مقدم الحلقة:

أسعد طه

ضيوف الحلقة:

عدة ضيوف

تاريخ الحلقة:

27/06/2002

- تاريخ الإسلام في نيجيريا
- انعكاسات إعلان تطبيق الشريعة في الولايات الشمالية

- مفهوم الشريعة لدى الداعين إلى تطبيقها في نيجيريا

- مخاوف المسيحيين من تطبيق الشريعة الإسلامية

- واقع التطبيق الفعلي للشريعة بعد عامين.. إيجابيات وسلبيات

- تطبيق الشريعة في ظل العملية الديمقراطية

أسعد طه: في كل صباح، يأتون، يصحبون الشمس من مخدعها ويأتون، يشبهون السنابل والبلابل ويأتون.. يتحلقون.. يتهامسون.. يتدارسون يطالعون في الكتاب إن الحكم إلا لله، وأن الناس خلقوا مختلفين من كل شعب ومن كل دين، وأن الجنة لمن صبر ولمن غفر، وأن الأرض للفلاحة والعمارة، والوطن يحكمه الصالحون، أبناؤه فيه سواسية يعملون ‎.. ينعمون، يتدافعون، والقرار الفصل يوم الدين.

السلام عليكم، الشريعة والديمقراطية مسألة معقدة، الشريعة والديمقراطية في نيجيريا مسألة أكثر تعقيداً، ولكن هل من مقارنة، والشريعة دين والديمقراطية نظرية سياسية، ولكن في الوقت نفسه، هل من تضاد، بمعنى هل ممارسة الديمقراطية مجافاة للإسلام؟ وهل التزام الإسلام يعني معاداة الحريات العامة وحقوق الإنسان؟ ولكن قبل هذه وتلك أليس من الأولى الاتفاق على المفاهيم؟ فما هي الشريعة؟ وما هي الديمقراطية؟

غير أننا لن ندخل في جدل فكري ولكننا سنبحث في مثال واقعي، وها نحن في نيجيريا التي أعلنت بعض ولاياتها ذات الأغلبية المسلمة تطبيق الشريعة الإسلامية، نيجيريا، الخارجة لتوها من حكم عسكري، لتبدأ حكما ديمقراطياً، كان من ثمراته إعلان المسلمين لتطبيق الشريعة، بعبارة أخرى فإن الديمقراطية بإرادتها أو رغما عنها، أفسحت الطريق أمام المسلمين لإعلان تطبيق الشريعة، فهل يكون المسلمون أوفياء لمبادئ الديمقراطية؟ سنرى في هذه التجربة، لكن يجب الأخذ في الاعتبار أن نيجيريا حديثة عهد بتجربة الشريعة، فيما للديمقراطية مؤسساتها ومجتمعاتها العتيقة والعريقة، الشريعة والديمقراطية في نيجيريا مجرد محاولة للبحث في المسألة.

للوهلة الأولى بدا لنا أن في الأمر مبالغة، وأن ما من شواهد تدل على أن ثمة أزمة في نيجيريا تهدد البلاد والعباد، مسجد أنيق يجاور كنيسة حديثة، وشوارع واسعة ونظيفة، وشعارات تحذر من إثم الفرقة، وتدعو إلى فضيلة الوحدة، كان علينا أن نتمهل لندرك أن 770 من الكيلو مترات المربعة بسكانها ومعالمها ليست كفيلة بالحكم في القضية، وإن كانت كافية لبناء عاصمة جديدة هي (أبوجا)، على بعد 500 كيلو متر من العاصمة القديمة لاجوس، لعل موقعها في وسط البلاد يسهم في الربط بين 36 ولاية تتشكل منها الفيدرالية النيجيرية، في شوراع المدن النيجيرية ازدحام يعكس كثافة سكانية تقدر بـ 120 مليوناً من البشر، تقول الخريطة الدينية إن 10 % منهم يتبعون الديانات الإفريقية، فيما يشكل المسيحيون 40%، والمسلمون 50%، وإن كان المسلمون يعتقدون أن نسبتهم الفعلية أكثر من ذلك بكثير، فيما الخريطة السياسية تفيد أن أهم 5 مناصب في الدولة هي بحسب ترتيب أهميتها: رئيس الجمهورية وهو مسيحي، فنائبه وهو مسلم، فالناطق باسم البرلمان وهو مسلم، فرئيس مجلس الشيوخ وهو مسيحي، فقاضي القضاة وهو مسيحي، الرئيس (أوبا سانجو) يمثل بداية حكم مدني بدأ عام 99، في أعقاب 31 عاماً من حكم عسكري من مجموع 40 عاماً قضتها نيجيريا منذ استقلالها عن بريطانيا عام 1960، خلال هذه الفترة من الاستقلال، تقاسمت القبائل الثلاث الرئيسة في البلاد مصادر القوة، فكانت السلطة لقبيلة الهوسا المسلمة في الشمال، والثروة لقبيلة الإيبو المسيحية في الجنوب الشرقي، والعلم والثقافة لقبيلة اليوربا المسيحية في الجنوب الغربي.

ضجيج وصخب وحركة دؤوبة في كل الاتجاهات، هذا ما يمكن أن يبدو للعيان غير أن ما هو غير مرئي أكثر من ذلك تعقيداً وتشابكاً، صراعات سياسية وصدامات عرقية وأخرى دينية وأزمة اقتصادية طاحنة، وتدهور في الحالة الاجتماعية وتنافس دولي على مقدرات البلد.

مزمل هامغا (محامي وسكرتير لجنة تطبيق الشريعة): بعد الإخفاقات المتتالية للحكومات المتعاقبة في هذه البلاد وبعد 3 سنوات من الحرب الأهلية التي حصدت أرواح أكثر من 3 ملايين من الناس، وبعد كل التجارب الاقتصادية وبعد طفرة البترول والكثير من الثروة، لا يبدو أن حياة الناس قد تغيرت هنا، إن انعدام الثقة والروح القبائلية ما زالت في بلادنا، والناس لا يشعرون بالأمان، ولا يمكنني الادعاء بأن الحياة في نيجيريا على ما يرام، فهي ليست كذلك على الإطلاق.

تاريخ الإسلام في نيجيريا

أسعد طه: المحللون دأبوا على تفسير ظاهرة عودة الناس إلى دينهم على أنها رد فعل مباشر للأزمات الاقتصادية والاجتماعية الخانقة التي يتعرض لها المجتمع، لكن في الحالة النيجيرية من الصعب اعتماد هذا التفسير، والسبب أن الإسلام هنا عميق متأصل في نفوس الناس، وتمسكهم به ليس حالة عرضية، وهو ما يشهد به تاريخهم منذ دخول الإسلام قبل زمن بعيد.

إبراهيم صالح الحسيني (مفتي نيجيريا): هذا البلد دخله الإسلام منذ فترة طويلة، أقرب، أو أستطيع أقول المصادر التي نستطيع أن نقول أنها بأيدينا بخصوص دخول الإسلام في هذه البلاد ترجع دخوله إلى عهد سيدنا عثمان بن عفان، البعض منها إلى عهد الأمويين، والبعض يحدد سنة 54 للهجرة كبداية لدخول الإسلام في منطقة (كانو بورنو) أيام وصول الصحابي الجليل عقبة بن نافع إلى تلك المنطقة بعد فتحه لبرقة أو مروره بمنطقة برقة، ومن ثم إلى فزان جنوب ليبيا ثم دخل منطقة (بلماكواف)، فمنذ ذلك التاريخ دخل الإسلام بصفة غير رسمية، يعني وجد الإسلام في الأهالي دون أن تكون له دولة أو شوكة في ذلك الوقت ثم بعد ذلك تطور الأمر إلى أن انتشر الإسلام في المنطقة كلها، وتقوم له دولة بوجود السيفيين كما يسمون أنفسهم، وهم مجموعة من البربر المنحدرين عن حمير، والبربر موجودون في هذه البلاد بكثرة، جاءوا وأقاموا دولة إسلامية في تلك المنطقة.

أسعد طه: الشمال النيجيري لم يكتفى إذن باعتناق الإسلام وإنما مارسه في حياته اليومية، وحوله من نصوص إلى واقع ملموس، فقامت ممالك إسلامية في المنطقة، رفعت رايات الدين على الصعد الحياتية كافة، فإذا ما فترت همة الناس هب المصلحون لتجديد الإيمان، وتصحيح العقيدة وتثبيتها من جديد في التربة النيجيرية، كما حدث في القرن الثامن عشر حين قاد الشيخ (عثمان دان فديو) حركة إصلاحية تنويرية.

...........: لقد بدأ الشيخ عثمان جهاده لتنقية الإسلام، ولقد كان إنجازه الكبير هو تكوين حكومة عظيمة من الشعوب السود، حكومة مركزية تتعدى حدود نيجيريا اليوم، وتشمل أجزاء من جمهورية النيجر وبوركينافاسو والكاميرون وتشاد، لقد كانت مساحة ضخمة يضمها شكل إداري واحد، وتلتزم بنفس القانون، وخاضعة لأحكام الشريعة، لقد كان هذا شيئاً فريداً لم يحدث في أي مكان أبداً..

أسعد طه: لكن السنين تمر وعند العام 1900 يصل المستعمر البريطاني إلى المنطقة ليجد أن الشمال تحكمه الشريعة بشقيه الشرقي الخاضع لأسرة الشيخ محمد الأمين الكانيمي، والغربي الخاضع لأسرة الشيخ عثمان دان فديو، وفق عقيدة راسخة لدى الناس بشمولية الإسلام وأنه كل لا يتجزأ.

هكذا كانت الصورة تبدو حين وصل المستعمر البريطاني إلى هنا ليحتل البلاد وليقرر لاحقاً تعطيل العمل بالشريعة الإسلامية بمعانيها الواسعة، فيما ظل المسلمون يحتكمون إلى شرع الله في أحوالهم الشخصية، نعم فقد اختزل المستعمر البريطاني الشريعة الإسلامية إلى قانون للأحوال الشخصية، وترك المحاكم الشرعية تفصل بين الناس في أحوالهم الخاصة، كما ترك لهم شؤون التعليم الديني، وأقنع الحكام الشماليين بتبني قانون العقوبات السوداني باعتباره موافقاً للشريعة، فيما خضع ما تبقى من البلاد لنظم وقوانين المستعمر البريطاني التقليدية.

.......: إن الشريعة لم تكن أبداً أمراً خاصاً في نيجيريا، فقبل الاحتلال البريطاني كان معظم الشمال يحكم بالشريعة، وبالتالي ليست هي بالأمر الجديد، وعندما قدم البريطانيون قرروا كجزء من سياستهم الإستعمارية أن يباشروا ما أسموه بالحكم غير المباشر، وذلك سمح للشريعة أن تستمر كما وجدوها مع تعديلات ضئيلة جداً، خاصة فيما يتعلق بالعقوبات، وفي الوقت ذاته بسطوا سلطانهم على الحكام بدلاً من الجماهير.

انعكاسات إعلان تطبيق الشريعة في الولايات الشمالية

أسعد طه: وإذا كنا بصدد اقتفاء آثار تطبيق الشريعة في تاريخ نيجيريا، فإن من المهم زيارة مدينة (كادونا) التي تأسست عام 1913 وظلت عاصمة للشمال حتى عام 66، وفي متحفها نلحظ اهتمام المسلمين بتاريخ حركاتهم الإصلاحية والتنويرية، سواء حركة الشيخ (عثمان دان فديو) قبل الاستعمار البريطاني، أو حركة الشيخ (أحمد بلو) ذلك الزعيم الذي كان على أسلمة الحياة العامة في الشمال، قبل أن تغتاله قبيلة الإيبو المسيحية التي قررت الانقلاب على أول حكومة نيجيرية بعد الاستقلال، نيجيريا وقعت بعد ذلك ضحية سلسلة من الانقلابات، قادها في الأغلب مسلمون، حكموا البلاد تارة باسم العسكر، وتارة أخرى باسم العلمانية، فزال كل أثر للشريعة في الدستور، حتى حلت حكومة مدنية عام 99، وصار القانون الفيدرالي الجديد للدولة ينص على حرية الولايات في سن قوانين خاصة بها، استغلت الولايات الشمالية ذات الغالبية المسلمة أجواء الديمقراطية لتعلن تطبيق الشريعة في مناطقها، وهو الأمر الذي أثار حفيظة المسيحيين، فاندلعت أزمة بدأت باشتباكات حوارية حول دستورية القرار، ووصلت إلى صدامات دموية.

...........:صحيح أن الشريعة جزء لا يتجزأ من نظامنا القانوني تماماً مثل القانون العرفي في الشطر الجنوبي من نيجيريا لكن ما دعانا لوصفها بأنها غير دستورية هو إعلان حكام الولايات أن الإسلام هو الدين الرسمي لولاياتهم، وهو ما يناقض الفقرة العاشرة من الدستور التي تحرم إعلان أي دين كدين رسمي للدولة.

........: أعتقد أن هناك 4 براهين أساسية يمكن إرساؤها:

أولها: أن كل ما حدث هو توسيع نطاق الأحوال المدنية إلى الجنائية.

ثانيها: أن الدستور أقر في مادته السادسة بأنه ليس هناك ما يمنع الولاية من إقامة محاكم إضافية.

ثالثها: أن الفقرة الثامنة والثلاثين من الدستور تؤكد حرية التعبير وحرية العبادة، ويعتقد المسلمون أن في تطبيق الشريعة الإسلامية تعبيراً عن المفهوم الحقيقي للعبادة، التي لا تكتمل بممارسة جزء من الدين وتجاهل آخر.

ورابعاً: فإن ما تم إنما جرى في إطار العملية الديمقراطية، فقد طرح القانون وتمت مناقشته وإقراره في ظروف عادية، وهذه هي الديمقراطية.

أسعد طه: الخلاف حول دستورية إعلان المسلمين تطبيق الشريعة خرج من دائرة الحوار ليدخل دائرة العنف، وقائمة الصدامات الدموية بين المسلمين والمسيحيين طويلة، لكن أهمها ما شهدته (كانو) عام 80 و(سوكوتو) عام 81، و(مايدوجري) و(كادونا) عام 82، و(يولا) عام 84، و(جومبي) عام 85، وكفرشان وزاريا وكادونا وسوكتو وكانو عام 87، وكانو مرة أخرى عام 91، وكذلك عام 94، وسوف تساعدنا شوارع مدينة كادونا على أن نتذكر واحد من أهم هذه الصدامات الدينية، ذلك الذي شهدته المدينة في الواحد والعشرين من شهر فبراير/ شباط عام 2000.

..........: كان هناك دافعان أحدهما ديني، والآخر سياسي، نحن نعتقد أن مسألة الشريعة يفترض أن تكون من اختصاص العلماء والزعماء الدينين، لكن الذي رفع لواءها هنا هم رجال السياسة، وهو ما سبب مشكلات في كل مكان، إنها مسألة تهييج سياسي وإثارة، لدينا الشريعة منذ الستينات ولدينا قوانين الأحوال الشخصية التي تنظم الأمور الخاصة مثل الميراث والزواج والطلاق وهكذا، لكنهم استغلوا مادة في دستور عام 99 تقول أنه يمكن تغيير القانون الذي يحكم الولاية، ونسوا أننا في دولة علمانية، وذلك يسبب مشكلة ازدواجية القوانين، فضلاً عن الفوضى والاضطراب.

مواطن نيجيري مسلم 1: في الواحد والعشرين من فبراير من عام 2000، استيقظت كعادتي مبكراً، وبعد أعمال روتينية في المنزل أخذت أولادي إلى المدرسة، ثم ذهبت إلى العمل، وحوالي العاشرة صباحاً نبهني طلابي أنه توجد مشكلة في الخارج، وعندما خرجت وجدت أن المدينة شديدة الإضطراب وخاصة حول منطقتنا، لقد كان الناس يركضون في هرج ومرج، ثم بدأنا نسمع قصصاً عن أن العديد من الناس قد لقوا حتفهم نتيجة لتظاهرات نظمها المسيحيون.

مواطن نيجيري مسيحي: لقد كان لنا ما يبرر ذهابنا إلى مقر الحكومة، وذلك لكي نخبر الحاكم رسمياً أننا لسنا راضين عن مسألة تطبيق الشريعة، لقد كان احتجاجاً قمنا به نحن المسيحيين الذين أرادوا الشكوى، وكنا قد أعلنا نائب الحاكم أننا سنأتي حوالي الساعة الثامنة، وعليه أن يكون مستعداً لاستقبالنا، لكن عندما وصلنا مقر الحكومة لم نتمكن من مقابلة نائب الحاكم، وحوالي الساعة العاشرة والنصف صباحاً، تجمع المسلمون الذين خططوا لمهاجمة المسيحيين، ثم بدأنا نرى الناس يركضون في الشوارع، ويقولون لنا إن المسلمين يهاجموننا في المدينة.

مواطن نيجيري مسلم 2: لقد أحرقوا طريق مسجد كانو أقدم مسجد في كادونا، كما أحرقوا متجراً يبيع شرائط صوتية للقرآن وشرائط فيديو، ولقد علمنا فيما بعد أنهم لم يكتفوا بتدمير الممتلكات، وإنما قتلوا أيضاً بعض الناس، وقد زاد هذا من الشغب في المدينة، وأدى إلى أن يدافع المسلمون عن أنفسهم ضد الهجمات التي يقوم بها غوغاء من المسيحيين، ولقد رأيت بنفسي الكثير من الجثث ممدة على الأرض، كما رأيت العديد من الممتلكات المدمرة، لقد كان شيئاً غير مسبوق، لم أرى مثيل له طوال حياتي في هذه البلاد.

أسعد طه: نغادر كادونا مدركين أنها ليست حالة خاصة، فالصدامات الدموية بين المسلمين والمسيحيين تتكرر في مناطق مختلفة من نيجيريا، وهناك دوماً من الأسباب ما هو جديد ومختلف، لعل إعلان المسلمين تطبيق الشريعة واحدٌ منها، مسؤولية كل طرف عما حدث أمر مثل شك وخلاف لكن المؤكد أنهما لم تكن المرة الأولى التي تشهد فيها البلاد مثل هذه الموجة من العنف، وإن كان يؤمل أن تكون الأخيرة، وفي كل الأحوال فإن تكرار ما حدث مرهون بعدة أمور منها مفهوم الشريعة.

[موجز الأنباء]

مفهوم الشريعة لدى الداعين لتطبيقها في نيجيريا

أسعد طه: الملاحظ أن كل تناول لقضية الشريعة الإسلامية إنما يحصرها في مسألتي قطع يد السارق ورجم أو جلد الزاني، ومن ثم يبدأ الدفاع أو الهجوم من هذا المنطلق، وهو ما يدفعنا للبحث أولاً: في مفهوم الشريعة الإسلامية لدى الداعين لتطبيقها.

هكذا يبدو المشهد كل صباح في شوارع وأزقة المدن الشمالية مئات بل آلاف الأطفال من كل الأعمار ومن كل الطبقات بنون وبنات يذهبون إلى الكتاتيب يتعلمون القرآن واجباً مقدساً لا يستثنى منه أحد، وهي حالة قديمة ليس لها ارتباط بحركة سياسية أو جماعة دينية، فإذا ما حان وقت الصلاة وجدت الناس تصلي في كل مكان جماعة وفرادى، على زواية في الطريق أو بجوار حائط أو شجرة، فريضة لا يحتكرها المتدينون، وإنما يؤديها الجميع، وهي نفس الحال إذا ما أُذِّن لصلاة الجمعة، فتخرج المدينة أو القرية عن بكرة أبيها وتغلق المحال، وتتوقف حركة السير، ويتوجه الجميع صغاراً وكباراً إلى الصلاة الجامعة.

إذاً في هذه الأجواء تأتي الدعوة إلى تطبيق الشريعة الإسلامية منسجمة مع المناخ العام الذي يحكم حركة المجتمع، ويضبط توجهاته وقيمَّه، بمعنى أن الشريعة هنا ليست بالأمر الدخيل على هذا المجتمع، وهي مسألة لا يختلف عليها اثنان، ولكن هل اتفق الجميع على مفهوم الشريعة؟

إبراهيم صالح الحسيني: الشريعة هي إعطاء المسلمين حق ممارسة دينهم، لأنك لا تستطيع أن تميز بين الإسلام وبين الشريعة، لأن الإسلام هي الشريعة.. هو الشريعة والشريعة هي الإسلام، لأن الشريعة هي تطبيق الإسلام، هي الصورة العملية للإسلام، إذاً عندما يتصف المسلم بالشريعة قد يوفر الأمان والراحة لغير المسلم، لأنه لا يظلمه، ولا يخونه، ولا يتعدى على حقه، والإسلام بالشريعة يحمي هذه الأشياء كلها، يحمي الدماء، ويحمي الأموال، ويحمي الأنفس، يحمي العقول، يحمي الأنساب، يحمي حتى البيئة كلها، ويحمي الحياة كلها.

يوسف ميتاما سولي (السفير في الأمم المتحدة): أعتقد أن هناك الكثير من سوء الفهم، عندما تتكلم عن بتر اليد، فإن الناس يجهلون أو لا يتوقفوا عن سؤال أنفسهم تحت أي شروط يجب أن يتم قطع يد السارق، هذا أولاً.

أما ثانياً: فإن الناس تميل للحديث عن نواحٍ معينة عن الشريعة بعيداً عن سيرته. لكي تفهم جمال الشريعة أنت بحاجة بالنظر إليها في مجموعها، إن هدف الشريعة هو إيجاد دولة الرفاهية، والذين يحاولون تدمير دولة الرفاهية تجب معاقبتهم بإيقافهم.

محمد ساني يحيى (رئيس جماعة إزالة البدع وإقامة السنة) : هذه الشريعة لابد لكل مسلم أن يعتقد أن القرآن كلام الله الذي جاء به هذا الرسول المذكور آنفاً ليعني.. يرشد الناس، جميع العالم منذ أن بعثه الله إلى قيام الساعة وهذا الكتاب يعني له.. فيه ما يحتاج جميع الناس، يعني من العبادات والمعاملات، هذا يدل على أن جميع حياة الإنسانية يعني فيها لها حكم في الشريعة الإسلامية، ومن اعتنق الإسلام لابد له أن يطبق ذلك في عبادته وفي جميع حياته، فهذا هو مفهوم الشريعة الإسلامية لدينا نحن.

يوسف ميتاما سولي: الشريعة لم يُقصد بها أن تُطبَّق على غير المسلم، وليعلم الناس أنها لا تخص فقط الجانب القانوني، إن ذلك هو 5% منها فقط، بينما 95% من الشريعة هي عن الفرد والمجتمع، إنها أسلوب حياة المسلم والمجموع الكلي لخبرته، إن الشريعة هي الإسلام والإسلام هو الشريعة، ولا يمكن فصل أي منهما عن الآخر، وبالتالي يجب أن نمارس الشريعة طالما أننا مسلمون، وبدونها لا نكون مسلمين، والأهم من ذلك أن الشريعة تطبق على المسلمين وليس على غيرهم، يقول الله تعالى في القرآن الكريم (لا إكراه في الدين).

أسعد طه: المسلمون في نيجيريا كغيرهم في مناطق أخرى جماعات وولاءات مختلفة بدءاً بالطرق الصوفية مروراً بالجماعات السلفية وانتهاءً بالتنظيمات الحركية، ورغم أن جميعهم هنا يدافع بضراوة عن الفكرة الشمولية التي يتميز بها الإسلام إلا أنهم قد يختلفون فيما بينهم حول مسائل متفرقة.

المرأة واحد من الملفات الشائكة وأحد السهام التي توجه دوماً إلى الذين يتبنون المشروع الإسلامي، لكننا لم نلحظ أن ثمة خلافاً حول هذه المسألة، ربما لأن العمل الإسلامي في نيجيريا بالأساس ليس حكراً على الرجل.

الحاجة/ سعدية عمر بيللو (رابطة نساء نيجيريا المسلمات):إن هدف المنظمة هو نشر الإسلام والاهتمام بالجانب التعليمي منه وتوعية المسلمين، وتقديم خدمات الرعاية الاجتماعية، ولقد مرت –والحمد لله- عشر سنوات من العمل حققنا بنجاح خلالها 90% من أهدافنا، ففي العديد من الولايات أقمنا دوراً للحضانة ومدارس من المرحلة الابتدائية وحتى الثانوية، ولدينا مدارس إسلامية ودور للأيتام، وكذلك مستشفيات للنساء، ولدينا برامج تعليمية للبالغين من النساء حيث نقوم بتدريبهن تدريباً مهنياً.

أسعد طه: الحاجة عائشة ليمو من مؤسسات رابطة نساء نيجيريا المسلمات، وهي بريطانية أعلنت إسلامها، وأتت إلى نيجيريا عام 66، أي بعد رحيل المحتل البريطاني بست سنوات، وللحاجة عائشة رؤيتها المذهبية.

الحاجة/ عائشة ليمو (رابطة نساء نيجيريا المسلمات): في غرب إفريقيا المذهب المالكي هو الشائع، وفيه الكثير من الحماية لحقوق النساء، على سبيل المثال إذا ذهبت المرأة إلى المحكمة بموجب المذهب المالكي فلن تواجه مشكلة في الحصول على حقها في الطلاق إذا ما تعرضت لظلم من زوجها، كما أن المذهب المالكي يضمن للمرأة حق حضانة أولادها بالنسبة إلى الصبي حتى سن البلوغ، وبالنسبة إلى الفتاة فأمها تتكفل بها حتى سن الزواج، وهذا هو السبب في أنك ربما تجد المرأة المسلمة في نيجيريا إلى جانب تطبيق الشريعة، لأنها تجد فيها الحماية.

أسعد طه: عندما سألنا الشيوخ والعلماء عن نظرتهم للدور الذي يمكن أن تقوم به المرأة في مجتمع الشريعة فإن الجميع اتفق على تكريم الإسلام لها وعلى حقها في العمل، لكن ثمة خلاف حول التفاصيل.

إبراهيم صالح الحسيني: المرأة شريكة للرجل، ويجب أن تعطى حقها في المشاركة في كل شيء، والمرأة مشاركة في الانتخاب، نحن في هذه البلاد المرأة كانت حتى قبل المطالبة بالشريعة، المرأة تشارك في الانتخابات وبقرار من العلماء، قرار من مجلس العلماء أن المرأة يجب ألا تتخلف عن.. عن.. عن التصويت، ويجب ألا.. مثلاً تتخلف عن تسجيل نفسها بأن تكون لها شخصية، وأن يكون لها وجوداً في كل الحركات السياسية في هذه البلاد.

إسماعيل خليفة (شيخ الطريقة التيجانية): المنصب القيادي في المرأة يعني.. يعني هذا صعب، لأن لو قرأت في البخاري في حديث يعني عن أبي بكرة عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: "لن يفلح قوم ولَّوا أمرهم امرأة" ولكن إنشغال المرأة إذا كان في حدود الضرورة، هذا الشريعة تجيز ذلك.

أسعد طه: أينما ذهبت في مناطق الشمال حيث الغالبية المسلمة تلحظ ظاهرة تعدد الزوجات فمن الأمور المتعارف عليها أن يكون للرجل أكثر من زوجة، وليس في ذلك ما يثير حفيظة النساء أو يدعوهم إلى إثارة المشكلات للرجل، لكن حذار فليس في المسألة ما يغري، ذلك أن من العادات هنا أن الرجل هو الذي يقوم بتنظيف ملابسه بنفسه، كما شاهدنا ذلك بأنفسنا في عدة مدن، منها (نيدوبي).

مخاوف المسيحيين من تطبيق الشريعة الإسلامية

بالتأكيد فإن المسيحيين تخوفوا من إعلان المسلمين في الولايات التي يمثلون فيها أغلبية تطبيق الشريعة الإسلامية، وهو الأمر الذي استنكره المسلمون بدورهم، رد فعل طبيعي، لأن الطرفين لم يتفقا ابتداءً لا على مفهوم الشريعة ولا على مفهوم الديمقراطية، خصوصاً وأن الأخيرة تُنقل أحياناً من خانة المبادئ إلى خانة المصالح.

ما جمعه الرب في السماء تفرقه في الأرض العرقية والانتماء السياسي والمصلحة الاقتصادية، هذا ما يكاد واقع الحال أن ينطق به، فأنت إذا مشيت في أحد الأحياء التي يعيش بها المسيحيون ستجد كنائس تنتمي لكل الطوائف المسيحية على وجه الأرض، فقد وصلت المسيحية إلى غرب إفريقيا بعد الإسلام بزمن طويل، تحديداً بدءاً من القرن السابع عشر مع وصول المؤسسات التنصيرية من كل مكان، وهو ما أدى إلى هذا التنوع والتضاد في الفاعليات المسيحية في نيجيريا التي تجتمع في إطار رابطة المسيحيين.

د. إبراهيم داتي أحمد (رئيس المجلس الأعلى للشريعة): إن صب اهتمامه لإعاقة تطبيق الشريعة كان من غير المسلمين، وهم أساساً رجال الدين المسيحي أو رابطة مسيحي نيجيريا، التي تمثل الجناح السياسي لرجال الدين المسيحي، لقد فعلت هذه الجماعة كل ما تستطيع لكي تليظ حرارة الصراع، ولن يرضيهم أي قدر من التعليم والتوعية.

أسعد طه: مهما كان الموقف من رابطة المسيحيين في نيجيريا فإن مخاوف المسيحيين من إعلان المسلمين تطبيق الشريعة تبقى طبيعية ومشروعة.

د. جي أيه أوجو (رئيس رابطة المسيحيين لولاية كانو) : إن لدى المسيحيين الكثير من المخاوف من الشريعة، أولها: الخوف من أن تؤثر في حريتنا في العبادة، فسوف يفرض القانون أموراً معينة لا نؤمن نحن المسيحيين بها، كما أنهم بالشريعة يحاولون أسلمة كل شيء، وعلى المسيحيين إما أن يغيروا دينهم أو يمارسوه مع تحفظات.

إبراهيم صالح الحسيني: تطبيق الشريعة في نيجيريا لا يعني لا من قريب ولا من بعيد أي ضغط أو ظلم لغير المسلمين، لأننا نعلم أن الإسلام أمر أعطى لغير المسلمين أن يعيشوا في المجتمع الإسلامي، والله يقول لنا: ( لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين)، إذاً الإسلام أعطانا حق التعامل.. التعامل بالعدل والإنصاف والقسط بالنسبة حق التعامل مع غير المسلمين، ولذلك نحن نعتبر هؤلاء المسيحيين والوثنيين الموجودين في نيجيريا أخوة مواطنين لهم حقوق المواطنة، ولهم حق المشاركة في الأحزاب وفي الانتخابات وفي كل شيء.

أسعد طه: تأكيدات شيوخ وزعماء المسلمين للأقلية المسيحية بأنهم غير معنيين بتطبيق الشريعة لم يُؤتِ ثماره، ذلك أن دعايات مضادة مصدر بعضها خارجي ما زالت تبث في الأذهان أن المسيحيين في مجتمع الشريعة مواطنون من الدرجة الثانية.

عمر إبراهيم كابو (رئيس اتحاد علماء كانو): أنا لا أقول هذا، لأننا كما نعرف أن الإسلام إذا اعتبر غير المسلمين في الدرجة الثانية، فإنما اعتبرهم لأسباب خاصة، الأسباب الخاصة هذه كما أعرفها أنا هي أن هؤلاء قد يكونون من الأجانب، قد يكونون من الأجانب، فلذلك لابد أن يكونوا من الطبقة الثانية، وسبب آخر هؤلاء قد يكونون من الذميين الذين هناك عقد للذمة، فهذا غير موجود الآن عندنا، هؤلاء المسيحيون من نفس الوطن، وهم مواطنون معنا في نفس الوطن.

محمد ساني يحيى: وهم مواطنون مثل المسلمين في ناحية من كونهم يعني كل منهم له حقه في أموال لهذه البلاد، ولهم أهلية لأن يُعينوا في كل المناصب الذي لا تعارض في.. في الشريعة الإسلامية بالنسبة لهذا المنصب، فليسوا بالدرجة الثانية.

أسعد طه: العلماء والشيوخ الذين التقيناهم يؤكدون أن المساس بالمسيحيين هو بالدرجة الأولى مساس بالشريعة نفسها، التي شهد التاريخ بإنصافها لغير المسلمين، لكن مرة أخرى مخاوف المسيحيين مشروعة باعتبار أن مصدرها ليس نصوص الشريعة، ولكن مفاهيم المسؤولين عن تطبيقها وأساليبهم في ذلك.

إبراهيم صالح الحسيني: أمام القانون الناس سواسية كأسنان المشط، فالنصراني إذا خالف الشريعة لابد إنه يحاكم بمضمون الشريعة، وكذلك المسلم، لا نقول أنه في درجة ثانية، أبداً.

أسعد طه: أينما أدرت ظهرك في هذا الحي من مدينة كانو ستجد الكنائس على اختلاف أنواعها، وفي أيام الأحد يقبل عليها المصلون من مختلف مناطقهم، ورغم ذلك فإن المسيحيين يتخوفون من مصير دور العبادة.

رجل دين مسيحي 1: لدينا مخاوف من أن تصبح كانو ولاية إسلامية، ما يحرمونا فرصة الحصول على أرض لبناء كنائس خارج منطقة (سابونجاري) حيث حوالي 90% من كنائس كانو موجودة هناك، وهي المنطقة الوحيدة التي يسمحون لنا فيها ببناء كنائسنا، ونحن نشعر بضرورة أن تكون لنا أماكن للعبادة حيثما يوجد شعبنا، ونحن لا ننعم الآن بتلك الحرية، ونعتقد أن الشريعة ستجعل الأمر أسوأ.

أسعد طه: ما لم يقله رجل الدين إن سابونجاري تعني بلغة قبيلة الهوسا المسلمة (حي الغرباء)، لأن المسيحيين الذين يعيشون في الشمال، إنما استقدمهم المستعمر البريطاني لتغيير الخريطة الديموغرافية للبلاد، وبالتالي فليست هناك ضرورة لبناء كنائس في مناطق لا يعيش فيها مسيحيون، غير أن الأسوأ هو ما يردده رجال الكنيسة من أن حملة فعلية لإقصائهم عن الحياة في الولايات الشمالية قد بدأت بالفعل، إنهم باتوا عُرضة لأعمال العنف والاضطهاد.

رجل دين مسيحي 1: أعتقد أننا كمسيحيين دخلنا عام 2001 بقلق، فلسنا سعداء جداً بإجراءات حكومة الولاية، التي بدأت في إنهاء وظائف أعداد كبيرة من المسيحيين، كما حدث في مدارس ولاية كانو التي كان لاستبعاد المسيحيين منها آثار عكسية، فلم يكن يتوقع الناس تقاعداً مفاجئاً، أو إنهاءً لخدماتهم ليجدوا أنفسهم صاروا عاطلين من العمل لا دخل لهم، مما خلق الكثير من المعاناة.

أسعد طه: المسلمون من جانبهم يحملون المسيحيين مسؤولية إثارة صدامات دموية التي تنشب بين الطرفين من حين لآخر.

رجل دين مسيحي 1: هذا صحيح أنهم انتقدوا رابطة المسيحيين بإثارة الفزع في قلوب الناس وإذا التزمنا نحن المسيحيين الصمت ولم نتكلم في الوقت المناسب، فسوف ندرك -مع مرور الوقت- أن هذه الأمور ستؤثر فينا بشكل عام، وبالتالي سيكون الوقت قد فاتنا في الكلام، وأنا لا أوافق أبداً أننا أثرنا الخوف في قلوب الناس، إن المسلمين المتشددين جداً الذين يريدون الشريعة يهدفون إلى دولة لا يكون فيها مكان لدين آخر.

واقع التطبيق الفعلي للشريعة بعد عامين.. إيجابيات وسلبيات

أسعد طه: خوف غير المسلمين من تطبيق الشريعة الإسلامية أمر مبرر، باعتبار التراكمات السلبية الناتجة عن الدعاية المضادة للدين من جهة ومن سلوك بعض المسلمين أنفسهم من جهة أخرى، هذا الخوف المبرر لا تحسم أمره الخطابة ولا المناظرات، ولكن الواقع الفعلي للتطبيق، ولهذا جئنا إلى هنا للبحث في الواقع الفعلي للتطبيق بعد حوالي عامين من إعلان تطبيق الشريعة الإسلامية.

مرحباً بكم في ولاية (زمفرة) سندخلها بسلام آمنين كما تطلب زمفرة من زائريها، وسنعلم أنها تعتز بأنها ولاية الزراعة والشريعة، كما هو مكتوب على مدخلها، وسنعمل ما في وسعنا لأن نستجيب لنصائحها المدوَّنة بالعربية شعارات وآيات كريمة، لكننا لن نرد على تساؤلات قد تسبب لنا مشكلات عند العودة إلى ديارنا.

زمفرة أول ولاية من أصل عشر ولايات أعلنت تطبيق الشريعة الإسلامية، ومن المعلوم أن الفيدرالية النيجيرية تتألف من 36 ولاية، منها تسع عشرة في الشمال يمثل المسلمون الأغلبية المطلقة لسكانها، فيما يعيش مسلمون بنسب متفاوتة في الولايات السبع عشرة الأخرى، وكانت زمفرة أعلنت تطبيق الشريعة بمبادرة من حاكمها أحمد ساني يوم السابع والعشرين من الشهر الأول لعام 2000، فما هي الأسباب التي دعته إلى ذلك؟

أحمد ساني (حاكم ولاية زمفرة): لكوني مسلماً، والاعتقاد الراسخ أنني كمسلم ينبغي أن أقود شعبي وفقاً للأحكام الإسلامية، فأي زعيم مسلم يتولى قيادة شعبه في ولاية أو أمة يجب عليه أن يقوم بذلك طبقاً لتعاليم وسنة نبينا محمد –صلى الله عليه وسلم- وهذا هو سبب تطبيق أحكام الشريعة فالشريعة هي الإسلام، والإسلام أسلوب حياة يشمل كل جوانبها ونواحيها.

أسعد طه: (جساو) هي عاصمة ولاية زمفرة، مدينة صغيرة تحمل سمات الشمال الفقر والازدحام والالتزام الديني، لكن على الجدران وعلى نوافذ السيارات نجد صور (أسامة بن لادن) فنعتقد أنه موقف سياسي، لكننا ندهش عندما نعلم أن المملكة العربية السعودية هي المثال المحتذى لدى المطالبين بتطبيق الشريعة.

أحمد ساني: نحن المسلمون في نيجيريا ومعظمنا من المسلمين السنة نعتقد أن هذا الدين أتى من المملكة العربية السعودية، والمسلمون هناك لم يهجروا الإسلام، وهم يلتزمون به، وبالنسبة إلى أي شخص مسلم يجب أن يكون النموذج المقتدى له هو المملكة العربية السعودية فهذا هو المثال النقي للإسلام.

إبراهيم صالح الحسيني: هناك من يظنون أنهم إذا قلدوا نموذجاً معيناً من نماذج تطبيق الشريعة كالنموذج السعودي مثلاً أو النموذج الإيراني مثلاً أو أي نموذج آخر كالنموذج الأفغاني إخوانا طالبان وغيره يعتقدون أننا إذا نقلنا مثل هذه النماذج إلى هذه البلاد أصبح هذا تطبيق للشريعة، طبعاً هذا مفهوم خاطئ، لأن تطبيق الشريعة نحن ندعو إلى أن يسبقه توعية كاملة للمسلمين، ثم ينبع هذا التطبيق من إيمان وقناعات المسلمين.

عمر إبراهيم كابو: تجربتنا هذه لتطبيق الشريعة الإسلامية لا أعتقد أنها تستند إلى جهة خاصة من هذه الجهات الثلاث التي ذكرتموها، نحن نعتمد على الكتاب والسنة، ثم فيما يتعلق بالاختلافات الفقهية والمذهبية وما إلى ذلك، نحن نعتقد أننا مالكية، فلذلك بنينا كل شيء حسب المذهب المالكي، لكن أنا لا أنكر في أن المملكة العربية السعودية هي أقرب دولة إلينا، وأيضاً نظراً لأن المملكة العربية السعودية في وقتنا الحاضر نحن نعتبرها هي قبلة المسلمين.

أمين الدين أبو بكر (رئيس جماعة الدعوة – كانو): يقول الإمام مالك الحق واحد وإن تعدد قائله، فالإسلام واحد، والشريعة الإسلامية واحدة إذا كان الاستنباط من كتاب الله -عز وجل- ومن سنة رسوله –صلى الله عليه وسلم- ومن الإجماع ومن القياس، فهذا تسميه كما شئت، سواء سعودي أو الطالباني أو الإيراني.

أسعد طه: على كل حال فإن حاكم زنفرة نجح بإعلانه تطبيق الشريعة في أن يتمرد على بعض الواقع وليس كله، فقد ظل أسير ما يحرص الحكام عليه، رتل طويل من السيارات ورجال أمن وصفارات، وهتافات، وفي التفسير أن الحاكم في طريقة لافتتاح واحد من قائمة طويلة لمشروعاته.

أحمد ساني: هناك مسألة المناهج الدراسية وبناء المدارس ومشروعات لشق الطرق وإعادة تأهيل المستشفيات، وفي نفس الوقت بدأنا في برامج لمحاربة الفقر، وقمنا بتوزيع حافلات على السائقين لتمكينهم من كسب عيشهم، ومنحنا قروضاً للناس تعينهم على ممارسة أنواع مختلفة من التجارة تدر عليهم ما يتعيشون به، ونحن نعتقد أن هذا واجب إجباري على الحكومة أن تفعله، لأنه بموجب الشريعة فإن رفاهية السكان الاجتماعية يجب أن تراعى ويجب أن تضمنها الحكومة.

أسعد طه: في سوق الجمعة يأتي الناس من كل أنحاء الولاية لبيع ما لديهم، نمط معتاد من أنماط الحياة اليومية التي تعيشها الولاية، تلك الحياة التي لم تشهد تغيراً شاملاً كما كان يتوقع البعض، لكنه في كل الأحوال تغيرٌ مرضٍ، وما لمسناه هو حماس شديد من قبل المواطنين لتطبيق الشريعة التي وضعوا على كاهلها مسؤولية القضاء على الأمراض الاجتماعية التي تعانيها البلاد من الرشوة والسرقة والدعارة والاختلاس.

الاختلاط ممنوع في المواصلات العامة، وقد خصصت حافلات للنساء، فيما أغلقت دور السينما، ليس كما يقول المسؤولون لأن السينما حرام، لكن حرامٌ ما كان يجري فيها.

مواطن مسلم: في الوقت الذي كانت تعمل فيه هذه السينما كان فتياننا يقومون بأعمال في غاية السوء، يتعاطون المخدرات ويرتكبون الزنا، لذا فنحن لا نريد هذه السينما الآن، نحن نريد تدمير هذا المبني كي نقيم بدلاً منه مدرسة أو معملاً أو مستشفي أو أي شيء من هذا القبيل حتى يمكن للفتيان أن يأتوا إلى هنا وينالوا تعليمهم.

أسعد طه: نزور مدرسةً للبنات، الحجاب فيها إجباري على المسلمات، وعلى غيرهن التقيد بملابس محتشمه.

دروسٌ في اللغة العربية، تلك التي يُعد تعلمها مبعث فخر لدى المسلمين في نيجيريا، كما يفخر أولاد العرب بتعلم لغات أجنبية.

الرقص مباح لغير المسلمات، وحسب ما تقتضيه العادات والتقاليد، فإذا ما أذن للصلاة كان على المسلمات التوجه لقضاء الفريضة.

ارتضى القائمون على تطبيق الشريعة أن يكون في ولاياتهم نوعان من المحاكم، أولهما المحاكم الشرعية التي تفصل بين المسلمين، وثانيهما محاكم الدولة الاعتيادية للفصل بين غير المسلمين أو بين طرفين أحدهما غير مسلم.

الغريب أنه رغم وضوح المسألة من أن المسيحي لا يحاكم أمام المحاكم الشرعية إلا أن القيادات المسيحية ظلت تعتبر أن تحكيم الشريعة ظلم جائر للمسيحيين الأغرب أن مسألة مثل قطع يد السارق اعتبرت هي الأخرى مثالاً لانتهاك الشرعية حقوق الإنسان، رغم أن العادات النيجيرية تقضي بحرق السارق حياً في الحال ودون أي نوع من المحاكمة أو القضاء.

محمد ساني يحيى: مثلاً في (لاجوس) وفي (العنمبرة) اسم للولايات في هذه البلاد ترى سارقاً سرق شيئاً تافهاً بدون أن يوقف أمام الحاكم يضربه الناس ويشعل عليه النار حتى يموت، وما قالوا شيئاً حول هذا، إنما الذي يقولونه" إن الشريعة الإسلامية يعني تقطع يد السارق، مع أن الشريعة لا تقطع يد السارق إلا بعد البحث وإقامة الشهود، وما إلى ذلك.

أسعد طه: رغم ذلك فإن تطبيق حدي الزنا والسرقة هو محل انتقادات المنظمات الدولية الرافعة شعارات حقوق الإنسان.

برونواين مانباي (المنظمة الدولية لحقوق الإنسان – لندن): بموجب نظام حقوق الإنسان وبالتحديد في الحقوق السياسية والمدنية، والتي نيجيريا طرف فيه تمنع المعاملة الوحشية واللاإنسانية والإذلال في العقوبة، ولقد أُقر على سبيل المثال في القانون الدولي أن الجلد والبتر عقوبتان تقعان تحت هذا التصنيف.

يوسف ميتاما سولي: بالطبع يتحدث الناس عن حقوق الإنسان، نحن المسلمين أكثر اهتماماً بحقوق الإنسان بالنسبة إليَّ كمسلم إن مصدر الكرامة ليست من أي ميثاق للأمم المتحدة أي ديمقراطية غربية، إنها من القرآن الكريم، (ولقد كرمنا بني آدم) والآن لاحظ لقد قال بني آدم ولم يقل كرمنا المسلمين أو المسيحيين أو المؤمنين، الأبيض أو الأسود، (ولقد كرمنا بني آدم) كل أولاد آدم، المفكرون الأحرار، المسلمون، المسيحيون، اليهود، وغيرهم.

أسعد طه: نغادر (زنفرا) لكن الحياة تمضي، الناس والحيوان والزرع، كل شيء يمضي، وفي النهاية لا يصح إلا الصحيح.

الحياة الدينية في (كانو) شأنها شأن كل الولايات الشمالية، عقيدة راسخة في نفوس الناس وسلوك يومي قد تختلط فيه بعض العادات والأعراف، لكنه يبقى مستنداً إلى الإسلام مصدراً رئيساً ومنبعاً لا بديل عنه، ويعتقد الناس هنا أن الشريعة ليست طرفاً فكرياً ولا رهاناً سياسياً، وإنما هي الدين وهي العبادة، ومن ثم يشعرون بعداء شديد لمن يحرمهم حقاً منحتهم إياه الديمقراطية.

تطبيق الشريعة في ظل العملية الديمقراطية

د. إبراهيم داتي أحمد: في البداية أساء الرئيس (أُوبا سانجو) معالجة الموضوع، لقد خرج علينا وقال إن هذا هراء وغير قانوني ولن يجدي هذا، ولكنه اضطر لابتلاع كل هذه الكلمات بعد أن وجد أن ما كان يقوله هو هراء، ولقد أعطاه هذا أهمية قومية بسرعة كبيرة، وبدأ العديد من الناس على المستوى القومي في الحكومة الإتحادية يطلقون التصريحات، كان معظمهم جهلة بمن فيهم الرئيس، فمتحدثه الرسمي جاهل جداً، رجال الدين كذلك ومتعصبون أيضاً، لذلك رفعوا حرارة الجدل بسرعة.

أمين الدين أبو بكر: مع أننا حكم ديمقراطي لكن الأولوية والاختيار لرئيس الدولة، فمع أن رئيس الدولة يحاول قدر الإمكان، لكن الإنسان ابن بيئته، فهو نصراني، وهو من الجنوب، فأنا أكون عادلاً في حكمي، لأنه كان فيه أيام (بابا نجيدا).. الجنرال (بابا نجيدا)، و(أبتشاه)، هم.. يعني الذين يلعبون الدور العام، لهم أن يرأسوا من شاءوا ويزيلوا من شاءوا، فالآن الدور لهذا الرجل، فلذلك ما عندنا حل إلا أن يعني نطبق هذه الشريعة، وهو بحكم ديمقراطي ليست له أن يمنعنا، ليس له هذا.. هذا الاختيار، فتعييناته في الوزراء وفي السفراء وفي المستوى الفيدرالي لا شك يعين بني جنسه لأن الرؤساء لما كانو من جانب الهوسا أو الفلاتا أو من الشمال عينوا من شاءوا، فله يعني أن يفعل هذا كل هذا، لكن الحكم لا يدوم، يقول " لو دامت لغيرك ما وصلت إليك" فباقي له سنتان ، ونحن ما زلنا يعني نعمل.. نرتب، يعني نشاور.

أسعد طه: حديث الشيخ يلقى الضوء على جهود زعماء المسلمين استعداداً للانتخابات المقبلة والمقررة بعد حوالي عامين، وعند مسجد كانو الشهير، الذي هو واحد من أقدم مساجد نيجيريا سيكون بوسعك أن تتنبأ بنتائج الانتخابات المقبلة إن حافظت على ثقتها الديمقراطية، حشود من كل أنحاء المدينة تتدفق نحو المسجد استعداداً لصلاة الجمعة، حشود تؤمن بأن إسلامها لا يكتمل ما لم تصل به إلى سدة الحكم، وأن الديمقراطية هي رذيلة ما لم تفسح الطريق أمام الجميع بما في ذلك الأحزاب الدينية.

أحمد ساني: حسناً إنك كما ترى نحن الآن حكومة ديمقراطية، هذه هي مخاوفهم. إننا نتحدث الآن عن مثال عملي عما يحدث الآن في ولاية زنفرا وإذا انظروا إلى ما حصلنا عليه فيجب عليهم القدوم إلى هنا لتدارس التجربة، ويجب أن يكتشفوا أنه لا مبرر للخوف بالمرة من السماح للأحزاب الدينية، فطالما أنك تسمح لهؤلاء الذين يرغبون في العيش وفق معتقداتهم فلا يوجد ما يستدعي الخوف على الإطلاق.

يوسف ميتاما سولي: يتحدث الناس عن الديمقراطية، وليس هناك من يعطي تعريفاً محدداً للديمقراطية، سورة كاملة في القرآن الكريم هي سورة الشورى كُرِّست من أجل الديمقراطية، إنها موجودة، وإذا لم تكن هناك ديمقراطية في الإسلام لكان أعقب الرسول -صلى الله عليه وسلم- في الحكم ابن عمه علي، الذي كان معروفاً بأنه الأكثر تعليماً وأقرب رجل إلى الرسول -صلى الله عليه وسلم- إنه لم يخلفه، لقد انتخب أبو بكر الصديق، ثم عمر، ثم عثمان، ثم اختاروا علياً، فماذا أفضل من ذلك ديمقراطية.

إبراهيم صالح الحسيني: الحقيقة أن الديمقراطية إن حصرناها في إطار تطبيق مبدأ العدالة الاجتماعية، عدالة في توزيع فرص العمل والتكافؤ بين الناس والعدل مثلاً في الثروة والعدل مثلاً في المحاكم وفي القضاء، العدل في كل شيء، وإعطاء الحق السياسي لكل الناس، وإعطاء الحرية، الحرية الحق، الحرية الهادفة لكل الناس، إن كانت الديمقراطية بهذا الإسلوب.. طبعاً الإسلام لا يعارض هذا، لأن هذا تطبيق لمبدأ العدالة والشورى في الإسلام، هذا غير.. غير مرفوض إطلاقاً، لكن عندما نعطي الديمقراطية معنى آخر وهو حرية الإنسان في أن يفعل ما يشاء، البعض يفهمون الديمقراطية أنها حرية مطلقة، قد تؤدي إلى نشاز، تؤدي إلى شذوذ، تؤدي إلى اختلافات بين القمة والقاعدة كما يحدث الآن في كثير مثلاً من الولايات. بعض الناس يرون أنه لا سلطة لأحد عليهم ولا للحكومة الفيدرالية، طبعاً هذا خطأ.

عمر إبراهيم كابو: في نظرنا أن الديمقراطية نظام غربي يوناني، مجوسي خالص، مخالف للشريعة الإسلامية، فقط، أما إذا كان هناك ديمقراطية بمعنى الحرية، الإنسان حرٌ.. يعني حر التفكير، حر الرأي، حر الكلمة، حر في حياته الخاصة، حر في كذا وكذا وكذا.

نحن نعرف أن الإسلام أقدم من جميع هذه النظريات، فالإسلام هو الدين الوحيد الذي حرر الإنسان، وترك له كل المجال لأن يعمل حسب المنطق وحسب "لا ضرر ولا ضرار".

أمين الدين أبو بكر: والله بكل صراحة أن أحبذ.. أحبذ بالديمقراطية، لأننا عشنا وسئمنا وتعبنا من الحكم العسكري، يعني كلما جاء عسكري يعني وذهب يخلفه عسكري آخر، فالشريعة ما رفعت رأسها إلا في وقت الديمقراطية، فالشعب هو الذي طالب بتطبيق الشريعة باسم الديمقراطية، فقالوا الديمقراطية هي "السيادة للشعب"، فحكامنا قالوا ما عندنا سيادة إلا ما قاله الله وقاله رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلذلك سعينا في تطبيق الشريعة، لكن المفهوم الأميركي.. يعني الديمقراطية لها مفاهيم، لأميركا مفهوم للديمقراطية، ولبريطانيا مفهوم للديمقراطية، وللصين لها مفهوم، لكن مفهومنا النيجيري هو أن يعمل الرجل النيجيري كما يراه هو الصالح، فلذلك الشعب هنا اختار السيادة أن تكون الشريعة الإسلامية، فلذلك نحن نحبذ بديمقراطية، لأنه إذا كان حكم ديكتاتوري لا يمكن أن نقيم شرع الله، فلذلك سوف نقاتل، سوف ندافع عن إدامة الحياة الديمقراطية في نيجيريا.

أسعد طه: فيما يتواصل الجدل تبقى المصانع تعمل ليل نهار، تنتج كل يوم وكل ليلة آلافاً من المؤمنين بالفكرة، والمشروعات الكبرى التي تحوِّل مجرى التاريخ والأمم لا تبدأ سوى بفكرة، وبقدر ما يرعاها الزارعون بقدر ما تكون الثمرة مشروعاً حضارياً يؤمن بأن الحكم لله ويرفض الديكتاتورية، حتى لو كانت ديكتاتورية المؤمنين.

هي ركيزة أساسية للديمقراطية، الحق المطلق للناس في الاختيار، بعضهم يشترط على ألا يصل الإسلام به إلى الحكم. السلام عليكم.