- أرمينيا القديمة بين المجازر والتشتت
- أزمة ناغورنوكاراباخ بين الدين والفكر الشيوعي

- أذربيجان بين الاحتلال والتطهير العرقي

- الحرب ومشكلة اللاجئين في أذربيجان


أسعد طه: وقائع هذه القضية تفيد أن هذا المكان رائع الجمال لكنه كان أسير الدولة الشيوعية لسبعين عاما.. فلما حانت ساعة الحرية وقع أمر عجيب، أعلن الناس على أنفسهم الحرب، هدموا مساكنهم، حرقوا مساجدهم وكنائسهم، دمروا حدائقهم ومدارسهم وأخيرا استبدلوا الخيانة بالديار وبلفظ الأخوة لفظ الأعداء وهاكم تفاصيل ما جرى، بوسعك من هنا أن ترى كامل المدينة، إنها العاصمة الأرمينية يريفان ومن هنا أيضا ومن فوق هذا المرتفع المسمى جبل الطيور سيكون بمقدورك أن تزور نُصب تذكاري هرمي الشكل يرمز للمذابح التي يقول الأرمن أنهم قد تعرضوا لها على أيدي الأتراك، يتوسط المكان ما يُسمى بالنار الخالدة وبجوارها مسلة مخروطية مرتفعة ثم حائط رخامي طويل نُحتت عليه أسماء مدن أرمينية يقولون أنها تخضع للاحتلال التركي وتحت هذا الحائط قبور بعض مَن حاربوا في كاراباخ ثم حديقة صغيرة جرت العادة أن يزرع فيها رؤساء الدول وكبار الزوار شجرة أرز تعبير عن تضامنهم مع الشعب الأرميني، في هذا المكان وفي الرابع والعشرين من الشهر الرابع في كل عام يحتشد الآلاف من أهل أرمينيا رجال ونساء، كبار وصغار، فلاحين وعمال ومهنيين وطلاب، الجميع يأتي من كل صوب إحياء لذكرى المذابح التي أتُهم الأتراك بارتكابها عام 1915 وهي المذابح التي راح ضحيتها مليون ونصف المليون من الشعب الأرميني.



أرمينيا القديمة بين المجازر والتشتت

روبين سرفرستيان- باحث ومؤرخ: لم تكن إبادة الأرمن عملية محدودة بل كانت عملية متواصلة بدأت أواخر القرن التاسع عشر وانتهت في العشرينيات من القرن العشرين والنتيجة أن الأرمن فقدوا مليون ونصف المليون مواطن، فقدنا أيضا أرمينيا الغربية كلها ودُمر ما كنا قد بنيناه عبر آلاف السنين، دُمرت الكنائس والمعالم الثقافية والمدارس وأضطر من بقي على قيد الحياة إلى الانتشار في بلاد العالم.

أسعد طه: الأتراك من ناحيتهم يقولون أن وثائق الأرشيف العثماني تثبت أن العدد الكلي للأرمن الذين كانوا يعيشون ضمن الدولة العثمانية أقل من العدد الذي يزعم الأرمن أنه قد هلك في أحداث عام 1915 وإن الأمر لم يكن مذبحة وإنما عمليات نقل للأرمن إلى أماكن أخرى ضمن حدود الدولة العثمانية وإن هذا الإجراء قد أتُخذ عقاب للأرمن على الدور الذي لعبوه كطابور خامس لروسيا القيصرية في حربها ضد الدولة العثمانية وعقاب على المذابح التي ارتكبها الأرمن بحق بعض القرى المسلمة، على كل حال فإن الواقع الذي يمكن أن تلمسه هنا في أرمينيا يفيد أن قضية المذبحة باتت ركنا أساسيا في شخصية المواطن الأرميني وبها يمكن تفسير كل سلوكياته الاجتماعية والسياسية.

روبين سرفرستيان: إن المجازر صفحة من التاريخ هذا صحيح ولكنها أيضا عنصر أساسي في تكوين شخصية شعبنا حاليا.. وكما تعلمون فإن الشعب الأرميني يعيش اليوم في معظم بقاع الأرض، هنا أرمينيا التي تمثل10% فقط من أرمينيا التاريخية وهناك الشتات الأرميني والذي هو نتيجة للمجازر وهذه المجازر بالنسبة لنا ليست تاريخ بل هي حقيقة حتى اليوم.

أسعد طه: حقيقة حتى اليوم لأنك من فوق مترفع جبل الطيور يمكنك أن ترى جبل أرارات الواقع شرق تركيا وهي المنطقة التي يعتبرها الأرمن أراضي محتلة تم إجلائهم عنها خلال هذه المذابح، هذه المنطقة الشرقية من تركيا تشكل مع دولة أرمينيا بشكلها الحالي، أرمينيا التاريخية بزعم الرواية الأرمينية التي تعتمد الاضطهاد التاريخي عامل رئيسي في تكوين الدولة الأرمينية ربما على غرار ما يفعله اليهود.

"
الأرمن تعرضوا للإبادة لكنهم استطاعوا إعادة تأسيس دولة لهم على ما تبقى من أرضهم أي أرمينيا الحالية
"
 روبين سرفرستيان

روبين سرفرستيان: الأرمن أُبيدوا على أرضهم في بلدهم بينما اليهود أبيدوا في أوروبا حيث لم تكن لهم دولة وأرض، ثانيا الأرمن تعرضوا للإبادة لكنهم استطاعوا أن يحافظوا على وجودهم.. على جزء من أرضهم أي أرمينيا الحالية فيما لم توجد ظاهرة كهذه بالنسبة لليهود فهم كانوا موجودين في كل بقاع الأرض، أما في دولة إسرائيل اليوم فلم يكن يوجد يهود هناك، خلال الإبادة استطاع الأرمن إعادة تأسيس دولة لهم على ما تبقى من أرضهم ولولا وقوع المجازر لكان الأرمن قد أسسوا دولتهم على كل تلك المساحة الجغرافية والروحية والسكانية لذا لا تجوز المقاربة بين إبادة الأرمن وإبادة اليهود وما نتج عنهما من تأسيس دولة مستقلة.

أسعد طه: معالم المدينة تكاد تحمل كلها إشارات ودلالات خاصة وها هي حديقة النصر التي أُسست في زمن الاتحاد السوفيتي تخليدا لذكرى الانتصار في الحرب العالمية الثانية ضد ألمانيا النازية، تلك الحرب التي شارك فيها عدد كبير من الجنود الأرمن الذين كُتبت أسماء بعضهم على الجدران الصخرية الممتدة على طول الحديقة التي يتوسطها تمثال بارتفاع ضخم يسمى أمنا أرمينيا يحمل سيف يقال أنه باتجاه تركيا، يريفان العاصمة مدينة صغيرة لكنها أنيقة تزيَّن ساحاتها العامة بالتماثيل، تمثال للرسام سريان وآخر للموسيقار رام وثالث لواضع الأبجدية الأرمينية مسروج ورابعا لمؤسس يريفان ألكسندر تمنيان وخامس تمثال شاهدناه هو لأندرانيك قائد الحرب ضد الأتراك ورئيس الجمهورية الأولى عام 1918 قبل أن تقع أرمينيا تحت السلطة الروسية والسوفيتية إلى أن تعلن استقلالها عام 1991، أما التاريخ القديم فيفيد أن المنطقة وقعت برمتها تحت سيطرة العديد من الإمبراطوريات التاريخية وفيما يخصنا نحن فقد وصلها الإسلام عام 640 ميلاديا وعرفت عهد الأمان الذي منحها إياه عمر بن الخطاب رضي الله عنه بأن لا تمس الكنائس أو الصلبان واحتفظ الأرمن على مر السنين بعلاقات قوية مع العرب، نتذكر ذلك ونحن عند المسجد الوحيد في يريفان والواقع في مركزها والذي باتت إيران ترعاه بعد ترك الآذريين من البلاد، فإذا ما ابتعدنا لمدة عشرين دقيقة عن العاصمة وجدنا ما يطلق عليه الأرمن اسم مهبط الوحي اعتقادا منهم بأن السيد المسيح عليه السلام قد هبط إلى هنا، هذه التحفة المعمارية يعود بناءها إلى القرن السابع الميلادي وهي مركز الكرسي الرسولي للمذهب الأرميني وقد استرد المركز وضعه كأم الكنائس الأرمينية بعد انهيار الاتحاد السوفيتي.



أزمة ناغورنوكاراباخ بين الدين والفكر الشيوعي

الأسقف بارين- النائب العام للكنيسة الأرمينية: لقد كانت الكنيسة مهمشة في العهد السوفيتي، يجب أن يقال أنه قبل قدوم السوفيت إلى هذا البلد كانت هناك أكثر من ألفي كنيسة ودير والعدد ذاته أو أكثر من رجال الدين.. وعند سقوط الاتحاد السوفيتي كان الرقم الرسمي لعدد الكنائس ستة عشر وأنا أشك في هذا الرقم وأقول أنه ما كانت توجد إلا ثماني كنائس كانت موجودة في عهد السوفيت، أما عدد الكهنوت فلم يكن يصل إلى الخمسين.

أسعد طه: يوم أحد والمصلون كُثر والواقع أنه يمكن أن تلحظ بسهولة مظاهر التدين لدى الشعب الأرميني سواء في تردده على كنائسه العديدة في أنحاء البلاد أو في تمسكه بالرموز الدينية.

"
يعتبر الشعب الأرميني أول شعب في التاريخ يتبنى الديانة المسيحية كدين رسمي للدولة
"
 روبين سرفرستيان

روبين سرفرستيان: من أجل فهم تاريخنا فإن هناك عاملا مهما وهو المسيحية، فقبل 1700 عام أعتنق الشعب الأرميني المسيحية كديانة رسمية وبذلك يعتبر الشعب الأرميني أول شعب في التاريخ يتبنى الديانة المسيحية كدين رسمي للدولة وأصبحت المسيحية عنصرا أساسيا من مكونات هويتنا القومية.

أسعد طه: ما أن تلتقي بالناس هنا على اختلاف انتماءاتهم حتى تكتشف سريعا أن عاملي الدين والتاريخ يحكمان سلوك ومفاهيم الشعب الأرميني إزاء القضايا المتعددة ومنها أزمة ناغورنوكاراباخ، حرب شرسة دارت رحاها بين أرمينيا وأذربيجان عام 1988، ما لبثت أن تصاعدت مع إعلان الدولتين استقلالهما عن الاتحاد السوفيتي عام 1991 إلى أن تم التوصل عام 1994 إلى هدنة ما زالت سارية حتى الآن بعد أن نجحت القوات الأرمينية في بسط سيطرتها على منطقة ناغورنوكاراباخ بل وعلى مناطق أذربيجانية أخرى، غير أن الحقيقة أن كاراباخ أزمة قديمة جدا توارثتها أجيال عديدة من الآذريين أهل أذربيجان ومن الأرمن وقد تسلح كل فريق بدعاوى تاريخية لا سبيل الآن لإثبات صحتها لكن المؤكد أن الصورة الحديثة للنزاع حول هذا الإقليم قد تشكلت بدقة في عشرينيات القرن الماضي خلال حكم ستالين الذي كان يؤمن بالمبدأ الروماني الشهير فرِّق تسد والذي كان خلف عدة مشكلات حدودية في مناطق الاتحاد السوفيتي، لقد قرر ستالين عام 1923 ضم منطقة ناغورنوكاراباخ المتصارع عليها والتي كانت تقطنها أغلبية أرمينية في ذلك الوقت إلى الجمهورية السوفيتية الجديدة أذربيجان ومنحها حكما ذاتيا وفي المقابل أبقى إقليم ناختشيفان بأغلبيته الآذرية معزولا داخل أرمينيا معتقدا أنه بذلك أوجد بؤرة خلاف حساسة بين الجمهوريتين مما يضمن موقفا قويا لموسكو، في ساحة الشعب حيث بنايات وزارة الخارجية ورئاسة الوزراء والمتحف الوطني أو في أي مكان من العاصمة الأرمينية ستلحظ أن الهاجس الاقتصادي يسيطر على تفكير الناس وهو أمر طبيعي بعد أن تراجع الاهتمام بالأزمة بعد عشر سنوات من هدنة أعقبت حربا حققت فيها أرمينيا نصرا ساحقا ضد أذربيجان، فإذا كان ذلك هو واقع الأمر هنا فكيف يبدو واقع الأمر هناك إلى أذربيجان إذاً.. للوهلة الأولى هالني المشهد، ليست هذه هي باكو التي زرتها زمن الشيوعية وليس هذا شارع نظامي الذي عهدته، الصورة الآن تختلف تماما، ازدحام وصخب، حركة وحيوية، شباب من الجنسين يرتدون أحدث ما أنتجته بيوت الأزياء العالمية، محلات تحمل أسماء عالمية شهيرة فيما توارت أو اختبأت كل مظاهر الشيوعية بعد أن ملأت المكان لسبعة عقود وبعد ما يزيد على عقد من سقوطها.. لكن بناية قيادة الحزب الشيوعي السابق ما زالت تحاول بما لها من بهاء أن تغري الناس بذكر محاسن موتاهم، غير أن مساوئهم هي التي ما زالت تزعج الناس هنا، صور الرئيس في كل مكان وهو الرئيس الأب حيدر علييف الذي ورث الحكم للرئيس الابن إلهام علييف قبيل وفاته كما لو أنهم مثلنا لديهم جمهوريات وراثية.. أما باكو العاصمة فإنها تطل بسكانها البالغ عددهم ثلاثة ملايين نسمة على بحر قزوين وهو أكبر بحر مغلق في العالم وقد عرف العالم باكو كعاصمة للذهب الأسود فقد تم بها حفر أول بئر سطحي في العالم لاستخراج النفط في القرن الخامس عشر وبعد ذلك بثلاثة قرون باتت باكو تنتج نصف كمية النفط الذي كان العالم حينها يحتاجه يوميا وهي اليوم تتصارع على الثروة النفطية لبحر قزوين مع دوله الخمس المطلة عليه وهي إلى جانب أذربيجان، كازاخستان وتركمانستان وروسيا وإيران، فإذا ما انتقلت إلى مركز باكو فستجد المدينة القديمة أي باكو التاريخية التي يعود تأسيسها إلى القرن التاسع الميلادي وهي تضم قصر شروان الذي سكنه الحكام على مر العصور.. وفي التاريخ أن أذربيجان فُتحت في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه في العام الثامن عشر للهجرة ولم تكن حينها مقسمة كما هي اليوم بين شطر جنوبي يسكنه ما يزيد على عشرة ملايين ويقع ضمن إيران وشطر شمالي يمثل جمهورية أذربيجان القائمة الآن بسكانها الذين يقتربون من ثمانية ملايين نسمة، غالبية هؤلاء السكان من المسلمين وهم يتبعون المذهب الشيعي ويتكلمون التركية مما خلق أزمة هوية بين الانتماء العرقي التركي والانتماء العقائدي الإيراني إن صح التعبير.



[فاصل إعلاني]

أذربيجان بين الاحتلال والتطهير العرقي

أسعد طه: أما تاريخ أذربيجان الحديث فيفيد أن روسيا انتزعتها من الفُرس عام 1818 لكنها استقلت بعد مرور مائة عام، ثم عادت القوات الروسية فاجتاحتها عام 1920 لتصبح جمهورية سوفيتية.. حتى إذا ما تفكك الاتحاد السوفيتي أعلنت استقلالها في الثلاثين من الشهر الثامن لعام 1991، على أن أذربيجان بتاريخها الطويل تقع ضمن منطقة القوقاز التي أطلق العرب الرحالة عليها اسم جبل الألسن باعتبارها منطقة جبلية عبرتها واستقرت فيها موجات بشرية عديدة بألسنتها ولغاتها المختلفة.. والقوقاز الذي يقع بين البحر الأسود في الغرب وبحر قزوين في الشرق تتقاسمه أربع دول هي روسيا وجورجيا وأذربيجان وأرمينيا وبين الأخيرتين نشبت هذه الإشكالية المسماة ناغورنوكاراباخ.

علي حسنوف- نائب رئيس الوزراء ورئيس لجنة اللاجئين- أذربيجان: هذه المشكلة ليست جديدة، تحاول الجاليات الأرمينية العالمية تقديم المشكلة إلى الرأي العام العالمي كأنه نشب نزاع قومي في الأعوام ما بين 1988 و1992 من القرن العشرين ونتجت هذه المشكلة عن ذلك النزاع القومي ولكن هذا الموقف بعيد عن الحقيقة تماما فتاريخ هذه المشكلة يعود إلى أكثر من مائتي عام، فنتيجة للحرب بين إيران وروسيا القيصرية التي انتهت عام 1828 قامت روسيا حينذاك بتوطين قسم من أرمن إيران في مناطق مختلفة من هذه المنطقة، ضمن ذلك تم إسكان هؤلاء الأرمن في منطقة كاراباخ الجبلية لأذربيجان.

أسعد طه: الرأي الآخر يصر على أن ناغورنوكاراباخ أرمينية الأصل ويستند إلى ما يقول أنها وثائق تاريخية تثبت ذلك ويستشهد بالواقع المتمثل في أن غالبية السكان هم من الأرمن وهو ما يقول الطرف الأذربيجاني أنه نتاج عمليات توطين دارت على مدى سنوات طويلة.

علي حسنوف: في عام 1978 أقام الأرمن أنفسهم نصبا في ذكرى مرور مائة وخمسين عاما على انتقال الأرمن إلى أراضي ناغورنوكاراباخ وقد نُشرت المقالات الخاصة بذكرى هذا التاريخ بصحف الاتحاد السوفيتي السابق وفي الصحافة العالمية، إلا أنهم في الوقت الحاضر غيروا ما كُتب على هذا النصب.. هذه الوقائع تشير إلى سنة 1828 كتاريخ لتوطين الأرمن في المناطق الأذربيجانية من جملتها ناغورنوكاراباخ.

أسعد طه: رأي وسطي يفيد أنه نظرا لأن ناغورنوكاراباخ كانت بمثابة نقطة التقاء بين الإمبراطوريات العثمانية والفارسية والروسية فإنها شهدت عددا كبيرا من الغزوات وحركات التنقل بين السكان نتيجة لعمليات الهجرة الواسعة التي سادت المنطقة وقد تكون إحدى الجماعات في قرن من القرون أقلية وفي قرن آخر تجد نفسها أغلبية.. وما حدث عام 1988 هو أن غالبية السكان كانوا من الأرمن الذين بدؤوا بالمطالبة بضم الإقليم إلى أرمينيا مع هبوب رياح التغيير فيما كان يُعرف بالاتحاد السوفيتي وبالطبع أعترض الآذريون لدى سلطة موسكو وسرعان ما اشتبك الطرفان في حرب أهلية خلّفت قتلى وجرحى ولاجئين في الجانبين.. وفي ديسمبر من عام 1989 يزداد الموقف تعقيدا بإعلان أرمينيا ضم إقليم ناغورنوكاراباخ إليها ثم يندلع قتال أكثر حدة عام 1991 تورطت فيه القوات السوفيتية بالإضافة إلى القوات الأرمنية.. وبعد انهيار الاتحاد السوفيتي ترفض ناغورنوكاراباخ الاتحاد مع أرمينيا وتعلن استقلالها التام في بدايات عام 1992 مع استمرار القتال بين الطرفين، إلى أن استطاع الأرمن بسط سيطرتهم على الإقليم.. بل نجحوا في احتلال 20% من أراضي جمهورية أذربيجان نفسها.

"
الانفصاليون الأرمن والقوات المسلحة الأرمينية احتلوا المناطق المجاورة السبع لناغورنوكاراباخ ولجأ سكانها إلى المناطق الأخرى لأذربيجان كمشردين من أراضيهم
"
     علي حسنوف

علي حسنوف: لم يكتفي الانفصاليون الأرمن والقوات المسلحة الأرمينية بتلك الأراضي واحتلوا المناطق المجاورة السبع لناغورنوكاراباخ وهي أغدان وفضولي وغبرائيل وزينغيلان وقبضلي ولاتشين وكلابغر، عدد سكان تلك المناطق المجاورة سبعمائة ألف شخص ولم يكن الأرمن يعيشون هناك ولقد لجاء سكان تلك المناطق إلى المناطق الأخرى لأذربيجان كمشردين من أراضيهم.

أسعد طه: لقد رفض الأرمن التراجع عن تلك الأراضي التي احتلوها في أذربيجان نفسها حتى يتم الاعتراف باستقلال ناغورنوكاراباخ وضمان أمنها.. وهكذا أصبح الموقف هناك مجمدا حين توقفت معظم أعمال القتال نتيجة توقيع اتفاقية لوقف إطلاق النار في مايو من عام 1994.

علي حسنوف: تم احتلال وتخريب ثمانمائة وست وخمسين منطقة آهلة بالسكان ودُمرت جميع المنشئات الصناعية والزراعية والبنايات ونُقلت كلها إلى أرمينيا والبلدان الأخرى كمواد إنشائية.. وقُدر حجم الخسائر المادية لأذربيجان بما يساوي تقريبا خمسين مليار دولار أميركي، نتيجة لهذا النزاع سقط عشرون ألف مواطن من أذربيجان شهداء وأصبح مائة وعشرة آلاف شخص معاقين ووقع ستة آلاف شخص من الأذربيجانيين في أيدي الأرمن كرهائن وأسرى ومازالوا معتقلين في ناغورنوكاراباخ وأرمينيا.

وفاء غولوزاده- رئيس مؤسسة الدراسات السياسية لبحر قزوين: كل هذه الأراضي محطمة.. يعني ألف وخمسمائة مدينة وقرية تماما محطمة.. وبعدين الأرمن في هذه الحرب أسوأ من الفاشية وأسوأ من هتلر لأن عندما هتلر استولى على الأراضي الروسية الجيوش الهتلرية عاشوا مع السكان سلميين، هما ما عملوا يعني تنظيف قومي (كلمة بلغة أجنبية) يعني الأرمن قد طرودا كل الأذربيجانيين أولا من أرمينيا واستولوا على أموالهم وأراضيهم وبعدين طردوهم من كل الأراضي المحتلة وهي 20% من الأراضي الأذربيجانية، لا واحد أذربيجاني يعيش في هذه الأراضي.

أسعد طه: الوثائق المصورة التي أمدنا بها تليفزيون أذربيجان تتحدث عن أعمال وحشية ارتكبتها القوات الأرمنية في حق الآذاريين من مجازر جماعية واغتصابات واعتداءات على الشيوخ والنساء والأطفال وهو أمر يندهش المرء لوقوعه بين بلدين عاشا جارين لسبعين عاما ضمن كيان واحد هو الاتحاد السوفيتي، غير أن أرمينيا بدورها تتهم أذربيجان بنفس التهمة.

فارتان أوسكانيان- وزير خارجية أرمينيا: عندما بدأ الاتحاد السوفيتي في الانهيار بدؤوا في أذربيجان وبصورة تامة وفورية بالقيام بالتصفية العرقية في أراضيهم وهجّروا الأرمن من سمغييد وباكو وكيانغا وغيرها من الأراضي بهدف إخلاء تلك الأراضي من الأرمن، كانوا يرغبون في القيام بنفس الشيء في ناغورنوكاراباخ ولكن وبفضل وجود جيش في كاراباخ تمكن الكاراباخيون من الصمود وتحقيق النصر في الحرب وإقامة سيادتهم على تلك الأراضي.



الحرب ومشكلة اللاجئين في أذربيجان

أسعد طه: أما الآن فقد بات من الضروري التوجه إلى حيث يعيش اللاجؤون الذين قالت المصادر الرسمية الأذربيجانية أن عددهم حوالي مليون مواطن أُجبروا على ترك مناطق عيشهم نتيجة للعدوان وعمليات التطهير العرقي المتواصلة التي نفذتها أرمينيا في أراضي أذربيجان المحتلة بزعم الرواية الأذربيجانية، بدأنا رحلتنا الطويلة لمدينة صابر أباد حيث يقع معسكر اللاجئين خارجها في منطقة شديدة الحرارة صيفا شديدة البرودة شتاء ويضم المعسكر أكثر من أربعة آلاف لاجئ معظمهم من مناطق أذربيجان الشمالية المحتلة، أمضوا حتى الآن عشرة أعوام في أكواخ متواضعة مصنوعة من القش والتبن ويفتقد المعسكر الصرف الصحي والمرافق العامة.

لاجئة أذربيجانية أولى: لا نريد هذه الأرض، كثير من الناس يأتون ويُصورون ثم يذهبون وليست هناك نتائج، أنظر إلى هذا الطفل إنه يموت، نعيش حياة سيئة، نموت من الجوع، يعطون لنا كل شهر خمسة كيلو جرامات من الطحين وكيلو جرام من الزيت، هل تستطيعون أن تعيشوا بهذا المقدار من الغذاء؟ ولكننا لو كنا في أراضينا لكنا زرعنا وحصدنا وقطفنا التفاح من الأشجار.

أسعد طه: أما معسكر ساعتلي فهو يضم حوالي ثلاثة آلاف وخمسمائة لاجئ معظمهم من مناطق أذربيجان الجنوبية المحتلة وهم يعيشون في بيوت أسمنتية متواضعة وبعضهم ما يزال يعيش الخيَّام منذ لجوءهم إلى هنا.

لاجئ أذربيجاني: أذكر لي اسم بلد مسيحي يوجد فيه حرب، هذه حرب صليبية ضد المسلمين، أضرب لك مثلا الشيشان، أفغانستان، فلسطين، العراق والبوسنة، في كل مكان في العالم يتم قتل المسلمين.

أسعد طه: قال اللاجؤون لنا أن معظمهم هرب إلى هنا مشيا على الأقدام حيث عبروا نهر أراكس إلى إيران ثم إلى أذربيجان وسمعنا قصصا كثيرة عما يقول الآذريون أنه قد وقع لهم على أيادي الأرمن من حرق البيوت والحقول وقتل الماشية وأنهم قد أُجبروا على الرحيل تاركين ورائهم كل ما يملكون.. ولن ينسي اللاجؤون التأكيد على استعدادهم للقتال لاسترداد أراضيهم وديارهم فليس أمامهم ما يخسرونه على حد قولهم.

لاجئة أذربيجانية ثانية: ذهب زوجي إلى القتال واستشهد بعد ستة أشهر، أنا أريد وطني، أريد أن تعود أراضينا لكي يفرح أرواح شهدائنا، لماذا تساعد روسيا الأرمن بالأسلحة وتقوم بتقويتهم؟ لا أحد يفكر في هذا.

أسعد طه: صحيح أن كل ما شاهدناه يدعوا إلى الأسى لكن هذا المعسكر بذاته يثير في النفوس كل مشاعر الألم، حيث يعيش الناس في عربات السكك الحديدية القديمة والبالية ويفترش بعضهم الأراضي الأسمنتية المجاورة لقطاراتهم للنوم عليها مباشرة، القطارات صدأه وحديدها يئن من قسوة الطقس صيفا وشتاء والحال هكذا منذ عشر سنوات.

لاجئة أذربيجانية ثالثة: عندما ضربوا بالقنابل كانت القنابل تنزل على القرى المجاورة، خرجنا إلى أراضي إيران ثم أتينا إلى هنا إلى منطقة إميشلي، نعيش في ظروف سيئة كما رأيتم، الأولاد دائما يسألوننا هل كان لنا بيت مثل الآخرين؟ نقول طبعا كان كيف يمكن أن يعيش الإنسان هنا؟ أنتم جئتم الآن ولا تستطيعون أن تتحملوا.

لاجئة أذربيجانية رابعة: درجة الحرارة مرتفعة جدا في الصيف والجو بارد جدا في الشتاء وهكذا نعيش منذ اثنتي عشرة سنة، أنا وزوجي ننام هنا والبنات ينمن هنا، ابني كذلك ينام معنا في نفس الغرفة.
أسعد طه: نواصل التقدم باتجاه المناطق الفاصلة بين قوات أرمينيا وقوات أذربيجان وتحديدا إلى مدينة أوراديس الواقعة ضمن مقاطعة فيزولي التي تخضع عاصمتها للاحتلال من قبَّل الأرمن.. وهي مدينة صغيرة تمكن الجيش الآذاري من استرجاعها عام 1994 وتقع مباشرة على الحدود مع إيران حيث يمكن رؤية الجبال الإيرانية بوضوح، مثلما يمكن رؤية المرتفعات التي يسيطر عليها الجيش الأرمني من الناحية الأخرى، كنا برفقة محافظ فيزولي الذي أطلعنا على الجهود الرسمية لنزع الألغام من المنطقة التي توقفت الحرب فيها قبل عشرة أعوام، كما شاهدنا مسجد المدينة الأثري برايته السوداء والذي تعرض للدمار ويباشر الآن بترميمه وفهمنا أن سوء الأوضاع بمعسكرات اللاجئين يدفع سكانها إلى الحياة بهذه المناطق التي تُعد ضمن مناطق المواجهة رغم خطورة الحياة هنا.

نبي مختاروف– عمدة مقاطعة فيزولي المحتلة: نحن نقف الآن بين القريتين سيد أحمدلي السفلى وشكسبيلي، في الواقع قرية سيد أحمدلي السفلى تحت احتلال الأرمن الآن وقرية شكسبيلي على بعد ثلاثة كيلو مترات منها وفيها يعيش الناس، لقد اجتمع الأهالي هنا وأعادوا تعمير البيوت، إنهم يعيشون في هذا الوضع، هناك قوات الاحتلال الأرمينية عند عتبة القرية ويطلقون النار عموما على كل من يمر من هذه المسافة لتبدو الحياة بهذا الشكل مستحيلة، إن وقف إطلاق النار يكبح مظاهر الحرب ولكنه مع ذلك لا يعني انتهاء الحرب.

أسعد طه: عمدة منطقة فيزولي المحتلة قال لنا أن مساحتها تبلغ ألفا وأربعمائة كيلو متر مربع يحتل الأرمن منها ما يقدر بمائتين وستين كيلو مترا مربعا وإن تعداد سكانها يصل إلى مائة ألف مواطن يعيش نصفهم تقريبا في القرى التي تم تحريرها عام 1994 وإن الكثافة السكانية عالية جدا وكثيرا ما يتعرض السكان للإصابة برصاص الجنود الأرمن، حديث عمدة فيزولي يفيد أننا بتنا على بعد مسافة قصيرة من القوات الأرمنية، سمح لنا الجنود بمزيد من التقدم حيث صادفتنا ناقلة عسكرية قادمة من خط الجبهة الفاصل بين قوات البلدين، مُنعنا من مواصلة التقدم لكننا لم نلحظ أيا من مظاهر التحركات العسكرية وهو أمر طبيعي في منطقة تشهد هدنة منذ أكثر من عشر سنوات، نعود إلى باكو العاصمة وتحديدا إلى هذا المكان الذي رغم مرور الزمن إلا أنه يشعرك بأن حدثا جللا قد وقع للتو، شواهد من الرخام وصور للضحايا وأزهار ما زالت تنثر حتى الحين، إنها مقبرة الشهداء في العاصمة الآذرية باكو أو شهدلر خيباني كما يقول الآذريون، مقبرة الشهداء هي مزار يؤمه الناس من كل الأعمار ومن كل مكان، كما أصبح من المعتاد أن يأتي العرسان إلى المقبرة يوم زفافهم ليقرؤوا الفاتحة وليترحموا على ضحاياهم قبل أن يبدؤوا حياتهم الجديدة وكأن الأمر لمسة وفاء للشهداء الذين قضوا أو ربما هو عهد بالانتقام لهم، المقبرة تضم عددا كبيرا من شهداء حرب كاراباخ ورفات المناضلين العرب والأتراك الذين حاربوا في أذربيجان في الحرب العالمية الأولى، كما تضم ضحايا الاجتياح الروسي للعاصمة في العشرين من يناير عام 1990 وهو الاجتياح الذي جرى بزعم حماية الأرمن من المذابح التي يتعرضون لها في أذربيجان، يقول الناس هنا إن القوات السوفيتية أو بالأحرى الروسية اقتحمت فجر العشرين من يناير عام 1990 وإنها كانت تحطم كل شيء أمامها وإن مئات المدنين سقطوا قتلى وجرحى جراء ذلك وإن الجنود الروس تعاملوا بوحشية بالغة مع المتظاهرين وإن الرصاصة كان يُطلق في كل الاتجاهات دون اعتبار لحياة المدنيين، بعد تلك المذبحة بيومين خرجت باكو بأسرها لتشيّع قتلاها في تظاهرة مهيبة جرى فيها تمزيق بطاقات الانتماء للحزب الشيوعي وطالب فيما المتظاهرون باستقلال بلادهم عن الكيان السوفيتي الذي تُهيمن روسيا عليه.

وفاء غلولوزاده: أظن أن إذا واحد عايز يعرف الحقيقة عن الحرب الأرمني أذربيجاني أو قضية عن (Mountains Carabak) ناغورنوكاراباخ، كاراباخ الجبلية كان لازم يعرف عن دور روسيا هناك لأن القياصرة الروس جابوا الأرمن من تركيا، سوريا، من إيران وسكنوها في الأراضي الأذربيجانية وفي كاراباخ وبصورة خاصة في كاراباخ الجبلية، بعدين في سنة 1920 أرادوا الروس أن يعطوا لأرمينيا كاراباخ الجبلية ولكن كانت المقاومة الأذربيجانية كبيرة لهذا، لهذا السبب هم قرروا أن يصنعوا في الأراضي الأذربيجانية (كلمة بلغة أجنبية) غير القانونية الحكم الذاتي الغير قانوني.. لأن مثلا ملايين الأذربيجاني كانوا يعيشون في الدولة الأرمنية التي أقيمت من قبَّل روسيا، لماذا ما أعطوا الحكم الذاتي للأذربيجانيين في أرمينيا.. بس أعطوا للأرمن الحكم الذاتي في الأراضي الأذربيجانية.

أسعد طه: هذه الرواية التاريخية الأذربيجانية تتناقض تماما مع الرواية التاريخية الأرمنية لكن اللافت فيها هو الحديث عن الدور الروسي في الصراع والذي اتخذ أشكالا متعددة.

علي حسنوف: بالطبع قام الجانب الأرميني بنفي مائتين وخمسين ألف أذربيجاني من أرمينيا بمساعدة قيادة الاتحاد السوفيتي بل وبتدخل الجيش السوفيتي في تلك المسألة وشارك في طرد وتشريد الأذربيجانيين من أرمينيا.

أسعد طه: يقول الساسة والمحللون السياسيون في أذربيجان إن روسيا تقوم بتسليح أرمينيا على أوسع نطاق وإن القوات الروسية تقوم بحماية حدود أرمينيا مع كل من إيران وتركيا وإن ذلك يسمح لأرمينيا بتركيز قواتها على خط الصراع الأرمني الأذربيجاني، غير أن هناك من يرى أن الدور الروسي يتراجع.

ليلى علييف– رئيسة مركز الدراسات الوطنية والدولية: كان هناك وقت حين كانت روسيا مهتمة بإشعال فتيل الحرب.. بل وبالإبقاء على هذا النزاع مشتعلا لأن روسيا كانت ترى في هذا ضمانا لنفوذها في المنطقة، الآن أظن أن هذه النظرة بدأت تتغير، روسيا اليوم يسودها عدم الاستقرار لكنها تجد في مصلحتها الإبقاء على نفوذها في المنطقة وهي تعلم بأن الاستقرار عند حدودها الجنوبية شأن مهم لها أيضا لكن هذه العملية طويلة وصعبة.

أسعد طه: في أذربيجان يختلف الساسة والمحللون في تفسير موقف هذه الدولة أو تلك لكن ذاكرة الجميع تحفظ بمرارة شديدة كيف تعرض الآذريون لعمليات التهجير على يد الأرمن وكيف أُرغِموا على الرحيل مما يعتقدون أنها جزء أصيل من أوطانهم من ناغورنوكاراباخ التي قررنا أن تكون هي وجهتنا الآن.. والسبيل إليها يبدأ من بناية كبيرة في إحدى ضواحي العاصمة الأرمنية يريفان.. هي في الحقيقة السفارة الوحيدة في العالم للإقليم المنفصل عن أذربيجان، لقاؤنا يتواصل في الحلقة المقبلة.