الشيخ صبري كوتشي
محمد الواعي
الأب نيكولا ماركو
أسعد طه
أسعد طه:

سأريك من آياتي عجبًا، أرضك أجعلها اثنين وثلاثًا وأربعًا وخمسًا، دارك أنزع منه ركنًا فيكون هنا، وركنًا فيكون هناك، وأنت..ها أنت تولي وجهك شطر بيتي، وتأتي صفوفًا طويلة طويلة، تحني رأسك، تغادر نفسك، وتسلمني نياشين الصدر الأعظم، وأكاليل النصر، وأناشيد الفاتحين، أردها لك إذن دخول وكسرة خبز ونصف مرقد، ثم أنت..ها أنت تمزق صور جدك، وتنزع عن قبره قوله: لا تهاجر..وتهاجر، وأنسيك أنا أنك أنت الفارس، وأن الفارس لا يهاجر، وأن الفارس يقاوم، ويقاوم، ينتصر.. أو يموت.

السلام عليكم

ألبانيا تعني: هدية الجغرافيا وعراقة التاريخ. وأيضًا: أطماع العدو، وجحود الصديق. الألبان يعني: الشدة والنجدة والفروسية وأيضًا: الفاقة والتشتت والهجرة.

القوى الخارجية تعني الرومان والسُّلاف والعثمانيين وأيضًا الإيطاليين واليونانيين والأمريكان.

نقطة ساخنة من هنا تعني ذلك كله.

ها كم التاريخ يعيد نفسه، وها هي ألبانيا مطلع القرن الواحد والعشرين تعيش نفس الظروف التي مرت بها مطلع القرن العشرين حين كانت خارجة لتوها من الحقبة العثمانية، فرأت فيها أوروبا مصدرًا لذلك الخطر الإسلامي المزعوم، وكان أن تعرضت ألبانيا لضغوط دولية أوروبية شديدة، فجرى تقسيم البلاد، واقتطاع أجزاء منها، وحتى يعترف العالم بالشطر الرئيسي أي: ألبانيا -كما نعرفها اليوم- اشترط أن تكون محايدة وخاضعة للرقابة الأوروبية الدولية الجماعية، وأن تقبل بملك ألماني على عرشها، وأن تستبدل بالحروف العربية بالحروف الاتينية، وأن تفك علاقاتها الثقافية مع العالم الإسلامي، وأن تنحي الدين جانبًا، فكانت ألبانيا علمانية حتى قبل تركيا بعشرة أعوام.

هل هذه نظرة ذات بعد ديني متطرف وأفق أيديولوجي محدود؟ أم أنها الواقع الذي يقفز عليه الكثيرون إذا ما أرادوا الحديث عن أزمة الألبان في البلقان؟

تمامًا هذه هي ألبانيا، تراكمات من المتناقضات تدهشك، والغريب فيها أن الجميل منها تجده مكسوًا بهالة من الحزن العميق لا تفهمها، ونهايات الشتاء التي تزامن وجودنا معها تزيده هالة أخرى من الكآبة، وجولة بالسيارة على المدن الألبانية تؤكد ذلك، ولتكن البداية -كما فعلنا- من العاصمة (تيرانا) ومنها إلى الجنوب حيث مدن (البستان) و(بيرات) و(فلورا) و(سارندا)، ثم الانطلاق إلى الشمال حيث مدن (دوريس) و(كروجا) و(شكودرا).

الأرض هنا -بحسب التاريخ لا الجغرافيا- تبلغ مساحتها ثمانين ألف كيلو متر مربعًا غير أننا سنكتفي الآن بثمانية وعشرين ألف منها أي: المساحة التي تتشكل منها ألبانيا كما هي معروفة اليوم، وبعد أن اقتُطع منها ما اقتطع، أما الشعب فإن أصوله تعود إلى العرق (الأليري) وهو أقدم الأعراق التي استوطنت البلقان، وقد ذاب (الإليريون) في أرجائه على مر السنين، غير أنهم حافظوا على وجودهم في ألبانيا، كما يفيد بذلك التاريخ الذي يضيف أنه في عام 165 قبل الميلاد اجتاح الرومان المنطقة، وفي أواخر القرن الرابع الميلادي أغار السُّلاف عليها، وهؤلاء السلاف هم الذين انحدر من نسلهم (الصرب) و(البلغار) و(الكروات).

وشهد القرن الثاني عشر الميلادي حروبًا عنيفة خاضها الصرب من أجل تأسيس إمبراطورية صربية مستقلة، وهو ما تحقق بالفعل في عام 1348 وفي عهد الأمير الصربي (دوشان الكبير) الذي بات هو الإمبراطور والحاكم المطلق للصرب واليونان والبلغار والألبان.

عام 1371 يبدأ العثمانيون التوغل في قلب البلقان، ويبادر الصرب إلى توحيد صفوفهم التي انفرط عقدها بعد وفاة دوشان الكبير، وفي الثامن والعشرين من يونيو / حزيران عام 1389 يسجل العثمانيون بقيادة السلطان مراد الأول نصرًا كبيرًا مبكرًا ضد الصرب في معركة (كوسوفا) الشهيرة، وفي عام 1393 يتمكنون من فرض الولاء على ألبانيا دون غزو أو قتال ليستمر الحال على هذا المنوال أكثر من ستين سنة، كانت ألبانيا خلالها تتمرد بعض الأحيان ثم تعود للاستسلام بعد استخدام القوة ضدها، وفي عام 1443 يتمرد حاكم ألبانيا (اسكندر بك) على السلطان العثماني مستغلاً انشغال الأخير في محاربة الصرب، ويقوم بجمع القبائل الألبانية وتوحيدها، وذلك لتأسيس وطن قومي للألبان، وطرد العثمانيين، ولكن في عام 1461 يعقد العثمانيون معه معاهدة صلح بعد أن فتحوا القسطنطينية، وتفرغوا للبلقان، غير أن شوكة الألبان تضعف بعد وفاة اسكندر بك عام 1468 مما يتيح للعثمانيين أن يتموا سيطرتهم الكاملة على ألبانيا عام 1479. ولم يمضِ قرن من الزمان حتى دخلت الغالبية العظمى من الألبان في الإسلام، وتبع ذلك أن أصبحت بلادهم ولاية عثمانية، وباتوا هم مواطنين عثمانيين.

عبدي باليتا:

لم يُجبَر الألبان على اعتناق الإسلام من قبل العثمانيين لأن هؤلاء ما كانوا ليجبروا الشعوب الخاضعة لهم على التحول عن دياناتهم، والدليل على ذلك أن البلغار والصرب واليونانيين لم يتحولوا إلى الإسلام، فيما دخل البوسنيون والألبان طواعية فيه، وذلك باعتقادي لحفظ أنفسهم من الذوبان في جيرانهم، بالإضافة لما للألبان من اهتمامات سياسية وقومية، فضلاً عن تميزهم بتفكيرهم البراجماتي الاقتصادي.

أسعد طه:

في المقابل اعتقاد آخر بأن تحول ألبانيا بأسرها إلى الإسلام في أقل من قرن بعد امتناعها لقرون طويلة عن الذوبان في هوية محتليها إنما بسبب أن الألبان عرفوا للمرة الأولى في حياتهم الاستقرار النسبي، ونعموا بازدهار أوضاعهم الاجتماعية والاقتصادية، وتأثروا بنظام العدالة والإدارة الذي أقامه العثمانيون بداية عهودهم وكان أكثر تطورًا وثباتًا من الأنظمة السابقة عليه، وما يُزكي هذا الاعتقاد أن الألبان لم يتحولوا فقط إلى الإسلام، وإنما لعبوا دورًا هامًّا ورئيسيًّا في الدولة العثمانية، وانخرطوا في أجهزتها السياسية، حتى شغل أكثر من ثلاثين منهم منصب الصدر الأعظم، الذي هو بمثابة منصب رئيس الوزراء في الدولة الحديثة، كما كانوا من أشهر القيادات العسكرية في الجيش العثماني بفتوحاته الشهيرة، وإذا شئنا أن نكون خبثاء لقلنا: أن الذاكرة العقابية للغرب لم تشأ أن تغفر للألبان أبدًا هذا الدور بالرغم من أنهم بادروا إلى تأسيس رابطتهم القومية عام 1878 في مدينة (بريزرن) بـ(كوسوفا) سعيًا للاستقلال عن الدول العثمانية، ونجحوا في أن ينتزعوا منها حق الحكم الذاتي عام 1912، إلا أن روح الانتقام ظلت تتلبس أوروبا التي لم تخف يومًا مخاوفها من وجود دولة إسلامية على أراضيها، ومن ثم قررت وبوسائلها الدبلوماسية المعهودة تقسيم الأراضي الألبانية، وبعثرتها بين أربع دول مجاورة هي: اليونان ومقدونيا وصربيا والجبل الأسود، لتصبح مساحتها ثمانية وعشرين ألف كيلو مترًا مربعًا من أصل ثمانين ألفًا، وليعيش فيها اليوم أكثر من ثلاثة ملايين نسمة، بينما يعيش في الأراضي الألبانية الأخرى أكثر من ضعف هذا العدد.

 عقاب أوروبا للألبان عن دورهم في الدولة العثمانية نفذ بمباركة دولية عبر أربعة مؤتمرات شهيرة هي: مؤتمر (سان ستفانو) في مارس 1878، فمؤتمر (برلين) في يونيو حزيران 1878، ثم مؤتمر (لندن) 1913 المنعقد بعد هزيمة تركيا في حرب البلقان الأولى، ومؤتمر (باريس) 1919 بعد الحرب العالمية الأولى، والذي قامت الدول المنتصرة خلاله برسم حدود الدول والكيانات في البلقان، وأوجدت دولاً لم تكن موجودة، ومزقت أخرى كانت موحدة.

وفي ديسمبر عام 1920 تحصل ألبانيا على عضوية عصبة الأمم، لتكسب بذلك الاعتراف الدولي كدولة ذات سيادة، لكن بعد أقل من عشرين عامًا تتعرض ألبانيا للاحتلال الإيطالي، وفي نوفمبر عام 1941 يؤسس (أنور خوجة) الحزب الشيوعي الألباني، الذي يباشر بعد عام حرب تحرير ضد إيطاليا، التي تستسلم لقوات الحلفاء في أغسطس عام 1943، ويتمكن المقاتلون الألبان من هزيمة القوات الإيطالية، لكن ألمانيا تحتل ألبانيا في نفس العام، إلى أن تنجح قوات الحزب الشيوعي بزعامة أنور خوجة في تحرير أراضيها، وتنسحب القوات الألمانية، ولتبدأ الحقبة الشيوعية في البلاد.

مويكوم زيكو:

لقد كانت الشيوعية في ألبانيا قوية جدًّا وراسخة، كانت نظامًا (ستالينيًّا) قضى على حريات الشعب، وعلى حقه في التدين، وعلى العديد من حقوق الأفراد والمجتمع، لكن خلال الحقبة الشيوعية تم بناء الكثير من المدارس، وبناء أول جامعة وأكاديمية للعلوم، والعديد من المؤسسات الثقافية، إلا أن الكثير من الجرائم ارتكبت، والكثير من المشاكل ظهرت.

أسعد طه:

في أيام الشيوعية عُزلت ألبانيا تمامًا عن محيطها الأوروبي والدولي، وغُيبت الحريات العامة تمامًا، وانتهكت حقوق الناس الذين عاشوا أحلك أيامهم في ظل زعيمهم الشيوعي أنور خوجة، الذي حول ألبانيا من الدولة المسلمة الوحيدة في أوروبا، إلى الدولة الملحدة بالكامل في العالم كله، بعد أن حارب الأديان بصفة عامة، والإسلام بصفة خاصة، حربًا شعواء لا هوادة فيها أدت إلى تدمير المساجد أو تحويلها إلى متاحف ومخازن ومتاجر، وحلت جميع المؤسسات الدينية، وتم تصفية أملاكها وأوقافها، وحظرت العبادات والشعائر حظرًا تامًا، وعوقب المخالفون بعقوبات صارمة وشديدة لا مثيل لها في قوانين أخرى أو واقع آخر في العالم.

الشيخ صبري كوتشي:

كما تعلمون أن ألبانيا المسلمة قد مر بمراحل كثيرة، يعني بمعلوم أنه الشيوعية هذه الديار، ولكن نحن نتعجب من نعمة الله -عز وجل- حيث حفظ الإيمان في قلوب الذين يتولدون في زمن الشيوعية، كان ممنوعًا قطعيًّا.

الحمد لله يعني يتولد الإسلام من إقرار ومن فهم الشباب، يعني يمكن هم ما ما عاشوا زمن الإسلام، كيف يتكلمون؟ تعجبنا بأنفسنا، ولكن هم [كلمة غير مفهومة] أعلنوا محبة الله -عز وجل- ومحبة الإسلام.

أسعد طه:

عام 1985 يُتوفى أنور خوجة ليخلفه (رامز عليَّة) الذي بدأ في إدخال بعض الإصلاحات تدريجيًّا من أجل إنعاش الاقتصاد.

وفي عام 1989 ومع سقوط الشيوعية في أوروبا الشرقية، بدأت التحركات المعادية للحكومة لتجرى أول انتخابات متعددة الأحزاب عام 1991 يفوز بها الاشتراكيون، لتعقبها انتخابات مبكرة في العام التالي يفوز بها الديمقراطيون، لكن البلاد تشهد عام 1997 موجة من الاضطرابات نتيجة انهيار شركات توظيف الأموال، وتعم الفوضى البلاد، مما يدفع بالأمم المتحدة لأن ترسل قوات أمن أوروبية بقيادة إيطاليا.

وفي التاسع والعشرين من يونيو/حزيران من نفس العام، تجرى انتخابات تشريعية مبكرة يفوز بها الاشتراكيون.

 هذا هو إذن منطق التاريخ في ألبانيا من الاستعمار الروماني إلى السلافي إلى حقبة العثمانيين التي تدخل فيها ألبانيا في الإسلام طواعية. ومع انحلال الدولة العثمانية تقتطع أطرافها من قبل صربيا والجبل الأسود واليونان ومقدونيا، ويحتل الوطن الأم من قبل إيطاليا وألمانيا، فإذا ما تحررت وقعت في شرك الدول الشيوعية لتكون أكثرها تطرفًا، وأسوأها حالاً، وبعد عزلة نصف قرن تخرج من مستنقع الشيوعية لتسقط في دائرة مقفلة من النزاعات الداخلية والأطماع الخارجية.

[فاصل إعلاني]

ونحن نتهيأ لمغادرة العاصمة (تيرانا) وقد ألقينا نظرة سريعة على تاريخ التدخلات الدولية التي لحقت بها، وها نحن في طريقنا إلى مدينة (شكودرا) أو إن شئت عاصمة الشمال، أو هي مركز الأقلية الكاثوليكية، وهي مثال مجَّسد لتدهور الأوضاع الاقتصادية، ومعقل من معاقل الديمقراطيين المنافسين للاشتراكيين، وهي كلها أوصاف لعوامل داخلية تتفاعل لتمنح القوى الخارجية المناخ الملائم لتحقق أهدافها.

والحقيقة أننا عندما نقصد الشمال إنما نحاول أن نبحث في مفردات الأزمة الداخلية في ألبانيا، ونريد أن نبدأها بما يتردد عن خطر الحرب الأهلية التي تهدد البلاد من جراء هذه الخلافات التاريخية التي تفصل شمال ألبانيا عن جنوبها، فمن جهة يعتبر نهر (شو مبيني) هو الخط التاريخي الفاصل بين مجموعتين عرقيتين للألبان هما: (الجيج) في الشمال و (التوسك) في الجنوب، ومن جهة أخرى فإن الشمال يسكنه معظم (الكاثوليك) فيما يسكن معظم (الأرثوذكس) الجنوب، وفي الشمال أيضًا أنصار الحزب الديمقراطي المعارض، وفي الجنوب أنصار الحزب الاشتراكي الحاكم.

ورغم أن البلاد بشطريها كانت على حافة حرب أهلية إبان أحداث 1997، إلا أن كل من حاورناهم شاءوا أن يقللوا من أهمية هذا الخطر، فيما كنا نشعر نحن به حتى في حركتنا اليومية.

رمزي لاني:

بالطبع هناك اختلافات بين الشمال والجنوب، اختلافات في اللغة، وفي العادات، والتقاليد، لكنها ليست بالصورة التي قدمها الإعلام الغربي عام 1997، فما حدث لم يكن سوى مناوشات أهلية، فالطرفان كانت تجمعهما نفس مشاعر الاستياء والاحتجاج تجاه النظام، حقيقة أننا جمعيًا نسدد فاتورة الماضي الشيوعي، ففي أيام الشيوعية كان الشمال بمناطق (الكاثوليكية) مهملاً، فيما كان الجنوب يتمتع بمزايا أكثر، ولقد أرادوا أن يلعبوا بأوراق الشمال والجنوب، وهذا محفوف المخاطر في بلد صغير مثل (ألبانيا) .

أسعد طه:

ربما يكون كلامه صحيحًا، لكن المؤكد أن ليس هناك ما يردع الذين أرادوا أن يلعبوا بأوراق الشمال والجنوب في أن يكرروا المحاولة، ليظل خطر الحرب الأهلية قائمًا، ويجب أن يحسب له ألف حساب، وفي كل الأحوال فإن هذا لا يمنعنا أن نقطع مسافة تصل إلى مائة وعشرين كيلو مترًا بعيدًا عن العاصمة (تيرانا)، وإلى شمال غرب البلاد لنصل إلى (شكودرا) التي يعدها الألبان واحدة من أقدم مدنهم، ومركزًا ثقافيًّا واقتصاديًّا وتاريخيًّا هامًّا لبلادهم بسكانها الذين يزيد عددهم عن ثمانين ألف نسمة.

بحسب إحصاءات عام 1989، فإن الخارطة الدينية لألبانيا تفيد أن المسلمين يشكلون 70% سبعين بالمائة من سكانها، والأرثوذكس 20% عشرين بالمائة، والكاثوليك 10% عشرة بالمائة، ولذلك نجد أن رئيس الجمهورية يكون دومًا من المسلمين، فيما رئيس الوزراء من الأرثوذكس، ورئيس البرلمان من الكاثوليك، وذلك في اتفاق غير مكتوب بينهم.

صلاة الأحد في (كاتدرائية شكودرا) التي هي المركز الديني الرئيسي للكاثوليك في كل ألبانيا، والتي كانت قد حولت إلى نادٍ رياضي إبان حملة أنور خوجة ضد الأديان بعد عام 1967، وحيث يشكل الكاثوليك 50% خمسين بالمائة من سكان (شكودرا) والغريب أن هذه المدينة التي تعد عاصمة الشمال، ومركز الكاثوليك في الوقت نفسه، تشهد نشاطًا دينيًّا مكثفًا سواء من الكاثوليك أو من المسلمين، أو حتى من مجموعات ومنظمات دينية مختلفة قدمت من أنحاء مختلفة من العالم.

وفي كل الأحوال فإن الفقر يوحد الجميع، حيث تفيد الإحصاءات أن البطالة قد زادت نسبتها عن 40%، وأن أكثر من 60% من السكان يعيشون تحت خط الفقر، وأن متوسط دخل الفرد لا يزيد عن خمسين دولارًا شهريًّا، تدهور الأوضاع الاقتصادية لا يلحظه المرء هنا فقط، وإنما في كل ألبانيا، وها نحن قبل أن نأتي إلى (شكودرا) نتجول في إحدى إحياء العاصمة (تيرانا) لنرى ما ترونه.

غير أن هناك بالرغم من ذلك من يبدي تفاؤلاً.

مواطن ألباني:

إذا نظرنا إلى فترة التحول من عصر الانغلاق إلى اقتصاد السوق المفتوح فيمكننا أن نقول: إنه قد أحرز بعض التقدم؛وذلك لأنه قد تم إدخال بعض العناصر الهامة لاقتصاد السوق، كذلك فإن القطاع الخاص يساهم -في الواقع- في الإنتاج الوطني من نصف الإجمالي، وهناك الكثير من فرص العمل، وتم توفيرها في بعض القطاعات، وقد أوجدت الخصخصة أنواعًا جديدة من الخدمات.

أسعد طه:

لكن الواقع يقول: إنه وفي ظل الفساد الشديد الذي يحكم الحياة العامة في ألبانيا بشقيها الاقتصادي والسياسي، فإن الذي استفاد من ذلك لم يكن السواد الأعظم من الناس.

مويكوم زيكو:

توجد الآن طبقة واحدة ثرية بسبب المافيا الاقتصادية، والتي تتمتع بثراء كبير في ألبانيا في مقابل قطاع آخر من السكان شديد الفقر، ويعاني من ظروف معيشية سيئة للغاية، وهناك فجوة كبيرة بين الطبقتين، وبالتالي فإننا نجد هذه الطبقة الفقيرة تحن إلى أيام الشيوعية.

أسعد طه:

لو كنت قد أتيت إلى هنا قبل عشر سنوات، ثم أتيت اليوم لوجدت الشعب الألباني مازال كما كان، أفقر شعب في أوروبا، وبعد هذه السنوات الطويلة من سقوط الشيوعية، وقد زادته أحداث انهيار شركات توظيف الأموال عام 1997 سوءًا، وهي الأحداث التي راح ضحيتها 1500 ألف وخمسمائة مواطن، وفقد فيها نصف الشعب مدخراته، ولذلك لا نندهش إذا علمنا أن عائلة من كل اثنتين تعتمد في حياتها على دخل واحد من أفرادها -على الأقل- يعمل خارج البلاد، وأن في عام 1998 -على سبيل المثال- بلغت المساعدات الأجنبية لألبانيا ثمانية وأربعين مليون دولار، وهو ما يفسر لنا كيف أن ألبانيا تصدر ما تزيد قيمته عن مائتي مليون دولار في السنة، فيما تستورد ما تزيد قيمته عن ثمان مائة مليون دولار، وهو أمر منطقي في ظل دولة تفيد الأوراق الرسمية أن أقل من 10% عشرة بالمائة من أبنائها يعمل في مجال التصنيع، وهو القطاع الذي تضرر كثيرًا في أحداث عام 1991.

عندما ثار الناس ضد الشيوعية، وأحرقوا ممتلكاتهم العامة، وهو ما رأينا آثاره مازالت ماثلة عندما كنا في مدينة (البسان) وشهدنا مصنعها الخاص بإنتاج المعادن.

وإذا ما غادرنا مدينة شكودرا سنفهم أن 70% سبعين بالمائة من الشعب الألباني يعمل بالزراعة، وسيحكي لنا (جونجوزي) عن سوء حال أسرته المكونة من ستة أشخاص، وهو الفلاح الفقير المغيب لسنتين في معسكرات الاعتقال الشيوعية، والمهاجر لبيته في أقصى الشمال الألباني بحثًا عن الرزق، وكل أحلامه الآن أن يتمكن أولاده من السفر إلى (إيطاليا) أو (اليونان) ليحققوا ما عجز عنه.

نواصل طريق العودة إلى (تيرانا) لنجد عند إحدى مداخلها منطقة زراعية تحولت مع الزمن إلى مستقر للعائلات القادمة من الشمال، الباحثة عن لقمة العيش في العاصمة.

مواطنة ألبانية:

معظم الناس هنا من المناطق المحيطة بمدينة (كونكس) في أقصى الشمال، بالنسبة لعائلتي فقد تخرجت أنا من كلية الاقتصاد، وزوجي من كلية الزراعة، وكنا نعمل في مصنعين مختلفين، وبعد ما يسمونه بإصلاحات عام 1992 فقدت وظيفتي، وكذلك زوجي، وقررنا أن نأتي إلى هنا لعلنا نجد عملاً، غير أن زوجي قرر الهجرة إلى إيطاليا حيث يعيش الآن في مدينة (تورينيو) بطريقة غير شرعية، وعلى أمل أن يسوي حالته يومًا، وأتمكن مع أطفالي الثلاثة من السفر إليه.

أسعد طه:

وما دمنا عدنا إلى العاصمة (تيرانا) فإننا سنرى صورًا متعددة لآثار البطالة، عشرات العمال في مواجهة إحدى مراكز التشغيل، ينتظرون من السادسة صباحًا أي فرص للعمل، وآخرون فضلوا الانخراط في السوق السوداء للعملة، وسنسمع هنا حكايات كثيرة عن الدعارة المنتشرة في البلاد، وعن نشاط (المافيا) المتفشي في الحياة السياسية والاقتصادية، وسنفهم أن الفساد هو مشكلة (ألبانيا) الأولى، والذي ساعد على انتشاره تدهور المعاشات من جهة، وضعف النظام العدلي من جهة أخرى، وسوف يحدثنا من تبقى من الوطنيين عن ظاهرة هجرة العقول التي تعاني منها ألبانيا، والتي نعم أصحابها بتربية علمية وأكاديمية كان يحرص عليها النظام الشيوعي.

وذلك كله في ظل تناحر القطبين السياسيين في البلاد، التيار الاشتراكي الحاكم بزعامة فاتوس نانو، والتيار الديمقراطي المعارض بزعامة صالح بريشا.

رمزي لاني:

إن ألبانيا تعاني من مشكلة شديدة الخطورة، وهي أن الطبقة السياسية هم أبناء الحرب البادرة، وعقولهم إما شديدة السواد، أو شديدة البياض، إنهم يريدون الوصول إلى الديمقراطية بأساليب الماضي، لقد كان لدينا أيديولوجية شيوعية، والآن أيديولوجية ديمقراطية، ولكن ماذا يمكن أن نتوقع من أناس لا يتحدثون إلى بعضهم البعض.

أسعد طه:

هذا الواقع الداخلي المؤلم أوجد مناخًا ملائمًا للتدخل الخارجي، الذي اتخذ أشكالاً متعددة، بِدءً من الثقافي والديني، ومرروًا بالسياسي والاقتصادي، وانتهاءً بالعسكري، وهو التدخل الذي في كل أحواله كان يرفع شارات السلام والإخاء والمحبة، وشعارات الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان، وأهداف الحداثة والمعاصرة واللحاق بالعصر.

عشر سنوات مرت منذ أن سقطت الشيوعية في ألبانيا، وانفتحت أبوابها على مصراعيها ليأتي العالم كله إلى هنا، فماذا فعل؟ وماذا يفعل؟

كم هو رائع بحر (الأدرياتيك) بشمسه المشرقة حتى في الشتاء، وأمواجه الهادئة التي تبدو وكأنها تربت على كتف مدينتنا الحزينة، وها هي الوجوه المتعبة تصطف طويلاً، طويلاً في انتظار سفينة تحملهم بعيدًا عن الوطن، وللغرابة إلى أرض من كان عدوًّا ومن استشهد الأجداد لدفعه عن أرض الوطن، والسفينة للمصادفة اسمها (اسكندر بك) ذاك الذي عد بطلا قوميًّا لأنه حارب العثمانيين، عشرات المسافرين المغادرين بطريقة شرعية إلى إيطاليا، حيث الحلم الذي يضيق به الوطن، ومن المستحيل أن تجد شخصًا هنا إلا وراغبًا في الهجرة، حتى أن التقديرات تفيد أن خمسة عشر بالمائة 15% من الشعب الألباني قد هاجر من بلده منذ سقوط الشيوعية، قبل عشر سنوات، والذين لا يحالفهم الحظ في الحصول على إذن دخول، يلجأون إلى عصابات (المافيا) تنقلهم في سواد الليل، وغدر البحر، وعبر القوارب السريعة إلى الشاطئ الآخرين في إيطاليا، حتى باتت (فلورا) مركزًا للهجرة غير الشرعية، ليس فقط من قبل الألبان، وإنما من قبل كل راغب في اللجوء الاقتصادي إلى أوروبا من أنحاء متفرقة من العالم.

قبل أن نأتي إلى هنا قالوا لنا: إن (فلورا) كانت دومًا مركزًا للثورة، وهي الواقعة جنوب غرب البلاد، على ساحل البحر الأدرياتيكي، ويعيش بها ما يزيد عن سبعين ألف نسمة، ومنها أعلن الاستقلال في الثامن والعشرين من نوفمبر لعام 1912، واحتلتها ايطاليا ضمن الأراضي الألبانية التي احتلتها مرتين، أولهما عام 1914، والأخرى عام1939.

ورغم هذا التاريخ الاستعماري فإن إيطاليا تبقى حلمًا يبتغي لكل الناس هنا، وإذا تجولت في شوارع (فلورا) فإنه سيكون بوسعك أن تتأكد من هيمنة الفكرة الإيطالية على عقول الناس، المحلات العامة تحمل أسماءً إيطالية، وتضم بصناعة إيطالية والشباب يتفاخرون بأزيائهم الإيطالية، واللغة الثانية لهم هي الإيطالية، والصحون الفضائية موجهة شطر إيطاليا، وأكبر قناة تليفزيونية خاصة في كل ألبانيا يعود نصف ملكيتها إلى إيطاليا، وبلغة الأرقام نقول:

إن 50% من صادرات ألبانيا تتوجه إلى إيطاليا، فيما 40% من وارداتها تأتي من إيطاليا، وأن 40% أيضًا من المساعدات الممنوحة إلى ألبانيا تأتي من إيطاليا، وبحسية صغيرة فإن إيطاليا تمنح ألبانيا سنويًّا عشرين مليون دولار كمساعدات، فيما تبيعها ما قيمته ثلاثمائة وستون مليون دولار، ومن المعلوم أن في أحداث انهيار شركات توظيف الأموال عام 1997 أصدرت الأمم المتحدة قرارًا بإرسال قوات أمن أوروبية بقيادة إيطاليا إلى ألبانيا، ومازال حتى في مدينة (دوريس) ألف وأربعمائة وخمسون جندي إيطالي.

الانتقال من مدينة (فلورا) إلى مدينة (سارا ندا) لا يعني فقط قطع مسافة تصل إلى مائة وخمسين كيلو متراً، وإنما يعني أيضًا التحول من المعسكر الإيطالي إلى المعسكر اليوناني، وهما المتنازعان على ألبانيا، فموقع هذا البلد الاستراتيجي جعلها تدفع على مر التاريخ ثمنًا فادحًا، فألبانيا لا تبعد سوى أميال معدودة عن اليونان صاحبة الميراث (الأرثوذكسي) وحاميته، وأميالاً أخرى معدودة (الأرثوذكسي) وحاميته وأميالاً أخرى معدودة عن اليونان صاحبة الميراث (الأرثوذكسي) وحاميته، وأميالاً أخرى معدودة عن إيطاليا عاصمة (الكاثوليكية)، والاثنان هما خصمان لبعضهما لقرون طويلة، حاول كل منهما خلالها بسط سيطرته العسكرية أو نشر نفوذه الديني في ألبانيا، وإذا كنا قد لاحظنا النفوذ الإيطالي في (فلورا)، فإن بوسعنا أن نلحظ الحضور اليوناني القوي في الجنوب بصفته عامة، وهنا في مدينة (سارا ندا) بصفة خاصة.

عبدي باليتا:

في هذه الأيام يمكنني القول بحرية: إن ألبانيا في الواقع ليست دولة مستقلة، وإنما تخضع للاحتلال اليوناني، إن (كوسوفا) أكثر استقلالاً منا، لأن في (كوسوفا) يمكنك أن تجد قوات (الناتو) وليس الشرطة الصربية، ولكن في ألبانيا توجد حكومة ألعوبة تنفذ أوامر أصدرها اليونانيون.

أسعد طه:

قد يبدوا للوهلة الأولى أن في الأمر مبالغة، ولكن العارفين بالأمور هنا -على اختلاف اتجاهاتهم وانتماءاتهم السياسية والدينية- يقرون بأن الحكم هنا يخضع بالكامل للنفوذ اليوناني، ولذلك لم يتفاجأ زعيم الحزب الاشتراكي الحاكم بسؤالي.

فاتوس نانو:

إن لديَّ ردًّا مباشرًا على هذا الهجوم العنيف والمستمر، نحن نعتبر اليونان -كما هي- دولة عضوًا في الاتحاد الأوروبي، نحن محكوم علينا بالعمل مع اليونان والإيطاليين، والمقدون، الجبل الأسود، بقية دول البلقان، إن جيران ‎ألبانيا قد وجدوا بقدر الله، وإذا كان اليونانيون موجودين كأقلية في ألبانيا، والألبان يعيشون على أنهم جزء من المجتمع اليوناني، فإننا نعتبر ذلك حركة الشعوب والانسياب الحر للقيم، ولحضارة البلقان المتوافقة مع بعضها البعض، ونحن نعتبر ذلك نزعة إيجابية نحو بناء المعايير الغربية، وبناء منطقة متحضرة حديثة، وليس بناء معاقل لليونان أو للإسلام أو لإيطاليا أو أو تأثير تراه على ألبانيا.

أسعد طه:

رائع حديث الزعيم الاشتراكي عن حركة الشعوب والانسياب الحر للقيم، لكنّ المشكلة أنه قصد به الأقلية اليونانية في ألبانيا والوجود الألباني في اليونان، وممكن المشكلة الفارق الصارخ بين وضع الطرفين، فالأقلية اليونانية هنا والتي تقدرها ألبانيا بستين ألف نسمة، فيما تقدرها اليونان بثلاثمائة ألف نسمة إنما تتمتع بحقوقها كاملة ووفق معاهدة الصداقة والتعاون الموقعة بين البلدين عام 1997م، والتي تضمنت تعهدًا ألبانيًّا باحترام حقوق الأقلية الأرثوذكسية اليونانية.

وها نحن في رقية صغيرة بالقرب من مدينة (سارا ندا) حيث تعيش أقلية يونانية وحيث نرى الشوارع الممهدة في هذه المنطقة النائية من البلاد، وسنزور-كذلك-مدرسة يتعلم فيها الأطفال وفق المنهج اليوناني، واللغة اليونانية، وستكون فرصة للمقارنة بأوضاع الألبان الذين يعيشون في اليونان، والذين يقدر عددهم بنصف مليون ألباني، يعملون وفق أجور متدنية للغاية، وظروف معيشية صعبة وحقوق يقول الألبان: إنها مغيبة، وإذا عدنا إلى الحديث عن النفوذ اليوناني هنا فإننا سنرى أنه تجاوز ما هو سياسي إلى ما هو اقتصادي.

عبدي باليتا:

إن اليونان تهيمن هنا على الاقتصاد الألباني، وذلك ليس من خلال علاقات اقتصادية عادية، ولكن عبر نشاطات إجرامية، وذلك بأننا في عام 1991 لم يكن لدينا هياكل جديدة للعمل، ومن ثم فقد هاجمونا في كل الميادين، وباتوا يتحكمون اقتصاديًّا في العديد من القطاعات.

أسعد طه:

ومن النفوذ السياسي والاقتصادي إلى العسكري، فعندما وقعت أحداث 1997 وقررت الأمم المتحدة إرسال قوات أمن أوروبية، أتت قوة يونانية لكن بعد رحيل القوات الأوروبية عقب الأحداث بقيت القوة اليونانية ضمن اتفاق عسكري خاص، بين حكومتي (أثينا) و(تيرانا)، وعندما كنا في تيرانا طلبنا زيارة معسكرهم فأتت الموافقة مصحوبة باستقبال لطيف، حيث أطلعنا المسؤولون على ما يعتقدون إنه الدور الإيجابي الذي تقوم به هنا القوة اليونانية، والتي نص الاتفاق الألباني اليوناني على أن مهمتها هي المساهمة في إعادة بناء الدولة الألبانية، ومرافقها الحيوية، وتقديم المساعدات الإنسانية اللازمة.

سنضطر -مؤقتًا- إلى قطع زيارتنا لـ(سارا ندا)، والتوجه إلى مدينة (البسان) بغية الحديث عن دور اليونان الديني في ألبانيا.

عبدي بالتيا:

كان أول هجوم للشيفونية اليونانية، عام 1990، عندما بدأت الإصلاحات الديمقراطية فأرسلت اليونان أحد كهنتها ليترأس الكنيسة الأرثوذكسية الألبانية، على الرغم من أن المادة السادسة عشرة من قوانينها تنص على أن رجال الدين يجب أن يكونوا من أصل ألباني، لمدة جيلين على الأقل.

أسعد طه:

والحقيقة أن هذا النزاع الديني اليوناني الألباني إنما يعود لعام 1937 عندما تأسست الكنسية الأرثوذكسية الألبانية في ظل رفض اليونان، التي كانت تريدها منضوية تحت لواء كنيستها والأب (نيكولا ماركو) راعي كنيسة القديسة (ماريا) في مدينة البسان، يمثل اليوم رمز المعارضة الألبانية للدور الديني لليونان في ألبانيا.

نيكولا ماركو:

إن اليونان استهدفت دائمًا في برامجها أن تمتص بشكل كامل نشاط الكنيسة الأرثوذكسية الألبانية، رغم أن الاستقلال القومي لكنيسة قد اكتسب عام 1937 بقرار من بطريرك يدعى (توماس)، وبجهود المقاتلين النهضويين عندما كانت الدولة الألبانية تتشكل.

أسعد طه:

المشكلة كان يراها الأب (نيكولا) هي أن الدور اليوناني يتجاوز المسألة الدينية.

الأب نيكولا ماركو:

إن الدولة والكنيسة في اليونان يتعاونان لتحقيق هدف واحد هو السيطرة على جنوب ألبانيا، فيما صربيا تطمع في شرقه، والجبل الأسود في غربه، وبذلك تقسم ألبانيا إلى ثلاثة أجزاء، ومن ثم تختفي.

أسعد طه:

ربما يستدعي الأمر التفكير بأن المسألة التي نبحثها إنما تقصد الإشارة إلى استغلال الدين في مسائل وأهداف أخرى، لكنها لا تمس أبدًا احترامًا يجب أن يبديه المرء تجاه الديان والعقائد على اختلافها، وهو ما يسهل لنا أن نواصل الحديث لنشير إلى الجهود اليونانية المبذولة لتغيير الهوية العقائدية للناس هنا.

الأب نيكولا ماركو:

إن أسلوب الطقوس هو أحد وسائل تدمير الأمة، حيث يتم تحويل الكثير من المسلمين إلى الديانة الأرثوذكسية، وذلك بعد أن أوهموهم بأن عليهم تغيير دينهم إذا ما أرادوا الحصول على وظيفة في اليونان، وهو أمر غير مسموح به في الإنجيل، إنهم يطلبون منهم تغيير أسمائهم، ثم يقومون بتعميدها.

أسعد طه:

المشكلة أن هذا النشاط التبشيري السياسي -إذا صح التعبير- يمتد في أنحاء الجنوب وإذا عدنا إلى (سار ندا) وهي المدينة ذات الغالبية المسلمة سنجد كنائس متعددة، وأطلال مسجد واحد دمر في ظروف مجهولة، وسنعلم أن هيئات الإغاثة الإسلامية منعت من ممارسة نشاطها في المدينة، وسيكون ملاحظًا في المنطقة كلها الجهود المبذولة لتغيير الهوية.

البلقان أو جنوب أوروبا بصفة عامة يمثل منطقة استراتيجية للولايات المتحدة الأمريكية باعتبار عدة أمور: طريق مؤدي إلى القوقاز وشرق المتوسط والخليج العربي. ومحطة من محطات حروبها الاقتصادية مع أوروبا. وساحة لأي صدام محتمل مع العدو المنصرم، أي: روسيا، ومع العدو المفترض أي: الإسلام.

 وإذا كانت هذه هي أهمية المسألة الألبانية للولايات المتحدة الأمريكية، وإذا كان مفهومًا سعيها الحثيث للتواجد في المنطقة، فإن السؤال يبقى عما جنته ألبانيا من جراء ذلك.

رمزي لاني:

لقد اعتدنا أن نرى الولايات المتحدة الأمريكية كعدو لنا، ولكننا رأينا خلال حرب كوسوفا أن تحالف (كلينتون-بلير) كان شديد النفع لنا وشديد الفاعلية، لذلك فإننا يجب أن نعيد تقييم حلفائنا الاستراتيجيين، ومن وجهة النظر الاستراتيجية فإن حليفتنا هنا هي الولايات المتحدة الأمريكية، فنحن شعب ممزق يعيش في ثلاث أو أربع دول في البلقان، وفي حاجة إلى مظلة استراتيجية، وهذه المظلة هي الولايات المتحدة الأمريكية، وذلك على الرغم من أن حياتنا هي عبارة عن علاقات يومية مع اليونان وإيطاليا جيراننا الأوروبيين.

فاتوس نانو:

إننا نأخذ بعين الاعتبار الفضل العميق للولايات المتحدة الأمريكية والمجتمع الدولي لوضع ألبانيا في قلب الأولويات الإقليمية والدولية، ومشاريع التنمية التي ستجعل من البلقان جزءً من السوق العالمية مثل الممر الثامن ومعاهدة الاستقرار التي يمكن أن تجعل-بلا ريب-الموقع الاستراتيجي لألبانيا -بين الشرق والغرب- سبيلاً لانسياب القيم الغربية والشعوب عبر القوقاز، لتأسيس أسواق كبيرة تكون عامل جذب للعالم الغربي.

عبدي باليتا:

لو كانت الولايات المتحدة الأمريكية قد أولت اهتمامها للعالم الألباني فإن هذه ستكون أعظم فرصة تاريخية للأمة الألبانية.

إن كل واحد ينبغي أن يعيَ أن قضية (كوسوفا) هدية قدمها (الناتو) والولايات المتحدة إلى الأمة الإسلامية، لأنه لم يكن هناك أحد لينقذهم، لقد حارب المسيحيون المسيحيين لإنقاذ مسلمين. إن التضامن الإنساني شيء أقوى من الدين.

أسعد طه:

لافتة كتب عليها: ألبانيا-المستقبل-أولبرايت، رفعت في شوارع (تيرانا) عندما زارتها وزيرة الخارجية الأمريكية، وعكست حالة عامة، سنفهمها أكثر إذا ما تذكرنا أن ألبانيا طلبت -أمام عصبة الأمم عام 1920- أن تكون محمية أمريكية، وإذا كانت مشاعر الانكسار والولاء أمام سيد العالم تحكم عقلية وتصرفات سواء من كانوا في سدة الحكم أو في المعارضة، أو حتى من الطبقة المثقفة والأكاديمية، فماذا يمكن أن يتوقع إذا السيد أمر، حتى ولو كان أمره على حساب المبادئ ومن فاتورة الوطنية؟

غير أن الإنصاف يتطلب أن نتوجه إلى (دوريس) أهم ميناء ألبانيا وثاني أكبر مدنها الصناعية بسكانها البالغ عددهم خمسة وثمانون ألف نسمة، وهي التي كانت مركز المقاومة ضد الإيطاليين عام 1939، وتعرضت بعد الاحتلال الإيطالي إلى الاحتلال الألماني عام 1943.

أما سبب الزيارة فهو ما يعرف باسم الممر الثامن، وهو مشروع بناء طريق بربط غرب أوروبا بشرقها، ويمر عبر ألبانيا قاطعًا مدن (دوريس) و(البسان) و(بجراد تش).

أرين ميس:

في سنة 1995 وقعت كل من ألبانيا وتركيا ومقدونيا وبلغاريا -وبرعاية الولايات المتحدة الأمريكية- اتفاقية لبناء ما أطلق عليه: الممر الثامن، وقد سبب هذا الأمر بعض النزاعات، فإيطاليا مهتمة به باعتبار أنه يصب لمصلحتها، وكان من الطبيعي لذلك أن تسعى اليونان لإعاقته، فيما تتخوف صربيا التي قضت أربعين عامًا في بناء الممر التاسع من أنها ستفقد التحكم في الحركة، وعليه كانت هناك ثلاث كتل يهمها هذا المشروع: الكتلة الأوروبية-الأمريكية التي قامت باستثمارات واقعية ملموسة، والكتلة الأرثوذكسية ممثلة بصربيا واليونان والرافضة له.

والكتلة الإسلامية ممثلة بتركيا، وترى أن من مصلحتها الاندماج في العالم الغربي من خلال الممر الثامن.

أسعد طه:

مهما كان الأمر فإن الدور الدولي سواء على المستوى السياسي أو الاقتصادي لم يفلح في أن ينجز شيئًا ملموسًا يحول دون هروب الناس من وطنهم بحثًا عن الأمن والرزق، ولم تمنعهم تصريحات المسؤولين الواعدة من أن يواصلوا تدفقهم بالمئات على السفارات الغربية سعيًا للهجرة من بلدهم.

جيوفاني بورتا:

إنها أساسًا ما تزال أفقر دولة في أوروبا، إن الناس يغادرون لأنهم يريدون مستقبلاً أفضل، وبالطبع فإن الأمن والتطور الاقتصادي سيكونان بمثابة مفاتيح تحثهم على البقاء، لكن سوف يستغرق هذا وقتًا، إن الاستثمارات آتية لكنها بطيئة، وبمجرد أن يشعر الألبان بتحسن في شكل آمن أعتقد أن هذا السيل المتدفق من المغادرين سوف يتوقف.

أسعد طه:

زيارة إلى هنا ستثبت لك أن العالم كله في ألبانيا، رسميًّا وشعبيًّا، أفرادًا ومؤسسات، أديان ومذاهب، لأجل أهداف تتفق أحيانًا وتتناقض أخرى، لكنهم بحق يتعاونون فيما اتفقوا عليه، ويعذر بعضهم بعضًا فيما اختلفوا عليه، وهو الأمر الذي ينادي به في بلادنا بعضنا، ويفعله هنا كلهم.

طالب ألباني [يقرأ القرآن]:

الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحين عملاً وهو العزيز الغفور، هو الذي خلق سبع سماوات طباقا ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت فارجع البصر هل ترى من فطور.

أسعد طه:

الانتماء الجغرافي يفيد أن ألبانيا أوروبية، والانتماء العقائدي يفيد أنها إسلامية اعتبار أن سبعين بالمائة 70% من سكانها عضوًا في منظمة المؤتمر الإسلامي، وذلك في خطوة حماسية من قبل رئيسها حينذاك صالح بريشا، غير أن العالم العربي الإسلامي -كالعادة- لم يقدم له شيئًا، فيما حسبته أوروبا شديدًا على موقفه هذا، حتى أن هناك من يقول: أن أحداث انهيار شركات توظيف الأموال عام 1997، والإطاحة بصالح بريشا إنما كانت تدبيرًا أوروبيًّا عقابيًّا على دوره التقاربي مع العالم الإسلامي، وعلى الرغم من محافظته على ولائه للغرب، ولذلك كان مفهومًا رفضه اللقاء بنا بعد أن ضاق ذرعًا بالعالم العربي وما ومن يأتي منه.

لكننا في (تيرانا) التي باتت عاصمة لألبانيا منذ عام 1920، واقترب عدد سكانها من نصف مليون نسمة، سنفهم أن العالم العربي -في الواقع- قدم على الأقل على المستوى الشعبي الممكن من المتاح، وها هي مجموعة من الشباب العربي تعمل في إدارة هيئات إغاثية إسلامية، وفي ظل ظروف شديدة التعقيد، فحكوماتهم تنظر إليهم بعين الشك من أن يكونوا منضويين تحت عباءة جماعات إسلامية معادية لها، كما أن الفوضى الإدارية والأمنية -التي تعيشها ألبانيا- تزيد الأمر سوءًا، فضلاً عن عملهم بجانب المنظمات الدولية الأخرى غير المرحبة بهم.

محمد الواعي:

أولاً: نحن هنا مجلس تنسيقي ينسق بين المؤسسات الإسلامية الموجودة على الساحة الألبانية هنا، وهذه المؤسسات كلها مؤسسات شعبية، يعني قائمة يعني على استجلاب الدعم من أهل الخير، ومن أبناء الخير من بلاد العالم الإسلامي في شتى ربوعه، يعني تعرض مشاريع مختلفة مدعومة بالأوثقة على بعض المتبرعين من أهل الخير في مشروع الأيتام، مشروع التعليم إلى أخره. أهل الخير من أبناء المسلمين من التجار الخيريين ومن غيرهم ومن المتبرعين يقومون بإرسال مندوب أو يأتون بأنفسهم أو يستقصون الحقائق حتى يتأكدوا من صحة يعني، أو يرون مصداقية هذه المبادرات، ثم بعد ذلك يعني يقومون بتمويل هذه المشاريع لفترة معينة أو لفترة مفتوحة إلى أخره، فما هي إلا مؤسسات شعبية قائمة على أكتاف يعني أهل الخير من بلاد العالم الإسلامي، وعلى تبرعات أهل الخير يعني، وإنما ليست علاقات بالحكومة، أو إلى آخره، فهي مؤسسات شعبية أولاً وأخيرًا.

أسعد طه:

عشرات الأعمال والمشاريع التي قدمتها الهيئات الإسلامية على مدار السبع سنوات الماضية وما زالت، وفي المجالات الاجتماعية والصحية والتعليمية.

الشيخ صبري كوتشي:

من أهم الاحتياجات تجهيز الطلاب بالعلم والعلماء، يعني لكي يكونون قائمين بإرادتهم وقوتهم الروحانية، يعني يطلبوا الدعاء بالمعلمين، المعلمين القرآن والدين، نحتاج للمعلمين، ولكن المعلمين -الحمد لله- توجد، توجد ولكن ينقص الرواتب الشهرية.

أسعد طه:

غير أن المأخوذ على الدور الإسلامي الشعبي أنه حضر نفسه اجتماعيًّا وثقافيًّا، دون أن تكون له أبعاد اقتصادية أو سياسية مؤثرة.

عبدي باليتا:

إن اليونانيين يسرقون أسماءنا وشخصياتنا وتاريخنا وهويتنا، إننا في حاجة إلى التضامن الإسلامي، ربما نحن نعاقب الآن لكوننا لسنا مسلمين صالحين، ولكنَّ هذا ليس خطأنا، إننا أطفال إذا ما قورنا بالدول الإسلامية الأخرى، نحن نحتاج تفهمًا ومساعدة مع استثمارات، إن الدول الإسلامية شديدة البطء، لكنَّ الهيئات الإسلامية أدت عملاً طيبًا، لقد ساعدوا الجميع بغض النظر عن الدين.

أسعد طه:

هذه هي ألبانيا اليوم، تنوع عرقي داخلي، ومعاناة اقتصادية خانقة، وطبقة صغيرة تهيمن على المال والحكم، وتشتت قومي في الخارج، وخلافات مع الجيران، هذه هي ألبانيا اليوم: دولة ذات غالبية مسلمة، وأقلية أرثوذكسية محاطة ببلاد ذات غالبية أرثوذكسية، وأقلية مسلمة، هذه هي ألبانيا اليوم، ألبانيا الأم بعد أن أقتطع المشرط الدولي منها شطرًا راح هنا، وشطرًا راح هناك.

في لقائين مقبلين نبحث في مصير ما أقتطع.

أيهما يمنح الوطن شرعيته التاريخ أم القوة؟ أيهما يمنح الشرعية هويتها منطق الحق أم منطق الهيمنة؟ أيهما ليست لك هي المسألة، المسألة أننا في زمن المنطق فيه ممنوع، والسياسة تسيرها المصالح والقانون يصنعه الكبار، والصغار عليهم أن يفهموا أو أن ينتهوا، ثمة خيار ثالث أن يتمردوا.

السلام عليكم.