة ضد ما يسمى بالإرهاب ما يجعل صناع الدراما العربية رهنا لأجندات سياسية بالدرجة الأولى. ويقترح هؤلاء تحرير سوق الإعلام العربي وعزل الدراما عن الاستقطابات السياسية كمفاتيح حل للأزمة وتلك أمور يراها آخرون ضربا من الخيال في المنطقة العربية ويقترحون ردا على ذلك عودة القطاع العام إلى قطاع الإنتاج العربي ولو مؤقتا لحفظ الدراما من الزوال. أيا يكن الأمر فإن الطرفين يتفقان على وجود أزمة حقيقية تهدد مستقبل الدراما العربية بينما يرى فريق ثالث أن الأزمة لا علاقة مباشرة لها بالأزمة المالية ولا بتخلي الدول العربية والمنتج العربي عن دوره المفترض تجاه مجتمعه، بل هي أزمة غياب رسالة وشح كوادر. ويقول هؤلاء بأن مستوى كتاب السيناريو العرب وأعدادهم في تراجع وإن بعض المخرجين أصبح يبحث عن ربح وشهرة سريعتين يجدهما لدى منتج لا يهمه سوى الربح فتضيع بين هذا وذاك ريح الدراما الحقيقية التي تعبر عن مجتمعات تتحول وتتساءل عن دورها بين الأمم، ويؤكد هؤلاء على ما يذهبون إليه بالقول إن أعمالا من مثل "أم كلثوم" و"الملك فاروق" و"التغريبة الفلسطينية" وغيرها كانت أعمالا ضخمة ومكلفة ولكنها ربحت فنيا وجماهيريا لانسجامها مع ما يتطلع إليه المشاهد فبادلها الأخير حبا بحب بعيدا عن معايير الربح والخسارة.

[نهاية التقرير المسجل]

مشاكل الدراما العربية وأدوارها الرئيسية

علي الظفيري: أهلا بكم مشاهدينا الكرام، نبدأ نقاشنا الليلة مع ضيوفنا الكرام أرحب بهم مرة أخرى. السؤال الرئيسي ربما الذي يطرأ على ذهن المشاهد والمتابع بشكل عام، أبدأ مع الأستاذ بشير الديك، ما هي المشاكل الرئيسية التي تعانيها الدراما العربية؟

بشير الديك: زي ما التقرير قال في مشاكل خاصة بالدراما نفسها خاصة بالكوادر الشغالة في الحكاية لأني عاوز أقول حاجة، الدراما فن هو منوط بأشخاص يعني لما أقول إنه في عندي حاتم علي يعني معناها أنه عندي كل سنة على الأقل مسلسلين كويسين، لما أقول إن عندي سين أو صاد من الناس هي دي ناس يعني في ناس بيعملوا بيستطعوا أن يعملوا مسلسلات أو أعمال درامية جيدة وهؤلاء هم الذين عليهم الأمل يعني، ده اللي أنا عاوز أقوله إن هي مسألة ذاتية مسألة خاصة أشخاص. اللي أنقذ السينما الأميركية من بعد ما كانت تهرأت تماما وكان آخر إنتاجها تقريبا فيلم "كليوباترا" مجموعة من الشبان المخرجين طلعوا عملوا ما يسمى بالسينما الجديدة عملوا نقلة للسينما الأميركية، فهي مسألة مربوطة بأشخاص. أنا أعتقد أنه في أشخاص كويسين قوي في مخرجين كويسين قوي في الوطن العربي وفي كتاب أيضا كويسين وفي إنتاج كويس، يعني إيه؟ نقدر نحط أيدينا على عدد من الإنتاج ليس ضئيلا ليس قليلا..

علي الظفيري: إنتاج جيد.

بشير الديك: إنتاج جيد بمعنى أن هو تقنيا جيد في صورة جيدة في صورة بتقرب تدريجيا من السينما وبتبعد تدريجيا من المسرح، هذا إنجاز أنا أعتقد أن هو على مستوى ما يحدث في الوطن العربي هو جيد. في ظاهرة أخرى كمان جميلة قوي أنه إذا كان حتى مش قادرين نعمل وحدة عربية سياسية فإحنا عاملين وحدة عربية فنية، أنا أعتقد كده، لما نبص السنة دي على كمية الإنتاج الموجودة كمية العناصر المشتركة فيها من سوريين من عرب من شمال إفريقيا من مصريين من كذا فعلا فعلا نندهش يعني هي المسألة أنا رأيي أنها مش وحشة.

علي الظفيري: طيب، هنا أسأل أستاذ محمد مفتاح، كما أشار الأستاذ بشير هل المشكلة في بنية عالم الدراما من الداخل العاملين فيه أم مما هو محيط فيه، الظروف التي يجب أن تمهد وتيسر لهذا الإنتاج الدرامي التقدم بمعنى عالم السياسة عالم المال وما هو خارج البيئة الدرامية بيئة الإنتاج الدرامي؟

محمد مفتاح: هو أستاذ المشكل هو مشكل كلي جماعي ومرتبط بذاته يعني تلقى مشكلا عند المنتج نفسه له إشكاليات مع المنتج الحقيقي لأن أغلب الشركات الإنتاجية تكون غير تدير الإنتاج وقت يكون المنتج الحقيقي هي إحدى القنوات الكبرى العربية..

علي الظفيري: هناك وسائط بينها وبين العمل.

محمد مفتاح: وسائط، يمكن يكون هنا إشكال مطروح ما بين هذا المنتج العربي لا يمكن أن يغامر أو يصرف مثلا ما يفوق من خمسة مليون دولار أو ستة مليون دولار في عمل ما بدون ما يأخذ ضمانات على أن هذا العمل سوف تعرضه هذه القناة حصريا بواحد مليون أو اثنين مليون دولار في أول عرض، هذا واحد إشكال. الإشكال الثاني المطروح أن هذا المنتج يمكن يكون منتجا جيدا ولكن ما تلقاش مخرجا جيدا والعكس بالعكس، يمكن يكون المخرج جيدا وما يلقاش منتجا جيدا، الإشكال المطروح الثالث وهو ما بين المخرج وما بين الـ caste بتاعه..

علي الظفيري: الفريق.

محمد مفتاح: الفريق ديال العمل..

علي الظفيري: ديال المخرج.

محمد مفتاح: المخرج، لأن كثيرا من المخرجين عندهم الـ caste الخاص بتاعه يشتغل به جميع الأعمال دياله لأنه صار تفاهم فيما بينهم، أن المخرج لما يهز هذا الحاجب مثلا الـ caste يفهم شو المعنى ديال هذا الحاجب اليمين، إلى آخره. يكون الإشكال في الممثلين أيضا لأن الممثل هو جزء لا يتجزأ من الدراما ولا يمكن أن نقول دراما عربية ولكن نقول الدراما في العالم العربي لأن الدراما هي من نهار وجدت في الدنيا أنها غايتها أنها توعي المتلقي وترفع من الحس دياله ومن التهذيب ديال الذوق دياله.

علي الظفيري: أسأل حاتم علي وهو من الأشخاص الذين قدموا تجارب ناجحة جدا تمثيلا، إخراجا وكتابة أيضا، تنظر بإيجابية لما يجري اليوم في عالم الدراما أم تعتقد أن هناك مشاكل حقيقية تواجه تقدم الدراما العربية؟

حاتم علي: هو في النهاية أنا أعتقد أن الدراما العربية هي جزء من المشهد الثقافي العربي وبالتالي عندما نتحدث عن أزمة أنا أعتقد أن هي الأزمة أكبر بكثير من أن تكون أزمة في صناعة الدراما، حقيقة هي أزمة في بنية الثقافة العربية نفسها والدراما هي جزء منها..

علي الظفيري: نفس الحالة تمر في الرياضة في السياسة في الثقافة.

حاتم علي: نعم في الثقافة عامة في الحضور.. يعني أنا أعتقد أن واحدة من مشكلاتنا الأساسية الآن التي تواجهنا كصناع لهذه الدراما هي تطور رقابة حقيقة التي تحولت من رقابة ملحقة لأجهزة الإعلام في الحكومات العربية إلى رقابة اجتماعية تبدو في بعض الأحيان أكثر قسوة وتخلفا وتشددا من رقابة السلطات العربية، الآن أنا كما أعتقد صناع الدراما وصلوا إلى يعني مرحلة من تضييق هوامش الحرية أدت إلى تكرار واجترار في المواضيع التي تتم مناقشتها وإلى تبسيط ساذج لصناعة الدراما التي اتجهت الآن إلى يعني حكايات حقيقة يعني جد شخصية ونأت بنفسها عن مناقشة مواضيع على مستوى كبير من الأهمية سواء من ناحيتين الفكرية أو السياسية. أنا أعتقد أن هامش الحرية الذي بدأ يضيق في السنوات الأخيرة من الناحية الاجتماعية والسياسية..

علي الظفيري (مقاطعا): متوقع أنه العكس.

حاتم علي: لا، من المفترض أن يكون بالعكس ولكن مع الأسف يعني كل يوم جديد يفاجئنا مع الأسف بخطوة إلى الوراء وفي هذا مفارقة بطبيعة الحال لا أعتقد أنه يعني هذا البرنامج الذي مفترض أن يكون متخصصا في الدراما هو المكان الأمثل لمناقشتها.

علي الظفيري: طيب، سؤالي للجميع وأبدأ مع بشير الديك، هل تمارس الدراما العربية التحريض اليوم، التحريض التنويري للمجتمع أم غابت هذه المهمة لصالح مهمات أخرى منها المتعة والترفيه وأشياء أخرى؟

بشير الديك: هو برضه أنا تصوري أن الدراما ليس دورها فقط التحريض يعني التحريض بيبقى إبان الاستعداد للثورة أو أثناء قيام ثورة أو أثناء التحضير لثورة يبقى على الفن أن هو يلعب هذا الدور التحريضي..

علي الظفيري (مقاطعا): قصدت أنا أستاذ بشير التحريض التنويري في قضايا..

بشير الديك (مقاطعا): التنويري ده، تعال نتفق على ده، هو ده الدور الأساسي، ده الدور المهم جدا بالنسبة للدراما..

علي الظفيري: بتلعب هذا الدور اليوم؟

بشير الديك: لا، هي ما بتلعبش هذا الدور لأن ما فيش وعي حقيقي ما فيش رؤية عامة حقيقية لحل المأزق يعني في ثمة مأزق عربي عايشه الوطن العربي ومتجلي كمان في الثقافة زي ما قال صديقنا، فعلا الثقافة العربية فيها أزمة حقيقية أزمة في.. ما عندهاش رؤية واضحة لأفق مستقبل واضح متفق عليه، في يعني إيه، جزر تتناحر وفي اختلافات كثيرة واختلافات حادة بين أطراف كثيرة ومتنوعة علشان كده ما فيش حالة النهوض اللي ممكن نلمسها. لكن برضه أنا عاوز أقول حاجة ثانية، إن عملية الإبداع الفني هي مرتبطة بشخوص يعني ok الواقع بيؤثر المناخ العام من غير شك هو بيؤثر المناخ العام بشكل ما بيؤثر لكن رغم هذا المناخ العام يستطيع واحد يطلع يعمل حاجة كويسة بالفعل وفي أعمال نستطيع أن نشير إليها نقول إنها كويسة إنها شدتنا إنها قعدتنا وتفرجنا عليها، يجب أن هذه الأعمال تكثر وتزيد وتأخذ أقصى ما يمكن من هامش الحرية المتاح وتبقى أكثر ذكاء في التعامل مع جهات الرقابة اللي هي خلاص بقيت معروفة، معروف جهات الرقابة هي بتتكلم على إيه بالتحديد وبتعمل إيه بالتحديد وعلينا أن نتحرك مع الواقع بتاعنا ونحصل على أكبر هامش ممكن من الحرية.

علي الظفيري: المخرج السوري غسان جبري يعني هذا مقتطف من لقاء أجري معه يقول "الثقافة والموهبة والمعرفة والشغف لم تعد من متطلبات هذه المهنة، الاستعجال والاستسهال بدأ يسيء إلى مستقبل الدراما، هناك ثرثرة، اجترار مواضيع، لا بنية تحتية متينة"، هل الدراما اليوم -أستاذ محمد- عالم للموهوبين أم أنها باتت عالما أو مهنة لمن لا مهنة له؟

محمد مفتاح: والله..

علي الظفيري: يعني خاصة الجانب التجاري دخل فيها بشكل كبير.

محمد مفتاح:  هي التجارة هي الأساس، رأس المال، لأنه لا يمكن عمل إبداعي فني..

علي الظفيري: إلا بإمكانيات ومال.

محمد مفتاح: إلا بإمكانيات مادية، لا يمكن أن يكون بدون فلوس ونعمل مثلا دراما..

علي الظفيري: كل شيء بده فلوس لكن هل المال الآن في الدراما يدفع باتجاه الموهبة باتجاه هذا الصنف من العاملين في المجال الدرامي والفني أم إلى صنف آخر؟

محمد مفتاح:  والله إحنا كنا نعرف الدراما أنها شقان، في الدراما العنيفة أنها بكائية وكان الميلودراما أنها فيها هزل لكن مبطن..

علي الظفيري: هزل بجد.

محمد مفتاح:  واحد مأساة يعني..

علي الظفيري: الكوميديا السوداء.

محمد مفتاح: الكوميديا السوداء، يمكن المتفرج ما كان يضحك لكن في نفس الوقت يشعر أنه يضحك على نفسه، هكذا، أما الآن هناك نشوف في دراما مفيدة للمتلقي وفي دراما تستفيد من المتلقي، دراما يستفيد منها المتلقي مثلا مثل ما نشوف "التغريبة الفلسطينية" أنها فادتنا في واحد مرحلة معينة عشنا المشكل الفلسطيني عن قرب..

علي الظفيري: وهي من الأعمال النادرة عن أهم قضية عربية وهذا سنأتي إليه في النقاش.

محمد مفتاح: رغم أنها تتكلم بواحد لهجة محلية ديال الفلسطينيين لكن إحنا في المغرب العربي مثلا في أقصى المغرب أننا تتبعنا، يمكن نتكلم على هذا من بعد، اللهجة وإلى آخره..

علي الظفيري: سنأتي إلى هذه القضايا.

محمد مفتاح: على أن الدراما اللي يمكن يستفيد منها المتلقي وفي الدراما اللي الدراما نفسها تستفيد من هذا المتلقي أنها يصبح المتلقي أنه يقلد ذلك الممثل أو تلك الممثلة في تسريحة الشعر أو في ذلك اللباس في الملابس واحد تقليد أعمى رغم أن ذاك المتفرج أو ذاك الشخص سواء كان ذكرا أو أنثى أنه لا تناسبه تلك الموضة فهو يمشي يأخذ تلك الموضة، هذا واحد تقليد تكون مساهمة فيه الدراما، يمكن الدراما العربية يمكن الدراما التركية يمكن الدراما المكسيكية.

دور رأس المال وتأثيره في العمل الفني

علي الظفيري: بسام كوسا -أستاذ حاتم- يقول له عبارة يعني لافتة، "إن رأس المال له رأي ووجهة نظر ولغة" في مسألة الفن، هناك صورة سلبية عادة عن المال وعن رأس المال وعمن يملك المال أنه دائما اتجاهاته سيئة في الوقت الذي نرى مثل حاتم علي أحد المواهب اللافتة جدا في العالم العربي استطاع أن يقدم أعمالا بإمكانيات مالية كبيرة، كيف يؤثر المال في الدراما العربية؟

حاتم علي: شوف هو أنا أخشى أنه أحيانا يساء يعني فهم بعض الجمل، مثلا أخشى الآن على المتفرج أن يظن أنه يعني الأعمال الجيدة هي فقط تلك الأعمال التي تناقش قضايا يعني كبيرة ذات بعد سياسي..

علي الظفيري: مثل التغريبة.

حاتم علي:  كالتغريبة، وهذا كلام غير صحيح بالمطلق لأنه من الممكن أيضا أن تقدم أعمالا درامية سيئة جدا عن قضايا كبيرة بمعنى أن القضايا الكبيرة أيضا تحتاج إلى معالجات فنية كبيرة بالقدر نفسه ومن الممكن أن أقدم عملا جيدا عن قضية بسيطة جدا كقصة حب بين رجل وامرأة، إذاً أرجو ألا يتم هناك خلط ما بين العمل الجيد والعمل الجاد لأنه من الممكن أن أقدم عملا جيدا ولكن عملا كوميديا، بالنهاية العمل الدرامي الهدف الأول منه هو الترفيه لكن كلمة الترفيه هي نفسها لها مستويات بمعنى أن ما يسعدك كمتفرج يمكن ألا يسعد متفرجا آخر وهذا له علاقة بمستوى المتفرج نفسه وبذائقته وبالتالي الأمر نفسه فيما يتعلق بمسألة رأس المال، لماذا نظرة الريبة والشك دائما إلى رأس المال؟ أساسا العمل الفني والعمل الدرامي في شقه الأساسي هو في النهاية عمل تجاري بمعنى أن هناك أموالا تدفع ويجب في نهاية الأمر استردادها، هذا سوق..

علي الظفيري: ليست عملا خيريا.

حاتم علي: ليست عملا خيريا، هذا سوق ترمى فيه هذه البضائع..

علي الظفيري (مقاطعا): لكن في طرق أستاذ حاتم..

حاتم علي (متابعا): في بضائع ذات سويات، بالتأكيد..

علي الظفيري (متابعا): مثلا "الملك فاروق" نجح، "التغريبة الفلسطينية" نجحت، وفي أعمال صرف عليها أموال تختلف عن هذا المضمون.

حاتم علي: نعم وهناك أعمال لم تصرف عليها أموال سوى أموال قليلة ولكنها أيضا..

بشير الديك: نجحت.

حاتم علي: نجحت وأحيانا أخرى كانت هي أيضا أعمالا خاسرة، بمعنى أن أيضا جودة العمل الفني لا علاقة لها تناسبية مع حجم رأس المال، يمكننا أن نصنع أعمالا كبيرة بأموال صغيرة والعكس صحيح. أنا أعتقد هناك دائما حوار وهناك طرفا ميزان في العملية هما رأس المال والعنصر الفني الذي يصنع هذا العمل ومن خلال هذا الحوار ما بين هذين الطرفين اللذين كلاهما ضروري جدا للعملية الفنية ينتج العمل الفني، يعني أرجو ألا ننظر دائما بشك وريبة إلى رأس المال الذي يمكن له أن يلعب دورا إيجابيا.

علي الظفيري: لكن أحيانا ننظر بشك وريبة، ليس دائما ننظر ولكن أحيانا ننظر.

حاتم علي: كما ننظر أيضا إلى صناع العمل الدرامي أنفسهم بالشك والريبة.

علي الظفيري: طيب، أستاذ بشير يعني أثير -يعني خلينا نقترب من واقع- أثير في مصر في فترة من الفترات أن المال الخليجي يفسد السينما المصرية يفسد الدراما المصرية، أثير مؤخرا أيضا في الدراما السورية أن المال الخليجي تحديدا لأنه أكبر تكتل أموال ربما في هذه المنطقة، هل فعلا أثر تركز المال أو تركز التمويل والإنتاج شركات الإنتاج الكبرى أو مؤسسات الإنتاج الكبرى أو قنوات الإنتاج الكبرى في منطقة محددة أثر بشكل سلبي أم أن السوء مشترك بين الطرفين؟

بشير الديك: أنا مختلف مع الكلام ده خالص يعني هو فعلا إيه؟ في نقطة مهمة قوي فيما يتعلق بالإنتاج، في فرق بين الإنتاج وبين التمويل ويجب أن يكون هذا الفرق واضحا جدا، الممول هو صاحب رأس المال الذي يعطي المال، لمن يعطي المال؟ يعطيه لواحد منتج، ما بيديهوش كده يروح يوزع على الممثلين وكده، هناك في ثمة شركات قائمة بالإنتاج ومنها شركات أصبحت ذات خبرة جيدة جدا وبتعمل أعمالا مهمة فعلا سواء في سوريا أو في مصر ودول اللي أنا أعرفهم وفي في السعودية وفي في الخليج أيضا بقى في عندنا فعلا كوادر إنتاجية، هي دي النقطة المهمة أن التمويل حاجة والإنتاج حاجة أخرى، المنتج عليه أن يوفر أفضل العناصر الممكنة لتوصيل عمل جيد أو عمل هو شايف أنه جيد على الأقل في حدود رأس المال المتاح له أو في حدود التمويل المتاح له وإزاي يشتغل فيها، ودي مهمة جدا، ليه بقى؟ لأنه أحيانا يحصل تشوهات في الميزانية تشوهات بشعة تؤدي إلى أن الإنفاق يبقى مش في محله، أنه مثلا ممكن واحد ممثل لوحده يأخذ نصف ميزانية المسلسل ودي كارثة يعني دي كارثة فعلا لأن باقي عناصر المسلسل مش حيأخذوا حقهم مش حتلاقي تصور خارجي، إحنا اللي بهرنا في الدراما السورية اللي بهرتنا فعلا أول ما فقنا كده لقينا في حاجة مختلفة هي الأعمال اللي بتتصور خارجي اللي فيها أحصنة واللي فيها تصوير خارجي واللي فيها سينما واللي فيها تفاصيل..

علي الظفيري: تقنيات عالية جدا.

بشير الديك: تقنيات عالية تعمل لك إيه؟ تأخذك وتدخلك جوه. أنا موافق جدا على الكلام اللي قاله حاتم إنه ليست المسألة مسألة قضايا، القضايا ما هي ممكن يطلع بها كتب وممكن يطلع بها مقالات من أحسن ما يمكن لكن الفن حاجة ثانية، الفن السينمائي..

علي الظفيري (مقاطعا): بس الأعمال الناجحة في سوريا تحديدا كانت شراكة في رأس مال -في معظمها على الأقل- شراكة رأس مال خليجي مع إنتاج ومواهب سورية، هذا يعني ينفي فكرة سلبية رأس المال في المنطقة.

بشير الديك: برافو عليك، لا، ويؤكد حاجة ثانية أنه أيضا في توزيع جيد لعناصر الميزانية.

علي الظفيري: إدارة تمويل جيدة.

بشير الديك: آه إدارة تمويل جيدة لعناصر الميزانية يعني أنا بأصور خارجي بأجيب حصان قد كده إنما بأكلف بأدفع تكلفة في الشيء اللي الناس حتشوفه مش في أجر الممثلين.

قطرية الدراما ومكانة القضايا الكبرى في الإنتاج الدرامي

علي الظفيري: قبل الفاصل أريد أن أسأل الأستاذ محمد مفتاح، لو سألت أي مشرقي عربي من تعرف من المغرب يقول لك محمد مفتاح، بعد مشاركاته مع حاتم علي، طبعا أنت دائما تذكر أن حاتم علي له يعني دور كبير وإسهام كبير في هذا الأمر. لماذا نحن المشارقة لا نعرف من المغرب من الإنتاج الدرامي المغربي، نعرف أشياء كثيرة لكن من الدراما المغربية لا نعرف إلا محمد مفتاح، نعرف مهند ونور والمكسيكيين وبكره جايينا أيضا ثقافات أخرى يمكن الصينيون وغيرهم، والإنتاج الدرامي لا يصلنا نحن في المشرق، ما هي مشكلة الدراما في المغرب؟

محمد مفتاح: والله هذا السؤال يمكن نطرحه على إخوانا المشرقيين أولا، الحديث عن هذا الموضوع طويل ما نقدر نختصره لك في..

علي الظفيري: على الأقل عناوين المشاكل التي تمنع وصوله.

محمد مفتاح: يعني في دراما في المغرب أو في الجزائر أو في تونس..

علي الظفيري: أو موريتانيا أو ليبيا؟ أقل طبعا.

محمد مفتاح: ما شفت دراما موريتانية، ما رأيتها. كان إشكال داخل المغرب العربي كان المشكل..

علي الظفيري: احك لنا على المغرب على الأقل البلد.

محمد مفتاح: المغرب فيها دراما فيها سينما فيها مسرح فيها غير ذلك موجود لكن الأعمال المغربية لا تتعدى المغرب لا تشاهد..

علي الظفيري: يعني قدرتها على الوصول صعبة أم التلقي صعب؟

محمد مفتاح: والله المشكل موجود داخل في مشرقنا العربي هو أن اللهجة غير مفهومة ديال المغرب العربي، هذا كلام يقال منذ ما يفوق من عشرين سنة كنت أسمع هذا الكلام لما كنت صغيرا، يعني الآن صرت..

علي الظفيري: ما زلت صغيرا.

محمد مفتاح: ولا نزال نسمع هذا الحوار ديال.. لكن إحنا في المغرب مثلا نفهم جميع اللهجات العربية حتى الصعيدية في مصر نفهمها حتى مثلا اللهجة السورية اللي اشتغلت بها..

حاتم علي: الساحلية السورية.

محمد مفتاح: الساحلية السورية أو اللهجة الفلسطينية يعني..

علي الظفيري: يعني الدراما ساهمت في إيصال اللهجة المصرية والسورية والخليجية اليوم.

محمد مفتاح: لا، السؤال المطروح هنا هو أن المواطن المغربي عنده قدرة ديال يمكن يفهم أو يستوعب الشيء، كاين واحد القدرة أو واحد الإلحاح أن نفهمك، رغبة أنني نفهمك، هذه الرغبة غير موجودة عند إخوانا المشرقيين، يقول ما فهمتش..

علي الظفيري: ولكن أستاذ محمد، هذه الرغبة طبعا يعني أنا معك أؤيد أنه فعلا في الأطراف عادة يحدث هذا الاهتمام والشغف لكن أنت من يخلق هذه الرغبة عند الآخرين، المصريون خلقوا هذه الرغبة عند العالم العربي بإنتاجهم والسوريون كذلك. سنعود لشيء من هذا الأمر ونتناول قطرية الدراما العربية، دراما مصرية دراما سورية واليوم نتحدث عن دراما مغربية دراما خليجية بعد الفاصل فابقوا معنا.

[فاصل إعلاني]

علي الظفيري: أهلا بكم من جديد في العمق يبحث الليلة في صناعة الدراما العربية مع الأستاذ بشير الديك، الأستاذ محمد مفتاح من المغرب، الأستاذ حاتم علي من سوريا. أستاذ حاتم نعاني من قطرية الدراما؟ اليوم نتحدث بحدية أكثر عن دراما سورية وبحدية أكثر عن دراما مصرية وكذلك دراما خليجية وما إلى ذلك، في مشكلة في هذا الموضوع أثيرت في مصر قبل فترة مشاركة الفنانين السوريين وكأنها أمر شاذ يعني في الوقت اللي يفترض أنه هي القاعدة أصلا أن يشارك الفنانون العرب مع بعض.

حاتم علي: صحيح هو تثار مثل هذه القضايا يعني سواء في المنتديات أو في الصحف لكن على أرض الواقع ما يحدث هو العكس تماما، عدد الأعمال المشتركة في ازدياد وطبيعة يعني -وهذا برأيي هو الأهم- الفائدة المرجوة أساسا من هكذا تجارب بدأت تتوضح الآن، أنا شخصيا يعني أتابع العديد من المسلسلات المصرية وأكتشف بشكل ملحوظ أنها تتطور من ناحية الشكل الشكل الفني بتسارع موسما بعد موسم، يعني الآن بدأ إخوانا المخرجون المصريون يخرجون أيضا إلى أماكن مفتوحة بدؤوا يستخدمون الكاميرا الواحدة تقنية الإخراج السينمائي الاعتناء بالشكل الفني وهذا كما أعتقد من هذا التأثير المتبادل، أنا أعتقد أن المستقبل الآن لمثل هذه التجارب المشتركة، انظر إلى أوروبا انظر إلى أميركا الآن لا يمكن لك أن ترى على جينيريك يعني في أي فيلم سينمائي تخصص يعني إنتاج من شركة واحدة أو من بلد واحدة، تقرأ ثلاث أو أربع أو خمس جهات إنتاجية من بلدان أوروبية مختلفة على ما يفرق هؤلاء من لغات ومن..

علي الظفيري: لكن عربيا شفنا هذا الأمر؟

حاتم علي: فما بالك نحن فينا العرب اللي أصبح الآن في ظل هذا البث الفضائي لم يعد هناك متفرج سوري أو متفرج مصري أو متفرج..

علي الظفيري: متفرج عربي.

حاتم علي:الآن هو متفرج ومتفرج عربي وأنا أعتقد أن مستقبل الدراما يكمن في أن نخرجها من هذه القطرية باتجاه صناعة عمل درامي عربي وأنا لا أقصد تعويم القضايا المحلية، لا، بالعكس سنتحدث عن أكثر القضايا خصوصية لكن أقصد صناعة العمل نفسه، فليكن التمويل من البلدان الغنية وليكن الاعتماد على تقنيين جيدين من مختلف البلدان العربية ولتكن المواضيع مختلفة وليتم التصوير في أي مكان كان، أنا أعتقد المستقبل الآن مستقبل الدراما العربية وإنقاذها يكمن في مثل هذا التعاون.

علي الظفيري: أسألك أيضا وأبقى معك أستاذ حاتم، لماذا تبدو التغريبة حالة نجاح يتيمة في تعاطي الدراما مع القضية الفلسطينية القضية التي تشكل كل هذه الرمزية للعرب وغير العرب أيضا؟

حاتم علي: لسبب بسيط أنها حاولت أن يعني تقبض على الإنساني في هذا الموضوع، مع الأسف كل أو معظم -التعميم يعني لغة الحمقى وأرجو أن يعذرني الناس- معظم الأعمال الدرامية العربية كانت دائما يعني تقدم الفلسطيني على أنه سوبرمان..

علي الظفيري: شعاراتية.

حاتم علي: وكانت تقع في مطب الشعار السياسي وتناسينا مع الأسف الجوهر الإنساني لمثل هذه القضية فتحولنا إلى أسوأ محامين عن أكثر القضايا عدالة. أنا مثلما كنت عم أقول قبل شوي القضايا الكبيرة تحتاج أيضا إلى معالجات فنية جيدة بالمستوى نفسه، الآن تنتج يعني بعض الأعمال عن القضية الفلسطينية ومع الأسف لا تعرض كثيرا، صناع هذه الأعمال يعني ليسوا قادرين على لوم أنفسهم فيتجهون مباشرة إلى لوم المحطات الفضائية أنها لا تعرض أعمالا فلسطينية، هذا غير صحيح..

علي الظفيري: لماذا لم يستمر حاتم علي تحديدا، وليد سيف، الناس اللي عملوا على هذا النجاح في التغريبة في السلسلة؟ يعني توفرت لديكم قاعدة للنجاح في قضية تبدو صعبة ومن أيضا الصعب أن تبدو جماهيرية لكنكم نجحتم، لماذا لم يستمر هذا الأمر حتى يكون هناك نموذج ناجح لكل القضايا؟

حاتم علي: شوف هو أنا أظن يعني لأسباب كثيرة..

علي الظفيري: اعطنا منها شيئا.

حاتم علي: أولها مثلا عدم يعني بيجوز تفرغ الدكتور وليد سيف، انشغاله في أعمال أخرى، عدم وجود يعني كما أعتقد قضايا معينة يتكلم فيها وربما خطورة المرحلة التي توقفت عندها أحداث التغريبة أصبحت يعني أكثر تعقيدا وتمس ربما وجود الفلسطينيين وعلاقتهم في دول عربية متعددة ومختلفة، كما قلت لك مشكلة الدراما التلفزيونية في نهاية الأمر أنها جزء من الخطاب الإعلامي العربي..

بشير الديك: صحيح.

حاتم علي: ملحقة بأجهزة التلفزيون التابعة أصلا إلى وزارات الإعلام وهي جزء دائما من هذا الخطاب السياسي ولكي تتطور هذه الدراما يجب أن تتحلل من هذه الضغوط وهذه الأطر السياسية وأن تتحول إلى فن بمساحة كبيرة من الحرية.

علي الظفيري: أستاذ بشير كتبت أعمالا سينمائية جادة وجماهيرية وكتبت أيضا أعمالا درامية جادة وجماهيرية، أعتقد من الشرعي أن نسأل لماذا تسقط فلسطين -كما طرحت جريدة الأخبار "فلسطين سقطت سهوا من الدراما العربية"- مثلا لماذا يسقط العراق مثلا وهو البلد الذي احتل بكل هذه البشاعة يعني حادثة ماثلة أمامنا، لماذا تسقط القضايا الكبرى من الدراما العربية؟

بشير الديك: أنت طرحت حاجتين دلوقت القضية الفلسطينية والعراق..

علي الظفيري: على سبيل المثال لا الحصر.

بشير الديك: القضية الفلسطينية، يعني مثلا حأقول لك حاجة، أنا عملت فيلما عن القضية الفلسطينية وأنا أعتقد أنه الفيلم العربي الوحيد اللي ناقش القضية الفلسطينية في العمق اللي هو "ناجي العلي" وعملت مسلسلا هو أيضا عن القضية الفلسطينية كاملة دون ذكر كلمة فلسطين وهو اسمه "الناس في كفر عسكر"، "الناس في كفر عسكر" يتحدث فعلا بالتفصيل عن علاقة الفلسطينيين اللي أخذوا الأرض و.. لو رجعت للمسلسل وهو بيتكلم عن ده بشكل كامل دون ذكر.. أن فعلا لما الناس العادية ناقشوا ده ناقشوا قضية فلسطين وإسرائيل، كويس؟ ليه بقى؟ لأن هذه القضية اختمرت في الوجدان العربي وبقيت مشكلة حقيقية بقيت مشكلة عايشة ولها تاريخ ولها جذور ونستطيع أن نعبر عنها فنيا ونحن مطمئنين لأن حساباتها اتقفلت كلها يعني. أما القضية العراقية أو ما يحدث في الوطن العربي كل ما يمكن أن يحدث من معالجات له فهو اجتهادات، وفي عمل اتعمل السنة اللي فاتت عمله "هدوء نسبي" هو محاولة فعلا لرصد.. وكان عملا طموحا إلى حد كبير بغض النظر عن الناتج، لكن هذا العمل الطموح كان بيتحدث عن سقوط بغداد وده كان -سقوط بغداد- كان شيئا مروعا يعني فعلا وكان بيعمل فيه عناصر كلها جيدة وكلها عناصر حسنة النية، كويس؟ وجيدة فنيا أيضا يعني، ففي محاولات بس لسه بالنسبة للعراق..

حول شيوع الأعمال الأجنبية والتاريخية ومستقبل الدراما العربية

علي الظفيري (مقاطعا): هو هذه المشكلة مثلا يعني لا نقول إنه لا يوجد شيء ولكنها نادرة جدا يعني كأنها استثناء غير محمود بالنسبة في الإنتاج الدرامي، هذه الخطورة فيه. اسمح لي أسأل الأستاذ محمد، الولايات المتحدة الأميركية أيضا الفاعل الرئيسي في المنطقة يعني لها دور في كل ما يحدث، لم نلحظ ذكر حتى اسم ربما أميركا في أي عمل درامي، أستاذ محمد أنت كفنان مغربي شاركت في أعمال عربية هل تنظر بتوجس لهذا النفوذ الدرامي للأعمال التركية، الأعمال غير العربية قبل ذلك المكسيكية والحبل على الجرار بانتظار.. تنظر بتوجس بخيفة من هذا الأمر أم تعتقد أنه أمر إيجابي يصب لصالح الإنتاج الدرامي بشكل عام؟

محمد مفتاح: هو أنا لست ضد التنوع الثقافي، أن المواطن العربي لازم تكون عنده مجموعة من الخبرات يعني نشوف الأميركي ونشوف الإيطالي ونشوف الفرنسي ونشوف التركي ونشوف..

علي الظفيري: بس قبله نشوف العربي، نشوف العربي أولا.

محمد مفتاح: بس يكون بتاعي ملكي أنا العربي نحسن نشوفه يوميا لأننا نشوف السوري ونشوف الخليجي ونشوف المصري ونشوف السوداني يعني هذا تاعي لكن ننمي معلوماتي وقدراتي الأجنبية نعرف الأجنبي وين كاين، لكن الخطير الموجود عنا الخطير وهو اختيار هذه الأعمال الغربية أو الأجنبية اللي تدبلج المواضيع ديالها تافهة مثلا، المواضيع ديالها اللي تدور حول حلقة مفرغة أي الـ timing أننا مثلا القناة تتعامل مع الشركة ديال الأفلام اللي تبيع لك الدقيقة يعني واحد ستين دقيقة أو 55 دقيقة fiction صورة وخمس دقائق هي للجينيريك، هذا الـ timing هو الخطير على المتفرج العربي أنه لا يفيد المتفرج العربي، لكن الدراما العربية كيفما كان نراها أننا نستفيد منها نحن كعرب.

علي الظفيري: سيئها وجيدها.

محمد مفتاح: كيفما كان، هو السيء غير موجود فما دامت صورة والصورة هي تحتوي على ديكور وعلى ممثل وعلى ملابس وعلى هندسة ضوئية إذاً فيها واحد نوع ديال التشكيل فهذا في حد ذاته فن يرقى..

علي الظفيري (مقاطعا): والله يعني يمكن يُختلف معك أستاذ محمد مثلا يعني نحن في الخليج أنا كواحد من أبناء منطقة الخليج أنا أعتقد أن معظم النتاج الدرامي ساهم في تشويه صورة الإنسان الخليجي وأمعن في تكريس صور ذهنية سلبية. أستاذ حاتم كيف تنظر للإنتاج الدرامي التركي، المكسيكي ويقال إن الصيني على الأبواب وربما أعمال أخرى لأنه صارت يعني موضة؟

حاتم علي: شوف المفارقة في الموضوع أنه نحن العرب عادة يعني لا نأخذ أفضل ما ينتجه الأتراك بالعكس نأخذ الأسوأ..

علي الظفيري: ما عرض هو الأسوأ؟

حاتم علي: نعم ما يعرض لدينا في المنطقة العربية هو أسوأ ما أنتجته الدراما التركية..

علي الظفيري (مقاطعا): كنت في تركيا قبل أسبوعين، ما حدا يعرف حتى الفنانين يعني، أنا أسألهم، بيضحكوا علينا أنه هدول فقط نجوم عندكم، نحن ما نعرفهم يعني.

حاتم علي: نأخذ الأعمال التي ليس لها أي بعد اجتماعي يعني أعمال تكاد أن تشبه المسلسلات التركية سيئة الذكر، المشكلة الكبرى أننا ندبلجها إلى اللهجة السورية مبدئيا ونتعامل معها رقابيا واجتماعيا رقابتين يعني الرسمية والاجتماعية نتعامل معها بحرية أكبر وفي هذا تواطؤ يعني شديد جدا بمعنى نقبل من المسلسل التركي ما لا يمكن أن نقبله من مسلسل سوري سواء في كل تفاصيله الفنية وبالتالي نتيح له حرية كبيرة جدا في أن يقدم مغريات متنوعة سواء يعني من مناظر ممثلين أجزاء..

علي الظفيري: جسدية.

حاتم علي: جسديا، أنواع القصص التي يقدمها، الحريات الشخصية التي يطرحها إلى آخره، ورغم أنه ناطق باللهجة السورية ناطق يعني بالعربية يعني كأننا نخدع أنفسنا فطالما هؤلاء ليسوا عربا فمسموح يذهب إلى ما يشاء وبهذا نساعد هذا المنتوج غير العربي على أن يتكرس ويصبح مشاهدا بنسب عالية جدا..

علي الظفيري: عملية مقصودة ولا غير مقصودة برأيك؟

حاتم علي: يعني هي تابعة للطريقة اللي بنفكر فيها نحن مع الأسف سواء كنا متفرجين أو عاملين في المجال الإعلامي أو سلطات وفي النهاية يعني أنا أخشى أن تكون المنافسة فيما بعد يعني قوية وربما تكون اللعبة غير متكافئة وغير عادلة وفي هذا كما أعتقد خسارة كبيرة للدراما العربية الجيدة وفيها أيضا إمعان في تشويه ذائقة الجمهور وتعويده على نوع سيء من الدراما.

علي الظفيري: للأسف الوقت ضيق فحابب نمر بشكل سريع على بعض النقاط التي أراها مهمة، موضة الأعمال التاريخية الآن بدأت تتقدم كثيرا في الدراما في السنوات الأخيرة، كأن هناك عبثا أو محاولة إعادة صناعة التاريخ وفق ما يشتهيه المنتج، يقدم شخصيات سيئة على أنها جيدة شخصيات جيدة على أنها شخصيات سيئة حسب رغبات السوق يعني أو حسب رغبات صاحب السوق، أستاذ بشير هل يحق للدراما أن تعبث في التاريخ؟

بشير الديك: لا، طبعا لا يحق للدراما أن تعبث..

علي الظفيري: هل ما يجري هو عبث في التاريخ أم لا برأيك؟

بشير الديك: دي بقى دي اللي محتاجة دراسة يعني لا أستطيع أن أحكم عليها حكما سريعا كده لأن البحث في التاريخ هو أيضا بحث في الهوية هو محاولة للوصول للعمق للجذور الحقيقية عند الناس الجادين يعني أنا أعرف بعض الناس اللي بيعملوا حاجات تاريخية جيدة فيها شغل..

علي الظفيري (مقاطعا): شفت "الملك فاروق" يا أستاذ بشير؟

بشير الديك: شفت "الملك فاروق".

علي الظفيري: حاتم معنا، تعتقد أنه قدم رواية تاريخية سليمة أم مصطنعة برأيك أنت؟

بشير الديك: هو من ناحية تتابع الأحداث ممكن تبقى سليمة لكن الظلال والأعماق والوجه الآخر لهذه الأحداث هي ليست سليمة لأنها ليست مدققة بشكل جيد يعني كانت بتلعب يعني المسلسل لعب على شكل الولد على الملك الولد، الملك الولد ده كان في فترة من الفترات كويس لكن بعد كده في علاقته مع الرجل الإنجليزي ومع البتاع و54.. اسمه إيه ده؟ 42 وهكذا، كان في عالم آخر زاخر بالأحداث وزاخر بالقيم الاجتماعية والتاريخية ده أغفل لحساب ذلك الولد اللي بيلعب، ولأول مرة بنقدم ملكا بيلعب يعني بيلعب وبيلبس..

علي الظفيري (مقاطعا): مضطر آخذ تعليق الأستاذ حاتم قبل أن أنتقل إلى الأستاذ محمد.

حاتم علي: شوف أنت حقيقة أثرت قضية في منتهى الحساسية مع الأسف في نهاية البرنامج، مسألة التاريخ يعني هي مسألة حقيقة يختلف عليها بمعنى أنه يعني ليس من الأدوار الأساسية للدراما أن تلعب دور أستاذ التاريخ في كليات التاريخ ولا يمكن لأحد أن يدعي أنه يقبض على الحقيقة التاريخية كاملة، اليوم سقطت بغداد في عصر الفضائيات يعني على الهواء مباشرة كلنا نتفق على أنها سقطت الساعة كذا في يوم كذا لكن لكل منا الآن روايته وتأويله الخاص لهذا السقوط، ما بالك إذاً نختلف الآن على حدث وقع على الهواء مباشرة فما بالك في التاريخ الذي يمتد إلى ربما عشرات وأحيانا مئات السنين! لا بد أن ندرك ولا بد أن يدرك المشاهد أن كل عمل تاريخي ليس هو التاريخ، هو وجهة نظر صناع هذا العمل في هذا التاريخ وعليه حقيقة أنا دائما أقول يجب كما نضع على علب السجائر تحذيرا يجب أيضا أن يسبق المسلسل التاريخي تحذير يقول هذا ليس هو التاريخ إنما وجهة نظر صناع هذا العمل في التاريخ، طالما أن المؤرخين أنفسهم يختلفون على التاريخ.

بشير الديك: ووجهة النظر هذه..

حاتم علي: فطبيعي أن نختلف أنا وإياك لأن كل واحد منا له وجهة نظر.

بشير الديك: وجهة النظر هذه من حقنا أن نناقشها وننتقدها يعني أنا أنتقد وجهة النظر دي..

حاتم علي: لذلك يجب على المشاهد ألا يأخذ الدراما التلفزيونية على أنها مصدر المعرفة الوحيد والأساسي، مع الأسف هذا يحدث في الوطن العربي نتيجة يعني عدم وجود عادة البحث العلمي عدم وجود عادة القراءة وإلى آخره.

علي الظفيري: واحدة من الأمور اللافتة، تركيا سابقا في الدراما السورية كانت تقدم على صورة الجزار بعد تغير المواقف السورية الآن تقدم تركيا العثمانية أو دولة الخلافة العثمانية بصورة إيجابية كثيرا. أستاذ محمد آفاق صناعة الدراما آفاق تطوير هذه الصناعة في العالم العربي برأيك كيف يكون؟

محمد مفتاح: والله أنا لي رأي هو تغيير العقلية ديال المسؤولين عن الإعلام بصفة عامة لأن الدراما هي تدخل في الإعلام، هذه العقلية لازم تكون متطورة شيئا ما ويكون فيها شيء من الحرية لأن الإشكال المطروح عند المبدع السينمائي ولا المسرح ولا الدرامي هو الرقابة السياسية ورقابة دينية ورقابة اجتماعية رقابة مالية يعني كاين ضغوطات وكاين إكراهات عند المبدع العربي فإذا تطورت العقلية اللي عند المسؤولين فيظهر لي أننا سنمشي قدما إلى الأمام في الدراما العربية إن شاء الله.

علي الظفيري: أستاذ بشير كيف ترى مستقبل الدراما العربية؟

بشير الديك: أنا بطبيعتي متفائل ما أعرفش ليه يعني لكن أنا متفائل، أنا أرى أن الدراما العربية من خلال فعلا جيل موجود وجيل بدأ يبقى موجودا بشكل قوي ممكن تبقى دراما جيدة جدا إذا أتيح لها فعلا زي ما قال الأستاذ محمد الوعي بأهمية هذا الشيء يعني الدراما لها أهمية عالية جدا جدا مش بس عند المتلقي لا عند كمان الناس المسؤولين لأن هذه الدراما تستطيع أن تقدم صورة جيدة وقوية وتدعو للفخر للمجتمعات التي تقدم عنها وتقدم لها في نفس الوقت.

علي الظفيري: أستاذ حاتم، وضع جانبا النجاحات التي تحققت في الأعمال التي قمت بها، متفائل تجاه مستقبل الدراما العربية؟

حاتم علي: أنا بدأت كلامي أن الدراما العربية هي جزء من واقع الثقافة العربية أو جزء من الواقع العربي حقيقة الاجتماعي والثقافي وبالتالي أزماتها هي من أزمات هذا المجتمع، مستقبلها أيضا مرهون بقدرة هذا المجتمع على تطوير نفسه وعلى تحرير نفسه من كثير من القيود سواء كانت القيود السياسية أو الاجتماعية.

علي الظفيري: الأستاذ حاتم علي صاحب "التغريبة الفلسطينية" التي جعلت كل أو معظم -على الأقل- المشاهدين العرب يدركون تلك التفاصيل التي عاشها الفلسطيني حينما خرج من أرضه مطرودا طبعا بفعل الاحتلال الإسرائيلي، شكرا جزيلا لك، أستاذ محمد مفتاح الذي جعلنا نتطلع إلى مشاركات فنية مغربية عبر نموذج مغربي ناجح جدا ومميز اقتحم هذا العالم المشرقي شكرا جزيلا لك نتمنى أن نشاهدك في أعمال كثيرة، أستاذ بشير الديك في فيلم "ضد الحكومة" الذي لم يشاهده أحد ولم يبك ربما على المشهد الأخير فيه للراحل أحمد زكي، شكرا جزيلا لكم. في الحوار الفني عادة هناك استثناءات، في الحوار السياسي ربما لا نمنح هذه الأمور أو لا نتحدث بهذا الشكل، شكرا جزيلا لكم. بريد البرنامج alomq@aljazeera.net وهذه كل التحايا من داود سليمان منتج برنامج في العمق، من الزميل راشد جديع، كل عام وأنتم بألف خير، في أمان الله.