مقدم الحلقة:

أسعد طه

ضيوف الحلقة:

عدة شخصيات

تاريخ الحلقة:

28/11/2002

- تاريخ الصراع في تيمور الشرقية حتى الاستقلال
- الواقع الاقتصادي لتيمور الشرقية

- دور الكنيسة في النضال ودورها في سياسة البلاد

- أبعاد اهتمام ودعم المجتمع الدولي لتيمور الشرقية

- الأسباب الحقيقية لتصاعد الحركات الانفصالية في إندونيسيا

- الدور الخارجي في تأجيج رغبات الانفصال واعتماده على التعدد الديني

أسعد طه: خطوة خطوة

أتسلل إلى حيث تكونين

أفرح بالبحر والفجر وقصائد المحبين

ألهو كما الأطفال

أعشق كما الشباب

أفكر كما الشيوخ

ودوماً أفتش.. أفتش

عن الثورة والثائرين

تندهشين!!

متعب أنا يا سيدتي من أنصار الحل المهين

أتفهمين؟!

ألمح في عينيك الجميلتين لؤلؤتين

يخفق قلبي عند انحدار الدمعتين

أسألك

تجيبين: واحدة لحريتي

والأخرى على رفاق مازالوا تحت الاحتلال اللعين.

السلام عليكم. عجيب أمر المجتمع الدولي ذات الحق يقر به لهؤلاء وينكره على أولئك، يمنح بركاته للذين يناضلون من أجله هنا ويمنعها عن نظائرهم هناك، يجلب مؤسساته ويغدق أمواله على كيانات وأنظمة تتشبث بهذا الحق في منطقة ما، لكنه لا يفعل الفعل ذاته مع كيانات وأنظمة تتشبث بذات الحق في منطقة أخرى، المجتمع الدولي تتأرجح مواقفه على استحياء تجاه حق الشعوب في تقرير مصيرها، في كوسوفا وفلسطين وكشمير والشيشان، لكنه يبدي موقفاً حاسماً سريعاً صلباً عاجلاً في تيمور الشرقية، بل إن مواقفه في المنطقة الواحدة تتأرجح وتتغير بحسب ما تأتي به رياح المصالح العليا، فيغمض المجتمع الدولي عينيه عن ضم إندونيسيا لتيمور الشرقية في زمن وفي آخر يبدي حسماً سريعاً لفصلها، ليس بوسع أحد أن ينكر على شعب تيمور الشرقية حقه في تقرير المصير وفي الانفصال وفي الاستقلال وفي الحرية، لكن بوسع الجميع أن يدقق استفساراً واستهجاناً في معطيات الدور الدولي تجاه تيمور الشرقية وأزمة الحركات

الانفصالية في إندونيسيا.

تاريخ الصراع في تيمور الشرقية حتى الاستقلال

كنت تواقاً لأن أكتشف هذا البلد الذي قفز اسمه مجدداً إلى واجهة الأحداث بعد سقوط حكم (سوهارتو) في إندونيسيا عام 1998، عندما عاود أهل تيمور الشرقية المطالبة العلنية بالاستقلال وما واكب ذلك من أحداث شهدت فيها البلاد صداماً واستفتاءً وحماية دولية قبل السفر كان المشهد على الخريطة يفيد أن تيمور الشرقية تشكل النصف الشرقي لجزيرة تيمور الواقعة في الجنوب الشرقي للأرخبيل الإندونيسي، وحيث يفصل بحر تيمور بينها وبين سواحل أقصى الشمال الغربي لأستراليا بطول 400 ميل فيما تبلغ مساحتها حوالي 6000 ميل مربعاً، هذه المساحة المتواضعة لتيمور الشرقية أو بحسب اسمها الجديد (تيمور ألوراساي) يسكنها ما يزيد على 700 ألف مواطن يبلغ متوسط الأعمار للرجال منهم 49 عاماً وللنساء 50 عاماً، وتُعد نسبة الوفيات بين المواليد هنا هي الأعلى في العالم، إذا عدنا مرة أخرى إلى الجغرافيا نجد التاريخ يفيد بأن الجزر المجاورة لتيمور الشرقية والتي تكونت منها إندونيسيا لاحقاً خاضعة للاحتلال الهولندي، فيما كان الاستعمار البرتغالي يحكم تيمور الشرقية، لتبدأ مقاومة المحتلَّين أواسط القرن العشرين، حرب أهلية قصيرة تنشب بالبلاد عام 1974، قبل أن تجتاح إندونيسيا تيمور الشرقية وتعلن ضمها رسمياً إليها لينشب صراع مُسلح يدوم سبع سنوات ويروح ضحيته حوالي 200 ألف إنسان منذ ذلك الحين وتيمور الشرقية تكابد الاحتلال الإندونيسي فيما المقاومة تهدأ لكنها لا تنتهي، وبعد سقوط سوهارتو عام 98 تبادر المقاومة التيمورية إلى تصعيد مطلبها بالانفصال، وبالفعل تُذعن جاكرتا للضغوط الدولية المكثفة ويصوت التيموريون لصالح الاستقلال في استفتاء أُجري عام 99 ليخضع الإقليم لحماية القوات الدولية إلى أن أُعلن الاستقلال الرسمي في العشرين من الشهر الخامس لعام 2002، في ذلك اليوم وبمباركة دولية وقف (شانانا جوسماو) يعلن استقلال بلاده عن إندونيسيا التي قاومها عشرين عاماً، والتي اعتقلته وحكمت عليه بالإعدام قبل أن تطلق سراحه وتعترف به رئيساً لتيمور الشرقية، ما أن تسأل المقاتلين هنا عن ذكريات النضال والمقاومة أو تسأل أحداً من عامة الناس عن أيام الاحتلال، إلا ويتدفق الكلام على الشفاه مخلوطاً بالمرارة مما كان، والفخر مما أصبح عليه الحال.

مقاتل سابق: بدأنا كفاحنا عام 1974 عندما منحتنا البرتغال حق تقرير المصير وفي الساعة الرابعة من اليوم السابع من ديسمبر عام 75 انتهزت إندونيسيا الفرصة لتغزو بلادنا

أرملة ضحية 1: دخل الجنود الإندونيسيون منزلنا ودمروه وتبعونا إلى حيث هربنا، ووجدونا وألقوا القبض على زوجي، ثم ضربوه وقيدوه، وقالوا إنهم سيأخذونه إلى المقاطعة العسكرية عند بيت القائد، وفي الواقع قتلوه عند أحد الأنهار الصغيرة وألقوا بجثته بين الأحراش، وقد وجدنا جثته بعد ذلك، وقد قُطعت عنقه، وكان أثار الطعنة واضحة على بطنه وكتفه.

مقاتل سابق: لم يكن لدينا سلاح سوى مدافع (G -3) ولم يكن لدينا أية مدافع ثقيلة، ولم يكن لدينا أي شيء آخر سوى الأمل ومعرفتنا الجيدة ببلادنا، كنا نتغذى على الحشائش التي يمكن أن تُؤكل، فقد كان من الصعب الحصول على طعام حتى لو كان الأرز أو الذرة، لكننا أعددنا أنفسنا في شكل مجموعات واستطعنا التأثير في الناس في المدن وتمكننا من خوض حرب العصابات

أرملة ضحية 2: كانوا يطلقون النار وكنا نبكي، لكنهم لم يَعْبَئوا بصراخنا واستمروا في إطلاق النار ثم حطموا باب الكنيسة واقتحموها وواجههم من زوجي قائلاً: إنا لا نستسلم، ولكنهم قالوا له: ليس هذا وقت الاستسلام وإنما وقت القتل.

مقاتل سابق: في عام 92 ألقي القبض على الرئيس (شانانا جوسماو) وسادت مشاعر الإحباط معظم الناس وبكوه وحسبوا أن ذلك نهاية النضال لكن المقاتلين المرابطين في الغابات لم يستسلموا لليأس ولم يفقدوا طموحهم واستمر النضال إلى أن تحقق الاستقلال.

[فاصل إعلاني]

الواقع الاقتصادي لتيمور الشرقية

أسعد طه: إذا أتيت إلى هنا لن يكون بوسعك سوى أن تبقى طيلة اليوم في انتظار وقت غروب الشمس لتتمتع بمشهد بديع عند ساحل البحر مشهدٍ يؤكد أن تيمور الشرقية -التي لا تعرف شتاءً- تملك مقوِّمات طبيعية ساحرة بوسعها أن تقفز بالبلاد إلى مصاف الدول التي تعتمد على صناعة السياحة كمصدر رئيس لدخلها القومي

في المقابل: فإنه من الصعب على المرء أن يتخيل أنه في عاصمة دولة آسيوية، حياة بدائية ومرافق مفقودة وقوانين ونظم غائبة وسيارات غير مسجلة، وشرطي للمرور يبذل ما في وسعه لتنظيم حركة سائقين لا يحملون رخصة قيادة ولا يعرفونها ومطاعم حديثة فُتحت بفضل الوجود الأجنبي المكثف، فإذا سألت عن اقتصاد البلاد ستعرف أن تيمور الشرقية لا تملك مصنعاً واحداً بطول البلاد وعرضها، وتعتمد اعتماداً رئيساً على ما تنتجه من القهوة والأرز ولذلك فإن كل المنتجات المعروضة مستوردة من خارج البلاد، وأغلبها من تيمور الغربية، أي من إندونيسيا

ها هي إحدى الأسواق الرئيسية في العاصمة (ديلي) وتعكس المعروضات احتياجات الناس هنا ومستوى معيشتهم، وتدل على أنها -باستثناء القليل جداً منها- مستورد من خارج البلاد، سنلحظ هذه البساطة أيضاً في المحال الرئيسية ونتذكر دائماً أننا في قلب عاصمة دولة آسيوية ينتشر في شوارعها كذلك الباعة المتجولون، يعرضون بضاعتهم على نحو لا أعرف لماذا ذكِّرني بالمعارضة في بلادنا.

على كل حال فإن حركة نشطة تمكن ملاحظتها عند الميناء الذي يمثل نقطة عبور هامة، خصوصاً وأن مطار العاصمة ديلي لا يربطه بالعالم الخارجي إلا خطان جوِّيان يسافران إلى إندونيسيا وأستراليا، وعلى بعد أمتار قليلة من الميناء نرى مجموعة من الصيادين تسعى لكسب رزقها في بلد اعتبره تقرير صادر عن الأمم المتحدة من أشد مناطق العالم فقراً، حيث يبلغ دخل الفرد أقل من خمسين سنتاً في اليوم، وهو ما يبدو واضحاً في كل مكان، ويعكس حقيقة الإهمال الذي تعرضت له البلاد خلال الحكم الإندونيسي.

1200 تلميذ وتلميذة في هذه المدرسة المتواضعة، يتلقون علومهم على أيدي عشرين مدرساً ومدرِّسة يتقاضى الواحد منهم 50 دولاراً شهرياً، إذا ما تم صرف الراتب، حيث أفادت مديرة المدرسة على استحياء أن أربعة من هؤلاء المدرسين فقط هم الذين يتسلمون رواتبهم بانتظام من المنظمات التابعة لبعثة الأمم المتحدة في تيمور الشرقية.

أناشيد الصغار هي ما كان ينشده الكبار أيام النضال، يرددونه باللغة البرتغالية، وهي اللغة الرسمية للبلاد، ولغة المستعمر القديم، وبها يتعلم التلاميذ خلال دروس الدين كيف بدأ الخلق -بحسب العهد القديم- وعلى مقربة من هذه المدرسة نرى القصر الرئاسي الواقع في قلب المدينة، بناية تضم في الطابق الثاني مقر الرئيس الذي استقبلنا بحفاوة في مكتبه المزين بلوحة جميلة قام بنفسه برسمها، لتعكس أحلامه في مستقبل تيمور الشرقية.

شانانا غوسماو (رئيس تيمور الشرقية): أعتقد أن هناك سؤالين أساسيين، قبل أن نفكر في تطوير بلدنا، فهذا التطوير يعني القيام بجهود على جميع النواحي، لكننا في الوقت الحالي نواجه مشاكل اجتماعية واقتصادية، فعلى القادة والحكومة أن تتناول هذه المشاكل وتناقشها والبطالة مرتفعة وخاصة عند الشباب، فإذا لم نستطع خلال سنة واحدة حل جميع هذه المشاكل، فعلى الأقل يجب أن نظهر أننا جادون في محاولة حلها.

والسؤال الآخر هو بخصوص الناس بشكل عام، فكما تعرف نحن دولة زراعية بالدرجة الأولى، ومع ذلك فالمزارعون يعانون حالة اقتصادية سيئة للغاية، فعلينا حل تلك المشاكل.

دور الكنيسة في النضال ودورها في سياسة البلاد

أسعد طه: أينما تجولت في أنحاء تيمور الشرقية تجلد الصلبان قائمة في كل مكان، في واجهة الأبنية أو على الطرقات أو حتى فوق المرتفعات ما جعل البعض يطلق عليها اسم أرض الصلبان، وهي التي يشكل الكاثوليك الغالبية العظمى من سكانها، وفي محاولة لإرضاء أهلها المسيحيين أقامت إندونيسيا تمثالاً للسيد المسيح على أعلى قمة مرتفع بالعاصمة ديلي. من السابعة صباحة إلى الثانية عشر ظهراً أيام الآحاد تفتح الكنائس أبوابها أمام مريديها الذين يتدفقون من كل الأنحاء ومن كل الأعمار ومن طبقات المجتمع المختلفة، وتفيد تقديرات أن عدد الكنائس في البلاد تضاعف ثماني مرات خلال فترة الاحتلال الإندونيسي بفضل جهود المنصِّرين الذين لم ينجحوا خلال فترة الاحتلال البرتغالي سوى في تنصير 30% من السكان الوثنيين، ويقر الجميع هنا بأن الكنيسة لعبت دوراً رئيساً خلال فترة المقاومة.

الأب بيلو (مسؤول الكنيسة بتيمور): حسنٌ، كنت دائماً أقول إن الكنيسة هي رحمة للناس، وليست أعلى منهم، وقد رأينا معاناة الناس، حيث كانت النساء تغتصب وتعذب، وكان الأطفال يعتقلون ويضربون بكل عنف ويستغلون، وكان على الكنيسة أن ترفع صوتها عالياً دفاعاً عن كرامة الجنس البشري.

أسعد طه: الأب (بيلو) هو أحد القادة البارزين في حركة التحرر بتيمور الشرقية، وصاحب الرسالة الشهيرة إلى الأمين العام للأمم المتحدة التي قال فيها: "نحن نموت كأشخاص وكأمة"، وقد استحق عن دوره المقاوم جائزة نوبل للسلام عام 96، وهو محظوظ في ذلك، لأن أقرانه من أديان أخرى يدانون إذا ما حثوا أتباعهم على المقاومة، لكن الميزان المختل يفسِّر بأن الكنيسة في تيمور الشرقية تؤمن بالعلمانية وتؤيد فكرة فصل الدين عن الدولة

الأب بيلو: لا.. لا، لم يعد هناك مكان للكنيسة أو أي دور سياسي، نحن لدينا برلمان ورئيس وحكومة، وهذا هو دورهم الذي يقومون به لصالح الشعب، أما نحن فسنكون صوت الدعم المعنوي فقط، وإذا كنا مستعدين للتعاون مع الحكومة لصالح الناس فسنكون على استعداد للمواجهة والنقد، إذا ما ظهر هناك أي سوء لاستخدام السلطة أو ظهور فساد أو تطبيق غير عادل للقانون

أسعد طه: بحسب هذه الرؤية للأب بيلو فإن دور الكنيسة الآن هو مراقبة أداء الحكومة، نقدها إذا ما أخطأت، ودعمها إذا ما أصابت، وهو في الحقيقة دور المعارضة، ما يضفي غموضاً على فهم الأب بيلو إزاء العمل السياسي خصوصاً وأن الحكومة الحالية تضم رجال دين مسيحيين.

على كل حال ليس هذا هو التناقض الوحيد القائم في الحالة التيمورية، وأمام مسجد النور وهو المسجد الوحيد الذي ظل قائماً في العاصمة ديلي، سنفهم أن وضع المسلمين هنا يمثل تناقضاً آخر، فأهل تيمور الشرقية الذين ثاروا ضد الظلم هم أنفسهم الذين يرتكبون اليوم أشكالاً من الظلم ضد سكان البلاد من المسلمين.

خنازير تعبث بين حطام محال صغيرة يملكها مسلمون تعرضت للإزالة على يد قوات الشرطة المدعومة من القوات الدولية المنوط بها حماية المجتمع وضمان أمن شرائحه المختلفة، عملية تحطيم المحال وإزالتها تمت تحت حجة أنها تشوه هذا الحي الفقير، الذي أصبح الآن جميلاً كما ترون، والحقيقة أن ذلك إنما يأتي ضمن حملة تستهدف المسلمين وممتلكاتهم في إطار حالة من الكراهية ضد الإسلام، باعتبار أنه دين المستعمر.

هذه الحالة العدائية دفعت الغالبية العظمى من المسلمين إلى الفرار عائدين إلى إندونيسيا، فيما اضطر من تبقى منهم، ويقدر عددهم بأقل من مائتي شخص إلى الاحتماء بالمسجد الذي مازال حتى الآن يتعرض للرشق بالحجارة، وقد تكدس اللاجئون المسلمون في هذه الأكواخ المحيطة بالمسجد يحاولون الاستمرار في حياتهم معتمدين على إمكاناتهم الذاتية بعد أن فقدوا ممتلكاتهم الخاصة.

شانانا غوسماو: إذا كنت تدرك الآن أن هناك شكاوى ظهرت من المواطنين بعد صدور قرار الإدارة بإخلاء جميع المساكن التي تعتقد الحكومة أنها ملك الدولة، وهذا سبَّب مشكلات كثيرة في تيمور الشرقية، يجب عدم النظر إلى هذا المطلب الحكومي على أنه موجَّه ضد الإندونيسيين أو المسلمين فقط.

أبعاد اهتمام ودعم المجتمع الدولي لتيمور الشرقية

أسعد طه: العون وقت الحاجة، صفة محمودة، مذمومة إذا كانت الأهداف سياسية غير إنسانية، أينما ذهبت في أنحاء العاصمة ديلي تجد عشرات الإشارات الدالة على وجود مكثف للأمم المتحدة ومنظماتها المختلفة، وعشرات المنظمات القادمة من أنحاء متعددة من العالم.

عصفوران بحجر واحد، هو ما يوحيه إليك هذا المشهد على شاطئ العاصمة، فمن ناحية يتمتع العاملون بالمنظمات الدولية بمزايا مالية عالية لقاء ما يتعرضون له من مخاطر كما هو واضح، ومن ناحية أخرى تحتكر بلادهم المشروعات الاقتصادية المزمعة إقامتها في البلاد، تُرى هل هذا تفسير شيطاني لهذا الاهتمام الدولي بأمر تيمور الشرقية، تلك التي لغتها برتغالية، وعملتها أميركية، ووسائل اتصالاتها أسترالية، وبضائعها إندونيسية، وهل هذا هو ما يدفع الأمم المتحدة ومؤسساتها لخوض تجربة بناء وطن لم يكن موجوداً ككيان سياسي واقتصادي مستقل في أرض تفتقر إلى الكفاءات البشرية، فيما ثرواتها الطبيعية تحتاج لسنوات طويلة حتى تؤتي ثمارها. وإذا كانت المسألة مبنية على أسس أخلاقية ومبدئية، فلماذا مُنحت تيمور الشرقية كل هذا الدعم الدولي فيما حُرمت منه مناطق أخرى مثل الشيشان وكشمير وقبلهما فلسطين.

شانانا غوسماو: لقد كنت اسأل نفسي السؤال ذاته، ويمكنني القول إن قضيتنا كانت تشبه قضية الشرق الأوسط والصحراء الغربية، وكان مهم جداً ما حدث مع الرئيس ياسر عرفات وشيمون بيريز عندما حصلا على جائزة نوبل للسلام، فقد سررنا جداً لذلك، واعتقدنا أنه بعد فلسطين سيأتي دورنا، وكنا نقارن أنفسنا بفلسطين من حيث السكان والمساحة، وحتى عندما كنا في الجبال كنا نتابع أخبار الانتفاضة والشرق الأوسط، ولكن للأسف لم تأتِ النتائج كما كنا نرجو، فهم لم يحصلوا على الدعم الذي حصلنا نحن عليه، فقد حصلنا على كل أشكال الدعم المعنوي والسياسي، وعرفنا أنه من حقنا الاستقلال، وكانوا يقولون لنا: تقدموا نحن نقف خلفكم، تقدموا، وبدون هذا الدعم ما كان ليتحقق الاستقلال

أسعد طه: التقارير الأممية تفيد أن تيمور الشرقية هي أكثر دول العالم استقبالاً للعون الأجنبي، وأن المبلغ المتعهَّد به هو 878 مليون دولار، وأن الجهود المبذولة تسعى لتأسيس دولة وتشكيل أجهزتها ومؤسساتها الديمقراطية، وصياغة دستور للبلاد، وتدريب الوزراء ورجال الحكومة، ووضع البنية الرئيسية لإدارة مالية، وتأسيس إطار لإدارة حكومية ثابتة.

كاماليش شارما (ممثل الأمم المتحدة): لقد أعطانا مجلس الأمن تعليمات واضحة، كانت أولاها هي المحافظة على الأمن الداخلي، ولذلك استمرت الأمم المتحدة في عملها الأمني هنا، بالإضافة إلى عملية التطوير التي تأتي على مراحل تبعاً لخطط وأجندة محددة، أما المهمة الثانية فهي الحفاظ على الأمن الخارجي لتيمور الشرقية، باعتبار أنها لا تملك قوات مسلحة والتي سوف يستغرق بناؤها سنوات طويلة، أما المهمة الثالثة فهي دعم الحكومة وضمان توازنها واستقرارها.

أسعد طه: صور (جيفارا) تجدها معلقة في كل مكان كرمز من رموز الثورة والمقاومة، ولكن الملفت هو صور أسامة بن لادن التي يتزين بها شباب هذه البلاد المسيحيون، وفي التفسير أن الناس هنا مع كل من هو ضد الولايات المتحدة باعتبار دورها الداعم لإندونيسيا في ضم بلادهم لها.

الجنرال مولاني (مدير المخابرات السابق): تتغير المصلحة القومية لأميركا من حين لآخر، ففي حقبة الحرب الباردة ساعدت أميركا إندونيسيا في حربها ضد الشيوعية، وفي عام 1975 كانت أميركا في صراع مع فيتنام، وفي نفس الوقت كانت هناك ثورة الورد التي قادها ضباط يساريون في البرتغال، وكانت ستؤثر في تيمور الشرقية، كانت أميركا قلقة من أن تتحول تيمور الشرقية إلى كوبا أخرى على مقربة من أستراليا، وأن تصبح قاعدة للبحرية وسلاح الجو السوفيتي في المحيط الهادئ، لذلك دفعتنا أميركا للسيطرة على تيمور الشرقية، لكن بعد انتهاء الحرب الباردة تغيرت المصالح القومية لأميركا التي رأت أن من الأفضل لها أن تتعاون مع دولة كاثوليكية مثل تيمور الشرقية بدلاً من دولة إسلامية متماسكة مثل إندونيسيا واستراتيجياً يمكن أن تكون تيمور الشرقية منطقة فاصلة بين إندونيسيا وأستراليا.

أسعد طه: معسكر التدريب الواقع على بعد حوالي ساعة من العاصمة ديلي أشبه بخلية النحل، حيث يتلقى الشباب التيموريون تدريباتهم العسكرية ضمن الجهود الأممية لتشكيل جيش البلاد، نتابع ما يجري ونحن نتذكر أن الولايات المتحدة وأستراليا وأوروبا انتهزت فرصة الهزة الاقتصادية التي أصابت إندونيسيا وربطت دعمها المادي لها بموافقة جاكرتا على استفتاء يقرر فيه أهل تيمور الشرقية مستقبلهم، وهو الاستفتاء الذي أفضى بالبلاد إلى الاستقلال.

نلجأ إلى الطبيعة لعل حسنها يخفف من مرارة الواقع الذي يفيد أن الحرية وحقوق الإنسان وحق الشعوب في تقرير مصيرها إنما هي قيم يناضل من أجلها المظلومون والشرفاء، ومن هم غير ذلك يوظفونها لما تقتضيه مصالحهم.

الأسباب الحقيقية لتصاعد الحركات الانفصالية في إندونيسيا

الدور الدولي الداعم لاستقلال تيمور الشرقية المانع لهذا الدعم عن مناطق أخرى في العالم يثير الشبهة في أن المقصود هو أن تصبح تيمور الشرقية مثالاً يحتذي ونموذجاً يفتح شهية الحركات الانفصالية في كل إندونيسيا، إلى إندونيسيا إذن.

نصل إلى بالي المعروفة بأنها غير مستقرة جيولوجياً بجبالها البركانية النشطة وهزاتها الأرضية الخفيفة إلا أن جمالها الساحر يغفر لها ذلك، ويستقطب أكثر من نصف عدد السيَّاح القادمين إلى كل إندونيسيا، بالي هي صغرى الجزر الإندونيسية من حيث عدد السكان الذين تنتمي غالبيتهم العظمى إلى الهندوسية، التي هي هنا خليط من الهندوسية والبوذية وعقائد أخرى تقدس الأرواح والأسلاف والعناصر الطبيعية، قصدنا -كما كثير من السياح- هذه المنطقة التي تجتمع بها دورٌ للعبادة من الأديان الرئيسية في إندونيسيا كإشارة إلى التعددية العرقية والدينية في البلاد، التي كانت قبل الاستقلال عبارة عن تجمعات سكانية تنتمي إلى أعراق متعددة تسكن كل منها جزيرة مختلفة، تنظر لنفسها على أنها أمة مستقلة، لكن الخضوع للاستعمار الهولندي ومقاومته وحَّد فيما بينها لتعلن في زمن الحرية تأسيس دولة إندونيسيا تحت شعار "الوحدة في التنوع" المعروف باسم (البانكاسيلا).

اليوم تشير الخريطة العرقية لإندونيسيا إلى أن 45% من السكان ينتمون إلى العرقية الجاوية، التي تسكن شرقي ووسط جزيرة جاوا، و14% ينتموا إلى العرقية السوندانية، التي تتركز في غربي جزيرة جاوا، ثم المادوريين بنسبة 7.5%، وهم أساساً من جزيرة مادورا في شرقي جاوا، ثم الملاويين 7.5% وهم أساساً في جزيرة كلامنتان، ويتوزع حوالي 26% من السكان بين عدد كبير من العرقيات الصغيرة.

يتحدث سكان إندونيسيا 668 لغة مختلفة، إلا أن اللغات التي يتحدث بها أكثر من مليون شخص تبلع 15 لغة، في الوقت الذي يتحدث فيها لجميع لغة البهاسا.

وبخصوص التوزيع الديني فإن 87% من السكان مسلمون، و6% بروتستانت، و3% كاثوليك، و2% هندوس، و1% بوذيون، و1% أديان أخرى.

قد يتصور أن هذه التعددية العرقية والدينية هي التي تقف وراء الحركات الانفصالية، والحقيقة أنها ليست إلا عاملاً مساعداً لها، شأنها شأن الجغرافيا التي جعلت إندونيسيا تتكون من 13 ألف جزيرة مبعثرة في مياه المحيط تفصل حواجز مائية شاسعة المساحة بين معظمها لتفقد الجسم الإندونيسي ترابطه، وتزيد من صعوبة السيطرة الأمنية والعسكرية على جميع أطرافه، أما الأسباب الحقيقية وراء تصاعد الحركات الانفصالية فيمكن أن نتتبعها من الحي الصيني بالعاصمة جاكرتا، حيث تشير المعلومات أن ذوي الأصول الصينية لا تتجاوز نسبتهم 4% من إجمالي السكان، لكنهم يسيطرون على أكثر من ربع الدخل الإجمالي للبلاد، بفضل ما مُنحوا من امتيازات في عهدي الاستعمار الهولندي و(سوهارتو) مما جعلهم عرضة لغضب المتظاهرين كلما شهدت البلاد أزمة اقتصادية.

الحالة الصينية في إندونيسيا هي مثال لسوء توزيع الثروة بين السكان، وهو ما تشكوه أقاليم غنية بمواردها الطبيعية غير أنها محرومة من أي مشروعات تنموية، ولذلك تبنت الحركات الانفصالية مطلب العدالة في توزيع ثروات الدولة ومواردها.

توفيق عبد الله (مدير مركز الدراسات الوطني): هناك أربعة أقاليم تعتبر الأغنى في إندونيسيا، هي أتشي، بابوا، وشرق كليمنتان، وريو، وهذه المناطق غنية بالنفط والغاز والأخشاب، ولكنها الأقل استفادة بين الأقاليم من عوائد هذه الثروات، وهذه الأقاليم تشعر بالظلم والخداع من قبل الحكومة المركزية في إندونيسيا.

أسعد طه: أرينجايا واحدة من المناطق المطالبة بالانفصال، وهي تقع في النصف الغربي لجزيرة بابوا، كبرى الجزر الاستوائية في العالم، ويبلغ عدد سكانها مليوناً وستمائة ألف نسمة، يتركز معظمهم على امتداد الساحل، ويتحدرون من نفس العرقية التي يتحدر منها سكان أستراليا الأصليون، ولذلك فهم مختلفون تماماً عن سكان إندونيسيا المتحدرين في أغلبهم من العرق الملاوي.

عام 1963 وبعد مفاوضات طويلة وصراع مسلح مع الاستعمار الهولندي ضُمَّت أرينجايا إلى إندونيسيا إثر استفتاء عام رفضت نتائجه مجموعة من السكان ودخلت في صراع مسلح مع الحكومة. اليوم وبعد حوالي 40 عاماً من ضم الإقليم لإندونيسيا فإن الانفصاليين يرون أن الثروات الطبيعية الغنية بها بلدهم تعرضت للاستغلال لسنوات طويلة دون أن ينالوا حظهم منها، ويستدلون على ذلك بأن المستثمر الغربي يمتلك 80% من أسهم شركات التعدين العاملة، فيما الـ20% المتبقية هي من نصيب التجار المحليين وحكومة جاكرتا، كما تعرَّض الإقليم لتفرقة اجتماعية وثقافية بين سكانه الأصليين وبين المهاجرين الذين وفدوا إليه، فضلاً عن الممارسات الديكتاتورية العنيفة التي تعرض لها المواطنون على يد الجيش، والتي كان لها دور في تأجيج مشاعر الانفصال في مناطق متعددة بإندونيسيا، يقول الناس هنا إن حكام إندونيسيا بعد الاستقلال أرادوا أن يصنعوا منها دولة مركزية موحدة، ولم يكن من سبيل إلا الاعتماد على الجيش وإطلاق يده في مواجهات النزعات العرقية والدينية، خصوصاً وأن الجيش لم يجد عدواً خارجياً فانكفأ على الداخل، وأصبح دوره سياسياً أكثر منه عسكرياً، وكانت النتيجة وقوع مجازر وانتهاكات واسعة لحقوق الإنسان.

منير طالب (ناشط في مجال حقوق الإنسان): أعتقد أن حكم (سوهارتو) العسكري كان جزءاً مهما من الحياة السياسية، فقد سيطر على المدنيين في إندونيسيا باستخدام العنف والتحكم في عقائد الناس، وأيضاً باستخدام القانون والمحاكم من أجل مصالحه الذاتية، ولكسب الشرعية لهم من أجل مصادرة مصالح الشعب، وكان الجنرالات أيضاً فاسدين، وتحكموا باقتصاد البلاد، وحاولوا خلق حالة توازنٍ استراتيجي في البلاد من خلال الصراعات العرقية والطائفية، والتعصب في إندونيسيا.

أسعد طه: الطبيعة الجغرافية للبلاد والتعددية العرقية والطائفية وسوء توزيع الثروة، وفساد الجيش وظلمه عوامل تؤثر بدرجة أو بأخرى في تأجيج مشاعر الانفصال، ويلعب الدين دوراً بلا شك، لكنه ليس دوراً محورياً بدليل أن واحدة من المناطق المطالبة بالانفصال هي منطقة أتشي المسلمة. تقع أتشي شمالي جزيرة سومطره غربي إندونيسيا، ويعيش فيها ثلاثة ملايين وثلاث مائة ألف مواطن، معظمهم من الملاويين الذين يعتنقون الإسلام، عُرفت عن شعبها مقاومته الشرسة للاحتلالين البرتغالي والهولندي، كما عرفت عن نسائه مشاركتهن الرجال حروب المقاومة، واشتهر الإقليم بالتزامه الديني، فكانت قوانينه قائمة على أساس الشريعة الإسلامية، وأطلق على أتشي بوابة الأراضي المقدسة، نظراً لتاريخها كمحطة تعبئة للحجاج المسلمين المتجهين إلى مكة عن طريق البحر.

ونظراً للدور الذي أسهمت به خلال مقاومة الاستعمار الهولندي وعدها (سوكارنو) بمنحها وضعها خاصاً، وهي المطالبة بتأسيس دولة إسلامية في كل البلاد، إلا أن شهر العسل لم يدم إلا بضع سنين، بعد أن ألغى سوكارنو هذه الخصوصية مما أثار حفيظة الشارع في أتشي ودفعه إلى التمرد على الحكومة المركزية. عقب سقوط سوهارتو جدد السكان مطالباتهم بمزيد من المشاركة السياسية والتنموية، وحصة عادلة من عائدات الإقليم الذي يسهم بمخزونة المعدني والنفطي الهائل بما يساوي اثني عشر مليار دولار سنوياً من دخل الدولة، إلا أنه لا يتسلَّم من دخل الدولة، إلا أنه لا يتسلم من هذا الدخل إلا 57 مليون دولار، ورغم استجابة جاكرتا مؤخراً لكثير من مطالب حركة (جام) التي تتولى قيادة التمرد خصوصاً على مستوى القوانين الإسلامية، إلا أن هدف الحركة تغير من إقامة دولة إسلامية إلى مجرد الانفصال عن جاكرتا، مما حدا بالأخيرة إلى اتهام أطراف خارجية بدفع الحركة لتبني هذا المطلب الجديد.

الجنرال مولاني: قائد حركة تحرير أتشي (حسن تيرو) يعيش في السويد، وزوجته سويدية يهودية، لديه اتصالات مع الولايات المتحدة ومع إسرائيل من خلال زوجته، وبالطبع نستطيع أن نقول أنه لابد من وجود اتصالات وعلاقات من خلال حسن تيرو وزوجته بأميركا وإسرائيل.

الدور الخارجي في تأجيج رغبات الانفصال واعتماده على التعدد الديني

أسعد طه: الاتهامات الحكومية الموجهة للحركات الانفصالية لا تعفي حكومات جاكرتا المتعاقبة من مسؤولياتها، وفي ذات الوقت لا يمكن إغفال الدور الخارجي المؤجج للرغبات الانفصالية والداعم لها، واللاعب أحياناً على وتر العامل الديني كما هو الحال في جزر الملوك.

هنا قررت مجموعة من المسيحيين ارتكاب سلسلة من المذابح البشعة في حق جيرانهم المسلمين، مذابح لم ترَ البلاد ولا المنطقة لها مثيلاً، استهدفت بث الذعر في نفوس المسلمين ودفعهم إلى التنازل عن ممتلكاتهم والرحيل عن أرضهم، وبالطبع لم تتحرك منظمات حقوق الإنسان الدولية، ولا أنصار الديمقراطية، ولم يوجه أحد إلى الجاني إدانة أو يتهمه بالإرهاب.

منطق المسيحيين أن مسلمي المنطقة غرباء عليهم الرحيل، ولا مجال للاعتراف بشهادات التاريخ عن ممالك إسلامية شهيرة وعتيقة قامت في هذه المنطقة، وتدل على أن المسلمين هنا هم من أهل البلاد الأصليين، فيما منطق المسلمين أن قوىً خارجية تستخدم ورقة المؤسسات الكنسية ومنظمات حقوق الإنسان لتمرير مخطط يستهدف طرد المسلمين من هنا، في إطار هدف أكبر لتفتيت إندونيسيا، إثر هذه الموجه من الهجمات التي تعرض لها المسلمون في جزر الملوك تم تشكيل مليشيات مسلحة في جاوا، أرسلت إلى جزر الملوك، وأطلق عليها "لسكر جهاد"، وفي هذه الأجواء تبادل الطرفان الاتهام بارتكاب مذابح بشعة في حق بعضهم البعض.

أبيب سفر الدين (نائب زعيم حركة لسكر جهاد):عندما ذبح المسيحيون المسلمين في عيد الفطر عام 1999 رأينا أن هناك قساوسة تورطوا في هذه الجريمة، وهؤلاء دعوا المسيحيين وجمعوهم لقتال المسلمين بمناسبة عيد الفطر، ومن هؤلاء (ساميف جيطالي)، وكان حينذاك رئيس الكنيسة البروتستانتية في جزر الملوك.

أسعد طه: أشد مناطق الصدام هي (أمبون) الواقعة جنوبي جزر الملوك، والتي جذبت أنظار الرحالة والمستعمرين الأوروبيين لغناها بالتوابل، وخاصة تجارة القرنفل التي كانت رائجة فيها منذ القرن السادس عشر، فتصارع عليها الاستعمار البرتغالي والبريطاني والهولندي إلى أن وقعت في قبضة الحكم الهولندي عام 1814، وقد أدى وجود الهولنديين إلى زيادة أعداد المسيحيين، ويبلغ عدد سكان أمبون حوالي مليوني نسمة، نحو 56% منهم مسلمون، وحوالي 40% منهم مسيحيون، والبقية من الهندوس والبوذيين.

لويس ريساكوتا (ممثل حركة آر.أم.أس): رأينا بالعديد من القرى أن السكان غير المسلحين ضحية عنف الجيش، وتم تشريد بعضهم، وكثير من أماكن العبادة والمباني هدَّمت، ونحن نتساءل عن سبب نشوب هذا الصراع في الوقت الذي توجد فيه اثنتان وعشرون كتيبة من الجيش في أمبون لم تحد من نشاط المحرضين على الصراع، فإذا كانت الحكومة قد فشلت في حمايتنا فمن حقنا كسكان في هذه المنطقة تقرير مصيرنا، خصوصاً وأننا نملك مقوِّمات الانفصال، فهناك حكومة وشعب وأرض.

أسعد طه: حركة "جمهورية جنوب جزر الملوك المعروفة اختصاراً باسم RMS هي التي تتولى قيادة المسيحيين في المنطقة كمنظمة مسلحة أنشئت بدعم من المستعمر الهولندي لمساعدته في إعادة السيطرة على إندونيسيا، وتصفية حركات المقاومة بعد انسحاب اليابانيين، وقد هاجر كثير من أعضاء الحركة إلى هولندا، وأعلنوا هناك حكومة المنفى.

توفيق عبد الله: يسيطر المسيحيون في العادة على الوظائف الحكومية، لأن الهولنديين اهتموا بتعليمهم وأهملوا المسلمين، وبعد الاستقلال حصل المسلمون على درجات علمية عالية، وطالبوا بحقهم في الوظائف الحكومية، ولكن المسيحيين قالوا إن هذه الوظائف ورثناها عن أجدادنا، هذا أحد أسباب الصراع.

السبب الآخر هو أن معظم الذين هاجروا من سيلاواسي إلى أمبون كانوا من المسلمين ما أخل بالتوازن السكاني لصالح المسلمين، وسيطر هؤلاء المهاجرون على معظم النشاط الاقتصادي، فالصراع في ظاهره ديني، لكنه في حقيقته اجتماعي واقتصادي.

أسعد طه: إذن تعددت الأسباب التي دفعت الحركات الانفصالية في إندونيسيا إلى تبني قرارها بالسعي إلى تفكيك البلاد، بعض الأشقياء الرافضون أسس النظام الدولي الجديد يدَّعون أن العامل الخارجي هو وحده المؤثر الفعال، وأول من تشير إليه أصابع الاتهام -بزعمهم- هو الولايات المتحدة الأميركية.

توفيق عبد الله: لا تنس أن أميركا الآن هي القوة الرئيسة في العالم، وهي جزء من منظومة المحيط الهادي، وإذا أردنا الحديث عن آسيا الباسفيك التي تمتد من اسطنبول إلى كاليفورنيا فإندونيسيا تقع في منتصف هذه المنطقة، وكان الأسطول السابع الأميركي في الفليبين، والآن فتحت سنغافورة أراضيها لهذا الأسطول، كما أن اليابان وروسيا قريبتان، من ناحية أمنية فإن أميركا مهتمة كثيراً بإندونيسيا، وقد استثمرت مبالغ ضخمة في النفط في سومطره، والذهب في بابوا، ولها مصالح اقتصادية كبيرة في إندونيسيا.

أسعد طه: هذه المصالح هي التي دعت الولايات المتحدة إلى الإعلان على لسان وزير خارجيتها صرف 50 مليون دولار كمساعدة لإندونيسيا في حربها ضد الإرهاب، الذي تمثله -بطبيعة الحال- حركات الإسلام السياسي، أما الحركات الانفصالية السلمية منها والدموية فليس لها إلا الاتصالات اللطيفة والنصائح المفيدة.

رولف بويس (السفير الأميركي بإندونيسيا): أستطيع أن أصف هذا الاتهام بأنه خاطئ بشكل مطلق، وهذا معاكس لسياستنا، وأنا شخصياً سافرت إلى أتشي وبابوا وقلت لهم بوضوحٍ ليس للحكومة فقط، بل الحركات الانفصالية والسلطات المحلية، حيث كانت رسالتي بسيطة جداً، الولايات المتحدة لا تدعم حركاتكم الانفصالية ولا أي دولة في العالم ستدعمكم، بل نؤيد تكامل ووحدة إندونيسيا.

أسعد طه: ما خَلُصنا إليه أن مستقبل إندونيسيا يبدو مرتبطاً إلى حدٍ كبير بإرادة القوى الكبرى التي يعتقد أنها ستعمل على بقاء إندونيسيا دولة موحدة بشرط الانصياع لأوامر صندوق النقد الدولي ومتطلبات ما يسمى بحروب الإرهاب، وإلى أن ينجلي الأمر لا مانع من التهديد بعصا دعم الانفصاليين، هؤلاء الذين سال لعابهم وهم يرون الدعم الدولي يتدفق بلا حساب على تيمور الشرقية عندما قررت الانفصال عن إندونيسيا.

منطق السادة، الميزان ميزانان والعدل اثنان، الأول تنال به المصالح العليا، والآخر تستر به النوايا الدنيا.

أيهما يستحق منا الإدانة عدو بغى، أم صاحب حق رأى وما وعى؟

السلام عليكم.