- مشكلات الحركات الإسلامية في العالم العربي
- الحركة الإسلامية السياسية في السودان

- علاقة الدولة بالدين في رؤية الحركات الإسلامية

-
مقومات نجاح التجارب الإسلامية السياسية وآفاق المستقبل

علي الظفيري
بشير نافع
محمد بن المختار
علي الظفيري: أيها السادة قرن من التيه عاشه العرب ولا زالوا كانت الأمة فيه أكبر مختبر للمشاريع السياسية الحالمة والطامحة والناشئة لكن شيئا من هذا لم يثمر، لم يؤت الطلاق مع دولة الخلافة أكله، لم يحن بعد موسم الدولة القوية المنيعة السيدة والمتطورة. يومها قيل إن الإسلام حجر العثرة في طريق الحداثة، وتجزم الدولة العربية أنها ما تركت وصفة إلا وتجرعتها ولم تغادر فراش المرض يوما، وحده المشروع السياسي الإسلامي كان خارج القائمة. أيها الإخوة ما استفتي جمع من العرب على شيء إلا وكان للإسلاميين نصيب الأسد منه، حدث ذلك في كل بلد عربي تقريبا، ما يطرح التساؤل الكبير ماذا حال بين الإسلاميين وبين حكم بلدانهم؟ إن كان شيء من الإجابة في التحالف بين الحداثة الغربية بمشروعها الكولونيالي مع الاستبداد العربي فإن شيئا آخر في الإجابة يقول الناقدون للتجربة إنه يتمثل في بنية وتركيبة وفهم الحركات الإسلامية السياسية. والليلة أيها الإخوة نبحث في عمق تجربة الإسلام السياسي في العالم العربي فأهلا ومرحبا بكم. معنا للغوص في عمق هذه القضية الدكتور بشير نافع الكاتب والمؤرخ العربي مؤلف كتاب "الإسلاميون" والمشرف أيضا على برنامج الإسلاميون الذي قدمته قناة الجزيرة في الأشهر الماضية، كذلك الأستاذ محمد بن المختار الشنقيطي الباحث في مؤسسة قطر للتربية والعلوم والباحث في القضايا الإسلامية بشكل عام، أهلا بكم ضيوفنا الكرام. نبحث الليلة مشاهدينا تجربة الإسلامي السياسي في العالم العربي وقبل ذلك لهذا النوع والصنف السياسي تحديدا من الإسلام قصة في عالمنا يحكيها الزميل فوزي بشرى.

[تقرير مسجل]

فوزي بشرى: كان النصف الثاني من القرن العشرين حافلا بالآمال، إنها سنوات التحرر ونيل الاستقلال لكنها كانت أيضا سنوات تحتشد بأسئلتها الوجودية، أي هوية ستأخذ الدول الجديدة وأي أفكار ستعتقد؟ مصر مثلا اندفعت بشاغل التنمية والفقر وإعادة توزيع الثورة إلى أحضان الفكر الاشتراكي وكذلك فعل العراق وفعلت سوريا كلهم طلبوا النهضة والمستقبل من خلال وعي قومي وثق صلته بالمعسكر الاشتراكي وذلك في ظل استقطاب دولي يقسم العالم إلى اشتراكية ورأسمالية، لكن مصر التي كانت تحاول مد رواق عقيدتها الجديدة خارج حدودها كانت تبدو لحركة الإخوان المسلمين الصاعدة مشروعا سياسيا مفارقا لتراث الأمة الديني. كانت الحركة التي بدأت في العشرينينات واتسعت شعبيتها في العقود التالية قد استلهمت كل ما سبقها من كتابات إسلامية تنظر للإسلام بوصفه نظاما للحكم وهو ما شكل عقيدة الحركة التي ترى أن الإسلام هو الحل، وقد مثلت حركة الإخوان المسلمين وما سار على نهجها من حركات سلفية تؤمن بحاكمية الدين ومرجعيته وهيمنته على فعل الدول واحتكامها إليه في كل صغيرة وكبيرة شكل كل ذلك جزءا مما بات يعرف بالإسلام السياسي وهو اقتراب من السلطة بحق الدين، اقتراب ظلت تطلبه حركات برفق تنكر معه كل عنف وسعت فيه أخرى تقتل ما تبالي، تقول إنه جهاد وقد يبلغ بها اليأس من المجتمع والدولة محل الإصلاح فتكفر الجميع في مطلبها العسير لإقامة مدينتها الفاضلة. وإذا كانت حركة الإخوان المسلمين الأم في مصر لم تغادر فعل الاحتجاج السلمي والعنيف ضد الدولة المصرية وظلت بشكل عام تتحرك في هامشها غير معترف بها فإن حركات أخرى كانت أكثر مغامرة واستعجالا لبلوغ السلطة، تأتي حركة الإخوان المسلمين في السودان في المقدمة إذ غافلت القوى السياسية معها في البرلمان واندفعت إلى السلطة عن طريق الانقلاب العسكري تستعجل شروق الدولة الإسلامية على يدها واستلام السلطة يحيل إلى سؤال ممارستها، والسودان هنا يقدم نموذجا في المسلكية السياسية للجماعة المسلمة وقد تمكنت من السلطة واستبدت بها. منتقدو الإسلام السياسي يقولون إن تجربة السودان بعد عشرين عاما من حكم الإسلاميين لم تكن غير حصاد وفير من فساد الحكم واستشراء الفساد وانتهاك حقوق الإنسان وسلب الحريات وقمع المخالفين والتنكر لسلطة المؤسسات مما استقرت عليه الدولة الحديثة. ولم تدخل التجربة الجزائرية في امتحان قولها كما وقع للتجربة السودانية فقد حيل بين إسلاميي الجزائر وبين السلطة لما تبين للعسكر أنهم بالغوها لا محالة عن طريق الانتخابات، وقد كان من سبب ذلك أن اندفع المزاج الإسلامي الحركي إلى راديكالية اتسم فعلها بكثير من العنف في تسعينيات القرن الماضي. ولم يقدر للحركة الإسلامية في تونس أن تبلغ ما بلغته التجرية الجزائرية من اقتراب السلطة فقد تم قمعها باكرا بعد أن تنبهت السلطة التونسية إلى صعود شعبيتها خلال عقد الثمانينيات. وتعرضت التجربة في سوريا للمصير نفسه، وقد انتهت كثير من حركات الإسلام السياسي في المنطقة العربية إلى حالة من التعايش مع السلطة كما هو حاصل في الأردن والمغرب واليمن ومنطقة الخليج. ومن التجارب اللافتة لحركات الإسلامي السياسي فوز حركة حماس في الأراضي الفلسطينية فالحركة وهي في الأساس حركة جهادية مقاومة للاحتلال الإسرائيلي وجدت نفسها تدخل غمار السياسة ودهاليز السلطة وهنا وقع لها من الابتلاء في السياسة ما لم يقع في الابتلاء بالمقاومة فصراعها مع نقيضها حركة فتح يبدو كما لو أنه إعادة إنتاج لصراعات الحركات الإسلامية مع السلطات الحاكمة. في عام 1924 من القرن الماضي تلغي تركيا الخلافة الإسلامية وتدير ظهرها للدين، بعد أكثر من ثمانين عاما تعود تركيا لتنسج لنفسها ثوبا إسلاميا جديدا على يد أردوغان ورفاقه، إنهم إسلاميون على طريقتهم. في عام 1979 يصل الإسلام السياسي في نسخته الشيعية إلى السلطة عبر الثورة الشعبية ثم يقع له ما يقع للإسلام السياسي السني من إكراهات المواءمة الصعبة بين المثال والواقع، واقع الدولة الحديثة لا الخلافة أو الإمامة.

[نهاية التقرير المسجل]

مشكلات الحركات الإسلامية في العالم العربي

علي الظفيري: شكرا للزميل فوزي بشرى على هذا العرض التاريخي. نرحب بكم مشاهدينا الكرام وبضيوفي الدكتور بشير نافع والأستاذ محمد بن المختار الشنقيطي. دكتور بشير أكثر حكم يروج حول تجاب الإسلام السياسي في العالم العربي يقترب كثيرا من مسألة فشل هذه الحركات السياسية الإسلامية، هل فشل الإسلام السياسي بشكل دقيق فعلا في عالمنا العربي؟

بشير نافع: هو يعتمد على زاوية النظر فشل أم لم يفشل، إن كان المقياس هو وصول القوى الإسلامية للحكم في أغلب مناطق العالم الإسلامي في أغلب دول العالم الإسلامي فيمكن أن تقول إنه فشل لأنه لم يصل إلى الحكم إلا في مناطق محدودة، ولكن إن نظرنا إلى الظاهرة الإسلامية السياسية من منظار أوسع وأعمق من منظار السياق التاريخي الذي ولدت فيه الظاهرة الإسلامية السياسية في نهاية القرن 19 من مطلع القرن العشرين فأنا أعتقد أن الإسلام السياسي يعني حقق إنجازات كبرى.

علي الظفيري: ما هي؟

بشير نافع: مثلا، القوى الإسلامية السياسية وهي قوى طبعا كما ذكرت في التقرير متعددة التعبيرات وفي داخلها قدر كبير من التنوع، أعلت قيم الدين العليا وما نشهده الآن هو تراجع -يعني في المائة سنة الأخيرة- تراجع للإسلام الشعبوي أو القيم الدنيا للدين، الإسلام التصوف والإسلام الخرافي بينما هنا في مد مستمر للقيم العليا والقيم العقلانية والقيم الديناميكية للإسلام والقيم القادرة لإدارة الحوار مع الزمان الذي تعيشه، هذا إنجاز مش بسيط، الإسلام السياسي فتح باب الجدل على مصراعيه حول دور الدين ودور الإسلام في حياة العامة بغض النظر إذا كان هذا الأمر يعني له علاقة بالدولة نفسها وهذا أيضا أو هذا الجدل كما نعرف ولهذا..

علي الظفيري: هذا النقاش اليوم.

بشير نافع: أي نعم. وهذا الجدل مستمر ولم ينته وأنا أعتقد أنه ربما يعني أن مجتمعاتنا ربما لن تستقر في النهاية إلا بتحقق شرطين، شرط خارجي بمعنى كف أيدي التدخلات الخارجية عن العبث بشؤون هذه المجتمعات والدول وشرط داخلي هو إجابة إجماعية بمعنى إجابة يلتف حولها القطاع الأكبر من الشعوب على سؤال ما هو دور الإسلام في الحياة العامة.

علي الظفيري: أستاذ محمد بن المختار من زاوية استطاع الإسلام السياسي أن يحقق حضورا أكبر -الحركات السياسية الإسلامية- حضورا أكبر اليوم في المجتمعات العربية وهذا واضح وجلي، استطاعت أن تحدث تغييرا في تركيبة التيارات السياسية والفكرية الأخرى بشكل أيضا واضح وكبير،من زاوية أخرى لم تستطع أن تصل إلى الحكم إلا في شكل استثناءات عربية، من أي اتجاه نبدأ تقييمنا لفشل أو نجاح الإسلام السياسي في العالم العربي؟

محمد بن المختار الشنقيطي: الإسلام السياسي في العالم العربي نجح وفشل، نجح كما أشار الدكتور بشير نجاحات معتبرة وممكن أضيف إلى أنه نجح أيديولوجيا يعني حسم معركة الهوية لصالح الإسلام.

علي الظفيري: كيف؟

محمد بن المختار الشنقيطي: الإسلام اليوم ليس له منافس أيديولوجيا، ليست هناك أفكار مغرية..

علي الظفيري: تراجع اليسار، المشروع القومي العربي.

محمد بن المختار الشنقيطي: تراجع اليسار، تراجع المشروع القومي العربي على المستوى الأيديولوجي على الأقل، فيمكن أن يقال إن الإسلام السياسي حسم المعركة الفكرية لصالحه ولصالح الإسلام كدين لكنه لم ينجح في الجانب العملي لم يترجم نجاحه الفكري إلى خطة عملية، فأنا أعتبر أن الفشل هو في الثقافة العملية بالأساس، لم يستوعب الإسلاميون حتى الآن وسائل التغيير وفقه التغيير التي توفرها الحياة المعاصرة، فهم أقوياء في التمنع وفي الرفض وأقوياء في الصمود الفكري أمام أي تيار فكري آخر لكن يأتي الضعف إذا جاء التفصيل والبرامج العملية في مواجهات السلط الاستبدادية وغير ذلك.

علي الظفيري: إذا ما اتفقنا على أن الحكم هو الهدف المنشود لأي حركة سياسية، لماذا لم تستطع -دكتور بشير- حركات الإسلام السياسي أن تصل إلى الحكم في معظم البلدان العربية وهي الأقوى وهي الأكثر تأثيرا وهي الأكثر تحصينا على المستوى الفكري؟

بشير نافع: أنا أريد فقد ألاحظ ملاحظة بسيطة، اليسار تراجع في المنطقة العربية وفي العالم الثالث في العالم الإسلامي ككل لأنه أصلا صعود اليسار كان قصير العمر وكان غير طبيعي وغير منطقي وغير متسق مع تجربة هذه الشعوب التاريخية وقيمها، ولكن أنا لدي شك في مسألة تراجع الفكرة القومية يعني الذي حدث أن الأنظمة القومية العربية تهاوت واحدة بعد الأخرى يعني الأنظمة التي جعلت القومية العربية هي عمادها، هي عمادها الأيديولوجي هي التي هزمت في المعارك مع إسرائيل هزمت أو أنهكت في المعارك مع الغرب، ارتكبت أخطاء كبرى، الاستبداد وغيره..

علي الظفيري: لكن هذا برأيك لا يعني التراجع.

بشير نافع: ولكن لا يعني التراجع، العكس هو الصحيح الحقيقة، نحن نرى في المنطقة العربية على وجه الخصوص وهذا يعني لاحق بما حدث في مناطق إسلامية أخرى أنه يعني مثلا القوى الإسلامية السياسية التركية هي تركية الهوية، العرب كما نعرف أو نقول الإسلامية السياسية العربية لفترة من الزمن يعني ضعفت لديها الهوية العربية ولكنها الآن تسترد هذه الهوية كما حدث مع الآباء يعني، يعني كما كان أصلا مع الآباء الإصلاحيين كما كان أيضا مع حسن البنا والمؤسسين..

علي الظفيري: دكتور ثمة مراجعة جدية في هذه النقطة؟

بشير نافع: أنا أعتقد أنه في مراجعة جدية والآن في قناعة أن الإسلام، القوى الإسلامية السياسية رؤية القوى الإسلامية السياسية تصور القوى الإسلامية السياسية لمستقبل المنطقة له صبغة عربية واضحة وهذا الذي أقصد أن الفكرة القومية لم تتراجع على كل حال الفكرة القومية لم تتراجع في العالم ككل، هذا ما أنا أعتقده، يعني أعتقد أن بروز القومية الذي بدأ في القرن 18 يعني ربما أمامنا قرون قبل أن نرى تراجع الفكرة القومية واكتشاف العالم لمستوى آخر من مستويات الهوية..

علي الظفيري (مقاطعا): طيب هذا المبدأ الآخر، لماذا فشلت في الوصول إلى الحكم؟

بشير نافع: طبعا ربما أفضل لها.

علي الظفيري: ما الذي سيحدث؟ لماذا الأفضل؟ الأفضل لها أم الأفضل للآخرين؟

بشير نافع: أنا أعتقد أن القوى الإسلامية السياسية لم تقدم إجابة على سؤال الدولة، واحد من أكبر الأسئلة التي تواجه المجتمعات الإنسانية ككل منذ بروز الدولة الحديثة هو سؤال الدولة، إلى أي درجة هذه الدولة صحية؟ إلى أي درجة هذه الدولة إنسانية؟ إلى أي درجة هذه الدولة تجمع بين العدل وبين الحرية؟ والظاهرة الإسلامية السياسية -وأنا ما أردت أن أعلقه في البداية أصلا- الظاهرة الإسلامية السياسية ليست استمرارية للميراث الإسلامي بمعناه التقليدي وإنما الظاهرة الإسلامية السياسية هي استجابة حديثة على واقع حديث بدأ منذ منتصف القرن 19، هي ظاهرة حديثة، نحن لا نتكلم عن الإسلام السياسي الآن كما نتحدث عن ابن تيمية وعن الغزالي..

علي الظفيري: ظاهرة حديثة ولكنها مشتقة طبعا من موروث.

بشير نافع: طبعا طبعا تستند إليه وترجع إليه وهو يعني إطارها المرجعي ولكن هي كظاهرة اجتماع سياسي هي ظاهرة حديثة بالتمام، فأحد أهم الأسئلة أهم التحديات التي تواجه أو التي واجهت المجتمعات العربية والإسلامية منذ منتصف القرن 19 هو سؤال الدولة وهذا السؤال لم يتم الإجابة عليه بشكل مقنع في داخل القوى الإسلامية السياسية، هذا سبب، السبب الآخر طبعا هو التدخلات الخارجية أعتقد.

علي الظفيري: سنفصل في هذين الجزئين ولكن أيضا أستاذ محمد الشنقيطي في الإجابة على سؤال لماذا لم تصل إلى الدولة، أين الخلل في بنية هذه الحركات السياسية الإسلامية على الصعيد الفكري أو السياسي أو على البرنامج وأيضا في الإجابة على مثل هذه الأسئلة الذي أعاق وصولها إلى الحكم أو حال بينها على الأقل وبين الحكم؟

محمد بن المختار الشنقيطي: طبعا لأسباب مركبة طبعا.

علي الظفيري: دعنا نفصل فيها.

محمد بن المختار الشنقيطي: نعم. عدم وصول الحركات الإسلامية إلى السلطة الآن يمكن إرجاعه إلى عدة أسباب منها أسباب تتعلق بالفكر والخطاب ومنها أسباب تتعلق بالبنية، إن هذه الحركات لم تقدم حتى قدوة ممكن أن نقول في مجال البناء السياسي حتى في صفها الداخلي، وأنا أشرت إلى هذا كثيرا في بعض الكتابات التي كتبتها عليها، يعني أنت لا يمكن أن تبشر بالفكرة الديمقراطية إذا كنت لا تمارس داخل الصف، إذا كان المرشد يبايع مدى الحياة مثلا، أو كلما مات المؤسسة وقع انقطاع في المسيرة مثلا، هنالك خلل كبير في البنية التنظيمية للحركة، ثانيا هنالك مشكلة في الخطاب وهو الخطاب فيه نوع من المجانبة فيه نوع من الاستعلاء على المجتمع في نوع من بناء الأسوار بين الحركة وبين المجتمع، هي لم تحول نفسها إلى حركة المجتمع وإنما إلى حد ما بعض الحركات الإسلامية حولت نفسها إلى هوية داخل الهوية الإسلامية الاجتماعية..

علي الظفيري (مقاطعا): بمعنى؟ مزيدا من التفصيل في هذه النقطة.

محمد بن المختار الشنقيطي: بنت لنفسها.. حولت نفسها إلى طائفة أكثر منها تيارا اجتماعيا معبرا عن آمال الناس أو طموحاتهم، أيضا يمكن أن نقول إنها فرطت في اكتساب القوى النوعية، الدول المعاصرة ليست سهلة وليس من السهل الاستيلاء على السلطة في مجتمع منغلق مثل مجتمعاتنا إلا باكتساب القوى النوعية والقوى النوعية في المجتمعات المعاصرة هي الإعلام والمال والجيش وبالطبع الحركات الإسلامية لم تحقق كثيرا على هذه الجبهات الثلاث، في الدول الديمقراطية الحرة القوى النوعية هي المال والإعلام، في دولنا قوة الجيش والأمن أيضا هي القوة الثالثة وربما الأهم التي تحول بين من يسعى إلى التغيير وبين الوصول إلى السلطة، فطبعا هناك أسباب متعددة فكرية خطابية هيكلية علاقة بالمجتمع حتى الحركات الإسلامية مع الأسف -باستثناء النموذج التركي الذي ورد في التقرير- لم تطور عملا من داخل النظام أيضا، لا هي كانت قوية بنت كتلة اجتماعية قوية تهدم النظام القائم على الطريقة الإيرانية ولا هي سلمت بالواقع وعملت من خلال القنوات المتاحة، فعندنا في الدول العربية مشكلة شوية في..

علي الظفيري: تتفق دكتور بشير مع توصيف الأستاذ محمد؟

بشير نافع: في البعض وليس في الكل.

علي الظفيري: في ماذا تختلف معه؟

بشير نافع: يعني مثلا أي قوة تغييرية في المنطقة العربية لن تستطيع الوصول إلى الحكم في ظل الأوضاع الراهنة، في هناك مركب، مركب قائم ومكرس من الاستبداد الداخلي ومن النفوذ الأجنبي الذي سيطرت عليه يعني قوى رئيسية بعد الحرب الباردة وفي أغلب المناطق في العالم الإسلامي يعني مع الاستثناءات لها علاقة بتركيبات المجتمع التقليدية، في أغلب المناطق إذا أنت فتحت الباب للحريات وفتحت الباب للمنافسة الحرة على الحكم، القوى الإسلامية ستصل إلى الحكم وهذا الأمر يعني لم يعد فيه شك، نحن شهدنا هذا في الجزائر، المثال الذي ذكرته في المقدمة حول تونس، القمع الذي حدث للحركة الإسلامية في تونس هو كان جاء نتيجة للنتائج الحقيقية في انتخابات التسعين، في فلسطين هذا حدث..

علي الظفيري (مقاطعا): في مصر بشكل جزئي.

بشير نافع: في مصر لو سارت المرحلة الثانية والثالثة من انتخابات 2005 كما سارت المرحلة الأولى لكان الإخوان المسلمون سيطروا على البرلمان، هذا أم لم يعد فيه شك، هناك خطاب إعلامي، بالعكس نحن نقول إن الخطاب الإعلامي الإسلامي منتشر ومؤثر ويتهم أحيانا بالشعبوية حتى يعني لأنه نحن نبحث أحيانا عن تفسير لماذا هذا الانتشار الهائل بالغ التأثير في الشعوب من خطابات القوى الإسلامية السياسية، فالبعض يجد لأنها شعبوية، ولكن هذا المركب إما المركب بين النفوذ الأجنبي وبين الاستبداد الداخلي وأنا لا أتحدث عن قوى إسلامية سياسية فقط وإنما أتحدث عن أي تطور للتغيير في المنطقة، إما أن تواجه هذا المركب بحركة شعبية بانفجار شعبي هائل ومستديم لفترة من الزمن يستطيع يعني هزيمة هذا المركب أو أن يحدث تحول سلمي إلى نظام حر وديمقراطي، بدون هذا فالقضية يعني هذه المجتمعات ستبقى فيها الأمور على ما هي عليه بغض النظر عن إن كان التحدي الذي يواجه الدولة تحديا إسلاميا أو أي تحد من نوع آخر.

الحركة الإسلامية السياسية في السودان

علي الظفيري: نعم، التشخيص حقيقة يختلف بين حركة إسلامية استطاعت الوصول إلى الحكم وبين حركات -وهو نقاشنا العام- لم تستطع حتى الآن أن تصل إلى الحكم. كتبت أستاذ محمد، ألفت كتابا عن الحركة الإسلامية في السودان وهي الحركة الوحيدة التي استطاعت الوصول إلى الحكم والاستمرار في أي كانت الطريقة، كيف تشخص تجربة هذه الحركة الإسلامية السياسية في السودان في إدارة دولة على مدى عشرين عاما ويبدو أنها أيضا لديها متسع كبير من الوقت لإدارة أيضا الدولة..

بشير نافع: بعد النتائج الهائلة.

محمد بن المختار الشنقيطي: بالطبع الحركة الإسلامية في السودان هي تجربة فريدة من حيث الفاعلية، الفاعلية التنظيمية، القدرة على اختراق المجتمع، القدرة على اختراق الدولة، فهي كتجربة حركية وهذا الذي اجتذبني إلى دراستها والكتابة عنها ولكن كان من الواضح أيضا أن فقه الحركة لديها أنضج من فقه الدولة بكثير.

علي الظفيري: كيف؟

محمد بن المختار الشنقيطي: يعني وصلت إلى السلطة بقفزة إلى الأمام..

علي الظفيري (مقاطعا): يعني ما هي ملامح العجز في فقه الدولة بالنسبة للحركة الإسلامية في السودان؟

محمد بن المختار الشنقيطي: أولا حتى الحركة ذاتها لم يكن لديها تصور واضح حتى في الخطة، يعني كان هنالك تصور عن ثلاث سنوات تأمين بحسب المصطلحات السائدة في الأدبيات الإسلامية السودانية وبعدها التمكين..

علي الظفيري: تأمين الحكم يعني.

محمد بن المختار الشنقيطي: تأمين الحكم.

علي الظفيري: وجود الإسلاميين في الحكم.

محمد بن المختار الشنقيطي: نعم. ثلاث سنوات تأمين وبعدها مرحلة تمكين..

علي الظفيري: استمر التأمين إلى اليوم.

محمد بن المختار الشنقيطي: إلى اليوم، تأمين وإعادة التأمين الآن ما عاد مجرد تأمين. فالحركة مع الأسف كانت على مستوى عالي جدا من الفاعلية والنضج السياسي في السودان قبل أن تصل إلى السلطة ولكنها جاءت إلى السلطة بدون أفكار واضحة ولذلك ما كتبت أصلا على طريقة إدارة الدولة -وأنا تتبعت أدبياتها بتفصيل دقيق جدا- ما كتبوا عن إدارة الدولة وإنما كتبوا عن إدارة حركة وتنظيم حركة. أيضا طبعا المشكلات الهيكلية لأن اللي تحدثنا عنها من قبل رغم أن الحركة الإسلامية في السودان كانت من أحسن الحركات الإسلامية بناء قياديا في صفها الداخلي قبل أن تصل إلى السلطة ولم تكن القيادة فيها قيادة مشيخية تتمحور حول شخص ومع ذلك ظهر أنها أيضا لم تكن بالقوة المؤسسة الكافية للبقاء بعد الوصول إلى السلطة ولذلك جاء الانشقاق بين الترابي والبشير.

علي الظفيري: نعم. يتفق معك عبد الوهاب الأفندي الدكتور تيجاني عبد القادر، هما من الباحثين السودانيين الذين قدموا قراءة نقدية في تجربة الحركة الإسلامية السودانية. دكتور بشير إلى أي درجة أثر وصول الحركة الإسلامية في السودان إلى الحكم وتجربتها القائمة أثر بشكل سلبي على.. إلى أي درجة أثر بشكل سلبي على التجارب الأخرى؟

بشير نافع: طبعا نحن.. يعني أنا لا أعرف، يعني طبعا لأنه ليس لدينا القدرة على قياس يعني هذا الأثر سلبي ولا إيجابي. ولكن شوف، في مسألة كبرى تواجه المجتمعات العربية الإسلامية وتواجه القوى الإسلامية السياسية هذه المسألة تتلخص بالتالي، طبعا هذا ليس وقتا للمحاضرات ولكن أنا أريد أن أقول بشكل ملخص جدا، في التجربة الإسلامية التاريخية حتى منتصف القرن 19 الدولة لم تكن مسؤولة عن الدين، الدولة كانت مرجعية الدولة وشرعية الدولة مستمدة من الإسلام  بشكل عام ولكن الدولة كانت محدودة القوة والسلطة أساسا، مثلا الدولة لم تكن تشرع، الذي كان يشرع هو العلماء، والدولة التي لا تشرع، تصور أنت دولة لا تستطيع أن تشرع، الدولة لم تكن تشرف على قطاعات هائلة في الاجتماع، الصحة والتعليم والاقتصاد كان حرا إلى درجة كبيرة، الدولة مسؤوليتها مسؤولية أمنية وتنظيمية، هذه الدولة، الدولة الإسلامية التقليدية أو ما نسميه أحيانا الدولة، هذه الدولة تعرضت لعملية تحديث هائل ومتصلة منذ منتصف القرن 19 ولدت لدينا الدولة المركزية نموذج الدولة المركزية هذا نموذج أوروبي بالأساس، نحن لم يكن في تجربتنا الداخلية تاريخية مثل هذه الدولة، الآن جاء الإسلاميون وقالوا إن هذه الدولة لا بد أن نؤسلمها، فهم يعني الخطاب الإسلامي في القرن العشرين لم ينتبه إلى حقيقة أن هذه الدولة المركزية الدولة ذات السيطرة الهائلة على الأرض وعلى المجتمع وعلى الشأن الاجتماعي أن هذه الدولة ليست نظير الدولة التقليدية المحدودة في التجربة التاريخية الإسلامية، أنت تأتي بهذه الدولة، هذه الدولة بالغة القوى والأثر والفعالية ثم تضع علامة على رأسها تصبح الدولة أكثر فاعلية وأكثر قوة وأكثر سيطرة وهذا الذي رأيناه في التجربة الإيرانية ورأيناه في التجربة السودانية وهذا هو الذي أنتج هذه الحالة من انفجار العنف والمعارضات الكبيرة في السودان وفي إيران، ما لم يحل هذا السؤال، هذا سؤال الدولة، ما هي الدولة التي نريدها وما هي علاقة هذه الدولة بالإسلام وبالمرجعية الإسلامية وبالهوية الإسلامية فنحن أمام مأزق.

علي الظفيري: سننتقل إلى هذا الجانب من النقاش علاقة الدين والدولة في فكر أو تصور الحركات السياسية الإسلامية ولكن بعد فاصل قصير، مشاهدينا الكرام تفضلوا بالبقاء معنا.

[فاصل إعلاني]

علاقة الدولة بالدين في رؤية الحركات الإسلامية

علي الظفيري: أهلا بكم من جديد مشاهدينا الكرام في العمق يبحث الليلة تجربة الإسلام السياسي في العالم العربي مع الأستاذ محمد بن المختار الشنقيطي والدكتور بشير نافع. أستاذ محمد كيف نشخص الخلل الواقع في رؤية وفكر الحركات الإسلامية في مسألة علاقة الدولة بالدين وخاصة أن الدكتور بشير أثارها قبل قليل وقد أثيرت في الآونة الأخيرة بشكل مكثف، مسألة علاقة الدين بالدولة ما هي أوجه الخلل لدى الحركات السياسية الإسلامية في هذه المسألة؟

محمد بن المختار الشنقيطي: أعتقد يمكن اختزالها في ثلاثة جوانب، الجانب الأول هو أن الفكر السياسي المعاصر وبالذات فكر الحركات الإسلامية لم يستوعب بعد طبيعة العقد الاجتماعي الذي تتأسس عليه الدولة المعاصرة وهي دولة تتأس على الجغرافيا لا على الدين، قد يكون لها هوية دينية ولكنها في النهاية العقد الاجتماعي الذي يتأسس عليه دولة هو الجغرافيا، ليست مثل الإمبراطورية القديمة القائمة على أساس الاشتراك في المعتقد أو الاشتراك في العرق وهي دولة فتوح هنالك فاتح هو المواطن ومن سواه يعني أغلى أمانيه أن يحصل على حماية كمواطن من الدرجة الثانية..

علي الظفيري: تبّع.

محمد بن المختار الشنقيطي: فالدولة المعاصرة هي دولة قائمة على أساس الهوية الجغرافية، ثانيا الدولة المعاصرة لا بد أن تضمن المساواة السياسية بين مواطنيها لا مجال فيها لتشريع التفاوت في الحقوق بين المواطنين المسلمين وغير المسلمين أصلا، وأنا كتبت عنها مؤخرا وثار عليها مشكلة قضية.. أنه لا مانع من أن يكون غير مسلم رئيسا لدولة إسلامية.

علي الظفيري: زعلوا عليك المسلمين.

محمد بن المختار الشنقيطي: نعم. لماذا؟ لأنه أصلا أنت تريد أن تحمي منظومة قيم في الدولة المعاصرة منظومة قيم يحميها الدستور لا يحميها الشخص كما أن القاضي يحكم بالقانون لا يحكم باجتهاده ليس مثل الفقيه القديم. نحن مشكلتنا -وهذا اللي أشار له الدكتور طبعا بخلفيته التاريخية- لا نزال نستأثر لصور تاريخية تمنعنا من إدراك عميق لواقعنا المعاصر. المسألة الثالثة وهي قضية.. بعد المساواة السياسية والعقد القائم على الجغرافيا تتعلق بقضية الصلة بين القيم الدينية وبين السلطة أو قضية الفصل بين الدين والدولة وهذه طبعا مسألة شائكة، لا أعتقد أن العلمانية بمعنى الفصل التام بين الدين والدولة ممكن في المجتمعات الإسلامية، هو ممكن في المجتمعات المسيحية لأنه لا يوجد قانون مسيحي، أنا درست تاريخ الكنيسة وكان تخصصي في جامعة تكساس، لا يوجد شيء اسمه قانون مسيحي، يوجد قانون كنيسة ما يسمونه.. أما القانون الإسلامي الشرع الإسلامي الذي حكم هذه المجتمعات حوالي 12 قرنا أو أكثر لا يمكن إلغاؤه بجرة قلم، فلا بد من صيغة تحافظ على مركزية التشريع الإسلامي دون أن تميز بين المواطنين وأن يكون هنالك مستوى عال من الاجتهاد أيضا لتكييف النظم القانونية الإسلامية مع الواقع المعاصر.

علي الظفيري: دكتور بشير كيف نفصل في هذه المسألة تحديدا شكل العلاقة بين الدين والدولة، طبعا من الصعب أن يختار الإسلاميون مسألة العلمانية لكن ما هو الشكل الأكثر ملاءمة لإيجاد علاقة ما؟

بشير نافع: هو طبعا يعني لا بد أن نقر في البداية أنه ليس هناك علمانية واحدة، في هناك علمانيات في العالم، في هناك علمانية فرنسية في هناك علمانية بريطانية في هناك علمانية ألمانية في هناك علمانية بريطانية وفي كل من هذه العلمانيات في قدر من الاختلاف رغم أن الجميع يعني جاء من أصل واحد..

علي الظفيري (مقاطعا): ممكن تكون في علمانية إسلامية أو عربية في هذه العلاقة؟

بشير نافع: طبعا الآن في هذا الوقت في هذا الزمن هذا الاستخدام، الاستخدام لكلمة العلمانية لمصطلح العلمانية في داخل المجتمعات العربية الإسلامية في داخل الخطاب العام العربي والإسلامي استخدام يثير الاستفزاز، وهو لهذا أنا أثرت قبل قليل أن المشكلة هي سؤال الدول، فإذا أخرجنا هذا المصطلح الذي مثير للاستفزاز وضعناه جانبا وبدأنا الجدل مباشرة حول طبيعة هذه الدولة التي نريدها وحول دور الدين في الحياة العامة فأنا أعتقد -وربما أكون مخطئا- أنه في نهاية الأمر لن نسمح بأن تكون الدولة وصيا على الدين على أي دين على أي تصور للدين ولا ينبغي أن تكون الدولة وصية على الدين بمعنى أن هذه الدعوة إلى أن تصبح الدولة أن يصبح الدين يعني ليس فقط أساس شرعية الدولة وإنما أن يوضع الدين في يد الدولة -وهذا هو الخطاب الذي يميز بعض القوى الإسلامية السياسية- أنا أعتقد أن هذا خطر، وإنما ينبغي أن نعود إلى أصل الأمور أن المجتمع الجماعة هي مستودع الدين وليست الدولة هي مستودع الدين.

علي الظفيري: هذا أمر دكتور وأسأل عنه أستاذ محمد أنه فعلا كلما وصلت حركة سياسية إسلامية تحديدا إلى الحكم أو أصبح لها تمثيل أكبر في بلد ما سادت رؤيتها، في إيران ساد الإسلام السياسي الشيعي الجعفري الاثني عشري، في العراق أيضا من الواضح حتى أن ميلا لكثير من الكتاب منهم الدكتور بشير نافع منهم الشيخ راشد الغنوشي تحدثوا عن أن ربما العلمانية في صيغة القائمة قائمة العراقية هي الأقرب والأفضل والأكثر قبولا الآن مقابل تجارب إسلامية أخرى، في لبنان التجارب الإسلامية السياسية طائفية سواء شيعية أو سنية، في أكثر من مكان، في السودان أيضا سادت رؤية واحدة، كيف يمكن حل هذه المشكلة، هل تساعد في تعزيز شكل معين يفصل كما ذكر الدكتور بشير بين رؤية الحركة  السياسية للدين وإدارتها للدولة؟

محمد بن المختار الشنقيطي: لا، أنا لا أعتقد أولا أن العلمانية هل الحل للمجتمعات الإسلامية رغم أنه كما أشار الدكتور طبعا هنالك فرق بين العلمانية اللي ما يسمونه الناعمة والعلمانية الصلبة soft secularism  و hard secularism. أنا أعتقد أن ما نحتاجه اليوم هو الإجماع، المشكلة هي نقص في الإجماع السياسي وليست مشكلة إسلامية أو علمانية ويمكن حصول نوع من الإجماع على صيغة يراها العلمانيون علمانية ويراها الإسلاميون إسلامية وهذا ممكن فعلا لأنه..

علي الظفيري (مقاطعا): ملامح هذه الصيغة؟

محمد بن المختار الشنقيطي: مثلا إذا فصلنا، حددنا أولا التمييز بين ما يسميه بعض المفكرين الإسلاميين -وهذا طرح في المغرب منذ سنوات- التمييز بين مجال الدعوة والمجال السياسي ولا يعني الفصل بين الدين والدولة ولكن منطق الدعوة قائم على الاكتساب والمنطق السياس قائم على أساس المغالبة فلا بد من التمييز بين الاثنين. أنا أعتقد أن هناك تمييزا آخر لا يقل أهمية وهو التمييز بين الأخلاق والقانون في الشريعة الإسلامية، الشريعة الإسلامية 90% منها أخلاق وليست قوانين، يعني ليست مجالا يفترض أن تتدخل فيه الدولة بقوة القانون، ولكن من أكبر الخلط المنهجي السائد اليوم وحتى عند بعض الحركات الإسلامية هو أنها تريد أن تحول كل الأخلاق إلى تشريعات وهذا خطأ.

علي الظفيري: كل تفصيل في هذه الشريعة يراد له أن يتحول إلى قانون.

محمد بن المختار الشنقيطي: نعم، نعم، سلطة الضمير أهم من سلطة القانون في الأديان وإلا أصبح الناس يعبدون الدولة ولا يعبدون الله عز وجل..

بشير نافع: ولكن هذه هي طبيعة الدولة المركزية.

محمد بن المختار الشنقيطي: لا، نحتاج دولة حرة يكون فيها تدخل الدولة محصورا، تدخل القانون محصور وهناك فضاء مفتوح، أما هل هذا القانون، مصدر هذا القانون.. طبعا أيضا هذا أمر آخر يحتاج إلى حل وهو أنا أعتقد كل قانون لا يناقض الإسلام هو قانون إسلامي بدلا من أن نقول كل قانون ليس مأخوذا من القرآن والسنة ليس إسلاميا، لا، كل قانون لا يناقض الإسلام هو قانون إسلامي.

علي الظفيري: عدم مناقضة الإسلام وبالتالي.. بشير نافع له تعليق.

بشير نافع: يا أستاذ علي شوف، نحن نتحدث عن حلول مؤقتة لأوضاع طارئة ومؤقتة، يعني كيف؟ أنت أولا دعني أتفق في البداية مع السؤال اللي أنت طرحته، كل المجتمعات التي يوجد فيها تعدد طائفي ملموس يعني تعدد طائفي بقدر يعني واضح وملموس..

علي الظفيري: لبنان، العراق.

بشير نافع: الإسلام السياسي فيها أو البرنامج الإسلامي السياسي في الحكم هو خطر، لن ينتهي إلا إلى أنظمة طائفية، هذا أمر لم يعد محل جدل لأنه هذا وقع بالفعل..

علي الظفيري: في البلدان غير متعددة الطوائف.

بشير نافع: إيه في البلدان غير المتعددة الطوائف، أعتقد أنه في النهاية ينبغي أن تكون الدولة، وأنا أقول مرة أخرى أن هذا حل مؤقت لأنه إذا كانت إحنا أنا وأنت ومحمد المختار والمشاهدون إذا كنا نحن يعني نستبطن المثال العربي المنطقة العربية فهذه الكيانات بإسلام سياسي أو بغير إسلام سياسي غير قابلة للحياة بشكل طبيعي وصحي وينبغي في النهاية أن يوجد تصور وحدوي لهذه الكيانات تضعف فيه سلطة الدولة ويتسع في نطاق المجتمع ويتسع أيضا في نطاق الإجماع وفي النهاية هذه الوحدة هذه الكيانات الواسعة ستستطيع أن تجد حلا ولكن بشكل مؤقت يمكن أن يكون هناك قدر من المرجعية الإسلامية في بلدان مثل مصر في بلدان مثل الجزائر في البلدان التي لا تعيش وضعا طائفيا قلقا.

علي الظفيري: الغريب أنا أعتقد ربما يطرح أحد هذا السؤال عليكما تحديدا، لماذا يراد من الحركات الإسلامية السياسية أن تجيب بشكل.. أن تقدم إجابات نهائية ومكتملة لسؤال الدولة وهي لم يتح لها أي هامش للحركة؟ يعني لماذا لا يترك لها المجال في أن تتولى إدارة الدولة نظيرا لحجمها وتمثيلها الكبير في المجتمع وبعد ذلك هذا أمر خاضع للنضج، بعد التجربة تستطيع أن تحدد ما هي ملامح الإجابة على هذا السؤال الكبير.

محمد بن المختار الشنقيطي: بالطبع من حق الحركات الإسلامية أن تعطى فرصة كما من حق القوى الاجتماعية أن تتنافس في فضاء حر قائم على أساس احترام الجميع، لكن من حق الناس أيضا أن يطالبوا من يسعى إلى التغيير من يسعى إلى السلطة أن ينظروا في الأفق النظري الذي يقدمه، والإسلاميون يحتاجون إلى وضوح في أفقهم النظري.

علي الظفيري: عندنا تجربة الإخوان المسلمين في مصر في قضية كتابة دستور أو تنظيم أو رؤية..

بشير نافع: برنامج.

علي الظفيري: برنامج سياسي؟

محمد بن المختار الشنقيطي: نعم طبعا كتبوا دستورا وكتبوا ولذلك الأستاذ فهمي هويدي علق قال الإخوان في هذا الدستور ظالمون ومظلومون، يعني أنت تكون ضحية للظلم وفي نفس الوقت تسوغ نوعا من التفاوت وعدم المساواة بين المواطنين..

علي الظفيري (مقاطعا): ماذا سجل عليه من تحفظات؟

بشير نافع: هو برنامج وليس دستورا.

علي الظفيري: برنامج عفوا. برنامج ولكن هو أرضية.

محمد بن المختار الشنقيطي: حتى كان في مشروع دستور كمان أو مشروع حزب سياسي، عموما من حق الناس أن يطالبوا الإسلاميين بالوضوح النظري حول ما يريدون وخصوصا في مجال المساواة والحريات، هذا من حق أي مواطن..

علي الظفيري (مقاطعا): نذكر أنه جرت مقابلة مع الدكتور محمد حبيب فقط كان التحفظ على رئاسة الدولة اشتراط المسلم فيها وكان أيضا قضية تطرح دائما فيما يتعلق بحقوق غير المسلمين والمرأة تحديدا في هذه.. هل هناك تحفظات أخرى؟

محمد بن المختار الشنقيطي: هذه التحفظات الرئيسية لأنها تتعلق بالمساواة السياسية والمساواة السياسية أمر لا يقبل الجدل فيمن يريد أن يبني دولة معاصرة، مع ذلك أنا أريد أن أرجع إلى الوراء وأقول إنه لا أرى أن الطائفية مبرر للعلمانية والعلمانية لن تطبق في الدول الإسلامية إلا بالقهر والقهر ينافي أي حل سياسي منصف فيها يعني.

مقومات نجاح التجارب الإسلامية السياسية وآفاق المستقبل

علي الظفيري: التجارب تقاس بمثيلاتها، فقط لضيق الوقت، التجربة الإيرانية والتجربة التركية. دكتور محمد المهتدي الباحث في القضايا الإسلامية من إيران يجيب لماذا نجحت التجربة الإسلامية السياسية في إيران.

[شريط مسجل]

محمد المهتدي/ باحث إيراني: في دراستنا لأسباب نجاح الثورة الإسلامية في إيران عام 1979 يمكن القول إن هناك عناصر مهمة جدا ولكن على رأس هذه العناصر والسر المهم الكامن لنجاح هذه الثورة إنما هو قوة المرجعية الدينية لأن الثورة انتصرت بشعارات دينية إسلامية وهي ثورة إسلامية حقا، هنا مكمن السر، سر نجاح الثورة، العلاقة الخاصة بين الشعب وبين القيادة الدينية أعني قيادة الإمام الخميني، بحيث الإمام الخميني من منفاه في باريس في نوفلشتو كان يصدر الأوامر والشعب فورا ينفذ هذه الأوامر وهذه الطلبات بدون سؤال وبدون أي إشكالية في موضوع التنفيذ. هنا النقطة مهمة جدا بالنسبة للحركات الإسلامية في الدول العربية هذه الحركات في مسار عملها تعتمد على التنظيم وعلى تربية الكوادر، على النخب التنظيمية، الإمام الخميني لم يكن يعتقد بموضوع التنظيم وبموضوع الكوادر بس كان يعتقد بمخاطبة الوجدان الديني لدى الشعب الإيراني وبهذا التخاطب انتصرت الثورة بقيادة الإمام الخميني.

[نهاية الشريط المسجل]

علي الظفيري: دكتور بشير ما الذي توفر في حركة سياسية إسلامية تنجح في إيران وأيضا مؤخرا في تركيا ولم يتوفر في العالم العربي؟

بشير نافع: شوف إحنا الحقيقة، طبعا تعود إلى السؤال الأول في الحلقة أنه الوصول للحكم يعني القبض على مقاليد الدولة، طبعا هذا حدث في إيران ولكن بعد ذلك التجربة واجهت كما نعرف صعوبات كبيرة لأنه في إيران في صعوبة مضاعفة في صعوبة من أن هذه الدولة دولة حديثة وأسلمناها، وفي صعوبة أخرى أنه في إشكالية لعلاقة الفكر السياسي الشيعي بمسألة الدولة، يعني الفكر السياسي السني هو أكثر مرونة في التعامل مع فكرة الدولة فهو في.. لكن لماذا نجحت هذه الثورة؟ نجحت الثورة لأنه في هناك قوانين تحكم الثورات الشعبية وهذه الثورة نجحت في 1979 لأنها اقتربت كثيرا بشكل غير عادي -منذ الثورة الشيوعية في روسيا في مطلع القرن العشرين- من القوانين الصحيحة للثورة، العلاقة بين القيادة والكتلة الشعبية، انفجار التناقض بين الكتلة الشعبية بين الجماعة والأمة وبين النظام المستبد. وطبعا الإسلام منذ.. أنا يعني طبعا لا مجال هنا للتفصيل ولكن الإسلام بالأساس والإسلام السياسي بجذوره هو.. والتوجهات الإسلامية الدستورية في نهاية القرن 19 هي في الحقيقة ولدت من مسألة الرد على الاستبداد يعني عندما ولدت الدولة الحديثة في بلادنا في النصف الثاني من القرن 19 كان لاحظ عدد كبير من رجال الدين ومن البيروقراطية ذات الخلفية الإسلامية أن هذه دولة مستبدة هذه دولة لا نعرفها يعني هذه دولة مش مستمدة من تاريخنا، فكيف أصبح الرد عليها؟ الرد عليها هو العودة إلى الشريعة، أصلا فكرة العودة إلى الشريعة الإسلامية هي ولدت في هذه اللحظة يعني أنت إذا قرأت كتابا في القرن الرابع الهجري أو الخامس الهجري، هذا الجدل حول الشريعة وتطبيق الشريعة لم يكن موجودا، فكرة تطبيق الشريعة ولدت في النصف الثاني من القرن 19 في الرد على استبداد الدولة الحديثة، فالمرجعية الإسلامية في إيران وظفت بشكل هائل وبشكل ناجح لأنه كان في لحظة قطيعة بين الشعب وبين نظام مستبد.

علي الظفيري: أستاذ محمد من الواضح أنه لا مجال، لا فرصة لتطبيق النموذج الإيراني نموذج الثورة والانقلاب على الدولة، لكن هناك نموذجا آخر النموذج التركي، ما هي الأسئلة التي تطرح في علاقات الحركات السياسية الإسلامية بالديمقراطية تحديدا كوسيلة اليوم لتكون بديلا مقبولا ومنطقيا لأنظمة الحكم السائدة؟

محمد بن المختار الشنقيطي: أنا أعتقد أن الحركات الإسلامية تحتاج إلى أن تغير من إستراتيجيتها أو أفقها من حركات ساعية إلى الحكم إلى حركات ساعية إلى التحرير، تحرير الشعوب يعني الاستبداد، نحن شعوبنا ليست بحاجة إلى من يحكمها، هي محكومة أكثر من اللازم أصلا، بحاجة إلى من يخفف عنها قبضة الحكم.

علي الظفيري: وكيف يتم هذا الأمر على صعيد البرنامج؟

محمد بن المختار الشنقيطي: هذا يتم أولا أن تتحول الحركة إلى جزء من كتلة اجتماعية لا تجعل الصراع بين الحركة والدولة أصلا، إذا استمر الصراع بين حركة سرية اسمها المخابرات العامة أو حركة سرية اسمها أي نوع، سمها أي اسم من أسماء الحركات الإسلامية أو غيره، هذا الصراع ليس صراعا اجتماعيا ليس الصراع ليس يولد كتلة اجتماعية قوية قادرة على مقارعة الاستبداد.

علي الظفيري: هل يدور شيء من هذا الحديث في مصر تحديدا مع حركة الإخوان المسلمين في تغيير النهج؟

محمد بن المختار الشنقيطي: طبعا، الإخوان المسلمون بصراحة في مصر يعيشون مخاضا فكريا جيدا وهنالك ديناميكية قوية جدا يعني متحركة في السنوات الأخيرة ما في شك في هذا، وهنالك صراع بس صراع داخل الحركة نفسها لا تزال بين.. بس أن الرجوع إلى ما تحتاج الحركات الإسلامية إليه، أولا تتحول إلى حركات تحرير لشعوبها، ثانيا لا تعزل نفسها، لا تكن حركة مواجهة للدولة وإنما مجتمع مواجه للدولة تتحول إلى حركة مجتمع، وهذا الذي نجح به الأتراك الحقيقة وأعتقد أن جذوره ترجع إلى الانفصام الخطير الذي وقع بين القومية والإسلام منتصف القرن العشرين، هذه المأساة العربية وأنا أعتقد أنه من أكبر الكوارث في تاريخنا المعاصر هو الصراع ما بين القومية والإسلام في الخمسينيات والستينيات، وهذا الذي تفاداه الإيرانيون فالحقيقة ثورة الإمام الخميني هي ثورة إسلامية لكنها قومية والأتراك الآن وهم إسلاميون قوميون أيضا، لم يقع التناقض الذي وقع مع مجتمعاتنا.

علي الظفيري: وأشرنا مع الدكتور بشير قبل قليل أشار إلى أنه في شيء من المراجعات تحدث في قضية العلاقة بين ما هو إسلامي وما هو قومي عربي. لم يتبق وقت كثير دكتور بشير أسألك أنت اطلعت كثيرا على تجارب الحركات الإسلامية العربية من خلال برنامج إسلاميون التقيت بمعظم.. تكاد التقيت بكل ربما أو معظم الإسلاميين في العالم العربي والحركات الإسلامية، إلى أين تتجه هذه الحركات برأيك، ما هو مستقبلها المنظور؟

بشير نافع: أنا أقول دائما إن الاتجاه الإسلامي السياسي ليس اتجاها ناجزا وإنما نحن في مواجهة process يعني في مواجهة عملية، في مواجهة عملية سائرة ولم تصل إلى نهاياتها ولم تأخذ ملامح نضجها بعد رغم كل هذا الزمن الطويل الذي أشرت أنت إليه في مقدمة البرنامج، وأعتقد -وربما أيضا أكون مخطئا- أعتقد أن الأمور تسير تدريجيا وبهدوء إلى شيء قريب مما يحدث في تركيا بمعنى أن المجال الإسلامي حر ومنفتح في داخل المجتمع والقوى الدينية الإسلامية في داخل المجتمع تعمل على نطاق واسع، مستشفيات ومدارس وحجاب وتدين، وهناك دولة مدنية، الدولة المدنية هذه تطرح سياساتها وتطرح قوانينها على الخيار الشعبي، الشعب هو الذي يقرر إلى أي مدى تقترب الدولة مما يسمى -بين قوسين- أيضا إسلام.

علي الظفيري: وهو يقيس كل شيء الإدارة المدنية يقيس هذا النشاط أيضا المجتمعي بشكل ويبدأ يعني ربما يطلق أحكامه.

بشير نافع: في النهاية أنا أعتقد أن الأمور تسير في العالم الإسلامي ككل يعني بهذا الاتجاه ولكن هذه الدول الصغيرة الضعيفة المقسمة حتى مثل هذا النموذج لن تستطيع احتماله لفترة طويلة وإنما لا بد أن توجد كيانات أكبر أن توجد وحدات أكبر حتى تستطيع أن تتحمل مثل هذا العبء.

علي الظفيري: أستاذ محمد أين تتجه؟ باختصار شديد إن تكرمت.

محمد بن المختار الشنقيطي: هذه الحركات الإسلامية لا يمكن أن نحملها الحقيقة مسؤولية التغيير ولا أين تتجه، هي جزء من حركة المجتمع، وكان نيلسون مانديلا في السجن كان يقول يا من منعك أهل السلطة الحرية فإن طريقك إلى الحرية هي السلطة. فنحن نحتاج أن يدرك أهل السلطة أن الجميع يحتاج إلى الحرية وألا يجعلونا جميعا طالبين للسلطة لأن هذه هي عقدة مجتمعاتنا اليوم.

علي الظفيري: محمد بن المختار الشنقيطي الباحث في مؤسسة قطر للتربية والعلوم والمهتم أيضا بالقضايا الإسلامية مؤلف كتاب "الحركة الإسلامية في السودان" شكرا جزيلا لك، الدكتور بشير نافع الكاتب والمؤرخ العربي مؤلف كتاب "إسلاميون" وكتب أخرى غيرها، المشرف أيضا على برنامج إسلاميون، شكرا جزيلا لكم. مهمة هذه الحلقة أن تطلق استفهامات أكثر مما أن تقدم إجابات ناجزة ونهائية، مشاهدينا الكرام كل الشكر لكم، تحية لكم من داود سليمان منتج برنامج في العمق، الزميل خالد الخميري مخرج هذه الحلقة، نلقاكم إن شاء الله في الأسبوع المقبل دمتم بخير وفي أمان الله.