مقدم الحلقة:

أسعد طه

تاريخ الحلقة:

28/02/2002

- طاجيكستان.. الجغرافيا والسكان
- الحرب الأهلية في طاجيكستان بعد سقوط الشيوعية

- الأزمة الاقتصادية.. مظاهرها وأسبابها

- الأصولية الإسلامية بين تهديد أمن المنطقة وعودة الإسلام
- دور القوى الخارجية في طاجيكستان

أسعد طه

أسعد طه:

سقط الوثن لكن على أرضكي مازال عبَّادهُ، ومازالت العصافير والرياحين هي قربانه، ومازال كل شيء على حاله، الثياب المهلهلة، القصائد المصادرة، المخبرون يفتشون دفاتر المدرسة، المرجفون والمنافقون يهدمون المئذنة النساء حُبلى ولا تلدن، فإذا ما سألت عن السبب كانت في الإجابة العجب، الرجال خيولهم من رخام وسيوفهم من خشب.
السلام عليكم، الثروة والمؤثرات الإقليمية والتدخل الدولي والعامل الإسلامي هي معطيات مشتركة بين دول آسيا الوسطى الخمس، غير أن لكل واحدة منها ما يميزها عن أقرانها وطاجيكستان ليست استثناءً عن هذه القاعدة.
في الجغرافيا هي أصغرها مساحة وأطولها حدوداً مع أفغانستان، وفي الاقتصاد هي أفقرها وأسوأها حالاً، وفي السياسة هي الوحيدة من بين دول آسيا الوسطى التي لم تستطع الصمود أمام متغيرات سقوط الشيوعية واندلعت بها حرب أهلية، قررت أن تخوض تجربة السلام كانت الوحيدة من بين دول المنطقة التي تشارك المعارضة الإسلامية في النظام السياسي القائم بها، طاجيكستان مرت إذن بتجربتين متناقضتين مما جعلها حالة تستحق التأمل، لعل ذلك يسهم في فك طلاسم المعادلة الصعبة بين الإسلاميين والسلطة، عن الديمقراطية والعنف، طاجيكستان الحرب والسلام.
(دوشنبه) تعني بالعربية يوم الاثنين، وهو اسم القرية الصغيرة التي كانت تقام فيها سوق أسبوعية كل يوم اثنين قبل أن يعلنها (ستالين) عاصمة لطاجيكستان عام ألف وتسعمائة وثلاثين ويطلق عليها اسم (ستالين آباد)، وتعد دوشنبه التي عاد لها اسمها القديم واحدة من أربع مناطق تنقسم إليها طاجيكستان وفي الخرائط الرسمية المتداولة كتب أنها تخضع مباشرة للحكومة، ثم (خاطلون) في الجنوب ومنطقة (لينين آباد) في الشمال و(بدخشان) في الشرق والأخيرة ذات حكم ذاتي.

طاجيكستان.. الجغرافيا والسكان

مدينة دوشنبه

كل شيء في العاصمة يوحي لك أن الشيوعية مازالت باقية رغم أنف ما يزيد عن نصف مليون نسمة هم سكانها الذين خرجوا يوم الثاني والعشرين من أيلول/ سبتمبر عام واحد وتسعين وبُعيد الاحتفال بالمولد النبوي لينتزعوا تمثال (لينين) من الساحة الرئيسية وسط صيحات التكبير، وليستبدلوه لاحقاً بتمثال لـ.. (إسماعيل سمان) وهو بحسب اعتقادهم مؤسس أول دولة طاجيكية، وإذا كانت العاصمة (دوشنبه) أول مدينة في كل آسيا الوسطى تُقدم على هدم تمثال للينين فإن طاجيكستان برمتها تتميز بين دول هذه المنطقة بأنها أصغرها مساحة وأكثرها تعقيداً في تاريخ وتركيبة المجتمع، وبأنها البلد الوحيد بينها الذي يعتمد اللغة والحضارة الفارسية وهي أيضاً الوحيدة بينها التي أتاحت للمعارضة الإسلامية فرصة المشاركة بشكل رسمي في الحكم فضلاً عن أنها أقل جمهوريات الاتحاد السوفيتي سابقاً برمته من حيث الدخل القومي.
وبنظرة على الخريطة سنكتشفُ أن طاجيكستان التي تبلغ مساحتها مائة وثلاثة وأربعين ألف كيلو متر مربع لها من جهة الجنوب حدود طويلة مع (أفغانستان) تزيد عن ألف ومائتي كيلو متر، ومن جهة الشمال حدود مع قيرغيزستان تبلغ ثمانمائة كيلو متر، فيما تحدها (الصين) شرقاً بما يزيد عن أربعمائة كيلو متر، و(أوزبكستان) غرباً بحدود تزيد عن ألف كيلو متر، الملفت لنظر أن الجبال تغطي نحو 93% من مساحة البلاد، ولذلك فهي تعد من أكثر الدول وعورة وأكثرها تقسيماً من الناحية الطبوغرافية، وربما ساهم ذلك بالإضافة إلى ما شاهدته من حرب أهلية في استمرار عزلتها عن العالم الخارجي رغم سقوط الشيوعية قبل عشرة أعوام.

[فاصل إعلاني]
طاجيكستان لا يصلها بالعالم الخارجي إلا طائرتان تربطانها بكل من تركيا وإيران مرة واحدة في الأسبوع ولذلك فإنك ما أن تصل إلى (دوشنبه) حتى تشعر بأنك لم تنتقل إلى مكان مختلف فحسب، بل إلى زمان آخر أيضاً ربما يعود إلى قرون خلت، وطاجيكستان هي الأعلى بين دول آسيا الوسطى من حيث معدل النمو السكاني، وهي ثالثُ دولة بينها من حيث عدد السكان الذين يبلغون نحو 6.5 مليون نسمة، ويشكل الأطفالُ ممن هم دون الرابعة عشر عاما 42% منهم، وتسكنها قوميات مختلفة، فالطاجيك يمثلون أكثر من 60% [64.9%] من السكان في مقابل الأوزبك الذين تبلغ نسبتهم 25%، فيما يعيش هنا أيضاً [3.5%] روس وقوميات أخرى، ونظرا للظروف المناخية والاقتصادية فإن توزيع السكان على أراضي الجمهورية غير متساوي ذلك أن 90% منهم يسكنون 7% من السهول الجبلية، فيما يسكن 10% في الجبال، وعلى الرغم من انتماء القسم الأكبر من سكانها إلى السنة فإن الثقافة السائدة فيها هي الثقافة الفارسية.
عند قلعة (حصار) خارج العاصمة دوشنبه.. وهي القلعة المبنية في القرن السادس عشر سنفهم أن تاريخ طاجيكستان متداخل معقد فمنذ زمن بعيد تعرضت آسيا الوسطى كلها لتأثيرات كبريات الحضارات وشهدت حكم الفرس والسلاجقة والمغول والتيموريين، وتوزعت عقائد سكانها بين المجوسية والبوذية إلى أن دخلها الإسلام ابتداءً من القرن السابع الميلادي، وفي النصف الثاني من القرن التاسع عشر بدأت سيطرة الإمبراطورية الروسية على منطقة آسيا الوسطى.
رحيم ماسف (رئيس قسم التاريخ بأكاديمية العلوم): في عهد الاتحاد السوفيتي وتحديداً عام ألف وتسعمائة وأربعة وعشرين تم في آسيا الوسطى تأسيس دويلات وحكومات ذات حكم ذاتي وهو ما يعني تقسيم آسيا الوسطى إلى عدة جمهوريات تحت عباءة الاتحاد السوفيتي، وفي إطار ذلك أُسست جمهورية طاجيكستان الاشتراكية جمهورية ذات حكم ذاتي إلى أن حلَّ عام ألف وتسعمائة وتسعة وعشرين حيث أُعلنت طاجيكستان جمهورية سوفيتية اشتراكية عاصمتها إستالين آباد.
أسعد طه: هذه الكتلة الجغرافية في آسيا الوسطى بقومياتها المتعددة وعقيدتها الواحدة، لم يكتفِ الدور الروسي بتفتيتها إلى دول مختلفة بل عمد إلى زرع قنبلة موقوتة تنفجر حال استقلال هذه الدول عنها، إذ رسم حدوداً سياسية فيما بينها تقطع التواصل العرقي للقوميات المختلفة.
على سبيل المثال نزعت مدنية (خوجاند) ذات الأغلبية الأوزبكية من (أوزبكستان) لتضم إلى طاجيكستان، فيما نزعت مدينتا (بخارى) و(سمرقند) ذات الأغلبية الطاجيكية من طاجيكستان وضمت إلى أوزبكستان، مما أدى إلى نزاع دائم بين الجارتين المسلمتين وهو الأمر المتكررُ في مناطق أخرى من آسيا الوسطى، وعندما تأتي إلى هنا تدرك أن انتزاع (بخارى) و(سمرقند) من طاجيكستان أفقدها بعدها التاريخي وكان ذلك أحد العوامل التي أدت إلى واحدة من الأزمات التي تعانيها طاجيكستان وهي أزمة الهوية، فمازال الخلاف محتداً حول هوية البلد، حتى أن أصل كلمة (طاجيك) مازالت حتى الآن مصدراً للخلافات والنزاعات السياسية بين ما يعيدها إلى التركية ومن يعيدها إلى الفارسية.
سعادات أوليموفا (مركز الشرق للدراسات): لقد صنعها (ستالين) من مناطق مختلفة لا يجمعها مركز ثقافي واحد، أو حتى لغة واحد، وليست لها سوق موحدة أو حتى لغة مشتركة، أو تقاليد مشتركة، أو طرقات جيدة، أو آلية تربط الناس بعضهم ببعض، وخلال العهد السوفيتي وحكم السبعين سنة لم تنشأ دولة موحدة كبيرة، ومع انهيار الإمبريالية السوفيتية انفرط عقد هذه المناطق بين من اختار شيوعية ومن اختار الإسلام.

الحرب الأهلية في طاجيكستان بعد سقوط الشيوعية

القوات الروسية في طاجيكستان
أسعد طه: هذا الخلاف في الخيار بين الشيوعية والإسلام كان أحد العوامل التي أدت إلى اندلاع حرب أهلية في البلاد عقب حصولها على الاستقلال في التاسع من الشهر التاسع من العام واحد وتسعين.
شهد هذا الشارع المسمى بـ (روداكي) بالعاصمة دوشنبه مقدمات الحرب الأهلية التي شهدتها طاجيكستان في أعقاب استقلالها عن منظومة الاتحاد السوفيتي، وهي الحرب التي لا يمكن فهم واقع طاجيكستان ومستقبلها المنظور دون الرجوع إليها حتى ولو على عجالة.
لكن من المهم الإشارة إلى أنه كانت تتشكل في طاجيكستان مع مقدمات تهاوي الشيوعية تيارات سياسية متعددة كان أهمها:
راستاخيز وهي جبهة شعبية ذات أهداف قومية تضم العديد من المثقفين من ذوي الاتجاهات المختلفة.
والحزب الديمقراطي الطاجيكي الذي يطالب بإقامة نظام ديمقراطي على الطريقة الغربية على أن تكون الثقافة الطاجيكية قاعدة تتوحد حولها البلاد.
وكان هناك أيضاً حزب النهضة الإسلامي وهو أقوى أحزاب المعارضة وأوسعها انتشارا ويعد حزباً إسلامياً معتدلاً.
وأخيراً: الحزب الشيوعي الذي ظل -كما هو معروف- محتكراً للسلطة طوال العهد السوفيتي.
أحداث الحرب تبدأ في التدافع بعد إعلان الاستقلال حين أصر الحزب الشيوعي على الاحتفاظ بالسلطة وبادر في أول انتخابات رئاسية بعد الاستقلال عام واحد وتسعين إلى ترشيح (رحمان نابيف) لمنصب رئيس الجمهورية وإعلان فوزه بالانتخاب، وهو ما شكل تحدياً كبيراً للمعارضة بتياراتها الديمقراطية والإسلامية فاندلعت التظاهرات والصدامات التي قتل خلالها عشرات الشباب وانتهت برضوخ الرئيس (نابيف) إلى تشكيل حكومة ائتلافية حصلت فيها المعارضة على ثمانية مقاعد وزارية مهمة.
غير أن الاشتباكات ما لبثت أن تجددت في أنحاء البلاد بين القوى المختلفة وانتهت بتمكن المعارضين في أيلول/ سبتمبر عام اثنين وتسعين من السيطرة على مقر الرئاسة وإجبار الرئيس (نابيف) على الاستقالة. لكن سلطة المعارضين جوبهت بمقاومة من الشمال الذي خسر الحكم لأول مرة منذ سبعين عاماً خلالها ظل أبناؤه هم السلطة الحاكمة في دوشنبه فيما أعلن الإسماعيليون في الشرق نيتهم الاستقلال، وتمردت مجموعات عشائرية وقبائلية كانت مستفيدة من الفساد خلال الحكم الشيوعي، شعرت بأن مصالحها ستكون مهددة في ظل نظام إسلامي، يضاف إلى ذلك أن المعارضين أنفسهم كانوا يفتقرون إلى التجربة والخبرة السياسية.
وقد اجتمعت هذه العوامل لتدفع بالشيوعيين وحلفائهم إلى تنظيم أنفسهم والزحف إلى العاصمة بدعم خارجي خصوصاً من روسيا وأوزبكستان لينجحوا بالفعل في تشكيل سلطة شيوعية مرة أخرى بزعامة (إمام علي رحمانوف)، وقد لعب الرجل بورقة التطرف الإسلامي لاستقطاب الدعم الخارجي، فيما أطلق العنان لرجال المافيا الطاجيكية الذين شنوا بدورهم هجمات دموية على مناطق المعارضة، فأحرقوا قرىً بأكملها ونكلوا بأخرى سرقة ونهباً واغتصاباً، واُرتكبت جرائم مريعة في حق رجال الدين الذين شنق بعضهم وعلقوا على مآذن المساجد، وكانت حصيلة الحرب الأهلية مقتل حوالي 200 ألف مواطن وجرح عشرات الآلاف وتهجير 250 ألفا آخرين فيما قُدَّرت الخسارة المادية بسبعة مليارات من الدولارات.
مامادازيموف أيدوغاني (رئيس الجمعية الوطنية للسياسة والعلوم): كان للحرب الأهلية في طاجيكستان أسبابها الداخلية، إضافة إلى دور القوى الخارجية فجيراننا في الشمال مثلاً ساعدوا ودعموا الشيوعيين، وخصوصاً الدول الأعضاء في الاتحاد السوفيتي سابقاً، أما الإسلاميون فقد دعمتهم أفغانستان وإيران ودول أخرى، ولكن المصالح الروسية والإيرانية توافقت بحد ذاتها وعملت بشكل فاعل من أجل إحلال سلامٍ سريع وعاجل في طاجيكستان.
أسعد طه: وإزاء فشل أي طرفي الحرب في تحقيق نصر حاسم، أُضطر إلى الدخول في مفاوضات انتهت بعد عدة جولات إلى توقيع اتفاقٍ للسلام في موسكو في السابع والعشرين من الشهر السادس من العام 97 برعاية روسيا وإيران والأمم المتحدة، وهو الاتفاق الذي سمح للجيش الروسي بالانتشار في البلاد تحت اسم قوات حفظ السلام، كما سمح للمعارضة التي تضم أحزاباً إسلامية بأن تحظى بـ30% من المناصب الحكومية، ومنح أحزاب المعارضة صفة الشرعية، وضمن إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية، وفي المقابل تعهدت المعارضة بنزع سلاح قواتها وإدخال بعض عناصرها في صفوف الجيش الطاجيكي ليكون ذلك بمثابة إعلان رسمي لنهاية الحرب، ولكن ما من شك في أن البلاد مازالت تواجه مأزقاً ليس من السهل الخروج منه.
نغادر العاصمة (دوشنبه) في طريقنا إلى مدينة (كورغان توبي) عاصمة الجنوب الطاجيكي، هذا الجنوب الذي تعكس حالته الأزمة الاقتصادية الحادة التي تعاني منها البلاد، وهي واحدة من تحديين رئيسيين يواجهان طاجيكستان.

[موجز الأخبار]

الأزمة الاقتصادية.. مظاهرها وأسبابها

صناعة السجاد في طاجيكستان
أسعد طه: أُجدد التحية، تحديان رئيسيان إذن يواجهان طاجيكستان:
أزمة اقتصادية حادة، وتيار إسلامي مناوئ، يتنامى ويتصاعد في المنطقة بأكملها. وبشأن الأولى فإن بوسع أي زائر رصد مظاهرها بسهولة، لكن الخلاف يبقى حول أسبابها.
نتوجه إلى منطقة (خاطلون) الجنوبية التي تعاني منذ الحقبة الشيوعية وحتى الآن من تدهور أوضاعها الاقتصادية، وارتفاع معدلات الفقر بها، ولعل ذلك من الأسباب التي حولتها إلى مركز للمعارضة، خصوصاً الإسلامية منها، وهو بالتالي ما عَرَّضها لحملة قمعٍ يقال إنها كانت على شاكلة ما حدث أيام (ستالين) وتعد عاصمتها (كورغان توبي) أكثر المناطق تضرراً خلال الحرب الأهلية التي انطلقت الشرارة الأولى منها، وإذا كانت الأزمة الاقتصادية أوضح ما تكون في الجنوب إلا أن طاجيكستان برمتها تعاني من ويلاتها، فقد ذكر تقرير البنك الدولي لعام 2000 أن 80% من سكان طاجيكستان يعيشوا في خط الفقر، 33% منهم في فقر مدقع، وحسب تقديرات عام 99 فإن نسبة التضخم تبلغ 22%، وتصدر طاجيكستان ما تزيد قيمته قليلاً عن 600 مليون دولار سنوياً، فيما تستورد ما تقل قيمته قليلاً عن 800 مليون دولار سنوياً، ويبلغ حجم دينها مليار وثلاثمائة مليون دولار، وقد قال لنا أطباء أن رواتبهم الشهرية تعادل 3 دولارات، فيما يصل راتب الأستاذ الجامعي إلى 7 دولارات، وتقدر نسبة الذين يتقاضون حوالي دولارين في الشهر بـ20% من السكان، وتبدو هذه الأزمة الاقتصادية الطاحنة متناقضة مع حقيقة أن طاجيكستان تمتلك مصادرة وفيرة للثروة، فهي غنية بالموارد الطبيعية، وتمتلك مخزوناً ضخماً من الفضة والحجارة الكريمة والذهب، واحتياطياً لا حدود له من الملح، وتتمتع بمصادر وفيرة من المياه، وهو الأمر الذي يثير التساؤل عن أسباب هذه الأزمة الاقتصادية.
جلال الدين كامليف (نائب رئيس جامعة طاجيكستان): من أهم أسباب هذه الأزمة الاقتصادية، انهيار العلاقات الاقتصادية التي كانت قائمة في عهد الاتحاد السوفيتي، وما أدي إليه من توقف الكثير من المؤسسات الاقتصادية عن العمل، وذلك لأن الماكينة روسية الصنع، وبسبب سياسة ربط اقتصاد جمهوريات الاتحاد السوفيتي بعضها بالبعض الآخر، فالقطن مثلاً يُزرع في جمهورية ويصنع في جمهورية أخرى.
أسعد طه: وفي هذا الإطار فإن (موسكو) فرضت على طاجيكستان أن تكون مزارع للقطن حتى بات القطن هو المحصول الرئيسي لديها، فيما تشكل الزراعة 35% من اقتصاد البلاد، وذلك في الوقت الذي أهملت فيه الصناعة التي لا تتجاوز 24% من اقتصاد البلاد، ومعظم الصناعات التي كانت مقامة هي من الصناعات الخفيفة، وتنحصر الصناعة الرئيسية في مجمع ضخم للألومنيوم أُفتتح عام 75 كأكبر حقل للألومنيوم في العالم قبل أن يتوقف تقريباً عن العمل بعد أن قطعت روسيا وأذربيجان عنه المواد الخام الأولية.
جلال الدين كامليف: السبب الثاني للأزمة الاقتصادية هو شكل الملكية، فالمؤسسات الاقتصادية لدينا في حاجة لوقت أطول حتى تعتاد على شكلٍ جديد للملكية، بديلاً مما كان قائماً عندما كانت الحكومة تمتلك كل شيء، كما أن على هذه المؤسسات أن تغير وبشكل جذري تكنولوجيتها وتقوم بتحديث هيكلها الإداري، وهو أمر مستحيل في ظل عدم وجود عائدات مالية تسمح بذلك، ويضاف إلى ذلك بالطبع غياب الاستثمارات المحلية والأجنبية.
أسعد طه: والحقيقة أن غياب الاستثمارات الأجنبية أو تواجدها بشكل متواضع للغاية أمر يتفهم أسبابه أي زائرٍ لطاجيكستان، فالحرب الأهلية والفساد الإداري وما ورثته البلاد من قوانين شيوعية وغياب قوانين تشجع الاستثمار أو حتى تنظمه يجعل أي مستثمر يفكر ألف مرةً قبل أن يُقدم على مشروع استثماري في هذا البلد المغلق، الرافضة إدارته الخروج من المفاهيم الشيوعية.
هذا في الوقت الذي تشهد فيه المشاريع المحلية التي كانت قائمة بالفعل. تراجعاً كبيراً، وهاهو مصنع للسجاد لا ينتج الآن سوى مليون متر مربع من أصل اثني عشر مليونا كان ينتجها قبل الاستقلال، والحال نفسها بالنسبة لمصنع الحافلات الذي يصنع الآن 70% حافلة سنوياً من أصل 400 حافلة كان يصنعها في عهد الاتحاد السوفيتي.
وفي نطاق الحديث عن أسباب الأزمة الاقتصادية، فإنه يجب التأكيد على أن الاقتصاد الطاجيكي قد تأثر إلى حد كبير بالحرب الأهلية التي استمرت 6 سنوات، كما تأثر بفقدان المساعدات التي كانت تحصل عليها طاجيكستان من (موسكو) التي كانت بدورها سوقاً رئيسياً للمنتجات الطاجيكية، يضاف إلى ذلك أن اقتصاد البلاد يُدار بطريقة بدائية، والنتيجة المؤسفة أن طاجيكستان اليوم تكاد تعيش على المنظمات الدولية وتعتمد على مساعدتها الإنسانية اعتمادا كلياً ورئيسياً وهو ما يفتح باب التدخل الإقليمي والدولي على مصراعيه.
الأزمة الاقتصادية أدت بدورها إلى مشاكل اجتماعية ضخمة، فقد نشطت تجارة المخدرات بين الشباب وهاجرت أعداد كبيرة منهم وحتى من الرجال أرباب العائلات بحثاً عن مصدر للدخل يمكنهم من الإيفاء بمستلزمات الحياة.

الأصولية الإسلامية بين تهديد أمن المنطقة وعودة الإسلام

المسلمون في طاجيكستان

نتوجه صوب (خوجاند) عاصمة شمال طاجيكستان ليكون بوسعنا الحديث عن التحدي الآخر الذي يواجه البلاد وهو الأصولية الإسلامية، فأصحاب هذا الإدعاء يعتقدون أن الإسلام الذي غُيِّب لسبعة عقود من الهيمنة الشيوعية يحاول فريقٌ من أنصاره الآن وبعد عشرة أعوام من الاستقلال القفز إلى سُدة الحكم حاملاً من التصورات والأفكار ما يهدد أمن المنطقة واستقرارها، فإلى أي مدى يبدو هذا الإدعاء صحيحاً؟
في هذه المنطقة الشمالية المسماة بـ(لينين آباد) يعيش ثلث سكان طاجيكستان، نسبة عالية منهم من الأوبك، ولذلك فإن المنطقة ترتبط بعلاقات تجارية كبيرة مع أوزبكستان، وخلال فصل الشتاء تنقطع تماما خطوط المواصلات البرية بين عاصمتها (خوجاند) وبين كافة مناطق الجمهورية. وقد لعبت (لينين آباد) دوراً رئيسياً في سياسة واقتصاد البلاد خلال الحقبة السوفيتية، وشغل أهلها مناصب سياسية رفيعة وانصب اهتمامهم على تطوير مقاطعتهم اقتصادياً، حتى أن 40% من صناعة البلاد تتركز فيها، ولذلك فإن (خوجاند) تعتبر الشطر العصري المتمدن من طاجيكستان، ومن حين لآخر سيكون بوسع الزائر أن يجد لافتات كُتب بالإنجليزية على خلاف الحال في المدن الطاجيكية الأخرى، وقد ظلت المنطقة خارج المعركة خلال الحرب الأهلية واكتفت بلعب دور الوسيط.
وتشهد هذه المنطقة الأغنى في طاجيكستان نشاطاً إسلامياً بارزاً خلافاً للتفسيرات الشائعة القائلة أن الحركة الإسلامية لا تنشط إلا في المناطق الفقيرة، وعموماً فإن الخريطة الدينية لكل طاجيكستان تفيد أن 80% من السكان هم من المسلمين السنة، و5% من المسلمين الشيعة، فيما 11% من السكان هم من الروس الأرثوذكس، و4% من طوائف مسيحية أخرى ومن اليهود.
الإسلام في طاجيكستان راسخ في نفوس الناس ويكفي أن 70 عاما من الحكم الشيوعي وممارساته القمعية لم تنجح في إقتلاع الإسلام من نفوس أهله بل زادتهم التصاقا به، وكل ما نجحت فيه (موسكو) أمران:
أولهما: إقصاء الهيمنة التي كانت تتمتع بها المؤسسات الدينية التقليدية للمسلمين.
وثانيهما: أن حملاتها ضد الدين أدت إلى نقص في العلم الشرعي، الأمر الذي أدى بدوره إلى أن أنماط الممارسات الدينية قامت على الطقوس لا على النصوص.
على كل حال فإن بوسعك أن ترى المساجد في كل المدن الطاجيكية، والناس يترددون عليها بمختلف أعمارهم، وأن تلحظ حرصاً على تعلُّم العربية والقرآن، وأن تُسجِّل بالتأكيد غياب الدور العربي في ذلك بعد أن حُمِّلت بعض المؤسسات العربية والإسلامية مسؤولية ما تعده السلطات هنا نشاطاً إسلامياً متطرفاً وفي مقابل الإسلام الشعبي كان هناك الإسلام الحكومي بعد أن رأت قيادات شيوعية أن عليها أن تنحني للعاصفة ولهذه الصحوة الدينية، وأن تقوم بتوظيفها لمصلحتها، فكانت التصريحات السياسية تأتي مؤكدة على الانتماء الإسلامي لطاجيكستان، ثم تكتفي بذلك على شاكلة ما تنص عليه الدساتير في بلادنا.
أما خريطة الإسلام الحركي فإن حزب النهضة الإسلامية يتصدرها، وقد بدأ في التكوين مع نهاية السبعينات من جماعات شبابية صغيرة كانت تتلقى تعليمها في المدارس الإسلامية التي افتتحت مع بداية التغيير في الاتحاد السوفيتي، وبحسب أحد قادة الحزب وهو وزير اقتصاد سابق ومنافس للرئيس الحالي على مقعد الرئاسة في الانتخابات الأخيرة، فإنه يمكن تلخيص منطلق الحزب كالآتي:
دولة عثمان (حزب النهضة الإسلامي): أعتقد أن كل مسلم لديه الرغبة الكاملة في الحياة في ظل دولة إسلامية وحُكم إسلامي، وهدف حزبنا الاستراتيجي هو ذلك، أي تأسيس دولة إسلامية، ولكن ليس على وجه السرعة، وبحيث لا يُفرض الأمر على الشعب، وما يعمل حزبنا من أجله هو نشر الفكرة حتى يصل شعبنا إلى مرحلة يقرر هو فيها بنفسه وبكامل إرادته تأسيس دولة إسلامية.
أسعد طه: ولأن إحياء الإسلام في نفوس الناس وفي حياتهم اليومية هو ما يسعى إليه الحزب فإن النصيب الأكبر من جهده قد انصرف إلى مسألة تربية وتنشئة أجيال تؤمن بفكرته، وهو ما يُفسِّر هذا الانتشار الواسع للمدارس الإسلامية التي يوليها الحزب اهتماماً كبيراً، غير أن ذلك لا يمنع ناشطيه من المطالبة بدور أهم للإسلام في الحياة السياسية الطاجيكية من خلال دولة ديمقراطية تعتمد اقتصاد السوق وتحترم حقوق الأقليات.
دولة عثمان: ليس هناك أي أحزاب سياسية إسلامية في طاجيكستان سوى حزبنا، لكن توجد الحركة الصوفية وحركة العلماء، وهما تعملان في أوساط الشعب من خلال العادات والتقاليد الشعبية، أي الإسلام التقليدي، كما ظهرت مؤخراً جماعات مؤيدة لحزب التحرير في أوزبكستان المجاورة، وهي جماعات غير منظمة.
أسعد طه: ستمائة عام هي عمر هذا المسجد العتيق الذي تعرَّض لعدوان العهد السوفيتي، والمسجد يقع في مدينة (أسفره) إحدى أهم المناطق الطاجيكية المعروفة بالتزامها الديني، وهي تقع بدورها ضمن ما يُعرف باسم (وادي فرجان) ذاك الوادي المقسَّم بين ثلاث جمهوريات، هي (طاجيكستان)، و(أوزبكستان)، و(قيرغيزستان)، والذي ينشط فيه حزب التحرير غير المعترف به في أي من هذه الجمهوريات، فهل من فارقٍ بين حزب التحرير وحزب النهضة؟
سعادات أوليموفا: هاتان حركتان مختلفتان تماماً، فحزب النهضة يهدف إلى تأسيس دولة ديمقراطية لكل مواطن فيها الحق في أن تكون له أفكاره الخاصة، وهو يطرح أفكاراً محددة يمكن النقاش حولها رفضاً أو قبولاً، ولكن حزب التحرير يسعى لتحقيق دولة الخلافة وليست لديه أي مفاهيم واضحة سوى أوامر لا تُناقش بأن تفعل هذا وتترك هذا.
دولة عثمان: حزب التحرير مراقب الآن من قبل الجهات الأمنية في الجمهورية، لأنه يدَّعي أن نظام الديمقراطية كفر وغير مقبول، ولم يعترف بالبرلمان ولم يعترف بشيء، ولكن إذا تقدَّم بمقترحاته إلى السلطة، وعرض أهدافه وبرامجه فإنه -كما أعتقد وبحسب دستور وقوانين البلاد التي تجيز تأسيس أحزابٍ على مبادئ دينية- سيُسمح له بممارسة نشاطه السياسي.
[فاصل إعلاني]

أسعد طه: في قرية صغيرة بالقرب من العاصمة دوشنبه لبَّى هذا الرجل دعوتنا للقاء، وآثر أن يكون حوارنا معه بعد صلاة مغرب أدَّاها بين أتباعه، هؤلاء الذين يُظهرون له ولاءً واحتراماً شديدين، ولما لا، وهم معه يمثلون على خريطة القوى الإسلامية حركةً أخرى مهمة وعلنية، وإن لم يكن لها شكل تنظيمي محدَّد، فـ (أكبر توراد جون زاده) من عائلة صوفية، وقد تلقى تعليمه في بُخارى وطشقند، وحصل على شهادته العليا في الشريعة من عمَّان، وهو مُفتي سابق للبلاد، وحالياً هو نائب رئيس الوزراء، ويقول أقرانه عنه إنه يتميز بالانفتاح والعصرية وله عقلية إدارية حديثة.
أكبر توراد جون زاده (نائب رئيس الوزراء): أنا أحد من إخوانكم.
أسعد طه: إلى أي مدرسة فكرية إسلامية تنتمي؟
أكبر توراد جون زاده: إذا عامةً من أهل السنة والجماعة، في مسائل فقهية تابع لمذهب.. مذهب حنفي من الأحناف، في مذهب السياسي طبعاً عندنا طريقتنا خاصة، مع أنني أنا درست وأعرف وشوية أكثر ما أحترم طبعاً حركة الإخوان هو قريب فكرة، يعني فكرياً أنا قريب منهم.
أسعد طه: من حركة الإخوان المسلمين؟
أكبر توراد جون زاده: نعم، ممكن نقول، لكن ليس معناه أنا أحد منهم، وأنا جزء منهم، لأ، يعني وضعنا تختلف، ووضع بلدنا تختلف، شعبنا تختلف، لأن حركة الإخوان في مصر وفي الدول العربية في منطقة حيث الشعب لم يكن تبعد عن الإسلام حوالي 60 سنة، 70 سنة بحكم الشيوعي، لا يوجد هناك فاصلة بينه وبين.. يعني فاصلة لغوية عندنا شعب بعيد عن الإسلام لا يعرف إنه لازم، لأنه عندنا المسألة الأساسي هو تعليم والتبليغ والدعوة، هذه طريقة.. طريقتنا.
أسعد طه: في زمن الحرب وضع (أكبر توراد جون زاده) يده في يد (عبد الله نوري) رئيس حزب النهضة الإسلامية ليُشكلا ما عُرفا باسم (حركة النهضة الإسلامية)، لكن الرجلين اختلفا بعد أن وضعت الحرب أوزارها.
أكبر توراد جون زاده: لا.. لا، هنا ليس فكري، هذا تكتيكي خاص، عندما جاء موعد لترشيح أحدنا في منصب رياسة الجمهورية أخوانا طلبوا مني أن أُرشِّح نفسي صراحةً، أنا قلت في بلدنا الشعب الآن ليسوا مهيئين لهذا.. لقبول هذه الفكرة، أن يكون الرئيس في بلدهم واحد إسلامي أولاً، رؤساء.. الحكام.. حكام المنطقة كمان لا تسمح.
ثانياً: ولو حصل هذا الوضع العسكري في داخل البلد كمان لا تسمح يكون سبب للحرب أنا لا أريد أكون سبباً.
ثالثاً: في الحقيقة ما كان لنا فرصة أن نشتغل في هذا المسألة مع الشعب.
رابعاً: ولو دخلنا الانتخابات ما فُزنا من حيث الثقافة السياسية عندنا الرقيب السياسي تُعتبر عدو، إذا دخلت أنت تكون إلى الأبد عدواً للرئيس الحالي، هذا كمان يتضرر أنت وأنصارك من معك، كله يتضرر فيما بعد، فقلت الأفضل نتعامل معه، وندخل في الانتخابات في البرلمان نُحسِّن وضعنا في البرلمان، وعندما نؤيده في انتخابات طبعاً هذا معناه هو يكون مديون لنا.
أسعد طه: لقد اختلف الأخوان في زمن السلام، لكنهما في زمن الحرب اتفقا في البداية على ضرورة الجهاد وفي النهاية على ضرورة السلام.
دولة عثمان: ما دعانا إلى ما نحن عليه الآن هو الأوضاع المتدهورة في الجارة أفغانستان، لأننا جميعاً شاهدنا ما جرى هناك، فالحركات الإسلامية لم تتمكن من تقاسم السلطة فيما بينها، وشاهدنا في حالتهم صراعاً على الفوز بمقاعد السلطة، وقد خفنا من تكرار التجربة، وأقدمنا على توقيع اتفاق السلام بالرغم من أنه يتعارض مع مصالحنا، ولكننا نعتقد أن الإسلام في العالم سيقول يوماً كلمته.
أكبر توراد جون زاده: لا يوجد أسرة أو إنسان حيث لم يتألم في هذه السنوات أو لم يستشهد أحد أقاربه، أو لم يتضرر مالياً أو جسمياً، بيت بأكمله طبعاً حرقوه، ابني الصغير الذي يدرس في موسكو عندما ألقوا قنابل عن طائرات، ووالدي اللي رأيته كان مجروحاً، وابني سقط عينه، هذه القرية الآن نحن نسكن، 69 شهيد فقط من هذه القرية، 59 منهم ذبحوهم، أعمارهم كانوا فوق الستين في نفس القرية فكروا لا يصيبهم شيئاً، بعضهم كان عمرهم حوالي 80، ذبحوهم، مو بالرصاص ذبحوهم بالسكين. قررت مهما كان الثمن لازم نحتفظ السلم، لازم نحتفظ الوضع السلمي، لن نسمح بتوتر الوضع، لأن في الحقيقة يأتي بأضرار لا يُتصور أخلاقياً إحنا تضررنا، اقتصادياً تضررنا، أكثر من 200 ألف قتلى، أكثر من 58 ألف بيوت محروق، الاقتصاد دُمِّرت، يعني ثمن باهظ إحنا دفعنا.
أسعد طه: بالعودة إلى مدينة (كورغان توبي) في الجنوب والتي كانت تُعد من معاقل الإسلاميين في زمن الحرب نجد أن الصورة في زمن السلام غير مشجِّعة، فسلسلة الممنوعات على الإسلاميين طويلة بدءاً من منع استخدام مكبِّرات الصوت عند الآذان في المساجد التابعة لهم، مروراً بمنع تداول السياسة في المساجد، وانتهاءً بمنع التدريس الديني الذي عاد يجري سراً في المنازل كما كان أيام الاتحاد السوفيتي.
دولة عثمان: بالطبع إذا قارنا تضحياتنا بالنتائج الحالية فنحن غير راضين، فلم تحصل بلادنا على حريتها الكاملة بعد، وما تم تنفيذه من الاتفاق ليس هو كل ما اتفقنا عليه، ولكننا مازلنا في انتظار خطواتٍ إيجابية لتطوير الاقتصاد والمناخ الثقافي والديمقراطي، وإتاحة الفرصة كاملة لجميع الأحزاب لمزاولة نشاطها السياسي.
أسعد طه: الخوف يُسيطر على الناس هنا بشكلٍ غير عادي، وكأن (استالين) بنفسه مازال يحكم المنطقة كلها، حتى أننا وجدنا صعوبة بالغة في استنطاق المحللين والأكاديميين، وقد علمنا لاحقاً أن مرافقنا الذي كان يقوم بمهمة الترجمة قد تعرض للاحتجاز بعد مغادرتنا طاجيكستان رغم حصوله على إذن مُسبق من السلطان بمرافقتنا، وقد أسر لنا أحدهم عندما لاحظ دهشتنا أن المقاتلين الأشداء الشجعان الذين خاضوا حرباً ضروسةً ضد الدكتاتورية الشيوعية، إما أنهم استُشهدوا، وإما أنهم هاجروا، في كل الأحوال فإن شعبية حزب النهضة تشهد شيئاً من التراجع، كما أثبت ذلك نتائج الانتخابات البرلمانية الأخيرة عام 2000. فالمواطن الذي يؤيد حزب النهضة لم يجد بعد أربع سنواتٍ من توقيع اتفاق السلام تقدماً يُذكر على مستوى الحريات العامة والدينية، كما أن أزمته الاقتصادية مازالت تتفاقم يوماً بعد يوم. والملاحظ أن حزب النهضة الإسلامية يشهد من حين لآخر خروج عضو منه وانضمامه لحزب التحرير غير المعترف به، والذي يتنامى بشكل بطيء في وادي (فرجانا) فيما تواصل السلطات الضغط على التيار والذرائع دائماً جاهزة.
مامادازيموف أيدوغاني: المشكلة الرئيسية هنا هي الفقر، وإذا تمكنا من التغلب عليه خلال السنوات الخمس القادمة فهذا يعني أننا تغلبنا على مشاكلنا الداخلية، نحن لا نخاف من الإسلام، لأن الإسلام مسألة فطرية، ولكن عندما يخرج الإمام من المسجد ويذهب إلى الساحة وينادي بشعارات أخرى فهذه راديكالية، وهذا طبعاً غير جيد، لأنه يوجد فرق بين الفقر والراديكالية.
غلام جون ميزرايون (نائب وزير الخارجية): يجب أن نفرق بصورة واضحة بين الدين والإرهاب، هذا الذي يستغل الشعارات الدينية لتحقيق مصالحه، وخطر هذا الإرهاب مازال سيفاً مسلطاً على دول آسيا الوسطى كلها، ولذلك اجتمع قادة هذه الدول في أبريل من العام 2000 في العاصمة الأوزبكية (طشقند) وتم توقيع اتفاقيةٍ خاصةٍ بالنضال المشترك ضد الإرهاب والتعصب بأنواعه المختلفة.
أسعد طه: الابتعاد عن الاصطدام مع النظام الحاكم، وعن منافسة الرئيس الحالي على مقعد الرئاسة، وتركيز الجهود في مجالي الدعوة والتعليم، كل ذلك كان سبب خلاف أكبر توراد جون زاده مع حزب النهضة الإسلامية، فهل مازال الرجل يعتقد أنه بالدعوة والتعليم قادر على تحقيق هدف بناء الدولة الإسلامية؟
أكبر توراد جون زاده: طبعاً بالصعوبة إذا يكون النظام الانتخابات حرة، والحقوق المواطن محترمة قد.. لماذا لا؟ مع أنه أنا أقبل أن المخاطر أكثر، لأن المخاطر أكثر، لأن إحنا نعرف ما حصل في الجزائر.
أكرر وأذكر المسؤولين الآن إذا فشل.. إذا تفشل هذه يعني معاهدة سلم بيننا وبين الحكومة معناه في المستقبل، ولا أحد حركاتنا الإسلامية لا يقبلون بالخيار السلم، ولا يقبلون بالمفاوضات ولاشك.
أولاً: لازم نفهم ماذا يريدوا هؤلاء الحركات الإسلامية الموجودة في المنطقة؟ هو السبب الرئيسي بوجودهم هو الأخطاء اللي قاموا بها الحكام، منع الحريات الإنسانية.. الحريات الفردية للشعب يعني الضغوط عليهم، المنع لعمل الدعوة والتعليم، وهذا يعني اضطروا هؤلاء بأخذ الأسلحة وبداية العمليات الجهادية.
أسعد طه: مهما كان شكل التيارات الإسلامية الصاعدة، فإن (روسيا) ترى في العودة إلى الإسلام تهديدٌ لأمنها، خصوصاً وأن هذا الجسد الإسلامي له أطرافٌ تمتد داخل روسيا نفسها. مخاوف روسيا تبقى مفهومة، غير أن سياساتها تجاه ذلك محل انتقاد، وهو ما يفتح المجال في كل الأحوال أمام ملف دور القوى الخارجية في طاجيكستان.

دور القوى الخارجية في طاجيكستان

خارطة طاجيكستان

بعد رحلة مزعجة وصلنا إلى أقصى جنوب طاجيكستان، حيث مدينة (شارتوز)، وحيث استقبلنا استقبال الأبطال، بالخبز والملح والأزهار، والسبب أننا عرب، وأن الناس في هذه المنطقة يعتبرون أن أصولهم عربية ويحملون في هوياتهم القومية العربية، فكانت مناسبة لطيفة لأن نكتشف موقعاً في العالم يحترم فيه العربي وأراد أحدهم أن يستطرد معنا في الحديث بلغته العربية المتواضعة، فسألنا عن أحوال الطقس في (الجزيرة)، فشرحنا له أن (الجزيرة) قناةً فضائية، وليست دولة على كل حال لم تكن (شارتوز) هي متبغانا، وإنما الحدود الطاجيكية مع أفغانستان، والتي تطول إلى ألف ومائتي كيلو متر، وعند موقع حدودي وجدنا مجموعة من الفتيان قالوا إنهم هم المسؤولون عن حماية الحدود فتذكرنا إتفاقية (مِسك) الموقعة بين (كومنولث) الجمهوريات المستقلة و(روسيا) في الثالث والعشرين من كانون الثاني عام 93، والتي نصت على المسؤولية الجماعية لتلك الدول عن حماية بعضها البعض، وحدودها الخارجية.
رحيم ماسف: كما هو معلوم فإن أول رئيس لأفغانستان هو (رباني)، وهو من أصل طاجيكي، والحرب تجري هناك لأن (المشتو) لا يريدون أن يكون الرئيس طاجيكياً، وسوى ذلك ليست هناك أي أسباب منطقية لاستمرار الحرب لأن أطرافها كلهم مسلمون.
أسعد طه: وإذا كانت هناك خلافات حدودية لطاجيكستان مع الصين، وخلافات بينها وبين قيرغيزستان حول المياه والحدود، فضلاً عن أن علاقاتها مع أوزبكستان دائماً في توتر بسبب عدم موافقة الأخيرة على اتفاقية السلام في طاجيكستان ودعمها لقوى انفصالية في الشمال الطاجيكي، فإن الدور الروسي في هذا الواقع غايةٌ في الأهمية، والحقيقة أن موسكو تعمل جاهدةً على ربط دول آسيا الوسطى بها لسبب أمني من جراء تصاعد العامل الإسلامي في المنطقة، ولسبب اقتصادي حيث تسعى (موسكو) إلى منع هذه الدول من استغلال ثرواتها الطبيعية بشكل مستقل، خصوصاً أن هذه الجمهوريات أراضٍ مغلقة ليست لها منافذ على البحر تسمح لها بتصدير ثرواتها الطبيعية إلى أسواق العالم.
وتعتمد موسكو لتحقيق هدفها من ربط دول آسيا الوسطى بها على عدة وسائل فهي تعمل على منع قيام أي نوع من العلاقات الخاصة أو التعاون بعيد المدى مع الدول العربية والإسلامية، ولذلك لا نجد في العاصمة (دوشنبه) أي سفارة لدولة عربية، كما مُنعت الهيئات الإغاثية الإسلامية من العمل. كذلك تحاول روسيا إبعاد الولايات المتحدة الأميركية أو ممثليها في المنطقة مثل تركيا من التأثير بأي شكل من الأشكال على سياسة هذه الجمهوريات، ثم هي تسعى إلى إقحام دولٍ أخرى في المنطقة من تلك المناوئة للولايات المتحدة مثل إيران والصين وفي كل الأحوال فإن موسكو تحتفظ بوجود عسكريٍ رسمي لها في طاجيكستان.
غلام جون ميزرايون (نائب وزير الخارجية): أود أن أؤكد أن وجودهم في طاجيكستان لا يؤثر على اتخاذ القرارات المستقلة الصادرة عن الحكومة وهذه القوات العسكرية إنما تقوم بحراسة حدودنا طويلة مع أفغانستان، وهو ما نعتبره ضرورةً تاريخية.
أسعد طه: والحقيقة أنه ورغم تزايد اهتمام روسيا في علاقاتها مع دول آسيا الوسطى في التركيز على الاستراتيجية الاقتصادية، فإن الوجود العسكري الروسي لا ينحصر في الحدود، بل ينتشر في مناطق كثيرةٍ من البلاد منها (بدخشان) في الشرق التي تمثل عاملاً إضافياً للأزمة الطاجيكية، (بدخشان) منطقة ذات حكم ذاتي تضم 60% من مُجمل مساحة البلاد، لكن لا يعيش بها سوى 8% من السكان، وهي منطقة تبقى معزولةً عن أنحاء البلاد معظم العام بسبب الثلوج.
سكان (بدخشان) ينتمون إلى الأقلية الإسماعيلية ويشكلون امتداداً لإخوانهم في أفغانستان وباكستان وهم يتكلمون لغة مختلفة، ويدَّعون أنهم ليسوا طاجيك، وتسود صفوفهم نزعةٌ استقلالية، وتحظى (بدخشان) باهتمام خاص من منظمة (الأمير الأغاخان) التي تدخلت لتأمين مساعدات إنسانية قيل في البداية إنها مساعدات طارئة قصيرة الأمد، لكنها ما لبثت أن تحولت إلى مشاريع بنية تحتية، ومساعدات زراعية، وخدمات صحية وتعليمية، حتى كثر الحديث عن مشروع دولة إسماعيلية، هل يمكن أن تعود الحرب إلى البلاد؟
أكبر توراد جون زاده: كل شيء ممكن، لكن الآن بكل ما أستطيع إن شاء اله أحاول أسُد.. أسُد طريق رجوع بلدنا إلى الحرب، كل شيء ممكن لأن إحنا دول صغيرة.. صغيرة واحد.
ثانياً: نقبل التأثير، نُؤثر يعني، No مؤثر.
أسعد طه: نتأثر.
أكبر توراد جون زاده: نتأثر.. نتأثر سياسياً، نتأثر اقتصادياً، نتأثر عسكرياً. يسكن هنا أقليات الأخرى كمان، وشعب عن.. في السياسية، وهذا ليسوا أصحاب ذو تجربة. انفعاليين كجميع المسلمين في بلادكم كمان، إذا أسبوع تستطيع تفجرهم، بالميكروفون تستطيع عشرات آلاف منهم تخرج إلى الشوارع كل هذا من جهة طيبة ومن جهة فيها خطورة لهذا إذا يريدون القوات الأجنبية من الخارج يستطيعون يفجرون الوضع.
أسعد طه: ربما كان من غير السهل أن تعود الحرب مرة أخرى، لكن من المؤكد أن كل مسبباتها مازالت قائمة، فالخلاف الأيديولوجي بين الإسلاميين والشيوعيين لم ينتهي أو ينتظم في آلية ديمقراطية بمشاركة الطرفين في السلطة، بل إن هناك تململاً واسعاً في صفوف الإسلاميين باعتبار أن ما حققته إتفاقية السلام ليس كافياً ولا موازياً لحجم التضحيات، وهم يعتقدون أن الحكومة لم تفي بتنفيذ كل بنوده، فيما يتنامى داخل التيار الإسلامي الفصيل الداعي لاستخدام القوة، وذلك وسط واقع جغرافي يساعد على بعثرة البلاد أكثر مما يساعد على وحدتها، وقد نجحت الطبيعة الجبلية كما رأينا في عزل سكان طاجيكستان في أربع مناطق، فيما ساعدت الحدود المحيطة بطاجيكستان على خلق روح التعصب الإقليمي لدى سكانها بعد أن وجد الطاجيك أنفسهم في حال انعزالٍ بسبب العوامل الجغرافية يضاف إلى ذلك هذا التناقض الاقتصادي والإثني بين الشمال والجنوب، والذي يزيد ولا ينقص، وقد رأينا كيف أن الشمال قد نما نمواً صناعياً مهماً، وكانت عاصمته (خوشند) في العهد السوفيتي مصدراً أساسياً للكادرات والقيادات الحاكمة، فضلاً عن أن هذه المنطقة تضم نسبة كبيرة من الأوزبك الذين يتطلعون دوماً إلى الاندماج بالجارة أوزبكستان، وذلك في مواجهة مناطق الجنوب الأكثر تخلفاً، والتي ينتمي إليها كل زعماء المعارضة تقريباً، وكانت الأكثر تمرداً على السلطة الشيوعية المركزية، وتؤجج ذلك كله الأزمة الاقتصادية التي هي آخذة في الازدياد، نغادر طاجيكستان وهي تعيش هدوءها اليومي وحياتها الرتيبة وقلقاً غير عادي وهي تحاول البحث عن إجابة لسؤالٍ ملح: أتعودُ الحرب مرة أخرى وكل مسبباتها مازالت قائمة؟ السؤال الأهم: أيهما أكثر كلفة ثمن الحرب، أم ثمن السلام؟
الطبول تُدق أحياناً لمسميات حقٍ يراد بها باطل، والخيار السلمي هو بلا شك خيارٌ حضاري مالم يصبح صنماً تُنحر لأجله هويات الشعوب ومكاسبُ نضالها وتنتهك لأجله بديهيات الحقوق، وأيضاً ثوابت العقيدة.
السلام عليكم.