مقدم الحلقة:

محمد كريشان

ضيف الحلقة:

د.عبد الحي زلوم: كاتب ورجل أعمال

تاريخ الحلقة:

14/09/1999

- نشأة العولمة
- طبقة الـ 1% ما هي وكيف نشأت

- المضاربة وسلبياتها الاقتصادية والاجتماعية

- هل العولمة هي الاستعمار الجديد

- وسائل العولمة وحضارة العولمة

- دور صندوق النقد الدولي وأميركا في الأزمات الاقتصادية

د. عبد الحي زلوم
محمد كريشان
محمد كريشان: دكتور عبد الحي زلوم، أهلاً وسهلاً.

د. عبد الحي زلوم: أهلاً بيكم.

نشأة العولمة

محمد كريشان: دكتور، أصدرتم كتاب "نذر العولمة" والذي يتناول الكثير من الجوانب السلبية فيما يتعلق بمسألة العولمة، وسيكون ذلك محور حديثنا أساساً، المخاطر والنقاط السلبية في مسألة العولمة.

من بين الأشياء الجديدة المطروحة في هذا الكتاب، رغم أن كلمة العولمة كلمة أصبحت شبه موضة في السنوات القليلة الماضية، في كتابكم تقولون: إنها ليست جديدة -موضوع العولمة- وإنها كانت نتيجة فكر مدروس، ومخطط له قبل وأثناء الحرب العالمية الثانية، وبأنها خلقت الأدوات التي يمكن أن تجسد هذا التوجه، كصندوق النقد الدولي، وحتى الأمم المتحدة.. وغير ذلك، هل من توضيح لهذه الفكرة؟

د. عبد الحي زلوم: صحيح.. بالواقع يعني بدايات العولمة كفكر بدأت في.. نتيجة إلى الكساد الكبير اللي حدث للاقتصاد الأميركي من سنة 1929م، واستمر لفترة حوالي عشر سنين، خلال هذه العشر سنين، لم يتمكن الاقتصاد الأميركي من الخروج من الأزمة التي بدأ بها، وفي سنة 1939م كان حجم الاقتصاد الأميركي يراوح مكانه كما كان في سنة 1929م.

نتيجة لذلك قامت المؤسسات الأميركية بدراسة كيفية الخروج من مثل هذه الأزمات، والدورات الاقتصادية الحادة، ونتج عن ذلك أنهم عملوا ما قبل الحرب لجان دراسة تتكون من قطاع خاص، وحكومة، وهذه اللجان.. وأكاديمية من الجامعات الأميركية المختلفة، وأسميت بلجان دراسات السِّلم والحرب.

كان نتيجة إلى هذه الدراسات، أن قرروا أنه لكي لا يحدث للاقتصاد الأميركي مثل تلك الدورات، فعليه أن يكون مركزاً إلى اقتصاد أوسع، اقتصاد عالمي تستطيع به أن تتنفس.. أن يتنفس الاقتصاد الأميركي، وبدءوا بفكرة ما أسمي بالمنطقة الكبرى.

سنة 1941م كان هناك دراسة قُدمت، وفي هذه الدراسة قالوا: إنه يجب أن يكون ضمن هيمنة الولايات المتحدة منطقة كبرى، هذه المنطقة تضم بطريقة أو بأخرى كافة المستعمرات الأميركية السابقة، وتكون هي تزود الاقتصاد الأميركي بالمواد الخام بأسعار مناسبة للاقتصاد الأميركي، وليس بالضرورة إلى الدول المنتجة، وكذلك أن تكون أسواق إلى تلك البلدان، ونتج عن هذه الدراسات -دراسات السلم والحرب- إنه أيضاً في سنة 41 بدءوا يدرسوا ما هي الأدوات الضرورية لتحقيق مثل هذا الفكر الاقتصادي الجديد، اللي هي.. يعني العولمة اقتصادية يكون مركزها الاقتصاد الأميركي.

طبقة الـ1% ما هي وكيف نشأت

محمد كريشان: يا دكتور، حتى عنوان الكتاب "نذر العولمة" يوحي بمؤشرات لا تبشر بخير، الكتاب صدر بالإنجليزية، وصدر بالعربية، وسيصدر في.. في لغات أخرى، من بين الأشياء التي ذكرتموها في الكتاب ما وصفتموه بطبقة الـ 1%، أن من بين إفرازات هذا التوجه الذي ذكرتموه، أن نشأت طبقة محدودة جدّاً، وهي التي تتحكم في أغلب المقدرات الاقتصادية، ليس فقط في الولايات المتحدة، ولكن أيضاً حتى في الشبكة الدولية.. يعني كيف نشأت هذه الطبقة تدريجياً؟

د. عبد الحي زلوم: الواقع يعني طبقة الـ 1% هي تأتي دوماً مع أي نظام رأسمالي، سواءً كان ذلك قبل العولمة أو ما بعدها –على سبيل المثال- يعني حتى قبل هذه الدراسات اللي حكينا عنها – دراسات السِّلم والحرب- كان هناك مثلاً في أميركا في مطلع القرن العشرين شخص اسمه (جي بي مورجان)Banker هذا الشخص كان عملياً هو.. البنك المركزي الأميركي قبل أن يخلق النظام الفيدرالي للبنك المركزي الأميركي في سنة 1913م كان (جي بي مورجان) في سنوات العقد الأخير من القرن التاسع عشر، لما تمَّ هروب الذهب من الولايات المتحدة، خوفاً من نجاح ما أسمي (بالبوبيلست) بذاك الوقت اضطرت الحكومة الأميركية أن تلجأ إلى (جي بي مورجان) كي يساعدها في الخروج من الأزمة، وهو اللي دبر لها ذهباً، وأنقذها من الورطة اللي كانت بها.

أيضاً حتى في منتصف القرن التاسع عشر كان حوالي.. يعني 1%مثلاً يمتلكوا أكثر من ½% من موجودات البلدان الكبرى اللي موجودة في الولايات المتحدة، فإذن هي طبقة.. يعني الـ 1% هي طبقة تلازم النظام المادي الرأسمالي أينما كان.

كمثال آخر على ذلك، لو تأخذ الاتحاد السوفيتي -على سبيل المثال- الاتحاد السوفيتي حتى كان الشيوعية سبعين سنة، الدولة تملك كل شيء، أول ما صار هناك نظام رأسمالي في روسيا، أصبح هناك ما أسمي بالبارونات اللصوص، وتماماً نفس التسمية اللي كانت تسمي لـ (روكي فلير) ولـ (مورجان) والآخرين بالولايات المتحدة.

والآن حوالي خمسة أو ستة من هؤلاء البارونات اللصوص أو المافيا أو يعني

What Ever ما تسمي، هادول يسيطروا تقريباً على نصف الاقتصاد الروسي، هادول نشأوا في خلال سنين بسيطة من قبل، واحد منهم اسمه (بوتانين).. هذا الشخص قبل آخر مشاكل اقتصادية في روسيا كان يسيطر على 10% من الاقتصاد الكلي لروسيا، عمره 37 سنة، فكيف أتى بكل هذه الثروة التي كانت حتى 1990م كانت مملوكة بالكامل للدولة، إذن النظام نفسه يفرز هذه الطبقة دوماً.

محمد كريشان: نعم، هل معنى ذلك أن العولمة هي استفحال النمط الرأسمالي على الصعيد الدولي، مستفيداً من الفراغ الذي تركه انهيار الاتحاد السوفيتي والمعسكر الشرقي في.. في أوروبا، يعني العالمية بلغة أكثر تبسيط هو انتشار عيوب الرأسمالية.. عيوبها وسلبياتها؟!

د. عبد الحي زلوم: صحيح، يعني هو.. في سنة.. في هذا العقد يعني في سنة.. من 1990م حصل حادثين بارزين: الحدث الأول كان طبعاً انهيار المنظومة الاشتراكية، والحدث الثاني كان هو التسارع الكبير في ثورة المعلومات الموجودة، فالاتصالات والمعلومات أعطت الوسائل للانتشار السريع جداً، لنظم العولمة المختلفة سواءً كانت هذه النظم اقتصادية، أو اجتماعية أو حتى أخلاقية، وأيضاً ساعد في التسارع هو غياب الاتحاد السوفيتي، أو غياب أي منظومة أخرى تنافس الرأسمالية "المعلومالية " -كما إحنا نسميها- ولذلك في السابق مثل أثناء الحرب ما بعد الحرب.. عندما كانت فيه الحرب الباردة، كانت الولايات المتحدة تقبل ببدائل من الرأسمالية المختلفة مثل –مثلاً- الرأسمالية على النمط الياباني، الرأسمالية اللي في أوروبا، اللي كانت تعتمد على نظام الـ Welfare والاهتمام الاجتماعي، بعد انهيار المنظومة الشيوعية أصبح هناك مطلب، وهو أن تتوافق جميع النظم حتى الرأسمالية مع الفكر الواحد، لا الرأسمالية المعلومالية اللي هي (أنجلو ساكسون) أو الأميركية.

محمد كريشان: المعلومالية..!! مزجتم المال والإعلام..

د. عبد الحي زلوم: والمعلومات.

محمد كريشيان: والمعلومات بشكل عام، هل توجه طبقة الواحد بالمائة إلى كسب وسائل الإعلام خطوة ضرورية في سياق هذا التوجه نحو الهيمنة؟! يعني أشرتم إلى أنه يجتمع دائماً المال مع الإعلام، ويكون عادةً الهدف إفراغ التجربة الديمقراطية من أي محتوى إنساني، وتعددي حقيقي، لتصبح في النهاية أدوات للحفاظ على هذه المصالح.

د. عبد الحي زلوم: في الواقع يعني طبقة الـ 1%، أو النظام نفسه يعتمد على التسويق، ليس فقط تسويق الأدوات الاستهلاكية، وإنما أيضاً تسويق الأفكار، ولكي يتم هذا التسويق، وبيع الأفكار غير المقدسة، وكأنها أبو القداسة، يعني تحتاج إلى إعلام متمكن، أعطيك مثال لربما الكثير يتذكر حرب (الفوكلاند) في سنة 1982م في ذلك الوقت وكما حتى كتبت (مارجريت تاتشر) في كتابها.. في مذكراتها، إنها ذهبت أو ذهبت بريطانيا للدفاع عن حقوق المواطنين هناك، زائد على مبادئ إنه لا يجوز استعمال القوة... وإلى آخره.

بعد عشر سنوات من ذلك أصدر المكتب الجيولوجي البريطاني.. بدهم يعملوا عطاءات، هذه العطاءات تبين على إنه في منطقة (الفوكلاند) الذي يسكنها 2000 شخص، وبها 700 ألف رأس غنم -واللي ذهبوا ليدافعوا عن الحرية على هؤلاء-تبين على أنه فيها 200 ألف كيلو متر مربع من الطبقات الحاملة للبترول، وبها مخزون تمَّ تقديره في ذلك الوقت بأنه يزيد 50% عن مخزون ما لبريطانيا في بحر الشمال، لكن الإعلام في ذلك الوقت كان هو الدفاع عن الحرية و... وإلى آخره، وأولاً لبيع يعني الحرب، وبيع الاستيلاء على تلك الجزيرة بطريقة أو بأخرى، فالإعلام هو ضرورة قصوى لكي يتم عملية غسل الأدمغة أو بيع الأجندات المطلوبة.

المضاربة وسلبياتها الاقتصادية والاجتماعية

محمد كريشان: يعني هناك صفتان وصفت بهما هذا النمط السائد وطبقة الواحد بالمائة: صفة المضاربة، وصفة أنه غير المنتج، يعني بالنسبة لغير المنتج يعني هل هذه صفة دقيقة؟! بمعني يمكن أن يكون منتج، ولكن منتج في اتجاه معين وبعقلية معينة؟! هل فعلاً الأمور بهذا الشكل؟

د. عبد الحي زلوم: في الواقع إنه...تطور المال، ومفهوم المال تطور، من.. في البداية كان وسيلة للتبادل، وثم أصبح مخزن للقيمة، ثم أصبح( Unit of account)

وحدة حسابية.. وحدة للحساب، تطور من بعد ما تمَّ إلغاء أنظمة (بيتل وودز) في 1973م من الولايات المتحدة، بأن أصبحت الأموال هي عبارة عن أرقام إلكترونية، نبضات إلكترونية الآن، ليس لها مخزون واحتياطي من الذهب يقابلها، وأصبح هناك مؤسسات مالية تستطيع أن تضارب في العملات، وتستطيع أن تضارب في اقتصاديات الدول -حتى الكبيرة منها- إلى أن أصبح الآن هناك نوعين من الاقتصاد: الاقتصاد المنتج، اللي ينتج السلع والخدمات، وهو اللي كان قائم، وكان المال -حتى وقت قريب- يخدم هذا الاقتصاد، لكن نشأ مؤخراً نظام مالي مضارب، ليس له هدف سوي جمع المال، وينتج عنه أنه أصبح عبء على الاقتصاد المنتج.

الآن هل هو مفيد هذا أو غير مفيد؟ أجيبك بشيخ المضاربين (جورج سورس) كتب كتاب اسمه "أزمة الرأسمالية" هذا الكتاب صدر مؤخراً، بيحكي في هذا الكتاب بيقول: إن البعض يدعي على إنه إحنا دورنا المضاربين هو دور مفيد، وأنا أود أن أقول عكس ذلك، يقول: أنا يعني في سنة 92 ضاربت على الجنيه الإسترليني.. أنا في واقع الأمر كنت آخذ.. أخذت ربح –على فكرة- اتنين مليار دولار خلال أسبوع من المضاربة.. (جورج سورس)

محمد كريشان: 2 مليار دولار!

د. عبد الحي زلوم: 2 مليار دولار خلال أسبوع بالمضاربة، بيقول: إذا أي شخص يقول إنه أنا أخذت، أو عملت شيء مفيد سوى إني أخذت هذه النقود من جيوب دافعي الضرائب البريطانيين فهو غلطان!

محمد كريشان: هذا فقط اللي طلع من العملية..

د. عبد الحي زلوم: نعم، هذا اللي بيحكيها شيخ المضاربين (جورج سورس)، فإذن هي المضاربة من أجل المال، وهي لنيل الفلوس، يعني في النهاية تخرج.. في النهاية هذه النقود من جيوب الناس، بأعطيك مثال آخر يعني، لما في النظام الاقتصادي العالمي بالطريقة الحالية في سنة 98، تمَّ هبوط سعر النفط إلى درجات غير مسبوقة من 1973م.

محمد كرشيان: صحيح.

د. عبد الحي زلوم: كانت الخسائر الناتجة عن تلك الأسعار 60 مليار دولار، يعني كلفت الدول المنتجة للبترول.. 60 مليار دولار، مين اللي استفاد من هذه الـ 60 مليار ومن الذي خسر؟ اللي استفاد منها شركات في (وول ستريت)، مثلاً، نحكي على (أميركان إير لاينز) نزلت فاتورة البترول في أول ربع من سنة 1998م كذا مليون دولار، 50 أو 100 مليون دولار لا أذكر الرقم الآن يعني.

وهكذا مع بقية الشركات إنه زادت أرباحها، لكن من الذي دفع هذه الفواتير، ومن الذي خسر؟ الدول المنتجة أعطيك مثال.. نُرجع ذلك إلى مين من الدول المنتجة؟ هي الناس المنتجون، خذ الجزائر على سبيل المثال، كانت خسائرها من فروقات هذه الأسعار 3 مليار دولار يعني كانت في بداية السنة مخططة أنه سيكون الدخل تبعها بسعر كان سيعطي 3 مليار دولار أكثر مما أخذت، فصار عندها هذا النقص، اضطرت إنها تعمل ضريبة مبيعات..

محمد كريشان [مقاطعاً]: وتسريح عمال أيضاً.

د. عبد الحي زلوم: وتسريح العمال.. كان نتج ذلك عن وصفات صندوق النقد الدولي 400 ألف جزائري فقدوا وظائفهم نتيجة إلى تطبيق برنامج صندوق النقد الدولي، وكأن ذلك لا يكفي– فمثلاً- تسعير البترول بالطريقة التي تمَّ بها خسَّر هذه الدولة لوحدها 3 مليار دولار، وخسَّر الدول المنتجة كلها 60 مليار دولار، كلها أين ذهبت؟! يعني المستفيد.. من المستفيد؟ ومن الذي يدفع الثمن؟

محمد كريشان: يعني على ذكر صندوق النقد الدولي، يعني في فترة من الفترات كانت هناك أصوات احتجاجية ترفع ضد وصفات صندوق النقد الدولي، الآن وكأن بالعالم يسير إلى قبول هذا النمط، يكاد يكون فُرض على العالم أجمع، وأصبح حتى التباري من ينفذ شروط واستحقاقات صندوق النقد الدولي بشكل أفضل من جاره.. يعني أصبح هذا هو المعيار للتطور.

هناك فكرة طريفة وردت في كتابكم "نذر العولمة" أنه بدلاً من أن تسخر التنمية لخدمة المجتمع أصبح المجتمع يسخر لخدمة التنمية، هل هذا هو ما أصبح عليه الحال، خاصة في دول العالم الثالث، والدول العربية ربما بشكل خاص بفعل هذه العولمة، وبفعل شروط صندوق النقد الدولي؟

د. عبد الحي زلوم: في واقع الأمر صندوق النقد الدولي، إنه هناك كان احتجاجات.. الحكي صحيح، يعني مثلاً في (كوريا) الكوريين رفعوا لافتات كتبوا عليها (I.M.F) I كتبوا عليها I، وM..AM، وF.. Fimed، يعني "إني قد طردت من عملي" كان هذا –مثلاً- في (كوريا).

اقتصادات -مثلاً- جنوب شرق آسيا -على سبيل المثال- بدنا نعطي.. بدنا نأخذ مثال سريع بالنسبة لـ(إندونيسيا)، إندونيسيا أول ما صارت مشاكل اقتصادية في (تايلاند).. كانوا عميل منضبط لصندوق النقد الدولي، وإلى النظام الغربي بأكمله، فاتصلوا فوراً مع صندوق النقد الدولي، وقالوا لهم: يعني نرجو أن تقوموا بتقييم الوضع، لكي لا تنتقل عدوي المشاكل الاقتصادية من (تايلاند) إلى إحنا عندنا هنا في .. في إندونيسيا، كان تقرير الصندوق إنه إنتو معافين سالمين، ليس لديكم مشاكل في الاقتصاد تبعكم،ولا بأسسه fundamentals ، قالوا: طيب شكراً، وبدأ المضاربين انتقلوا إلى إندونيسيا خلال شهر يناير 1998م تم المضاربة على العملة الإندونيسية فهبطت هبوط كبير جداً.

طبعاً هذا الحكي تمَّ من المضاربين، لأنه السؤال إنه من يقوم بتسعير العملات في الوقت الحالي، زمان كان لها معايير ثابتة، الآن بطلت من هذه المعايير الثابتة، صارت تقرر بقلة قليلة في.. من.. يعني المؤسسات المالية في (نيويورك) هم بيقرروا هذه العملة هكذا، وهذه العملة هكذا، فبعد الهبوط الحاد للروبية تبعة إندونيسيا نتج عن ذلك على أنه خلال أسبوع أو عشر أيام حوالي 250 شركة من 282 شركة مدرجة في سوق (جاكرتا) أصبحوا في ورطة مالية، وأصبحت عملياتهم عليها علامات خطر يعني، هو لم يتغير شيء في ها الشركات هذه لا في إدارتها، ولا في ماكيناتها، ولا في منتوجاتها، ولا في شيء.. الذي تغير فقط هو العملة، وتأثيرات خارجية لم تكن من داخل إندونيسيا.

محمد كريشان: ولكن ما هو الغرض من ذلك؟ يعني ما هي الفائدة التي قد تحصل لطرف معين؟

د. عبد الحي زلوم: المضاربين.. المضاربين يجنوا من ذلك أموال طائلة هذا.. يعني وبعد ذلك الطوفان يعني طبعاً هم لربما الآن تعلموا إنه قد ينتج عن ذلك إنه أيضاً هم سيتأثروا في المقام الأخير، والآن بدؤوا يفكروا كيف يقوموا ببعض العلاجات، لكن بتبقي طبيعة المضاربين هي منذ وجدت البشرية وحتى اليوم يعني..

محمد كريشان [مقاطعاً]: صعب مقاومتها بالمعني الدقيق؟!

د. عبد الحي زلوم: هي جشع، يعني هناك.. الجشع وهي إحدى الصفات الأساسية لأعمال المضاربة، وإذا كان الشخص يستطيع إنه يقيم العملة ويربح مليارات الدولارات بطريقة سريعة، ولا يحسب النتائج الاجتماعية لذلك، برضه نرجع مرة تانية نتكلم على (سورس) كونه هو أحد مسببـي تلك الأزمة، هو برضه بيقول: إنه إحنا لا ننظر أساساً إلى النتائج الاجتماعية إلى أعمالنا، لأنه لو نظرنا إلى هذه النتائج..

محمد كريشان [مقاطعاً]: لا نفعل شيئاً.

د. عبد الحي زلوم: لا.. لا نفعل شيئاً.

محمد كريشان: يعني صريح أكثر من اللازم هو.

د. عبد الحي زلوم: آه.. هذا الحكي في كتابه، هو بيقول لك.. صريح، طبعاً

هو صراحته لها سبب، هو كان بيقول إنه هوا بعد الأزمة الروسية، بعد انهيار أكبر شركة للمضاربات المالية في نيويورك، يقول: إنه كان النظام المالي أو الرأسمالي العالمي على شفا الهاوية، ويبعد عن الانهيار التام أيام معدودات فقط.. هذا قوله هو أيضاً، ولذلك هو الآن بيحكي هذه الأشياء، لأنه يقول: إنه يجب أن نصلح هذا النظام قبل أن يؤتى عليه.

هل العولمة هي الاستعمار الجديد

محمد كريشان: من الاستخلاصات في كتابكم –سيد عبد الحي زلوم- أن نظام العولمة أصبح بفعل كل ما ذكرتموه وغيره.. أصبح في النهاية نظام أشد ضراوة وقسوة من الاستعمار القديم التقليدي الذي يحتل أرض ويبقى فيها، يعني اعتبرتموه استعماراً جديداً، فيه الكثير من الذكاء ومن الدهاء، يعني إذا كان الاستعمار القديم واضح الصورة، وواضح أساليب المقاومة، بالنسبة لهذا النمط من الاستعمار الجديد، هل هناك طرق ما للوقاية منه، لمقاومته، أم هو قدر محتوم في النهاية؟!

د. عبد الحي زلوم: بالواقع إنه هل هو استعمار جديد؟ الجواب: نعم، وهذا الحكي كان واضح، يعني حتى عندما نرجع إلى دراسات تبعت السلم والحرب، هم كانوا بيحكوا على شيء معين، وبيقولوا بس، يجب ألا نسميه استعماراً، في السابق.. يعني هو ما هو غرض كان الاستعمار؟ لتكون شركة الهند الشرقية من بريطانيا إلى الهند، هدفها هي أخذ مواد خام بالأسعار التي تريد، وأن تسوق منتوجات في تلك البلدان، كانت تضطر في تلك الأيام أن يحطوا ميليشيا كانوا لكي يستطيعوا أن يحققوا هذه الأهداف.

الآن.. إذا أنت تستطيع أن تفعل الشيء نفسه بأن تسعر المواد الخام كما تريد، وأن تكون هذه الأسواق مفتوحة لك كما تريد، وأن تتنافس، وأن تجعل شركات يانعة، يافعة لم تمر بكافة مراحل التطور في الشركات النامية، أن تتنافس مع الشركات العملاقة، وتستطيع أن تحول كل ما تربح من فلوس بطريقة إلكترونية في خلال ثوان، فلماذا تحتاج إلى ميليشيا إذا كنت تستطيع أن تفعل هذا الشيء نفسه بواسطة تكنولوجية جديدة، وبواسطة طرق إدارية متطورة أكثر، فهو أشد ضراوة، لأنه هناك تجد أمامك الجندي البريطاني -مثلاً- في الهند، وهنا لا تجده هذا الفرق.

محمد كريشان: نعم، سيد عبد الحي.. أنتم رجل أعمال، ومن يقرأ الكتاب لا يشعر بعداء أيدولوجي للتوجه الرأسمالي، أو للتنمية القائمة على المبادرة الفردية وعلى غيرها من القيم الأخرى، ولكن أحياناً يشعر في بعض المفردات -مثلاً- ما ورد في الكتاب من أن ثقافة وأنظمة العولمة يقودها الآن نظام امتصاصي طفيلي حول الاقتصاد العالمي إلى (كازينو) للمقامرة بثروات الآخرين ومقدوراتهم، يعني هل التحفظ الأساسي لديكم -فيما يتعلق بالتوجه الذي تسير عليه العولمة الآن اقتصادياً- هل هو تحفظ أخلاقي بالأساس.

وسائل العولمة وحضارة العولمة

د. عبد الحي زلوم: هو أكثر من تحفظ أخلاقي في واقع الأمر، أنا لو أردت أن أتكلم عن العولمة، فنقول: إنه هناك وسائل للعولمة، وهناك حضارة للعولمة، فإذا تكلمنا عن وسائل العولمة، فهي وسائل تنتج عن تطور تاريخي حتمي، كما انتقل الإنسان من الجمل إلى الدراجة، إلى السيارة، ثم إلى الطائرة، والصاروخ.. وإلى آخره، وكما تطورت المطابع، وكما وصلت إلى الكمبيوتر، هذه عبارة عن وسائل جيدة ومفيدة، ويجب أن نغترف منها ما أمكننا، وأن نتعرف عليها ما أمكننا وأن نعظِّم الاستفادة منها ما استطعنا، لكن هناك حضارة العولمة.

أنا لما بأتكلم عن الوسائل، أنا دايماً أعطي مثال سريع أنه أنا لما ذهبت.. سافرت إلى الولايات المتحدة بالـ 54 أخذت معي سبعة أنواع من العملات، بشان أصرف في الطريق، الآن.. لما ذهبت ووصلت إلى نيويورك رحت (تشيسي مانهاتن بنك) وحوالتي، قالوا لي: أنت محظوظ –مع إنه أنا الطريق أخذتني شهر- قالوا لي: أنت محظوظ، وصلت حوالتك بالأمس فقط.

الآن أنا إذا وقفت في (لندن) وأمام (ATM) صراف آلي أضعه، بدي 500 جنيه.. يعني من شان تشوف سرعة العالم كيف تطور في هذه الفترة الزمنية، فيه نظام اسمه (سيروس) كنت واقف هناك، افرض أنت.. أنا واخد من بنك (واشنطن).. أنا عندي حساب في بنك واشنطن، رأساً يتعرف ذلك الصرَّاف الآلي هذا الكارت مش من هنا، وليس من (بريطانيا) بيروح إلى النظام تبع سيروس في (بلجيكا)، ونظام (سيروس) في (بلجيكا) بيقول: لا والله ده مش من أوروبا، بيروح للنظام العالمي ومركزه في (ديترويت)، في (ديترويت) يتعرف إنه آه والله هذا الحكي من البنك ( X) اللي موجود في واشنطن، بيرسل إشارة لهناك بيشوف هل صحيح هذا عنده فلوس يخصم ما يعادل الـ500 جنيه اللي أنا عاوزهم في الدولارات ، يأخذ العمولة بيرجع إشارة إلى (ديترويت).. ترسل إشارة إلى (بلجيكا) ترسل إشارة إلى (ATM) اللي أنا واقف أمامه.

كل هذه العملية تأخذ 16 ثانية فقط، هذه أدوات عولمة جيدة، لكن إحنا لما نتكلم على حضارة العولمة، حضارة العولمة يعني لها جوانب: جوانب اقتصادية، جوانب سياسية، وجوانب اجتماعية، وأخلاقية، الجوانب الاقتصادية بالواقع، هنا المشكلة.. المشكلة في نفس النظام الذي يتم تسويقه إلى العالم بقوة الأمر الواقع، والقوة المادية أيضاً، وهو نظام يقوم في واقع الأمر على مبدأ يتنافى مع الأخلاق والأديان، أحد أكبر، أو من كبار الاقتصاديين لهذا النظام، وكان شخص اسمه

(جون مينركينز) وهذا له مقولة مشهورة بيقول: إنه يجب علينا في نظامنا.. نظام

أن نتظاهر بأن العدل خطأ،وأن الخطأ عدل.. هذا هو مفهوم النظام.

(مادلين أولبرايت) أثناء الأزمة الاقتصادية اللي صارت في جنوب شرق آسيا، وهي رايحة لهناك لإحدى المؤتمرات بتقول: ما يهم هو النمو الاقتصادي، أما الأعراض الجانبية بالنسبة إلى المعاناة للآخرين، فهي أمر جانبي بنأسف إليه، لكن..

محمد كريشان [مقاطعاً]: لا حول ولا قوة إلا بالله!!

د. عبد الحي زلوم: لا حول ولا قوة إلا بالله، إحنا يهمنا النمو، فإذن أصبح النمو بحد ذاته هو الدين، ولا يعتمد على أخلاقيات الأديان سواء الدين المسيحي، الدين الإسلامي لا يعتمد على هذه الأخلاقيات نهائياً، يعتمد على أخلاقيات تمَّ خلقها، وهي سبب المشكلة الأساسية.

محمد كريشان: على ذكر آسيا، وتصريح (مادلين أولبرايت).. في كتابكم أيضاً عندما أشرتم إلى الوضع في إندونيسيا، اعتبرتم أن حتى الأزمة التي قامت بين الرئيس (مهاتير محمد) وبين رئيس وزراءه ووزير المالية السابق المعزول (أنور إبراهيم) هي جزء من هذه اللعبة المالية التي تتجاذب تصورين مختلفين.

الحقيقة هذا تفسير لم يكن متداولاً في وسائل الإعلام، هل فعلاً الاختلافات المالية يمكن أن تدخل إلى الطبقة السياسية بمثل هذه القوة في التجاذب بين تيارات اقتصادية تنعكس في السياسة، وتتم، وتصل حتى إلى تصفية حسابات كما حصل في إندونيسيا.

د. عبد الحي زلوم: بالواقع (ماليزيا) هي حالة فريدة.. ماليزيا..

محمد كريشان [مقاطعاً]: نعم ماليزيا عفواً..

دور صندوق النقد الدولي وأميركا في الأزمات الاقتصادية

د. عبد الحي زلوم [مستأنفاً]: ماليزيا، ونتكلم حتى على إندونيسيا لو بدأنا بإندونيسيا فنقول: إنه في بداية الأمر إندونيسيا ذهبت إلى صندوق النقد الدولي، قالوا لهم: رجاء، تفضلوا دلونا على الطريق.. قام صندوق النقد الدولي بإعطاء وصفات، الآن الكل يعترف على إنها كانت وصفات قاتلة، يقولوا: قتلت تلك الوصفات المريض، وأجهزت عليه، لكن لما أهل إندونيسيا بـما فيهم (سوهارتو) بعد ما وجد أن هذه الوصفات فعلاً قاتلة، حاولوا أن يجدوا وصفات أخرى محلية، وحتى استعانوا بخبراء أميركان من Gohn Hokens University يعني ما جابوش ناس.. جابوا ناس أيضاً من نفس النظام نفسه.

اقترحوا أشياء تغاير ما كان يطلب به الصندوق، وكادت أن تعتمده إندونيسيا، اتصل (كلينتون) مع (سوهارتو) وقال له: "وصفات الصندوق يجب أن تعتبرها وكأنها تأتي من السماء".. يعنى As if It comes from the hand of god هذا بالتعريف اللي حكاه كلينتون إلى رئيس دولة، أراد أن.. من بعدما جرَّب، لقي مشاكل، وبعدين سوهارتو معروف من الذي أتى به أساساً إلى السلطة، ورجل لما أراد.. وجد قبل أن يجد كل العالم إنه وصفات الصندوق قتلت إندونيسيا وجعلت الآن مائة مليون إندونيسي تحت خط الفقر لم يُسمح له بذلك، بالآخر يعني..

محمد كريشان [مقاطعاً]: رفع عنه الغطاء.

د. عبد الحي زلوم: فهذا واحدة، نأتي الآن إلى..

محمد كريشان: ماليزيا.

د. عبد الحي زلوم: ماليزيا.. (مهاتير محمد) هو من أفضل -برأيي أنا –الاقتصاديين في العالم الإسلامي، أكيد يعني، وهو أبو النهضة الاقتصادية في بلده، ومشكلته إنه هو كان له رؤية أخرى غير رؤية الصندوق، وأراد أن يحتفظ ببرامجه الاجتماعية يعنى هناك بيقولوا: إنه البرامج الاجتماعية تأتي بعدين هو بيقول لأ..إحنا نود أن نبقي على برامجنا الاجتماعية والاقتصادية كما كانت، ولكن إذا كان سبب المشكلة في إندونيسيا، أو سبب المشكلة في (مكسيكو) أو في (تايلاند) هي هروب الرأسمالي المضارب السريع، مما ينُضب خزانة الدولة من المخزون الاحتياطي، أنا سأوقف هذا الهروب.

فعمل ضبط على هروب العملات، فهنا هذا الحكي أكثر ما يخافه النظام الذي يطالب بالانفتاح، يطالب بالانفتاح على طريقته الخاصة، يضارب إذا ربح أهو ربح، إذا خسر فهناك صندوق النقد الدولي لكي يضمن له بوصفاته إنه يعمل ضرائب مبيعات، ويعمل كل شيء لتجميع -من الناس كلها- ما يلزم لسداد قروض هؤلاء الناس.

أعطيك مثال آخر، (المكسيك).. المكسيك في سنة.. آخر الـ 94 بداية الـ95 أُصيبوا بنكسة.. أعني أزمة مالية كبيرة، كانت أيضاً ناتجة عن نضوب أو هروب الأموال اللي بيسموها الأموال الساخنة hot money الاقتصاد المكسيكي هو نفس الشيء، جاء صندوق النقد الدولي وأعطى وصفات قال O K إحنا بنعطيكم

40 أو 50 مليار دولار، طبعاً من شان تدفعوا للبنوك الأميركية والـ (هيتشي فاوندز) وإلى آخره، ما تبقى ما قدروش يسحبوه.

لكن مقابل ذلك عندنا شروط، ما هي هذه الشروط؟ كانت هذه الشروط: رفع سعر الفائدة، الخصخصة، اضطرت المكسيك أن تبيع نفس ما بنت سواءً من موانئ، من مؤسسات بترولية، وبتروكيماوية اضطرت.. والـ(تلي كوندكيشنز) اضطرت أن تبيع هذه مجبرة، من شان تسدد إلى هؤلاء المضاربين الذين قاموا بـ..وسببوا تلك الأزمة، السؤال عادةً يعني في البنوك أو في الأعمال المالية هي المفروض أن يتحمل المخاطرة طرفي المعادلة، الذي يُقرض، والذي يقترض، هنا لأ.. المضارب مضمون حقه، بقوة صندوق النقد الدولي، وجبروت الولايات المتحدة.

الشيء الـ(interesting) الشيء اللي –يعني- على الموضوع إنه المكسيك على سبيل المثال طالبت.. يعني طلبت الولايات المتحدة ضمانة من المكسيك أن تقوم بوضع كافة إيراداتها البترولية من شركة (B.MEX) في المكتب الفيدرالي الأميركي في نيويورك كضمانة.

لما وزير المالية المكسيكي قال: أنا أمضي، قالوا له: لأ، أنت بتمضي، لكن أجيب الرئيس والمخول بالتوقيع أيضاً لكي يمضي، وللعلم بواسطة

(I MF) صندوق النقد الدولي تمَّ وضع كافة عائدات شركة (B.MEX) في نيويورك علماً بأن شركة (B.MEX) هي نتجت عن تأميم شركات البترول المكسيكية سنة 1939م، وما لم تستطع أن تحققه الولايات المتحدة عن طريق القوى العسكرية أو حتى السياسية استطاعت أن تحققه عن طريق صندوق النقد الدولي!!

وللعلم أيضاً العراق كان من أول.. من أوائل من أمموا النفط في الشرق الأوسط، وفي تقريباً نفس السنة كانت عائداتهم النفطية تأتي إلى بنوك نيويورك فأصبح عندك هذه عن طريق (united nations) الأداة السياسية التي تمَّ خلقها بالعولمة أثناء الحرب العالمية الثانية وبعدها، وتلك عن طريق إحدى مؤسسات (بتل وودز) اللي انعمل في سنة 1944م والتي نتج عنها صندوق النقد الدولي.

محمد كريشان: شكراً جزيلاً لضيفنا عبد الحي زلوم، وقد خضنا معه في قضية عيوب العولمة كما وردت إجمالاً في كتابه "نذر العولمة" ونختم اللقاء بالشكر الجزيل، والتساؤل مرة أخرى هل بوسع العالم أن يقول: لا للرأسمالية المعلومالية؟! شكراً جزيلاً.

د. عبد الحي زلوم: شكراً لكم، ونحن نأمل أن يقول العالم لا لهذا النظام، لأنه نظام فاسد ومفسد، كما يقول بذلك رؤساء نظامه أنفسهم.

محمد كريشان: شكراً جزيلاً.

د. عبد الحي زلوم: شكراً.