مقدم الحلقة: أسعد طه
ضيوف الحلقة: عدة شخصيات
تاريخ الحلقة: 26/08/1999




فيكتور بوسوفاليك
جون هولس
عادل رجبلي
روستام مميدوف
خوشبخت يوسف زاده
أسعد طه
أسعد طه: الزمان.. خواتيم القرن العشرين.

المكان.. بحر القزوين.

الحدث.. بواكير صدام دولي جديد.

السلام عليكم.. بحر القزوين ودوله الخمس يعيشون حرباً حقيقية وإن كانت بدون رصاص، والسبب طفرة نفطية ترشح المنطقة لأن تصبح أكبر مصدرٍ للنفط والغاز إلى أسواق أوروبا وآسيا في القرن المقبل.

هذه الطفرة النفطية سوف تؤثر على اقتصاديات اثنتي عشرة دولة بما فيها الولايات المتحدة الأميركية وروسيا، وسوف تسهم في حسم خمسة حروب إقليمية على الأقل بما فيها الشيشان وأفغانستان، وهي تهدد في الوقت ذاته بتفجير نزاعات حدودية بين الدول الجيران المستفيدة من النفط والغاز، وبهذه الطفرة النفطية أصبحت المنطقة ساحة لأكبر المشاكل الجيوسياسية في أراضي الاتحاد السوفيتي السابق، وأصبحت منطقة تتشابك بل تتصادم فيها مصالح أكبر دول العالم.

منطقتنا العربية سوف تتأثر على الأقل بحكم الموقع الجغرافي، وسوف تمس التغيرات منطقة الخليج العربي، لكننا لا نريد أن نحصر هذه القضية في هذا التبسيط المخل، وإذا كان من الصعب التنبؤ بما ستؤول إليه الأحداث فإن من الممكن على الأقل رصد اتجاهاتها.

ما إن وصلنا إلى العاصمة الآذرية (باكو) حتى لمسنا حساسية شديدة في التعامل مع الصحفيين الأجانب الباحثين في القضية النفطية سواءً من قبل السلطات المحلية أو حتى الشركات الغربية، ثمة شعور غريب بأن شيئاً ما يحدث، وأن أطرافاً متعددة تشارك في الحدث، وأن مقاصد متناقضة تحكم تصرفاتها، وأن الجميع يحاول التهوين من الأمر رغم أن الجميع يندفع بقوة إلى هذا الأمر!!

في الشارع كان الشعور معاكساً.. انفتاح في كل اتجاه، والبلاد تبدو كطائر انطلق من محبسه، والأحلام تراود الجميع بأن تصنع الطفرة النفطية مستقبلاً ينسى معه الناس عذاب سنوات الشيوعية الطويلة، أما لماذا اخترنا أن نتوجه إلى أذربيجان من بين دول بحر القزوين الخمس، فذلك لأسباب متعددة، منها أنها هي التي حركت الأزمة كما سنرى لاحقاً، ومنها أن لها نصيب الأسد من الثروة النفطية.

والحقيقة أن للنفط تاريخاً طويلاً في أذربيجان، يقول المؤرخون إنه يعود إلى القرن الرابع عشر الميلادي وربما قبله، حين كان النفط يوضع في أكياس من الجلد لتحمله الجمال في رحلات طويلة إلى إيران والعراق وبلدان أخرى، حينها كان النفط يستخدم للإضاءة، وفي الأغراض الحربية والطبية، وحينها أيضاً كانت وسائل استخراجه غاية في البدائية.

وفي عام 1844م حفر أول بئر للنفط في أذربيجان، وفي عام 1922م شهدت أذربيجان بناء أول مصفاة للنفط في العالم كله، وخلال سنوات الحكم الشيوعي كان نفط البلاد يستغل وفقا لسياسة موسكو حتى أن باكو أنتجت في الفترة ما بين عام 1941م وعام 1945م حوالى 64% من نفط الاتحاد السوفيتي كله، وبانهيار المنظومة الشيوعية وحصول البلاد على استقلالها قررت باكو استغلال مواردها النفطية بأقصى طاقة ممكنة، وتزامن ذلك مع ضجة إعلامية تتحدث عن أن قاع بحر القزوين وباطن آسيا الوسطى يحويان كميات هائلة من النفط قدرتها بعض الأوساط بأنها تزيد عن ثلاثمائة مليار برميل، وأنهما يضمان أكبر احتياطي في العالم من الغاز الطبيعي.

الحدث وصف بأنه أكبر طفرة نفطية يشهدها النصف الثاني من القرن الحالي، وكان من الطبيعي أن يندلع في إثره تنافس دولي حول استثمار هذه الموارد وصف هو الآخر بأنه ثالث أكبر سباق على النفط يشهده العالم بعد الثاني الذي اندلع في العالم العربي في الخمسينات، وإثر الأول الذي عرفته الولايات المتحدة الأميركية في القرن الماضي.. هذا التنافس المحموم امتد إلى مسألة أخرى وهي مسار خطوط الأنابيب اللازمة لنقل النفط والغاز عن هذه المناطق إلى أسواق العالم، وهي مسألة تنطوي على استثمار مليارات الدولارات.

الأطراف الرئيسية في هذه القضية هي خمس دول تطل على بحر القزوين هي الجمهورية الإسلامية في إيران، وثلاث دول مسلمة خارجة من عباءة الاتحاد السوفيتي، وهي أذربيجان وتركمانستان وكازاخستان بالإضافة إلى روسيا، والتي للمفارقة فإن غالبية مناطقها المطلة على بحر القزوين هي مناطق مسلمة.

وفي العشرين من الشهر التاسع لعام 1994م عقدت باكو ما وصف بأنه صفقة القرن وهو العقد الذي يمنح إحدى عشر شركة أجنبية حق العمل على استخراج النفط من بحر القزوين في القطاع المائي الخاص بأذربيجان وهو الأمر الذي اعترضت عليه دول الجوار التي ترى أن استغلال الثروات النفطية لبحر القزوين يجب أن يكون مشتركاً.

الأزمة الاقتصادية التي تعيشها البلاد منذ سقوط الشيوعية وإشكالية أراضيها المحتلة في (كراباخ) دفعت بأذربيجان لأن تتخذ طريق الهروب إلى الأمام، وقررت كما أسلفنا المضي قُدماً في مشروعها النفطي، والذي اعتبر بمثابة الرصاصة الأولى في هذه الحرب الباردة الجارية على ثلاث جبهات، الأولى: حول من يحتكر التنقيب عن النفط، ويقوم باستخراجه، الثانية:حول نصيب كل دولة من تلك المطلة على بحر القزوين، الثالثة: حول الطرق التي سوف تسلكها خطوط الأنابيب الحاملة والناقلة للنفط والغاز.

إذن فالمعركة الأولى تدور -أو بالأحرى دارت- حول حق التنقيب عن النفط واستخراجه، وبحسب صفقة القرن الموقعة في العشرين من شهر سبتمبر/ أيلول لعام 1994م فإنه تقرر تكوين شركة العمليات الآذرية الدولية بين شركة النفط الوطنية لأذربيجان وبين مجموعة الشركات الأجنبية، وهي إحدى عشرة شركة تمثل سبع دول هي الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا وروسيا والنرويج واليابان ثم تركيا والسعودية.

مدة العقد ثلاثون عاماً تعمل خلالها هذه الشركات على استخراج أربع مليارات برميل من ثلاث حقول نفطية، وتنال أذربيجان 80% من الأرباح، والتي يُعتقد أنها سوف تصل إلى 34 مليار دولار.

خوشبخت يوسف زادة (نائب رئيس شركة النفط الوطنية): بعد حصولنا على الاستقلال عام 1991م لم يكن أمامنا سوى خيارين، إما الانتظار لعشرين عاماً أخرى حتى نتمكن من شراء الأجهزة اللازمة للتنقيب عن البترول في أعماق البحر البعيدة أو التعاقد مع الشركات الغربية وهذا ما اخترناه، وما وجدناه أنه لصالح بلادنا، ومن ثم بادرنا إلى الإعلان عن أول مناقصة لاستغلال ثلاثة حقول نفطية، وعرضنا هذه المناقصة على 16 دولة ست منها أبدت اهتمامها بالمشاركة فيما أعرضت الأخريات خوفاً من التقلبات السياسية التي شهدتها البلاد حينها.

إلا أنه ومع حلول الاستقرار السياسي عام 1993م عادت المفاوضات بيننا وبين الآخرين لتأخذ منحى جدياً انتهى بتوقيع اتفاقية القرن التي نعتبرها إنجازاً عظيماً لبلادنا أدت إلى استقطاب حوالي مائة شركة أجنبية، وبجانب الأرباح المتوقعة من النفط فإننا ننتظر تحقيق مكاسب أخرى سواء على صعيد تشغيل الأيدي العاملة أو تطوير الصناعات المرتبطة بالنفط.

أسعد طه: اللاجؤون الآذريون لم يشملهم الاتفاق، بمعنى آخر فإن أذربيجان لم تسعى بحسب الانتقادات الموجهة إليها إلى الحصول على مقابل سياسي لقاء هذه التسهيلات الواسعة الممنوحة لدول يدعم بعضها بقوة دولة أرمينيا التي تحتل ما يزيد عن 20% من الأراضي الآذرية.

روسيا أبدت مخاوفها من اندفاع أذربيجان بقوة نحو الغرب، وهي نفس المخاوف التي عبَّرت عنها إيران وإن كانت لأسباب أخرى، فالجمهورية الإسلامية تخشى من أن تتبنى الجمهوريات الإسلامية الثلاث المطلة على بحر القزوين نمط الحياة الغربية من جراء استقدام الرأسمال الغربي إلى المنطقة عبر هذا التعاون الضخم مع شركات النفط الغربية.

وإذا كانت هذه المعركة قد حُسمت ولا يتبقى سوى انتظار نتائجها فإن المعركة الثانية مازالت دائرة حول نصيب كل دولة من تلك المطلة على القزوين من هذه الثروة النفطية، وهو الأمر الذي يتطلب في الأساس تحديد هوية بحر القزوين أي التعامل معه كبحيرة مغلقة أو كبحر مفتوح.

"القزوين بحيرة مغلقة"يعني أن المياه الإقليمية لكل دولة تمتد إلى عشرين ميلاً بحرياً يليها عشرون ميلاً بحرياً أخرى يحق لكل دولة استغلالها اقتصادياً، ثم تظل المساحة المتبقية كمنطقة مشتركة بين الدول المطلة على القزوين تقسم عائداتها الاقتصادية عليهم بالتساوي، وهذا التصور تؤيده كل من روسيا وإيران وتركمانستان.

"القزوين بحر مفتوح"يعني أن المياه الإقليمية لكل دولة تمتد إلى اثني عشر ميلاً بحرياً، يليها 200 ميلاً بحرياً أخرى يحق لكل دولة استغلالها اقتصادياً، وهذا التصور يؤيده أذربيجان وكازاخستان، تجدر الإشارة إلى أن الوضع القانوني لبحر القزوين كان قد تحدد في العهد السوفيتي وفق اتفاقيتي عامي 1921م و1940م بين موسكو وطهران غير أنهما كانتا قد خصصتا لتنظيم صيد الأسماك والملاحة، ولم تتناولا موضوع الثروة النفطية الكامنة في قاع البحر.

ومع انهيار الاتحاد السوفيتي عام 1991م وظهور أربعة دول مستقلة اشتعل الجدل من جديد حول الوضع القانوني لبحر القزوين.. أذربيجان لم تنتظر وبادرت إلى إعلان ملكيتها للقطاع المواجه لها من بحر القزوين.

روستام مميدوف (مستشار رئيس الجمهورية): عقب حصولنا على الاستقلال بادرنا بالاتصال بدول القزوين وعرضنا تصوراتنا بشأن مسألة الحدود بيننا إلا أن أي منها لم يرد على مبادرتنا، وحتى في المؤتمرات الخاصة التي عُقدت بهذا الشأن بين عامي 1992م و1994م فإن روسيا عملت على إفشال هذه المحادثات، وكما هو معروف فإن ثروات القزوين ليست مقسمة بالتساوي بين دوله، وقطاعنا المائي هو أغناها بلا شك، وقد اعتمدنا في تحديده على الخرائط التي صممت في فترة الاتحاد السوفيتي وكانت جمهورياته المطلة على القزوين تعترف بها.

أسعد طه: مهما استند كل فريق إلى أدلة قانونية فإن المصالح الاقتصادية هي التي تحدد رؤية كل فريق، فموارد النفط الأساسية تقع في مواجهة أذربيجان و كازاخستان ومن ثم فهما تؤيدان صيغة البحر المفتوح أي أن تتملك كل منهما القطاع المائي الذي يقع في مواجهتها، في مقابل ذلك فإن روسيا التي تمتلك قطاعاً لا قيمة نفطية له، ويضر استخراج النفط بالثروة السمكية التي تعتمد عليها تؤيد صيغة البحيرة المغلقة، وهي الصيغة التي تتيح الاستغلال المشترك لثروات القزوين وتتضامن معها في ذلك إيران، تركمانستان تقع بين الطرفين من حيث قيمة الثروة النفطية التي لديها، ومن ثم فهي تُبدي تردداً بين الصيغتين.

روستام مميدوف: لا أعتقد أن الخلافات الحدودية المثارة الآن بيننا وبين تركمانستان أو حتى المتوقعة في المنطقة يمكن أن تتحول إلى صدامات عسكرية، والحقيقة إنني أرى أن مسألة الحدود يجب ألا تثير في الأصل أية مشاكل خصوصاً وأن الدولة الكبرى في المنطقة، والتي تتمتع بثقل سياسي كبير وقعت معنا الاتفاقية الخاصة باستغلال مواردنا النفطية، مما يمنح هذه الاتفاقية الشرعية المطلوبة، لكن المشكلة أن المسؤولين الروس مختلفون فيما بينهم بشأن الموقف هنا ويستغلون علاقاتهم لإثارة القلاقل.

أسعد طه: التناقض هنا أن الآذريين يكنون عداءً لروسيا باعتبار ما تعرضوا له خلال فترة هيمنتها على بلادهم في العهد الشيوعي، لكنهم يستندون في مواقفهم السياسية إلى ما صدر في هذا العهد من قوانين.

خوشبخت يوسف زادة: في عام 1970م صدر قرار من وزارة النفط السوفيتية ينص على أن تقوم أذربيجان بجميع أعمال التنقيب في بحر القزوين وبناءً على ذلك أسس الاتحاد السوفيتي شركة للنفط في بلادنا، وقرر تقسيم بحر القزوين إلى قطاعات بناء على التباعد الإقليمي، والمساحات المطلة على البحر، ووفقاً لهذا التقسيم كانت أعمال التنقيب عن النفط تتم وخلال هذا العهد وحتى بعد انهيار الاتحاد السوفيتي لم يكن هناك أي خلاف بين تلك الجمهوريات على القطاعات البحرية التي خصصت لها.

أسعد طه: المعركة الثالثة تدور حول نقل النفط إلى الأسواق العالمية، وهي عملية تكلف مبالغ باهظة، لكنها تدر أيضاً أرباحاً طائلة، الأطراف الإقليمية تتنافس فيما بينها للاستحواذ على هذه العملية، ولأن المنطقة تشهد نزاعات وصدامات متعددة فإن مسار خطوط الأنابيب الناقلة للنفط سيسهم برأي المراقبين في حسمها، ربما لأن المصالح الاقتصادية ستحل محل الأحلام التاريخية أو التوسعية وأحياناً الوطنية.

أول هذه المسارات المقترحة هي ما يعرف بالخط الشمالي، والذي يبلغ طوله 1400 كيلو متراً، ويمتد من باكو إلى مرفأ نوفورسيسك الروسي المطل على البحر الأسود.

عادل رجبلي (أستاذ في العلوم السياسية): هذا المسار هو المعمول به الآن، أي أن كمية النفط التي تنتج في الوقت الحالي تنقل عبر هذا الخط، ورغم أنه ذو جدوى اقتصادية أي أنه أرخص تكلفة إلا أن أذربيجان لا تحبذ هذا الخط لعدة اعتبارات، منها أن إمكانيات أنابيب هذا المسار محدودة ولن تستطيع تحمل نقل الكميات الضخمة المتوقع إنتاجها في السنوات المقبلة، كما أن أذربيجان تخشى من أن تستغل روسيا هذه الورقة يوماً ما للضغط عليها للإذعان لرغبتها السياسية.

أسعد طه: يُضاف إلى ذلك أن 150 كيلو متراً من هذا الخط تعبر الأراضي الشيشانية، وهي قضية بذاتها محل مفاوضات دائمة بين الطرفين الروسي والشيشاني تدور حول ضمان سلطات الشيشان لأمن الخط وسلامته، وكذلك المقابل المادي الذي تطلبه جروزني لقاء مرور هذا الخط عبر أراضيها.

أما المسار الثاني المقترح فهو ما عرف بالخط الغربي، الذي يمتد من باكو إلى مرفأ سوبسا التابع لجورجيا والمطل على البحر الأسود، وهو خط رصد له مبلغ 315 مليون دولار، وتدور الأعمال به على قدم وساق، وبقدرته نقل ضعفي ما ينقله الخط الشمالي عبر روسيا.

عادل رجبلي: يجب الانتباه إلى أن تركيا اتخذت قراراً بتخفيض عدد ناقلات البترول المارة عبر البسفور لاعتبارات حماية البيئة، وهو ما يعني أن إمكانيات نقل النفط الذي يصل الميناء الجورجي إلى أسواق العالم تبقى محدودة للغاية.

أسعد طه: أما الاحتمال الثالث لمسار خطوط الأنابيب فهو يمتد من باكو إلى ميناء جيهان التركي.

عادل رجبلي: هذا المسار مرتبط بالحرب في كراباخ فهو يمر عبر أرمينيا التي تحتل أراضينا، ومن ثم فإن أذربيجان لم يكن بوسعها السماح بمرور خط الأنابيب الناقلة لنفطها عبر أراضي دولة عدو، يضاف إلى ذلك الخوف على سلامة وأمن هذا الخط في الأراضي التركية من أي أعمال انتقامية من قبل الأكراد في إطار الصراع بين الطرفين.

أسعد طه: سوى ذلك فإن هناك أيضاً خيارات أخرى متعددة منها الخط المار عبر إيران وهو مسألة تستوجب بداية تسوية العلاقات الأميركية الإيرانية، ومنها أيضاً الخط المار عبر(أفغانستان) وقد بُوشر بالفعل في الاتصال بحركة طالبان بهذا الشأن، لكن الفوضى الناشبة على الأراضي الأفغانية تستبعد هذا الخيار.

جون هولس (نائب رئيس شركة عمليات أذربيحان الدولية): إذا كنت تسألني عن التكاليف فليس بوسعي أن أقول شيئاً سوى أنه سيكون هناك كثير من المفاوضات بهذا الشأن بين الحكومات المضيفة الروسية والجورجية والتركية، وفي نهاية المطاف ستؤخذ المعطيات السياسية بعين الاعتبار، ومن الواضح أن الخيار الأخير سيكون لأقل العروض تكلفة، فالبلد الذي سيطرح أسعاراً أقل بتكاليف الترانزيت وتعريفة الجمارك مع ضمان الاستقرار الأمني سيكون هو الرابح، إذن لا أستطيع أن أقول كيف ستتم الأمور، ولكن هناك أملاً في أن تحسم بالنسبة للخط الرئيسي والأكبر في وقت ما في نهاية هذا العام.

أسعد طه: الموقف الأميركي -بلا شك- هو الذي سيحسم الموقف، ويقول المراقبون: إن الهدف الأميركي في النهاية هو ضمان توصيل بترول بحر القزوين إلى الغرب على نحو يتجنب عملياً دخول روسيا على الخط مما ينسف سيطرتها على المنطقة وهيمنتها عليها.

فيكتور بوسوفاليك (نائب وزير خارجية روسيا): نحن كروسيا نقترح ألاَّ يسيَّس هذا الموضوع، والآن تسييس واضح لهذه القضية، ولندع الاقتصاد يحدد خطوط الأنابيب النفطية وأنابيب الغاز.

أسعد طه: هكذا تبدو المنطقة إذن ملفوفة بالضباب، حُبلى بالثروات الطبيعية المكتشفة، وبالصدامات الدولية المتوقعة، الخليج العربي سوف يتأثر، ولكن يجب عدم النظر إلى منطقة القزوين بعين المنافسة، خصوصاً وأن المنطقتين تجمعهما عوامل مشتركة منها مثلاً المُعتقد، ومنها مثلاً الوجود الأميركي، أن يكون الخليج العربي على مقربة من منطقة تشهد تغيرات جذرية في بنيتها الاقتصادية والسياسية فهذا يعني أنها سوف تتأثر حتماً بهذه التغيرات سلباً أو إيجاباً، خصوصاً وأن المنطقتين تتشابهان في الدور الذي يلعبه النفط في الاقتصاد القومي.

بل إن هناك من يقول: إن منطقة الشرق الأوسط بأكملها يمكن أن تتسع مستقبلاً لتضم أسيا الوسطى، وذلك لاعتبارات غربية متعلقة بفصلها عن روسيا من ناحية، ولأن شعوبها مسلمة من ناحية أخرى، يمكن أن نضيف أن الأطماع الدولية تستهدف المنطقتين.

روستاف مميدوف: منطقة الخليج من أعقد المناطق الدولية من حيث آفاق النزاع حولها وشدته، وهو الأمر المرتبط بلا شك بالنفط، ونحن نعتقد أن الأمر سوف يتكرر هنا لكن في القرن المقبل، كما أننا لا نعتبر أنفسنا منافسين لدول الخليج التي نجحت في تنظيم أمورها، فيما الأمور لدينا مازالت مضطربة.

أسعد طه: العديد من الخبراء يعتقدون أن بحر القزوين وحده ودون باطن آسيا الوسطى يحوي ما يوازي الاحتياطات النفطية لمنطقة الخليج، فماذا عن جودته؟!

جون هولس: إن نوعية هذا النفط عالية لأنه يحتوي على أقل نسبة من السلفر وهو يناسب بالدرجة الأولى المصافي الموجودة في جنوب أوروبا، وبالتالي فإن معظم النفط الموجود في الشرق الأوسط يذهب شرقاً إلى اليابان وإلى الشرق الأقصى، ونفط هذه المنطقة يناسب معظم مصافي بلدان البحر الأبيض المتوسط.

أسعد طه: لكن هل يمكن اعتبار بحر القزوين منطقة أكثر أمناً واستقراراً من منطقة الخليج؟!

عادل رجبلي: بالطبع لا، فمنطقة الخليج ولاعتبارات زمنية باتت تتمتع بآلية معروفة بشأن علاقاتها الدولية يعني أن قواعد اللعبة هناك أصبحت معروفة، وخير مثال على ذلك الحرب العراقية الكويتية، وتدخل المجتمع الدولي الذي لم يسمح بكسر هذه القواعد، فيما الأمور هنا لم تحدد هويتها بعد، والمنطقة تختزن إشكاليات إقليمية متعددة لا تحكمها قوانين أو موازين قوى، ومن ثم تبقى منطقة الخليج أكثر أمناً واستقراراً.

أسعد طه: الحديث عن الأطماع الدولية، والاستقرار، واستتباب الأمن يجرنا إلى الحديث عن الوجود الأميركي في المنطقة التي اعتبرتها الولايات المتحدة الأميركية منطقة مصالح حيوية لها، وهو الوصف الذي كانت تخص به منطقة الخليج العربي.

روستاف مميدوف: أؤكد على أن الوجود الأميركي في منطقتنا هو وجود اقتصادي صرف، وليس هناك أي سبب لهذه المخاوف، ونحن نعتبر أن ما تردده روسيا في هذا الشأن هو من قبيل الغيرة السياسية، أو ربما لأنها تخاف من نقل تجارب المؤسسات الديمقراطية الأميركية إلى المنطقة، وبكل الأحوال فإن الولايات المتحدة الأميركية لا تملك على أراضينا قواعد عسكرية وليس لها جنود، وحتى رجال الأعمال الأميركية عددهم قليل.

أسعد طه: قراءة في صفقة القرن تفيد أن نسبة المشاركة الأميركية تبلغ 38.46% فضلاً عن الامتيازات التي مُنحت للشركات الأميركية للتنقيب ولاستخراج البترول من أغنى حقول النفط دون غيرها من الشركات الأجنبية، الإشكالية هنا أن هذا الترحيب غير المحدود من أذربيجان للوجود الأميركي لا تقابله خطوة مكافئة من الطرف الآخر، الذي مازال حصراً على عدم إدانة أرمينيا لاحتلالها 20% من الأراضي الآذارية.

الإشكالية هنا أن الآذاريين التواقين لطرد الروس من المنطقة غير آبهين بأنهم ربما يستبدلون هيمنة بهيمنة، وأن تدفق النفط يعقبه تدفق العسكر، وأن نفط المسلمين هو محل الترحاب وليست أحلامهم، من حقنا أن نحلم، ومن أحلامنا أن نملك قبل نفطنا سيادتنا، أي أن ندخل سن الرشد، أي أن نتمتع بالأهلية التي تتيح لنا حسن التصرف في هذه الثروة الطائلة، والتي تمنحنا أيضاً المقدرة على تغيير المعادلة القائمة ليصبح نفطنا مقابل رفعتنا لا مقابل خبزنا، السلام عليكم.