مقدم الحلقة محمد كريشان
ضيف الحلقة - هبة هندوسة، مديرة منتدى البحوث الاقتصادية حول الدول العربية وإيران وتركيا/ القاهرة
تاريخ الحلقة 02/02/1999



د. هبة هندوسة
محمد كريشان
محمد كريشان:

سيدة هبة هندوسة، أهلاً وسهلاً بيكي.

د. هبة هندوسة:

أهلاً بك.

محمد كريشان:

يعني إذا أردنا أن نخصص هذه الحلقة لأثر التحولات الاقتصادية العالمية، وما يجري في الشرق الأوسط أيضاً من تحولات اقتصادية، انعكاساته على الإنسان، وعلى سوق العمالة يعني كيف يمكن أن نبدأ يعني بتعريف -على الأقل في البداية- تعريف سوق العمالة في الشرق الأوسط، حتى يمكن أن ننطلق في هذا الحوار.

د. هبة هندوسة:

يعتبر معدل النمو في سوق العمل في الشرق الوسط أعلى نمو عالمياً على مستوى كل الدول النامية. والسبب أساساً إن معدل نمو السكان في فترة العقدين السابقين أدى إلى وجود الآن عدد من الداخلين في سوق العمل، ولفترة 15 سنة في المستقبل، يمكن أهم تحدي لدول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

الموضوع طبعاً له ارتباطات، ومتصل تماماً مع قضية الفقر وأثر التحول الاقتصادي والتحرك نحو اقتصاديات السوق، كذلك موضوع سوق العمل متصل تماماً بالتحول إلى التصدير والانفتاح على العالم والعولمة، وبالنسبة للسياسيات الاقتصادية يتصل تماماً هذا الموضوع بالإجراءات والسياسيات الواجب اتخاذها، لتنمية القدرات البشرية، والإسهام في تخطي الصعوبات والمشاكل اللي نجمت عن تخفيض الدعم في معظم الدول العربية، وفي إيران، وتركيا.

فالتحول نحو العولمة، ودخول الشراكة مع أوروبا، وكذلك التحرك نحو استقبال وجذب رؤوس أموال أجنبية أدى بنا إلى إنَّ الدولة ليست في المستقبل قادرة على توفير عدد وظائف كافية، ولا على الدخول بشكل مهم في عملية التصدير، وتوفير الاستثمارات في البنية الأساسية أو في التعليم والصحة.

محمد كريشان:

نعم، يعني .. عفواً دكتورة، يعني على ذكر .. يعني هناك نوع -مثلما أشرتي- نوعاً من فك الارتباط التدريجي بين الدولة وبين ضرورة توفيرها للوظائف بشكل دائم وبشكل مكثف، يعني ربما الدولة أصبحت تسير نحو عدم تحمل المسؤولية التقليدية التي كانت في ضرورة توفير العمل لكل الناس.

يعني كيف يمكن أن نوفق بين هذا الدور الجديد للدولة الذي لم يعد يُرى من واجباته توفير العمل بشكل آلي ودائم لكل الناس، حتى وإن كانت وظائف في شكل بطالة مقنَّعة، وبين الدولة المدعوة لتحمل تبعات اجتماعية، أساساً تفشي البطالة؟

د. هبة هندوسة:

دور الدولة أصبح دور غير مباشر، يعني أصبح دور الدولة هو تنشيط القطاع الخاص لكي يقوم هو بعملية التوسع في الاستثمارات، التوجه إلى التصدير. يجب أن نتذكر إن أهم وسيلة للدول الناجحة .. النامية الناجحة -خصوصاً في أمريكا اللاتينية وجنوب شرق آسيا- كان عن طريق الدخول في عملية التصدير، واجتذاب واستخدام القطاعات ذات كثافة عمالة بحيث إن عملية التوجه إلى العالم الخارجي هي عملية اجتذاب وامتصاص العمالة أساساً.

يعني أهم معدل نمو للعمالة في كل الدول الناجحة كان في القطاعات التصديرية، الصناعات التصديرية فدور القطاع الخاص أصبح مهم للغاية في الثلاث حاجات دي اللي هو توفير الـ .. أو فرص عمل التصدير والتوسع في الاستثمار في القطاعات المنتجة.

محمد كريشان:

نعم، يعني النقطة التي أشرتِ إليها منذ قليل، وهو هذا التفاوت أو التباين بين الانفجار السكاني والديمغرافي المتنامي، وبين فرص عمل أقل فأقل، على الأقل فرص عمل في القطاع العام. يعني ألا يمكن في فترة من الفترات أن يصبح هذا التضاد يعني درامي، وبشكل ربما ينذر حتى باضطرابات اجتماعية أو غير ذلك؟

د. هبة هندوسة:

إذا نظرنا إلى الدراسات المستقبلية، بنجد إن ليس هناك مفر، الدولة ليس أمامها فرصة لاتباع السياسات التي كانت متبعة في الماضي، حتى بالنسبة للدول اللي بنعتبرها فيها نقص في العمالة، إذا كانت دول خليجية مثلاً .. حتى السعودية، بنجد إن فيه مشكلة على أساس إن مصادر الدخل للدولة ليست مضمونة في المستقبل. حينما نجد إن في كل انخفاض لسعر برميل البترول دولار بيترجم إلى نقص في ميزانية الدولة 2.5 مليار دولار.

فلا يد من إن الدولة تشجع القطاع العام على إن هو .. القطاع الخاص اللي فيه الاستمرارية للتوسع في الاستثمارات، في قطاعات جديدة اللي هو .. اللي بنقول عليه الـ diversification التنوع في القطاعات اللي بيدخل فيها، وكذلك التصدير للسلع الغير تقليدية. ومن ثَمَّ الدخول في قطاعات اللي تستحوذ على وظائف مختلفة، واللي بتنمي من فرص التوظيف.

محمد كريشان:

نعم، ولكن هل القطاع الخاص قادر على استيعاب كل هذه الأعداد الضخمة، أم سنجده انتقائياً في عملية الانتداب، وبالتالي تزداد الشرائح الاجتماعية المهمشة التي لا تجد لا فرصة العمل التي تلائمها، ولا تجد الدولة التي كانت في فترة من الفترات الأم الحنون والجهة القادرة على التوظيف الدائم؟

د. هبة هندوسة:

هو تحدي كبير جدا،. إنما يجب إن إحنا نميز ما بين القطاع التقليدي للصناعات الصغيرة، والعمل اللي بنقول عليه في القطاع الغير منظم والشركات، والقطاع الخاص وعمله في القطاعات الرسمية، وفيه فرص كبيرة جداً في كلٍ من القطاعين. بالنسبة للقطاع المنظم بقي فيه رجال أعمال، فيه قطاعات كثيرة جداً، إذا كما بنتكلم عن الصناعات المختلفة أو الخدمات المختلفة، والطريقة الديناميكية في اتخاذ القرار بالنسبة للدخول في أنشطة جديدة، الدخول في اتفاقيات مع شركات عملاقة TNseas أو Multinationals والدخول في mergers التحول من شركات فردية الـ family firms إلى public firms بتبيع أسهمها في البورصة.

التحول نحو عدد كبير جداً من الشركات، دي أصبحت داخلة في كذا مجال، وبقت شركة أم أو شركة قابضة ولها استثمارات في أنشطة مختلفة كثيرة، ففي نواة للتقدم وللتوسع وللنجاح، ممكن قوي إن إحنا نقارن دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بـ (تركيا) من عشر سنين، أو بـ (كوريا الجنوبية) أو(تشيلي) من فترة أطول شوية بحيث إن...

محمد كريشان[مقاطعاً]:

مقارنات على أي أساس يعني؟

د. هبة هندوسة:

مقارنة بالنسبة للعمليات اللي بدأ يدخل فيها القطاع الخاص، من توجه للسوق الداخلي البحت إلى التوسع نحو .. نحو التصدير، من التركيز على سلعة أو خدمة معينة إلى التنوع في عدد الأنشطة اللي داخل فيه المستثمر الواحد أو الشركة الواحدة، الدخول في اتفاقيات. ليس فقط بالنسبة لبراءة اختراع أو trademark اسم تجاري، إنما في عمليات ضمن شبكة الشركات متعددة الجنسية الشبكة العالمية لكل شركة من هذه الشركات.

فالمستقبل بالنسبة لي، أنا متفائلة جداً بالنسبة لدور القطاع الخاص المنظم، بالنسبة للقطاع الغير منظم هناك ألوفات طبعاً .. خصوصاً في دولنا في الشرق الأوسط، بنجد إن نسبة التوظيف في القطاع الخاص بالنسبة للشركات اللي بيعمل فيها أقل، المنشآت اللي بيعمل فيها أقل من عشر 10 عمال بتمثل تقريباً 80% من التوظيف في القطاع الخاص.

وهناك ديناميكية في هذه القطاعات، وهناك أوجه كثيرة جداً من التداخل للدولة، التداخل من النوع اللي إحنا بنشجعه على أساس إن في عملية التعليم والتدريب، الحصول على الائتمان، توفير اللي بنقول عليها pass practice أو Demonstration project أيه هي الأنظمة اللي ممكن يتبناها المشروع الصغير لكي ينجح، أمثلة النجاح داخل المنطقة وخارجها.

محمد كريشان:

نعم، الانفجار السكاني أو الديمغرافي -كما يسمى- يتفاوت من بلد إلى بلد في منطقة الشرق الوسط وشمال أفريقيا، مثلاً المشكلة مطروحة بإلحاح شديد مثلاً في دول مثل المغرب أو الجزائر، ربما ليست .. ومصر ربما ليس بنفس الحدة مثل تونس أو ليبيا. يعني إلى أي مدى هذه الدول ستضطر -بحكم الانفجار الديمغرافي- إلى مواجهة مشاكل أكثر حدة في سوق العمالة نظراً لهذا البعد .. بُعْد الدولة عن التوظيف؟

د. هبة هندوسة:

هو طبعاً .. فيه اختلاف مستوى، ومعدل زيادة في السكان، وده بيترجم إلى اختلاف في معدل نمو سوق العمل. إنما إذا نظرنا للدول كلها -حتى بما فيها الدول الخليجية- سنكشف إن فيه توجه إلى انخفاض في نمو السكان. إنما بالنسبة لسوق العمل هيستمر في الزيادة السريعة لفترة 15 عام على الأقل، الفترة دي المفروض القائمين على السياسة الاقتصادية يهتموا بيها، وفيه ارتباطات أو تشابكات مهمة جداً ما بين النمو السكاني، ونمو سوق العمل، مستوى التعليم والالتزام بالتدريب زي ما بيقول match making ما بين العرض والطلب في سوق العمل.

قضية الفقر طبعاً مرتبطة تماماً مع التزايد في أعداد اللي بيدخلوا في سوق العمل، وكذلك دور المرأة في سوق العمل مهم جداً بالنسبة للحصول على مستوى معيشة المرغوب فيه في دولنا.

محمد كريشان:

نعم، على ذكر الفقر، يعني هل الشرق الأوسط وشمال أفريقيا يعاني هذه المشكلة بالمعايير الدولية على الأقل؟ أو هل مقدم عليها في فترة من الفترات إذا ما استمرت الإصلاحات الاقتصادية بوتيرة قد لا تستجيب بالضرورة لفئات واسعة من الناس خاصة من غير ذوي الاختصاص؟

د. هبة هندوسة:

هي خصوصية منطقتنا إن بالنسبة لمستوى المعيشة و توزيع الدخل بنجد مستوى الفقر أقل بكثير من منطقة مثلا أمريكا اللاتينية أو جنوب آسيا، زي (الهند) أو كده، يعني حدة مشكلة الفقر أقل بكثير، إنما في نفس الوقت مرحلة التحول اللي إحنا بنواجهها الآن بتعمل على ازدياد الفجوة ما بين الفقراء والأغنياء بالنسبة لانخفاض دور الدولة في عملية الدعم، انخفاض دور الدولة في توفير فرص عمل، واللي أهم من المشكلتين دول هي الانخفاض في معدل النمو، هو ده كان أهم متغير أثَّر على مستوى المعيشة، وعدد الفقراء في فترة العقد السابق يعني معدل النمو كان محدود للغاية، في كثير من الدول لم يتمشى حتى مع معدل النمو السكاني.

والمستقبل هيكون مرتبطة مشكلة الفقر مع معدل الزيادة في التوظيف في سوق العمل أساساً. يعني أنا في اعتقادي إن دي هتكون أهم تحدي هيكون أهم تحدي مدى ملائمة السياسات مع إيجاد فرص عمل في القطاع الخاص، فرص عمل صحيحة، وفي القطاعات الحقيقية للاقتصاد اللي هي لها ديناميكية ولها مستقبل ولها ميزة نسبية أو ميزة تنافسية.

محمد كريشان:

نعم، يعني اقتصادياً يعني .. كيف يتم تعريف الفقر؟ ما هي المعايير التي على أساسها يمكن أن نصنف فئات معينة بأنها فئات فقيرة.

د. هبة هندوسة:

هناك أكثر من تعريف للفقر، إنما أكثر تعريف أو مصطلح بيُستخدم. هو فيه خط الفقر اللي بيُعرَّف على إن نسبة معينة من أعداد السكان أقل من المستوى المتوسط للدخل. وتعريف آخر برضه لخط الفقر مرتبط بقيمة سلة من الخدمات والسلع التي تغطي الاحتياجات الأساسية للفرد، يعني مثلاً بالنسبة للبنك الدولي، دولار في اليوم ده يعتبر أقل مستوى دخل لتغطية الاحتياجات الأساسية للإنسان إذا كان الدخل أقل من دولار في اليوم يبقى بيعتبر الإنسان فقير.

محمد كريشان:

فقير يعني هو عند المشاهد التي نتابعها باستمرار من جنوب السودان مثلاً، الفقر الذي وصل إلى حد المجاعة، يعني ما هي الدول العربية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا التي تُهدِّد فئات كبيرة منها، أو على الأقل فئات لا بأس بها هذه المشكلة في المستقبل؟ هل هناك دول مرشحة أكثر من غيرها لمواجهة هذه المشكلة؟

د. هبة هندوسة:

لأ -إن شاء الله- مش هيكون فيه مجاعات في دول معنية، الاحتمالات هي...

محمد كريشان[مقاطعاً]:

لا .. ليس بمعنى المجاعة ولكن الفقر، لأ المجاعة -إن شاء الله- لأ، بس كفقر على الأقل بالتعريف الذي تطرقت إليه.

د. هبة هندوسة:

لأ .. الاحتمالات بالعكس إن مع تحسن ملموس في معدل النمو، وإحنا في منتدى البحوث الاقتصادية بنعمل دراسات مستقبلية، وبنحسب أيه هي التطورات في الدخل، وفي العمالة وفي التوظيف. المستقبل بيبشر بتحسن مهم جداً بالنسبة لنمو الدخل والتوظيف.

أما بالنسبة لتوزيع الدخل هي دي المشكلة اللي محتاجة فيها الدول المختلفة إنها تتخذ من سياسات لتحسين .. أو على الأقل الاستمرار في توزيع الدخل اللي بدأنا به في أوائل التسعينات اللي هي كان معقول جداً.

محمد كريشان:

في سياق اهتمامكم بموضوع الفقر، والعمالة، ومستويات المعيشة، والدخل، هل كانت لديكم اهتمامات خاصة بالعراق في ظروف السنوات الماضية؟ هل هناك دراسات عملية ربما تبتعد عن التوظيف السياسي أو الـ propaganda السياسية لتتناول الظاهرة بشكل علمي دقيق؟

د. هبة هندوسة:

للأسف، حتى الآن المنتدى عمره خمس سنوات، فبدأنا في دراسات للمنطقة كلها عن التوظيف، والعمالة، وسوق العمل، وبالنسبة للفقر بدأنا نتناول هذه القضية، وعلاقتها بالسياسات المختلفة، قضية العراق -للأسف- بالنسبة لنا لسه ما بصيناش فيها.

محمد كريشان:

اهتمامكم بتركيا و(إيران) اهتمام واضح، يعني هل هناك بعض النقاط المشتركة من حيث سوق العمالة، أو من حيث التحديات الاجتماعية من فقر وبطالة وغيرها بين هذين الدولتين وباقي دول الشرق الأوسط؟

د. هبة هندوسة:

تماماً فيه نقط كثيرة جداً، بنقدر إن إحنا نقارن ما بين الدول، ونتعلم ونأخذ دروس كثيرة جداً. بالنسبة للنقط اللي هي أوجه التشابه لدور المرأة، يعني نفس المشاكل بالنسبة للتعليم، هي مشاكل ثقافية أساساً، دخول المرأة في دور التعليم، وفي سوق العمل مشاكل في سوق العمل بالنسبة للصناعات الصغيرة، والقطاع الغير منظم شبيه جداً بكل الدول العربية، وكذلك إيران وتركيا كقضية الدعم وخروج الدولة شيئاً فشيء من تلبية الاحتياجات الاجتماعية، والحاجة إلى توفير نظام جديد أو مؤسسات جديدة لتوفير الاحتياجات الاجتماعية الأساسية.

محمد كريشان:

يعني .. مثلاً دولة مثل إيران، يعني المحللين يشيرون إلى أن نمط التنمية الذي اختارته إلى حد ما نمط التنمية متميز على أساس هذا البعد الإسلامي، كما يوصف في إيران. هل هذا النموذج أكَّد أهليته وجدارته على الصعيد الاقتصادي؟ هل استطاعت إيران أن تتجنب بعض الإشكالات التي ربما مرت بها بقية دول المنطقة بشكل مختلف؟

د. هبة هندوسة:

أنا على ما أعتقد إن إيران مرت بسرعة فائقة في تجربة وطلعت منها، بالنسبة لدور المرأة مثلاً كان فيه في أول السنوات بعد النظام الجديد ما أخذ بتطوير الاقتصاد والاجتماع في إيران، حاول إنه يخفض من دور المرأة في سوق العمل في دورها في السياسة، وغيَّر تماماً من الاتجاه اللي كان واخده في أوائل السنوات بعدما (الخوميني) توفي.

بالنسبة لقضايا أخرى مثل مثلاً دور الائتمان، وسوق المال بإدارة أو فكر أو نظام إسلامي كان له نجاح أكثر بكثير ودي حاجة بنلمسها وأصبح هناك دراسات مهمة جداً عن دور الفكر الإسلامي في تناول سوق المال والمضاربة، والبنوك، وأصبح هناك مجال كبير جداً لدراسة وتحليل التجارب المختلفة، واتخاذ دروس من التجارب المختلفة وإحنا في المنتدى بتقوم بدراسات عن هذه النقاط.

محمد كريشان:

سيدة هبة في فترة من الفترات طُرح موضوع السوق الشرق الأوسطية، وخاصةً مع بداية عملية السلام والمفاوضات العربية- الإسرائيلية. الآن هذه الفكرة تشهد المزيد من الانتكاسة، ولكن على الصعيد الأكاديمي، ليس على الصعيد السياسي، على الصعيد الأكاديمي، هل كانت فعلاً لمثل هذه الفكرة أن تجد فرصة حقيقية في التطبيق؟

د. هبة هندوسة:

والله كان مهم جداً إن إحنا ندرس أيه الآفاق لتعاون مثل حلم (بيريز) إن تكون إسرائيل هي أهم شريك بالنسبة للـ technology، وتكون الدول النفطية هي أهم شريك بالنسبة لرأس المال، وباقي الدول العربية هي اللي هـ...

محمد كريشان[مقاطعاً]:

هتوفر العمالة.

د. هبة هندوسة:

هتوفر العمالة. فقمنا عملنا دراسة واكتشفنا إن على الصعيد العلمي ليس هناك صحة للمقولة بإن إسرائيل هي شريك اقتصادي مهم للدول العربية، بالنسبة لمعظم الدول العربية الشريك الأهم هو شريك زي أوربا، هو شريك كبير، له سوق كبير، له رأس مال مرتبط بالتكنولوجيا اللي هي الشركات العملاقة، له تدابير بحيث إنه يحسن من أداء دولنا التصديري خصوصاً، والتنويع من سلة السلع اللي بتصدرها الدول المختلفة.

فيعني حتى لو حطينا على جنب المسائل السياسية سنجد إن المجال لتعاون كبير اقتصادي ليس متوفر، يعني حتى بين مصر وإسرائيل، يعني كان فيه فترة مهمة، يمكن عشر سنوات كان فيها العلاقات السياسية بتسمح بأن يبقى فيه تعاون.

إنما لما تدرس أيه هي المجالات والقطاعات والعلاقات ما بين الشركات وبعضها، سنجد إنه مفيش اهتمام كبير يعني حتى في قطاع زي الملابس الجاهزة اللي هي إسرائيل مفروض إن أكبر سلعة كانت لغاية دلوقتي بتصدرها، هي النسيج والملابس الجاهزة سوق كبير جداً بالنسبة لها في أوربا وفي أمريكا، عشان عندها اتفاقيات مع أوربا ومع أمريكا، وكذلك عندها market in hail ليها عقود مع أهم الشركات اللي بتستورد هذه السلع، نجد أن مصر مش محتاجة لإسرائيل لكي تصبح لاعب مهم في السوق العالمي للملابس الجاهزة، يعني قدرت إنها توصله دلوقتي من غير مساعدة من شريك إسرائيل...

محمد كريشان[مقاطعاً]:

يبدو احتياجاتها بشكل جزئي في .. لكن مثلاً احتياجاتها أحياناً في الخبرة الزراعية، هل كان هذا اختيار سياسي، أم فعلاً الخبرة الزراعية الإسرائيلية كانت جديرة بأن تفرض نفسها سواء بالنسبة لمصر أو غيرها؟

د. هبة هندوسة:

إسرائيل إنتاجيتها في الزراعة ثاني أعلى إنتاجية للعمالة في الزراعة بعد (هولندا) يعني فعلاً خبراتها والتقنية المستخدمة متقدمة للغاية بالنسبة للمزارعين في مصر. المستثمرين الكبار .. أنا بأتكلم على ألف فدان، وما فوق استزراع الأراضي الجديدة في مناطق صحراوية كان فيه استناد إلى خبرة إسرائيلية في بعض المشروعات وكذلك خبرة أمريكية من (كاليفورنيا) وخبرة هولندية.

يعني ماهياش ندرة إلى أن مفيش غير الإسرائيليين اللي ممكن يوفروا التقنية المطلوبة، إنما نعترف إن لهم جدارة في هذا المجال، وتسويقهم برضه للسلع الزراعية إذا كان فاكهة أو خضروات أو زهور مهمة جداً.

محمد كريشان:

نعم، هو يبدو ليس فقط يعني مصر،يعني مثلاً الأردن في فترة من الفترات كانت هناك آمال كبيرة في أن السلام ينعكس إيجابياً على مناخات الاستثمار، والتبادل الاقتصادي والتجاري، هذا لم يتحقق بشهادة الأردنيين أنفسهم، البعض يعيد ذلك إلى الأجواء السياسية وتعثر عملية السلام، البعض الآخر يرجعه بالأخص إلى اعتبارات اقتصادية بحتة، يعني لم تكن هناك على الصعيد العملي إمكانية لانعكاس إيجابي على الصعيد الاقتصادي يعني كانت هناك آمال كاذبة، ما رأيك بين هذين الطرحين؟

د. هبة هندوسة:

رأيي إن بالنسبة للأردن، بالنسبة لمصر، بالنسبة لدول .. عدد كبير من دولنا أهم مشكلة هي مشكلة Image يعني أيه هي الصورة اللي العالم واخدها عن البلد العملية اللي مطلوبة عملية ترويجية، يعني أهم مصلحة للدول العربية من المؤتمرات الـ MINA conferences اللي كان أولها في الدار البيضاء، واللي سمينها summit كانت فرصة لطرح صورة جديدة للاقتصاديات المختلفة، وجذب الشركات العالمية.

يعني هي قوة إسرائيل في معرفتها واتصالاتها شركات عالمية دولية ونفوذها في إنها تجيب إلى مثل هذه المؤتمرات عدة مئات من الشركات العملاقة اللي هي بتنظر إلى الأسواق، وتفكر هل السوق المغربي أو السوق الأردني أو المصري يحتمل عملية كبيرة استثمارية؟ أيه الفرص للتحرك نحو الدخول بعملية إنتاجية أو تسويقية أو غيرها، فإذا قدرت الدول العربية إنها تقوم بهذا الدور، وده يعني دور مهم، وماهواش محتاج إلى تقنية أو تخصص كبير، هي عايزة بعض التمويل، محتاجة لبعض الاتصالات بحيث إن يبقى فيه تعريف للمنطقة أحسن.

محمد كريشان:

نعم، يعني مثلاً إسرائيل توجهت في المنطقة إلى توثيق علاقاتها بشكل كبير خاصة في المجال العسكري مع تركيا، على الصعيد الاقتصادي هل يمكن لإسرائيل أن تنجح في مد جسور اقتصادية مع تركيا في الوقت الذي فشلت فيه مع الدول العربية، يعني هل كانت مقومات لتعاون اقتصادي بين تركيا وإسرائيل مثلاً؟

د. هبة هندوسة:

هي نفس الأفكار زي التعاون ما بين مصر وإسرائيل مفيش اختلاف كبير، إلا إن تركيا يعتبر يعني سابقنا تقريباً بـ 10 أو 15 عام بالنسبة لمستوى التعليم ومستوى التنويع في الاقتصاد، مستوى معدل وحجم الصادرات، حجم الاستثمارات في القطاعات، الصناعات المختلفة، مجال في رأيي محدود، عشان خاطر أهم مشكلة أو عقبة بالنسبة لإسرائيل ارتفاع تكلفة العمالة رهيبة، سعر الوحدة من العمل اللي بنقول عليها unit labor cost مرتفعة للغاية.

فالمجالات اللي ليها فيها ميزة تنافسية محدودة هي في الإلكترونيات والاتصالات mainly، فممكن يبقى فيه بعض المجالات اللي هتدخل فيها في استثمارات مع تركيا، إنما مش هتكون بتوسع في كل المجالات.

محمد كريشان:

هل يمكن أن تقوم تعاون موسع بين مثلاً إيران ومصر، في فترة من الفترات بدأت العلاقات تتحسن، ومصر حتى لوَّحت في أكثر من مرة بأنها مستعدة لتوثيق علاقاتها مع إيران، وإيران أيضاً، على الصعيد الاقتصادي أيضاً نعود دائماً إلى الموضوع الاقتصادي، هل قادرة مصر وإيران على إقامة علاقاتها على الصعيد الاقتصادي أوثق مما يمكن أن تكون -كما تفضلت- بين إسرائيل وتركيا مثلاً؟

د. هبة هندوسة:

هو هيكون بالنسبة لمصر وإيران أهم تغير العلاقات التجارية يعني فيه مجال كبير جداً، فرص للتبادل التجاري ما بين الدولتين، ما أفتكرش بالنسبة للاستثمار برضه إنه هيبقى فيه أثر كبير جداً، عشان إحنا بنتكلم في الفترة المقبلة على استثمارات خاصة، ودور القطاع الخاص في إيران لسه بعيد قوي من إنه نوصل إنه يكون فيه فئة من المستثمرين اللي بياخدوا مبادرات في مجال الاستثمار.

أفتكر إن المجال أكبر بالنسبة للاستثمار، للتبادل وزيادة التعاون ما بين الدول العربية وبعضها، مع إيجاد الدخول في الاتفاقات الثنائية واللي ما بين مجموعة الدول في الإطار التجاري.

محمد كريشان:

نعم، سيدة هبة أشرت إلى موضوع المؤتمرات الاقتصادية التي بدأت في الدار البيضاء، ثم عمان ثم أخيراً في الدوحة، والموعد القادم لم يحدد بعد أساساً، لأن هناك أجواء قائمة في عملية السلام ككل يعني، الفكرة التي رُوِّجت من قِبَل معارضي مثل هذه المؤتمرات، أن إسرائيل تحرص على الهيمنة الاقتصادية على المنطقة، البعض الآخر يعتبر أن الحديث عن هيمنة اقتصادية على المنطقة حديث مبالغ فيه، على الصعيد العلمي البحت الأكاديمي من على الصعيد الاقتصادي، هل يمكن لإسرائيل أن تهيمن على المنطقة، أم هذا حديث مبالغ فيه؟

د. هبة هندوسة:

لأ .. مبالغ فيه أكيد، هي إسرائيل تعتبر دولة تابعة، ومحتاجة أساساً إلى استثمارات أجنبية وليس لها أي مقومات للاستمرار بدون التدفقات الرأسمالية، وتدفقات معونة أجنبية it''s non zero- sum games زي ما بنقول في الإنجليزي، هي بتستفيد من المؤتمرات واتفاقيات للتعاون في المنطقة، وكذلك الدول المختلفة تستفيد .. يعني ما هواش إن دولة هتستفيد على حساب دولة أخري، موضوع الهيمنة...

محمد كريشان[مقاطعاً]:

يعني هي أكبر مستفيد، لكن ليس بالضرورة المهيمنة يعني، هل...

د. هبة هندوسة[مقاطعة]:

مهيمنة يعني مثلاً هي إسرائيل لو وجدنا هي بتاخذ يعني بتكسب أيه من التعاون أو كده، هي أساساً إذا قدرت تدخل في مرحلة بتكون فيها التجارة مفتوحة واتشال كل العقبات من قِبَل الدول العربية على التجارة معاها، دون إن يكون فيه أي اتفاقيات خاصة أو تمييز في صالح إسرائيل، هتستفيد إنها هتقدر تجذب 2 أو 3 من الشركات العملاقة يعني، وتضيف إلى حجم الاستثمارات الأجنبية اللي في إسرائيل ده أهم حاجة هي عايزة تحصل عليها، ما هواش إنها تستثمر في الدول العربية، أبداً.

وبالنسبة للدول العربية كذلك لما هي تتحد وتدخل في سوق موحد، ما بينها وبين بعضها، أهم حاجة بالنسبة لها إنها هتكون سوق ذات حجم مهم بحيث إن الاستثمارات الأجنبية تجد إن فيه فرص للاستثمار في الدول المختلفة.

محمد كريشان:

يعني على ذكر السوق الموحدة، دمشق اقترحت موضوع السوق العربية المشتركة، يعني هل لمثل هذا المشروع حظوظ علمية حقيقية بعيداً عن الإحساس السياسي أو الشعور السياسي؟ يعني هل فعلاً بإمكان العرب أن يُقْدِموا على مثل هذا المشروع في الشرق الأوسط، ولهم مقومات حقيقة للحياة والاستمرار؟

د. هبة هندوسة:

ده أكيد، ومش بس كده، إحنا لما نشوف أيه؟ هي التحديات لكثير من دولنا اللي هي دخلت في اتفاقيات، أو على وشك الدخول في اتفاقيات مع أوروبا إذا ما أقامتش سوق أكبر بالدخول في منطقة موحدة بالنسبة لشروط التجارة في الجنوب ما بينها وبين بعضها كدول عربية، سيكون فيه احتمال كبير جداً إنها تضيَّع من الاستثمارات الأجنبية والأوربية اللي هو happen spokes problem إن سيجد المستثمر الأوربي إن من الأفضل بالنسبة له إن يعمل من بلده، ويصدر إلى الدول المختلفة العربية بدل من إنه يدخل بالاستثمارات في هذه الدول، فلابد من الدخول بسرعة في اتفاقية فعلية للتبادل بدون أي جمارك ما بين الدول وبعضها في المنطقة العربية.

محمد كريشان:

سيدة هبة هندوسة، شكراً جزيلاً.

د. هبة هندوسة:

أنا اللي متشكرة.