مقدم الحلقة محمد كريشان
ضيوف الحلقة - د. علي حجازي، طبيب وجراح قلب
تاريخ الحلقة 29/06/1999




علي حجازي
محمد كريشان
محمد كريشان: أهلا وسهلا بالدكتور علي حجازي (جراح القلب المشهور) على الصعيد العربي والدولي.

د. علي حجازي: أهلا بكم.

محمد كريشان: دكتور .. قضيتنا هذه الحلقة "توجه سواء الأطباء أو المرضى للغرب للعلاج" لتحليل هذه الظاهرة -قدر الإمكان- في هذه الحلقة..

هل يمكن القول، لنبدأ بالأطباء يعني.. إن توجه عددٍ من الأطباء العرب للعمل في الخارج، سواء في أوروبا أو الولايات المتحدة يمكن أن يشكل ظاهرة يمكن الحديث عنها؟

د. علي حجازي: هي الواقع ظاهرة لا يمكن تجاهلها أو الإقلال من قيمتها، الأطباء العرب متواجدين في كافة الدول الأوروبية، سواء الشرقية أو الغربية وفي (بريطانيا) وفي (أميركا) وأستطيع القول: إنه لا تكاد مؤسسة كبرى تخلو من تواجد الأطباء العرب، والأطباء العرب معظمهم من أصحاب الكفاءات.

الكفاءة هون تعريفها لها مدلول عام، لو أخذنا الكفاءة على أساس أنها الحصول على المؤهلات العلمية العليا، فهناك مئات الآلاف من الأطباء العرب أو من العلماء العرب -بصورة عامة- أطباء، وغير أطباء متواجدين خارج الوطن العربي.

كلمة الكفاءة -طبعاً بمفهومها العلمي- تعني جملة أشياء، أو هي المحصلة النهائية لعدة ميزات، أهمها الحصول على المؤهل العلمي العالي، وجود الموهبة عند الشخص مع القدرة والتميز والإبداع والمقدرة على استعمال مجموعة هذه الأشياء في البحث الطبي والكشوفات الطبية، وبالتالي إثراء الأبحاث العملية -بصورة عامة- التي يستفيد منها المرضى، هذه الصفات تنطبق على أعداد لا بأس بها من الأطباء العرب في الخارج، وهناك قلة من الأطباء تحتل مكانة عالمية جداً، واستطاعوا أن يصلوا إلى قمة الهرم، الآن لو اطلعنا أو نظرنا إلى أسباب هجرة الأطباء العرب مختلفة.. أسباب كثيرة عديدة، منها -بالدرجة الأولى- الأسباب المهنية، المؤسسات الغربية تتعامل مع الإنسان أو مع الطبيب على أساس واحد هو الكفاءة، لا تنظر لأي اعتبار آخر، حتى ولو كان غريب، لم يكن مواطن لا يهم، قد يتنافس مع المواطن في تلك الدول، وإذا كان الأجنبي هو الأفضل فالأجنبي يرتفع.

فمن النقطة هذه فالمجال مفتوح لتحقيق الطموحات التي يبحث عنها الأشخاص المبدعين، هذا سبب مهم في تواجد الأطباء العرب في الغرب، هناك أسباب تتعلق بالنواحي الوظيفية والمعيشية، وهي بصورة عامة –دائماً- أفضل، يعني يحصلون على رواتب مغرية، يحصلون على امتيازات وظيفية، ولهم احترام في تلك المؤسسات، فهذه من نواحي الإغراء، بينما الوطن العربي يعني -طبعاً- إذا أخذنا الوطن العربي ككل -ما ركزنا على جزء- فيه أجزاء من الوطن العربي الأطباء يعانون ويعتبرون من الفئات الكادحة، الرواتب التي يحصلون عليها بالكاد تكفي، يعملون تحت ظروف قاهرة، نقص في الأجهزة .. المستشفيات غير متكاملة، فلذلك هذه الأشياء لا تناسب الأطباء اللي عندهم الطموح.

محمد كريشان: دكتور، هل البعض فضل أن يستقر في الغرب بعد إنهاء الدراسة، أم -ربما- الأغلبية قررت الهجرة من البلاد العربية إلى الغرب للممارسة؟

د. علي حجازي: منهم من أنهى دراسته وأنهى اختصاصه، أو أنهى دراسته في الوطن العربي، ثم سافر إلى الغرب، وأعُجب في الأنظمة الغربية، ومنهم –أيضاً- من تزوج هناك، وأصبح عنده ارتباطات عائلية، منهم من أنهى دراساته واختصاصه، وحصل على المؤهل الذي كان يسعى إليه، وعاد للوطن العربي، ولم يجد البيئة التي يبحث عنها، بينه وبين نفسه، كل إنسان ينظر إلى شيء معين، كثير من هؤلاء الأطباء رجعوا إلى الوطن العربي، اشتغلوا فترات في الوطن العربي، وجدوا إنهم لن يستطيعوا تحقيق الطموحات التي يسعوا إليه، عادوا، وخلال فترة احتلوا أماكن كويسة، هذه غالبية الأسباب طبعاً هناك أسباب، أخرى قد تكون لها علاقة بمعتقد سياسي، أو طائفي بس هذه قليلة.. لكن الأشياء.. الأسباب الغالبية هي تحقيق الطموح الذي لا يستطيع أن يحققه في الوطن العربي.

محمد كريشان: دكتور، هل يمكن الحديث عن طبيب موظف، هل لدينا في البلاد العربية بعض الأطباء الذين يفضلون العمل براتب وبدخل قار، ودون طموح علمي كبير؟

د. علي حجازي: هو بالبلاد العربية –طبعاً كما هو في العالم- يعني شيئين أما الطبيب إنه بيكون موظف عام يخدم في مؤسسة حكومية إما.. جامعة، أو مستشفى، أو وزارة الصحة، أو مؤسسة حكومية، أو إما أنه يتجه إلى القطاعات الخاصة، ويمارس الطب الخاص.

في المؤسسات الحكومية -بصورة عامة- دخل الأطباء لا يمكن مقارنته مع الغرب، لإن إحنا طبعاً ما بدنا ننظر للدول الخليجية، فيه دول أخرى رواتب الأطباء فيها ضعيفة جداً، فمعظم الأطباء –حتى يعني هذه ظاهرة خطيرة- في بعض الدول العربية إنه أصحاب الكفاءة من أطباء المدرسين في الجامعات وكبار الأطباء قد يتوقفوا عن الاستمرار في المجالات العلمية، وينتقلوا إلى القطاعات الخاصة اللي هي التركيز فيها علي تقديم خدمة طبية فقط.

يعني المؤسسات الخاصة -دائماً- البحث العلمي فيها ضعيف في الوطن العربي، لأنها مؤسسات تقدم خدمة، ومقابل هذه الخدمة تحصل على مردود مادي، فهو أمام ضغوطات الحياة يضطر أن يترك الخدمة في هذه المؤسسات الكبيرة، ويتجه إلى القطاع الخاص، ويتحول إلى طبيب يقدم خدمة مقابل مردود، هذه ظاهرة -مع الأسف- موجودة، وتقلص من حجم عطاء الكفاءات، لأن الطبيب ليس مجرد أن يقدم خدمة للمرضى، لازم يستمر في البحث العلمي حتى يستمر في التقدم..

محمد كريشان: يعني هل في الغرب الجمع بين الممارسة -ممارسة الطب- والتقدم في البحث العلمي في مجال الطب أمر ممكن الجمع بينهما؟

د. علي حجازي: في الغرب المؤسسات -يعني- مثلاً لو تكلمنا عن (أميركا).. وجود الطبيب هناك -كل شهرٍ- يستطيع أن يحضر مؤتمر أو (...) لمدة يوم أو يومين، فهو في حلقة دائمة في تعلم مستمر، ويضطر هو نفسه أن يقدم أبحاث في هذه المؤتمرات، ظروفه المعيشية تمكنه من أنه يحضر هذه المؤتمرات.

بينما عندنا في الوطن العربي -عندنا- الطبيب اللي مهما كانت ظروفه كويسة قد يستطيع في السنة حضور مؤتمر واحد ويضطر لحضور هذه المؤتمرات للسفر للخارج، -فطبعاً- البحث العلمي أسهل، ووسائل البحث العلمي متوفرة أكثر، بالوطن العربي مازال بعض الدول العربية معظم مستشفياتها غير مجهزة بالشكل الصحيح، والمستلزمات الطبية غالية ليست رخيصة، فكتير من المستشفيات لا تستطيع حتى شراء الأجهزة اللازمة..

محمد كريشان: لكن دكتور الأكيد أن البعض أو -ربما- الغالبية يتسهل الطبابة كطريقة عيش، وطريقة تكسب على حساب العلم والبحث العلمي، وما يعرف عنه من مشاق ومتاعب أكيدة؟

د. علي حجازي: هو طبعاً فيه أعداد كبيرة من الأطباء اهتمامها المهني يتغلب على كل شيء، لكن من النواحي الإنسانية الإنسان مضطر أن يفكر بالنواحي المعيشية، مهنه الطب لا يمكن الإثراء منها –بصورة عامة- مهما كان الطبيب اشتغل في قطاع خاص، مهما كان عنده مرضى، مهما تقاضى من أجور، يعني لا يمكن أنه يصير ثري بمعنى كلمة الثراء، لكن يستطيع أن يعيش حياة جيدة، يستطيع أن يكون براحة، ويؤمن احتياجاته الأساسية، ويكون من الطبقة العليا.

فأحياناً اللي بيحصل إنه يجاهد الإنسان، مثًلا أساتذة في الجامعات يجاهد لمدة ربع قرن لحد ما يصل لدرجة أستاذ، ويقدم أبحاث، ويعمل لخدمة القطاع العام، لكن -بالتالي- تصادفه الأمور الحياتية، أبناء بدهم يروحوا يتعلموا بدهم يدرسوا، يقدم لهم فلوس، متطلبات الحياة متزايدة كل يوم، يصل إلى مرحلة تنهزم أمامها الالتزام المهني بأمام تيار الحياة الجارف أو أمام متطلبات الحياة، فيفكر عندها في الالتحاق بالقطاعات الخاصة لتأمين الاحتياج الذي ينشده..

محمد كريشان: دكتور، هل توجه بعض الأطباء للعمل في أوروبا أو الولايات المتحدة.. هل لديك فكرة عن ربما تكون بعض الجنسيات أكثر انتشاراً من جنسيات أخرى؟ وما تفسيرك لذلك؟

د. علي حجازي [مستأنفاً]: هو التفسير السبب الأساسي الدخل الذي يحصل عليه في بلاده، أو الوظيفة التي يحصل عليها في بلاده، فمثلاً هذه الظاهرة ليست في الوطن العربي، يعني في القارة الأسيوية، وبلدان العالم الثالث، فيه أطباء أو علماء متميزين، ظروفهم المعيشية في بلادهم سيئة جداً، يلجؤون إلى (أميركا) وأستطيع القول: إن معظم البنية التحتية في الدول الغربية تعتمد على هؤلاء الأطباء الذين يرتفعون تدريجياً، وأستطيع القول إن طبعاً السبب المهني هو أهم سبب، وإن إحنا لا ننكر أن العالم الغربي متطور وسابقنا، الاختصاصات المعروفة الجيدة هي الحصول عليها من العالم الغربي.

فالهجرة تحكمها -بالدرجة الأولى- الدوافع المهنية، ثم عندما ينتهي من الاختصاص ويجد المجالات المفتوحة تحكمها الدوافع المعيشية، فالدوافع المعيشية أفضل طبعاً، السؤال هون، إحنا ما بدنا نخصص دولة معينة، ولكن -مثلاً- هناك أعداد كبيرة من أخوانا الأطباء المصريين، أعداد كبيرة من الأطباء العراقيين وخاصة بعد الوضع المؤسف اللي يتعرض له العراق الآن، أعداد كبيرة من الأطباء المغاربة في فرنسا أعداد كبيرة من الأطباء الأردنيين في وألمانيا بريطانيا وأميركا فأستطيع القول إنه خليط من كافة الأقطار العربية موجود في الدول الغربية.

محمد كريشان: يعني دكتور هل الطبيب العربي مغبون في بلاده؟

د. علي حجازي: أستطيع القول: إنه -أحياناً- الطبيب الجيد يتعرض للغبن، حتى يتعرض للحسد ويتعرض للعداوات.. نعم الأشياء لا يمكن إنكارها، تحصل دائماً..

محمد كريشان: يعني هل القضية -فقط- قضية تجهيزات أم أيضاً قضية كفاءة يعني؟ أحياناً توجد التجهيزات الطبية وربما من أحدث ما يوجد على الساحة

الدولية، لكن الكفاءات الطبية غير موجودة!

د. علي حجازي: طبعاً دول الخليج -حتى هذه الأيام -تعتمد- بالدرجة الأولى على الكفاءات من الأطباء الأجانب، سواء عرب –من دول عربية أخرى- أو أجانب بمعنى كلمة أجنبي، سواء الأوروبيين أو الأسيويين، لكن فيه برامج منذ الثمانينات، أو السبعينيات لتطوير الكوادر المحلية، وبالفعل بدأ يخرج جيل جديد من الأطباء المحليين المتدربين تدريب جيد، وبدؤوا يحتلوا مكانهم ومكان الأطباء الأجانب، لا نستطيع في منطقة الخليج استقدام أطباء (أميركان) مثلاً، أو أطباء إنجليز، اعتمادنا -إجمالاً- على الأطباء من العالم الثالث ..

محمد كريشان [مقاطعاً]: لماذا دكتور؟

د. علي حجازي [مستأنفاً]: الطبيب الأميركي –مثلاً- مهما أعطيناه راتب لن يكون مناسب إله، لأنه يستطيع في (أميركا) أن يكسب أكثر من هذا الراتب، يصعب الإشارة –أحياناً- أنه قد نجد طبيب أميركي غير ناجح في بلده، أو عنده مشاكل.. هارب من مشكلة ما، يلتجأ إلى الدول الأخرى بسبب الحصول على وظيفة.

نحن لدينا انبهار بالغربيين لا نسأل أحيان كثير ندقق عن هذا الطبيب لماذا حضر إلينا ويحصل على وظيفة؟ ولكن أعدادهم بتظل قليلة، كذلك الأمر بالنسبة للأطباء الإنجليز، فالنظام الإنجليزي مميز، الطبيب الإنجليزي عنده دخل معقول، لذلك نادراً ما نجد طبيب إنجليزي يحضر للعمل بصورة مستمرة، قد يحضر زائر –لفترة بسيطة- بعضهم حتى يرفض الحضور كزائر، لأن الفترة اللي بيقضيها عندنا –كزائر- بيأخذ هو فيها مبلغ متواضع، لكن بيخسر من ناحية التانية –أثناء فترة الزيارة- لو كان يشتغل في بلده بيحصل أكثر بكثير مما يحصل عليه لما يجينا زائر، ففيه صعوبة من النواحي هذه.

بيظل عندنا الأطباء المتميزين من العالم الثالث الذين بلدانهم عجزت إنها تقدم لهم ما نستطيع تقديمه، بيجوا لعندنا ويشتغلوا، وبصورة عامة الأطباء العاملين في منطقة الخليج معظمهم من أصحاب الكفاءة.

محمد كريشان: دكتور، تحدثنا عن التجهيزات، تحدثنا عن الطموح العلمي المشروع، لكن لم نتحدث عن الإدارة .. إدارة القطاع الصحي في البلاد العربية، إدارة المستشفيات -يعني- هل يمكن أن يكون -أحياناً- سوء الإدارة في البلاد العربية، وسوء إدارة المستشفيات والقطاع الصحي أحد العوامل التي -ربما- تدفع ربما الكفاءات الطبية العربية إلى البحث عن فرص عمل أخرى في الخارج؟

د. علي حجازي: هو الواقع إدارة المستشفيات في البلاد العربية مازالت تقليدية، بينما إدارة المؤسسات –اليوم- تختلف اختلاف كلي، ربما هنا تدخل بعض العوامل السياسية، باختيار من يدير المؤسسات، وهذه شيء.. ظاهرة غير صحية، بالغرب إدارة المستشفيات أصبحت اختصاص، مدير المستشفى يكون –عادة- إما طبيب متقدم بالسن، له خبرة كبيرة، ويذهب لحضور اختصاص معين، أو يأخذ دورات معينة ويحصل على شهادات معينة في إدارة المستشفيات، عندنا هذه مازالت مش واردة..

محمد كريشان [مقاطعاً]: وعلم قائم بذاته؟

د. علي حجازي [مستأنفاً]: علم قائم بذاته، إدارة المستشفيات ليس شيء ارتجالي، أو قوانين ارتجالية تحصل كما يحصل عندنا في الوطن العربي، وأنا بأشير –دائماً- لنقطة: أنه القرار يجب ألا يبقى في رأس رجل واحد، طبعاً وجود ها الإدارات التقليدية هذا قد يلحق الضرر أحياناً ببعض الناس، وقد يتسبب في تعثر، ويتسبب بالهجرة أيضاً، أنا بعرف عدد كبير من الأطباء اللي اضطروا للهجرة بسبب المشاكل الإدارية.

محمد كريشان: يعني هل من السهل على طبيب عربي مارس -لسنوات- في الغرب أن يعود إلى بلاده لاحقاً؟

د. علي حجازي [مستأنفاً]: والله شوف.. الغالبية العظمى بتظل عينها على الوطن العربي، لأنها مسألة.. مش مجرد هجرة، مشكلة تتعلق بحضارة الإنسان وموروثاته ومعتقداته وبيئته، يعني أحياناً كتيرة يصعب على الطبيب العربي أو المهاجر العربي الانخراط في المجتمعات الغربية، لأن فيه فرق ثقافي وفرق حضاري بطريقة التفكير، لأن اللي إحنا بنشوفه صح هما قد يشوفوه خطأ، اللي إحنا بنشوفه خطأ هما قد يشوفوه صحيح، فلذلك كثير من الأطباء يعيشون في تناقص.

هناك قلة تعمل جهدها، تحاول الانخراط وحتى منهم لا يريد أن يتذكر إنه عربي، هو ينظر للأمر أنه المسألة مسألة (بيولوجية) إن هو عربي خلاص لكن يحاول التخلص منها، ومنهم -حتى- من يحاول ألا يتكلم باللغة العربية -يعني- أنا صادفت إنه شخصياً اجتمعت بأحد كبار الأطباء المعروفين جداً، ورفض أنه يتكلم معي بالعربي، أبداً وكنت أكلمه بالعربي وأُصِر أن أكلمه بالعربي، وكان يتعمدُ إنه يرد على بالإنجليزي، لدرجة وصلت أنه ما بده يتكلم باللغة بالعربية، ففيه منهم عنده ردة فعل، والغالبية العظمى تظل مرتبطة -شعورياً- بالوطن العربي.

محمد كريشان: لو ننتقل -الآن- من توجه بعض الأطباء للعمل في الخارج إلى توجه بعض المرضى للعلاج في الخارج، المرضى العرب، هل هذا يعكس غياب ثقة في الطبيب العربي، أم قضية الإمكانيات هي القضية الأساسية والمحددة لهذا التوجه؟

د. علي حجازي: هو الواقع المشكلة أكبر من الشيئين اللي ذكرتهم، المشكلة تتعلق بعصر الانحطاط والاستعمار اللي مرينا فيه، وكانت فترة كبيرة، كنا نحن فيها شبه نائمين، حتى فترات الحكم العثماني، اللي –ربما- بلادنا ما كان فيها مدارس، بالفترة هذه كان الغرب يمر بثورات، الثورة الصناعية مر بعدة ثورات، الثورة الصناعية ولدتها، نتج عنها الثورة التكنولوجية الحديثة، تطور العالم الغربي بكل وجوه الحياة، فصار حصل عندنا –كشعب- إحباط، نوع من الإحباط، بحيث فعلاً فقدنا الثقة وفقدنا الثقة بأنفسنا، ومازالت بقاياها في عقلنا الباطن، بحيث إننا –دائماً- ننظر إلى الغرب أنه أفضل منا، وإلى الرجل الغربي أفضل من الرجل الشرقي، ويعني هذه –ربما- نحاول ننكرها ولكنها موجودة، وبالتالي في علوم الطب فيه نوع من فقدان الثقة يدفع ميسورين الحال أو الذين يستطيعون الذهاب إلى الغرب للعلاج للذهاب إلى هناك.

أنا لا أنكر -إطلاقاً- أن المؤسسات الطبية الغربية متقدمة عنا متقدمة كثيراً في مجالات كثيرة، لكن أعود أقول: إن نسبة 95% من الحالات التي تذهب للعلاج في الخارج يمكن علاجها داخل الوطن العربي وبكفاءة، والظاهرة هي آخذة في الانحسار -حالياً- مثًلا في السعودية أنا عرفت أنه -حتى- من كبار القوم من يرفض السفر للخارج من أجل بعض العمليات الجراحية منها كبير تجرى في داخل المملكة، في الأردن -تقريباً- هذه الظاهرة قضي عليها، استثناءات، أعداد محدودة اللي تسافر لأسباب عادية تسافر للخارج، 95% تقديري من الحالات اللي تذهب للعلاج في الخارج يمكن علاجها بكفاءة داخل الوطن العربي، يبقى 5% اللي هي حالات نادرة، تحتاج وجود مراكز متخصصة -مثلاً- مستشفيات.. مراكز للسرطان.. مراكز لأمراض الدم.. مراكز.. مراكز إشعاعية، مراكز أبحاث أو فحوصات خاصة، هذه هي 5% ويدخل ضمنها المرضى المحتاجين لزارعة .. هذه قد تضطر للذهاب إلى الخارج .. هنا نقطة مهمة أحب أن أضيفها: أن المؤسسات الصحية في الخارج طورت نفسها بطريقة أصبحت اختلطت بين التجارة والسياحة، وتحولت مؤسسات طبية تجارية اقتصادية سياحية.

يعني في زيارتي -العام- لألمانيا زرت بعض المستشفيات يعني –بالكاد- تصدق أن هذه مستشفيات، تحولت إلى فنادق درجة خامسة –مثلاً- هذه للأثرياء –طبعاً- اللي بيحضرون من باقي دول العالم، المريض يدخل المستشفى يعطى شقة هو وعائلته، غرفة للمريض مجهزة تجهيز طبي كامل، تدخل من باب أو ممر إلى الشقة التي تخصص لسكن عائلته المرافقة، زوجته، أطفاله، أقاربه ممكنهم الجلوس في هذه الشقة بكل راحة، أعداد كبيرة من الموظفين موظفي العلاقات العامة يقدمون خدمات متميزة. وهذه المراكز تعتمد على السرعة في كل شيء، يعني يذهب المريض، يجرون الفحوصات الكاملة خلال مدة قياسية، يبدأ العلاج بالسرعة اللازمة بحيث إن أكبر مشكلة تُحل بعشرة أيام أو أسبوعين في الغالب، فهذه -طبعاً- تجذب بعض الناس اللي لديهم الإمكان لأن يذهبوا لهذه المؤسسات، الوطن العربي طبعاً ما وصل للمقدرة...

محمد كريشان [مقاطعاً]: يعني، الأخطاء الطبية في البلاد العربية التي قد تحصل هنا أو هناك.. هل يمكن أن تبرر ذهاب البعض أو تفضيله للذهاب للعلاج في الخارج؟

د. علي حجازي [مستأنفاً]: هو طبعاً الأخطاء الطبية، موضوع الأخطاء الطبية موضوع عالمي، تحصل في الغرب كما تحصل عندنا، تحصل –أحياناً- في مؤسسات طبية كبيرة، لكن ضمن السيطرة يعني مسيطر عليها، والمخطئ لا يفلت من العقاب، أصلاً الطبيب هناك مهم جداً عنده الالتزام، مهم جداً إنه يحافظ علي سمعته المهنية، لذلك يعمل جهده ألا يحصل خطأ، ولو حصل خطأ تتم معالجة الخطأ بالطرق السلمية، لكن رغم كل هذا تحدث أخطاء، والنشرات الطبية في الدول الغربية -بصراحة- يتكلمون عنها بشكل مكشوف، وتنشر بالمجلات الطبية، وحتى ماذا حصل نتيجة تحقيق تنشر بالمجلات الطبية، عندنا فيه نوع من التستر، ولا أحد يحب أن يتكلم الناس عن أي خطأ طبي، إذا تكلمت قد يعتبروك متمرد.. قد يعتبروك تزعزع الثقة.. قد يعتبروك.. تُتهم بأشياء كثيرة.

لكن يجب أنا أقول إنه يجب أن يكون هناك تحسين في نوع معالجة الخطأ الطبي، وبالتالي أود أن أفيد -أيضاً- أن الأخطاء الطبية ليست شيء عام ندرة -يعني- قليلة جداً، لكن تحصل، والمحاولة -دائماً- التخفيف من حصولها عدم حصولها –على الإطلاق- ربما شيء صعب، لكن يجب أن نعمل جهدنا، أن نخفف من نسبة حصولها، وإذا حصلت أن تعالج بالطريقة الصحيحة، ولا مانع أن الحديث عنها بطريقة مكشوفة، بدون أن يحصل غضب، بدون أن يحصل تعسف، بدون أن يحصل إيذاء للآخرين، بدون أن يأخذها الطرف الآخر على أنها إثارة متاعب له ،المخطئ يجب أن يعاقب على خطأه.

محمد كريشان: لماذا التستر علي الأخطاء الطبية؟ هل تحول الأطباء في بعض الدول العربية إلى (لوبي) يصعب الاقتراب منه؟ هل الولاء السياسي –أحياناً- لبعض الأطباء يجعله في منأى عن أن تقع محاسبته؟

د. علي حجازي: هو الواقع التستر ظاهرة طبيعية –يعني- صعب على الإنسان أن يعترف بخطئه، أي إنسان مش طبيب، فبالإضافة أن الاعتراف بالخطأ ليس شيء سهل بالنسبة للطبيب لأنه يؤثر على سمعته المهنية، يؤثر على سمعة المؤسسة التي يعمل بها، فليس من السهل أنه يعترف، لكن وكتير من الأخطاء طبعاً المريض يدعي أنه حصل لي خطأ طبي، وقد ينقل الأمر إلى القضاء، القضاء الذي يقرر، فليس من السهل، حتى في الغرب يحاولوا التستر –دائماً- لما يحصل خطأ يحاولوا التستر، لكن فيه جهاز مراقبة، جهاز مراقبة هو الذي ينقل الأمر بصورته الصحيحة إلى القضاء، ثم يقرر القضاء –فبالتالي- المسألة، إحنا نعيش –الآن- في عالم متغير –هذه حقيقة- متغير بكل شيء، المفاهيم التقليدية انتهت، فيه أشياء كثيرة لازم تحكى بالصراحة اللازمة، إذا فيه خطأ معين يجب أن يناقش، لكن لا يجوز إنه يناقش من لجنة –مثلاً- يكون مرتكب الخطأ أحد أفرادها.. يجب أن يناقش...

محمد كريشان [مقاطعاً]: وهذه تحصل أحياناً؟!

د. علي حجازي [مستأنفاً]: وهذه تحصل، يجب أن يناقش من قبل لجنة محايدة، واللجنة المحايدة هاي بدها تكون على درجة عالية من الخبرة –قبل كل شيء- والمعرفة والنزاهة، وعادةً في أميركا اللجان هذه تتكون من أطباء .. طبيب بالاختصاص اللي أمضى –على الأقل- 30 عام في هذا الاختصاص، وينظر للأمر من الناحية المهنية المجردة، أن هو –بتقديره- هذا الطبيب اللي في اللجنة إنه حصل خطأ، لا يخجل أن يواجه زميله اللي ارتكب الخطأ إنه فيه خطأ.

يبقى نقطة مهمة: الإشاعات تلعب دور دائماً، وهذه لازم ننتبه لها، يعني نحنا يجب ألا نضخم موضوع الأخطاء الطبية، لأنه -فعًلا- مش بالحجم اللي الإشاعات بتوصل إليه، أخطاء طبية -تحصل هنا وهناك- صغيرة غير مهمة، لا تؤذي المريض كثيراً، لكن الإشاعة قد تؤذي قد تؤذي الطبيب، قد تؤذي المؤسسة، فيجب أن نهتم بالحقائق، وأصًلا إذا تشكلت لجنة وتبين أن الطبيب غير مخطئ، هذا لصالح الطبيب، واللجان في الغرب يردها أشياء كثيرة وترد معظمها، لأنه ما فيها من وجهة نظر اللجنة ما في قصة أو ما في خطأ..

محمد كريشان: ولكن دكتور أليس من حق الطبيب أن يخطئ؟ هناك شيء اسمه الحق في الخطأ كأي شريحة مهنية أخرى؟

د. علي حجازي: هو مثل ما تكلمت أنا –معظم الأطباء معظمهم الغالبية العظمى – يمكن 98% منهم سواء في الشرق أو الغرب ملتزمين ومهتمين مهتم بمريضه، مهتم بمهنته، مهتم بالمؤسسة التي يعمل بها، يحاول جهده ألا يكون أي خطأ –يعني- على سبيل المثال أنا بدي أقولك شغلة ، زجاجة الدم بدنا نعطي مريض وحدة دم، يتم التشييك عليها أكثر من عشر مرات قبل أن تعطى، بالمختبر قبل أن تصرف يتأكدوا أن هذه الوحدة للمريض الفلاني، الاسم الرباعي، والرقم، وفصيلة الدم وإلى آخره، تأتي إلى غرفة العمليات يتم التأكيد عليها أكثر من ثلاث أو أربع مرات، فبالتالي احتمال الخطأ أصبح جزئي جداً.

يحصل الخطأ -متى- مريض مثلاً في حالة خطيرة جداً، بدك تحاول إسعافه بسرعة قد يحدث خطأ من ها القبيل، لذلك الطبيب سواء في العالم العربي أو في العالم الغربي نفس الشيء، يحاولوا جهدهم، معظمهم ملتزمين و معظمهم بعيدين عن الأخطاء، فيه نسبة قليلة، قلة، والقلة لا تعني الشمول، تعني واحد أو اثنين في الألف أو في المائة أو في الخمسمائة، قد لا يكون لديهم الاهتمام المهني اللازم، أو قد لا يكون لديهم المعرفة اللازمة، أو قد يحاول أن يُجري جراحة أكبر من حجمه، هما ها دول بيقعوا في الخطأ، وها دول يجب -في نظري- ألا يتم التستر عليهم أبداً، لأن المهنة تتعامل مع أقدس شيء في الحياة هو جسم الإنسان، جسم الإنسان صحة الإنسان التي يجب أن تكون شيء مقدس لا يجوز الاستهتار فيه إطلاقاً، فلذلك إذا حصل خطأ في الغرب يعالجوه ولا يُعفُو صاحبه، وإذا تكرر حصول الخطأ منه قد يمنعوه من الممارسة.

هذا الموضوع اللي هو عندنا هون في دول كثيرة.. أنا بعرف في بالأردن فيه أطباء وضعوا في السجن بسب الممارسات خاطئة، ولم يتعاطف أحد معهم إطلاقاً، لأن لا يجوز أنك أن تجرب شيء ما بتعرفه على مريض، أو لا يجوز أن يكون ما عندك العلم الكافي أو المهارة الكافية وتحاول إجراء عملية على مريض معين، فارتكبت خطأً لازم تعاقب،يبقى عملية التستر يعني على نطاق ضيق، تحصل أحياناً وهذا شيء من طبائع البشر، يدخل فيه طبائع البشر.

محمد كريشان: الدكتور اسمح لنا بهذا السؤال الشخصي، أنتم مشهورون كأحد أبرز الكفاءات العربية، ولها صيت دولي كجراح قلب مشهور، لماذا بقيت تمارس هذه المهنة في البلاد العربية، يعني كان بالإمكان أن تحصل على فرص جيدة في العمل في الخارج، لماذا قررت أن تبقى؟

د. علي حجازي: أنا بدي أقول لك الواقع بكل أمانة وبكل صراحة إنه كان لدي الفرصة لما كنت في بريطانيا أعطيت الفرصة أن أبقى في بريطانيا، وبعد ما ذهبت إلى أميركا أُعطيت الفرصة أن أبقى في أميركا، لكن –بعد تفكير- وجدت أنه يجب العودة إلي بلادي، أنا إنسان ملتزم، كنت في الجيش العربي الأردني، وفخور –دائماً- أني كنت ضابط في الجيش العربي الأردني، وكان الجيش بدمي، لم أكن أرى في الدنيا سوى الجيش، وكنت أنظر نحنا من شباب المد القومي، كنا نعتبر ومازلت أنا اعتبر أن هزيمة العرب هزيمة شخصية لكل عربي، ليست مجرد هزيمة حكومات، هزيمة شخصية هذا إيماني.

فكان عندي قناعة أنني يجب أن أساهم في دوري في الدفاع عن بلادي، لذلك فضلت أني أكون في الجيش العربي طبيب ضابط إلى أن حضرت بالإعارة إلى دولة قطر، كنت مازلت في الجيش العربي الأردني، واستمررت –كضابط في الجيش العربي الأردني- إلى سنه الـ 90، باختصار أستطيع أن أقول لك: إن سبب عودتي إلى بلادي كان الولاء المطلق والمحبة المطلقة لأهلي، شعوري بالانتماء كان أكبر من أي شعور آخر، لهذا السبب.

محمد كريشان: إذا كان الجيل الحالي من الأطباء العرب مجبر -ربما- على أن يمر بهذه التجربة، هل تتوقعون أن يأتي جيل آخر من الأطباء العرب -في المستقبل- تتوفر له ظروف عمل أفضل، وتجبره على التعاطي مع الواقع، والبقاء في البلاد العربية قرير العين؟

د. علي حجازي: هو الأمور –دائماً- في تحسن، وهو الغرب –أصًلا- تشبع، يعني الفرص اللي كانت متاحة للأطباء الأجانب قبل عقدين من الزمن لم تعد متاحة الآن، وفيه كثير من الدول الغربية أغلقت الهجرة أمام الأطباء، فبطبيعة الحال يجب أن نعتمد.. يعني أصبح فرض علينا أن ننمي مراكزنا الصحية، حتى الذهاب للاختصاص –لمجرد الاختصاص- مربوط بقيود شديدة، لا يستطيع كل طبيب إنه يروح لأميركا مثلاً.

الامتحانات ازداد عددها، وحتى يسمحوا لك دخول أميركا وممارسة الطب داخل أميركا كان بالزمانات فيه امتحانين، اليوم هناك أربعة أو خمسة امتحانات، قيود الهجرة والإقامة أصبحت شديدة، التنافس على حصول مقعد في أميركا أصبح شيء مستحيل، أنه طبيب من عالم ثالث يروح لأميركا ويحصل على مكان للاختصاص أصبح مستحيل، باختصار إمكانية الهجرة تقلصت، ونحن في يتطور، والتطور مفروض علينا، واللي منا ما بيحاول تطور راح يبقى مكانه.

لذلك أنا بشوف المستقبل إنه أحسن، فالآن عندنا مراكز متطورة، فيه عندنا شهادات اختصاص داخل الوطن العربي، فمستقبلاً راح تصير الأمور أحسن، وراح تغبر إمكانيات البحث العلمي اللي هي موجودة الآن، رايحة تزيد، ورايح يخف اعتمادنا على العالم الغربي، ولكن سنظل بحاجة إلى أن نرسل نخبة من الأطباء إلى المراكز المشهورة حتى يعملوا فيها لفترة زمنية قصيرة، ربما أقصر مما كانوا يروحوا في السابق، ويعودوا إلى بلادهم ويطوروا البرامج المحلية.

محمد كريشان: شكراً جزيًلا لضيفنا الدكتور علي حجازي (جراح القلب المشهور عربياً ودولياً) وخضنا معه في قضية (هجرة بعض الكفاءات الطبية العربية إلى الخارج) وكذلك تفضيل بعض المرضى العرب التوجه العلاج في الخارج، دكتور علي حجازي شكراً جزيًلا.

علي حجازي: شكراً.