مقدم الحلقة محمد كريشان
ضيف الحلقة حيدر عبد الشافي، رئيس الوفد الفلسطيني المفاوض سابقا
تاريخ الحلقة 06/01/1999





حيدر عبد الشافي
محمد كريشان
محمد كريشان:

دكتور حيدر عبد الشافي أهلاً وسهلاً.

د. حيدر عبد الشافي:

أهلاً بكم.

محمد كريشان:

في يناير هذا العام، العام الجديد تمر الذكرى 34 على بداية انطلاقة العمل الفلسطيني المسلح المعاصر، يعني إذا أردنا أن تكون قضيتنا -في هذه الحلقة- وقفة تأملية في مسيرة النضال الوطني الفلسطيني، فما الذي يمكن أن يقال -على الأقل- فيما يتعلق بالكفاح المسلح، لنبدأ بالكفاح المسلح، بعد كل هذه السنوات وفي ضوء المعطيات الأخيرة؟

د. حيدر عبد الشافي:

يعني أولاً: خيار الكفاح المسلح كان -ربما- شيء طبيعي، لأنه ما حققه العدو من اغتصاب للأراضي، وتحقيق بعض أهدافه جاء بالكفاح المسلح، وأساساً الحركة الصهيونية -منذ المؤتمر الصهيوني الأول- تبنت القوة والكفاح المسلح كأداة لتحقيق الأهداف السياسة، فالخيار الفلسطيني من ناحية منطق هو

طبيعي، لكن الخلل كان في الأداء.

الكفاح المسلح حقٌّ لنا للدفاع عن أنفسنا، كما هو الحال في خيارات

أخرى، لكن الكفاح المسلح يجب أن يكون له إعداد جيد من نواحي

عديدة، وأنا رأيي أن بينما الخيار كان صائب، لكن التحضير وتوفير كل ما يجب أن يتوفر لكفاح مسلح ناجح لم يؤخذ بها مع الأسف، وهذا السبب إننا خضنا كفاح مسلح خاسر منذ 65.

محمد كريشان:

بمعنى هل يمكن أن نفسر أن ربما التسوية الهزيلة التي تم التوصل إليها من هذه الزاوية أيضاً؟

د. حيدر عبد الشافي:

يعني على كل حال الكفاح المسلح لم يحقق أي شيء إيجابي، بالعكس إحنا في الكفاح المسلح تراجعنا إلى الوراء، يعني كان خسائر بدون مقابل..يعني نحن إذا راجعنا الماضي، وإذا عملنا جرد حساب للخسائر والأرباح، نجد أن عملية الكفاح المسلح كانت كلها خسائر برغم -طبعاً- البطولات والتضحيات التي حدثت من قبل أبناء الشعب الفلسطيني.

الكفاح المسلح بحاجة إلى إعداد، بحاجة إلى محاولة معرفة ما لدى العدو، معرفة التكتيك والاستراتيجية للعدو، لابد من تحضير طويل ومتأني، لكي يكون الكفاح المسلح عمل ناجح.

محمد كريشان:

ولكن -دكتور- حتى مع انطلاقة الثورة الفلسطينية المسلحة، بالعودة إلى التاريخ الفلسطيني كان هناك -حتى- وجهات نظر مختلفة داخل -حتى- حركة فتح، مَنْ هم مع بداية الشروع في عمليات عسكرية، وبين الداعين إلى ضرورة التريث وإعداد حسابات بشكل دقيق، ولكن مع ذلك فيما بعد أصبح هناك إجماع -تقريباً- على أن بداية العمل الفلسطيني المسلح في يناير 65 وضع المقاتل الفلسطيني على الخارطة، أصبح يُنظر إلى هذا الشعب نظرة تختلف عن التي كانت سائدة قبل ذلك.

د. حيدر عبد الشافي:

يعني لا أستطيع أن أبالغ في أهمية هذا..يعني الأهم في الموضوع لنجاح العمل المسلح -كما قلت- هو أخذ كل الاعتبارات المتعلقة بالعمل المسلح

بالاهتمام، ومنها مثلاً توحيد الكفاح المسلح.

يعني إحنا مارسنا عمل مسلح بفيالق متعددة غير منسق بينها التنسيق الكافي، كل تنظيم سياسي كان له عمل مسلح منفصل، وهذا كان يعني شيء مردوده سلبي للغاية، ثم بعد ذلك يعني إحنا تجاوزنا حقيقة أن العدوان الصهيوني له بُعد

قومي، يجب -أيضاً- أن ينسق بين العرب..بين الدول..يعني الفلسطينيون مارسوا الكفاح المسلح بدون تنسيق مع الدول العربية المضيفة، دول الطوق، كل هذه كانت أخطاء لا نستطيع أن نتجاهلها، وهي سبب إخفاق هذا العمل المسلح.

محمد كريشان:

ولكن دكتور حتى على افتراض ضرورة التنسيق مع الدول العربية، دول

الطوق، وضرورة الإعداد الجيد، يعني ربما هذا المنطق إذا من أُخذ به في تلك الفترة، فقد لا ينطلق الكفاح المسلح على الإطلاق، يعني إذا كان لابد من التنسيق مع مصر، ومع سوريا، ومع الأردن، ومع لبنان، وضرورة الإعداد الجيد لها هي معطيات -لا محالة- موضوعية، ولكن قد تكون المبالغة في مراعاتها تؤدي في النهاية إلى عدم انطلاق الكفاح المسلح أصلاً يعني؟

د. حيدر عبد الشافي:

وهنا يرد السؤال، هل الأفضل أن نخوض عمل مسلح غير ناجح؟ أم ننتظر ونصر على أن نأخذ في الاعتبار كل ما يتعلق بهذا الكفاح المسلح، كي يكون كفاح ناجح، يعني لا جدوى إطلاقاً من خوض كفاح مسلح دون التحضير الكافي له بكل الوجوه، بما فيها التنسيق مع الدول العربية أصلاً، من أن نخوض كفاح مسلح محكوم عليه بالفشل، بسبب عدم الأخذ بهذه الاعتبارات.

محمد كريشان:

نعم، في تلك الفترة أيضاً رُفعت شعارات عديدة، من أهمها: حرب

الشعبية، حرب شعبية طويلة الأمد حتى تحرير فلسطين، كامل فلسطين..يعني الآن إذا نظرنا إلى هذا الشعار بعد كل هذه السنوات، يعني هل الخلل في الشعار؟! أم الخلل في الأداة والإعداد، مثلما تفضلتم؟ هل الخلل في عدم إدراك طبيعة

الصراع، وبالتالي اختيار أسلوب آخر غير الكفاح المسلح، أين الخلل بالتحديد؟

د. حيدر عبد الشافي:

هو الخلل حقيقة في التنفيذ، يعني شعار حرب شعبية طويلة الأمد، شعار

صحيح، لكن لم يوفر ما يلزم لنجاح مثل هذا الشعار، أو هذا الأسلوب، لابد من اتفاق فلسطيني عربي، يعني لابد من تفعيل مفهوم البعد القومي في مواجهة العدوان الصهيوني، وهذا مع الأسف أُهمل..أُهمل من البداية، برغم أنه من البداية الجميع أقر بأن العدوان الصهيوني له بُعد قومي، لكن لم..يعني يُعمل بموجب هذا المفهوم، بموجب هذا المبدأ، يعني وصف الحرب الشعبية طويلة الأمد تعني إنه يجب أن يكون هناك سند للعملية العسكرية كما كان الحال -مثلاً- في (فيتنام).

كانت (الصين) و(روسيا) سند للعمليات العسكرية في فيتنام، وكانت حرب شعبية فعلاً، ونجحت في النهاية ضد أعتى وأقوى قوة عسكرية في العالم وهي (أمريكا) وما اتخذته من أساليب همجية وعدوانية شديدة، لكنها لم تنجح إزاء الحرب الشعبية الفيتنامية، فهنا كان خلل بدون شك.

محمد كريشان:

ولكن البعد القومي -دكتور- البعض يراه سنداً لا مفر منه، والبعض الآخر يراه مصيبة للشعب الفلسطيني، يعني مصيبة، ليس على صعيد الشعار البعد

القومي، وإنما على صعيد كيف تفاعلت الحكومات العربية الرسمية مع القضية الفلسطينية.

يعني انطلاقة الكفاح المسلح الفلسطيني في بداياته كانت محل -حتى- تساؤلات مريبة، يعني الكل يتذكر كيف كانت نظرة مثلاً الزعيم الراحل جمال عبد الناصر لحركة (فتح) وبدايات الكفاح المسلح، وكان يُنظر على أنها قد تكون محاولة لجر الدول العربية إلى صدامات غير محسوبة، يعني ربما أحد الذين ينتقدون -حتى- بشدة الرئيس ياسر عرفات ينظرون إلى انطلاقة الكفاح المسلح على أنها بداية الخلاص مما كان يوصف -وقتها- بالوصاية العربية على القضية الفلسطينية، إذن كيف يمكن أن نوفق بين ضرورة توفر البعد القومي، وهذه النقطة بالتحديد؟

د. حيدر عبد الشافي:

هنا يعني الخلل واضح، أولاً حجم العدوان الصهيوني، قدرة الصهيونية وبإعدادها العسكري والسياسي كان بمقياس فوق ما لدى الفلسطينيين من حالهم، بل يفوق ما لدى الفلسطينيين والعرب، ولذلك مقولة..المقولة اللي روجتها فتح بأنه إحنا نريد أن ننطلق، لنجر العالم العربي –رغم إرادته- إلى حرب مع إسرائيل، أنا لم أفهم هذا المنطق إطلاقاً، يعني هل المسألة كيدية؟ نحن نشعر بأن العالم العربي متراخي، ولذلك نحن نقحمه في حرب هو غير مستعد لها، أنا لا أستطيع أن أفهم هذا المنطق.

الحقيقة أنه منذ بداية العدوان الصهيوني، منذ بداية الانتداب، وقيام (إنجلترا) بإدخال اللاجئين اليهود، وكذا..الكل أجمع أن للكفاح والتصدي بعد قومي من حيث النظرية، وكذا الكل..اتفق على هذا، ولكن لم يعمل حداً على تحديد مفهوم البعد القومي، وتفعيل مفهوم البعد القومي، وكان هذا إخفاق فلسطيني -في نظري- لأنه الفلسطينيين المعرضين للعدوان المباشر كان عليهم أن يُصروا على مفهوم البعد القومي، وأن يعملوا على حمل الدول العربية أن تلتزم بهذا

المفهوم، وأن تعمل بموجب هذا المفهوم.

الامتحان جاء في وقت قريب، في حرب 48، وفي حرب 48 تبين إنه فيه انتهاك للبعد القومي، لأن الجيوش العربية التي دخلت لم تدخل متحدة، بل كان هناك مطامع إقليمية وذاتية..وبعد النكبة، نكبة 48 يعني كان فيه شيء من مفهوم البعد القومي بإحكام الطوق حول إسرائيل من قبل الدول العربية المجاورة، هذه كانت استراتيجية قومية ما في شك، لكن مع الأسف هذه انتهكت أيضاً في فيما بعد وأولها من قبل (السادات) الذي كسر هذا الطوق بحجة أن لا طريق لنا إلا طريق السلام.

محمد كريشان:

يعني هو ربما من الصعب أن نُعيد عقارب الزمن إلى الوراء، ولكن هل كان -ربما- من الأفضل في الـ 65 أن يجري تفعيل المقاومة والكفاح المسلح من الداخل مثلاً، عوض المراهنة على قوات فلسطينية موجودة كانت في سوريا أحياناً، في الأردن، ثم خرجت من الأردن، ثم انتقلت إلى لبنان قبل أن تتشتت بعد الغزو الإسرائيلي للبنان عام 82، يعني إلى جانب تحفظاتكم حول الإعداد والشعار في الفترة تلك، هل كان لديكم أيضاً تحفظ على رقعة التحرك؟

د. حيدر عبد الشافي:

نعم، يعني العمل العسكري له مقتضيات، وله يعني أشياء كثيرة لابد من الأخذ بها، لا يجوز الإقدام على العمل العسكري بشكل ارتجالي، أو نصف ارتجالي، أو كذا..يعني قضية خطيرة جداً، ولذلك هناك..كان هناك استعجال طبعاً، يعني أنا أتصور أن محنة الشعب الفلسطيني بالشتات، وكل ما إلى ذلك..يعني جعلت الشعب الفلسطيني مستعجل، ملح، غير منتظر، مستعد أن يتهم الآخرين.

كل هذه الأمور، وهذا كان خطأ يعني، كان هذا أقرب إلى الانفعال منه إلى الموقف الذي يفكر بهدوء، ومن هنا كان ارتكاب الأخطاء المتتالية، يعني مادام قلنا إنه فيه بعد قومي، إذن لابد أن نلتزم بهذا المفهوم، لابد أن لا نقدم على أي عمل، إلا أن نصل إلى وفاق مع العالم العربي، على الأقل مع دول

الطوق، وننسق بين بعضنا، أما أن نقوم بعمل بدون مشاورة، بدون

تنسيق، النتائج واضحة.

محمد كريشان:

نعم..يعني إذا أردنا الآن نصدر نوع من التقييم لموضوع الكفاح المسلح، الآن يعني هل يمكن القول الآن إن الكفاح المسلح صفحة وطويت في تاريخ الشعب الفلسطيني، أم كل الاحتمالات تبقى واردة؟

د. حيدر عبد الشافي:

لا، كل الاحتمالات تبقى واردة، يعني إذا طويت فهي طويت مؤقتاً، لأنه من حقنا أن نلجأ إلى كل الوسائل، بما فيها ا لكفاح المسلح للدفاع عن أنفسنا، ما في أي شك أو تردد في هذا، نحن من حقنا أن نخوض كفاح..يعني الحقيقة يعني إذا أردنا أن نرى الأشياء بشكل صحيح، فالموقف الإسرائيلي قراءته الصحيحة هو أنه دعوة إلى القتال، ولو كان لنا عندنا القدرة أن نقاتل كان يجب أن نقاتل الآن، لأنه الموقف الإسرائيلي واضح، لا..لا يمكن أن أقرأ الموقف الإسرائيلي إلا أنه دعوة إلى العنف وإلى القتال، لكن لا يجوز أن نقاتل إلا أن نُعد

أنفسنا، ونقاتل قتال ناجح، وليس قتال مخاسر.

محمد كريشان:

نعم، ولكن ألا تبدو الصورة -دكتور- بأن الآن ربما على الشعب الفلسطيني أن يخوض..من حقه أن يخوض تجربة أخرى، البعض يدعو إلى النضال اللا عنفي، إلى عبر التحرك الشعبي، عبر المظاهرات، عبر الاعتصامات، عبر..يعني هناك مُنظرون عديدون ليس فقط على الساحة الفلسطينية، وإنما حتى في كل تجارب حركات التحرر، نضال اللا عنف يعني هل يمكن أن يقود اللا عنف إلى نتائج ملموسة مع عدو مثلما ذكرت -في الحقيقة- يدعو إلى القتال أكثر مما يدعو إلى شيء آخر؟

د. حيدر عبد الشافي:

أولاً: أنا أعتقد أن إسرائيل يعني مصممة على يعني أن تبقي نفسها متفوقة عسكرياً على العالم العربي، الجانب العربي بكليته، فلسطينيين وعرب، وهم هذا المبدأ تبنوه في المؤتمر الصهيوني الأول، أن السبيل إلى تحقيق الأهداف هو القدرة العسكرية، وقرروا يعني -في ذلك المؤتمر- إنشاء قدرة عسكرية كبيرة، وقوة اقتصادية أيضاً، والتحالف مع قوة خارجية عسكرية..

الآن إحنا يجب أن نبدأ في إعداد أنفسنا، أن نأخذ كل ما هو مطلوب لتجهيز أنفسنا لعملية المقاومة، وقد تتطور إلى قتال يعني هجومي ناجح إذا أعددنا الإعداد الجيد، وربما إسرائيل حينما تشعر بأن الجانب الفلسطيني والعربي بدأ يأخذ الأمور بهذا القدر من الجدية المتسمة بالتنظيم والإعداد، ربما هم يعني يتخلوا عن ال..يغيروا نهجهم وموقفهم.

على كل حال كيف أمكن أن نرى يعني الرد الإسرائيلي، لا مناص من أن نسير بالأمور بالشكل المنطقي والقانوني، لا يجوز أن نقفز على خطوات، أو يعني درجات لا يجوز القفز عنها، لابد أن نستفيد من تجارب الماضي، ولنا تجارب مريرة، وقاسينا الكثير، كمان يعني العمل العسكري لابد أن يكون عمل

موحد، مع الأسف العمل العسكري من 65 إلى 82 عمل غير موحد، كل تنظيم سياسي كان له قيادة، وكان له كذا..وكذا..يعني كان هو شيء لا يمت إلى العمل العسكري بشيء.

محمد كريشان:

يعني طالما عدنا إلى موضوع الفصائل، الآن نجد أن فتح -على الأقل كقيادة- راهنت على خيار التسوية، وخيار المفاوضات، ولم تعد فتح ذلك الفصيل العسكري القوي بالمفهوم التقليدي كمقاتلين، انخرط في أسلوب آخر، فصائل أخرى بقيت خارج، في الخارج في سوريا تحديداً، أو بعضها في لبنان، وفي البقاع، لكن أساساً في سوريا، بالنسبة لهذه الفصائل هل أصبحت تلهث وراء سراب؟ يعني هل الآن إعداد مواطنين فلسطينيين خارج مناطق فلسطين، وفي دول عربية أخرى، هل مازال لإعداد هذا المقاتل معنى في هذه الظروف؟

د. حيدر عبد الشافي:

أنا شخصياً يعني غير مرتاح لما يجري بشكل عام، وأشعر إن كثير من الجهود القائمة تذهب هباءً، بدون مردود إيجابي، أول ما هو مطلوب أن يكون هناك تحول ديمقراطي، أنا طبعاً تحول ديمقراطي، أنا أتكلم أولاً بالنسبة للفلسطينيين في الداخل، يعني لا يمكن أن نصل إلى شيء بالوضع الحالي، فتح، حماس، الجبهات الديمقراطية، وكذا..وكل حداً بيشتغل من حاله..هذا وضع لا يمكن أن يوصلنا إلا إلى الدمار..

المطلوب هو أن نصل إلى موقف فلسطيني موحد، بمعنى أن يكون هناك وجهة نظر واحدة، قرار وموقف ملتزم به من الجميع، وطبعاً هذا لا يمكن أن يكون إلا على أساس ديمقراطي، على أساس رأي الأغلبية، معنى هذا إنه يجب أن تتوقف فتح عن ال..يعني..الإصرار على أنه يجب أن تسير الأمور من خلال فتح..أو المسلمين من الناحية الأخرى، أو الجهات الأخرى، يعني كفانا..كفانا يعني كل ما حدث نتيجة هذا الوضع.

نحن بحاجة أن يكون هناك قرار واحد نلتزم به، وهذا يجب أن يكون قرار الأغلبية، لا..لا يمكن أن نقبل أن يكون القرار لفتح، أو لحماس، أو للجبهة الشعبية، أو الديمقراطية، لأنه في حلقة مفرغة، ولن نصل إلى شيء، فإذن لابد..لابد من تحول ديمقراطي.

محمد كريشان:

دكتور طالما أشرتم إلى موضوع حماس وبقية الفصائل الأخرى، البعض ينظر إلى حماس وكأنها الوريث للنضال الفلسطيني الحقيقي، ليس على أساس أطروحاتها الأيديولوجية، وإنما على أساس إصرارها على التمسك بخيار النضال المسلح، يعني كيف تنظرون إلى هذه النقطة التي تعتبر أن حماس هي الأولى الآن بالدعم، على أساس إنها الأكثر أمانة -من وجهة نظرهم- على أساس تحمل مسؤوليات شعارات النضال الفلسطيني المسلح تحديداً؟

د. حيدر عبد الشافي:

يعني أظن أن هذا الوضع..التعاطف المتنامي مع حماس، هو ليس بالنسبة لموقفها وأيديولوجيتها وهكذا، هو يتنامى بالنسبة لإخفاقات السلطة الفلسطينية، هذا هو السبب، لكن ليس لحماس، قد تكون حماس منظمة في عملها أكثر من الجهات الأخرى، لكن قطعاً أنا لا أقول أن حماس هناك أي سبب لتكون تتبوأ مركز..مركز القيادة يعني، أنا باعتقد نحن بحاجة إلى موقف فلسطيني

متحد، تشارك فيه كل القوى السياسية، لكن طبعاً الجهتين الموجودين على الساحة الآن هي السلطة، وفتح، وحماس، ولذلك يبدو الموضوع كأنما هناك يعني..

محمد كريشان [مقاطعاً] :

بديلين يعني؟

د. حيدر عبد الشافي [مستأنفاً] :

آه..بديلين، وأنا أقول -الحقيقة- إنه النظر إلى الأمور بهذا الشكل -من وجهة نظري- غير مقبول وغير صحيح، وأقول ثانية نحن بحاجة إلى تحول ديمقراطي، لا نستطيع أن نهمل كل القوى على الساحة، بل من واجبنا أن نشرك كل

القوى، وهناك قوة غير منتسبة حزبياً، ولا يجوز أن نهملها، يجب أن نمهد الطريق ليشارك كل الفلسطينيين في المجهود الوطني.

محمد كريشان:

هذا التحول الديمقراطي هل هو عملية سهلة؟ يعني بمعنى هل يمكن ببساطة أن نجمع منطق السلطة الذي أصبح يراهن على ترتيب تسوية معينة ضمن اتفاقات معينة، وبين منطق حماس الذي مازال يتمسك بعمليات تفجيرية هنا وهناك، بين منطق فصائل أخرى مازالت بعضها حتى قياداته تقيم في الخارج..يعني ربما العملية أعتقد بكثير مما، مما يُعتقد يعني؟

د. حيدر عبد الشافي:

ما في شك أن العملية معقدة، وأنا لا أقبل منطق السلطة الحالي، ولا أوافق عليه إطلاقاً..أن السلطة تبقى، تجلس على طاولة المفاوضات، الأمر الذي يعطي الانطباع للعالم بأن الأمور تسير نحو الهدف المنشود، وأن الأمور بخير، وإسرائيل تستمر في استغلال هذا الموقف لصالحها، وأن إسرائيل من خلال هذا العمل أقامت عقبات أساسية ضد تحقيق الحق الفلسطيني في قيام دولة، فهذا موقف غير مقبول، أنا أنادي، وأستمر بالمناداة بتعليق المفاوضات حتى لا يكون العالم تحت أي وهم بأن هناك عملية سلام حقيقية، عملية السلام ميتة منذ زمن، ولكن حينما نعلق المفاوضات نؤكد أن ذلك لا يعني أننا..يعني قطعنا أنفسنا، يعني تنكرنا لمبدأ السلام، لا، نؤكد أننا ما نزال ملتزمين بمبدأ السلام، لكن على شروط إن إسرائيل تتوقف عن عملية الاستيطان بالمرة، ويجب عليها أيضاً أن تعترف بحق الفلسطينيين في تقرير المصير والدولة المستقلة، طبعاً إسرائيل الاحتمال أنها لن تقبل، ولن تفعل هذا، فإذن ماذا نفعل؟ لا يوجد هناك طريق إلا أن نلتزم برأي الأغلبية، ومعنى هذا التحول الديمقراطي، ونتحد كلنا، حماس وسلطة وقوى أخرى على هذا الأساس، ونعمل بهذا الشكل.

محمد كريشان:

نعم، يعني موضوع المفاوضات، يعني إذا أردنا أن نعود إلى قضيتنا الرئيسية، وهي الوقفة التأملية للنضال الوطني الفلسطيني بعد كل السنوات هذه، يعني هل تنظرون بأن الحلم في تحرير فلسطين كما بدأ يتراءى -على الأقل- في الستينات، ومع انطلاقة الثورة الفلسطينية المسلحة الآن، وقد اُختُزِل في تفاصيل، وفي نسب مئوية وغيره من تفاصيل التسوية..يعني هل هو شيء محبط للجماهير الفلسطينية وللجماهير العربية التي تابعت القضية، أم ربما هي مرحلة سيئة ستمر، وسيعود للحلم الفلسطيني تألقه؟!

د. حيدر عبد الشافي:

نرجع إلى ما قبل عملية مدريد، عملية السلام..كان واضح تماماً إن إسرائيل بعد احتلال 67 تسير بدأب على ما قررته في المؤتمر الصهيوني الأول، اغتصاب الأرض، وإقامة حقائق مادية على الأرض، لتواجه العالم بالأمر الواقع، هذه كانت استراتيجية إسرائيلية على الدوام.

إحنا بعد الانتفاضة -والتي لم تنجح لأسباب لا نريد أن نتطرق لها- كنا فعلاً في وضع يعني وضع إحباط، ماذا نفعل؟ وفي التعددية الفلسطينية الغير منسق فيما بينها، المتصادمة، فعلاً كنا في موقف خطير، ودخلنا عملية مدريد على أمل أن يكون هناك موقف جديد لأمريكا تناصر فيه ما هو متطلبات السلام، لكن هذا لم يتحقق، ودخلنا في بداية المفاوضات في مأزق تفاوضي، لأن إسرائيل بقيت مستمرة في استلاب الأرض، وإقامة الحقائق، وتنكرت لمرجعية السلام اللي هو القرار 242.

أنا رأيي إنه كان علينا منذ ذلك الوقت، إحنا ما دخلنا مدريد حتى نبقى ماشيين في مدريد، دخلناها على أمل أن أمريكا ستتخذ موقف موضوعي غير

منحاز، مادام أمريكا لم تفعل هذا، وإسرائيل بقيت تسير في نفس الطريق، كان واجب علينا منذ ذلك الوقت أن نُعلق المفاوضات، ونقول: إحنا دخلنا بصدق وبإخلاص في عملية سلام، ولكن الجانب الآخر لا يريد، ونضع العالم أمام مسؤولياته، ونُكرس جهودنا للوضع الفلسطيني الداخلي من حيث الإعداد وتوفير كل ما يجب توفيره فلسطينياً، ثم عربياً على أساس البعد القومي.

لكن مع الأسف قيادتنا السياسية أصرت على الاستمرار بالإدعاء -حتى بعد أوسلو- أن هناك عملية سلام ناجحة، وتسير، وكذا، وكل ما إلى..إلى أن وصلنا إلى المأزق الحالي، ومع ذلك السلطة تُصر -حتى الآن- أن العملية ماشية وناجحة، وهذا شيء أنا لا أستطيع أن أفهمه.

محمد كريشان:

يعني حتى مع حصول السلطة على بعض المكاسب المحدودة، المليئة

بالشروط، مازلتم تعتبرون بأن لم تعد هناك أصلاً عملية سلمية؟!

د. حيدر عبد الشافي:

ما قيمة هذه المكاسب إزاء ما أقامته إسرائيل من حقائق مادية على الأرض؟! يعني في كل المناطق المحتلة، خصوصاً في القدس وما حولها، وفي الخليل وما

حولها، في الغور..في كل الأماكن.

لا نستطيع أن نخادع أنفسنا إلى هذا الحد..يعني ما قيمة هذه المكاسب التي حققناها إذا كان الهدف النهائي -وهو حقنا الدولة المستقلة- لا يمكن تحقيقه أمام ما حققته إسرائيل من حقائق مادية في الأراضي المحتلة، لابد..يعني واجبنا أن نُطلع العالم، ولا نبقي العالم تحت أي وهم بأن هناك..لأن في النهاية العالم..سوف إذا..في نهاية المطاف بنقول الله..الأمور ما مشيتش العالم مش هيسامحنا.

لذلك يجب -من البداية- أن نقول للعالم أن إسرائيل انتهكت، وتمردت على مبدأ السلام، ونضع العالم أمام مسؤوليته، قضية السلام في المنطقة هي ليست، يعني هي صحيح -بشكل مباشر- هي اهتمامنا ومتعلقة بمستقبلنا، لكن هي أيضاً مكان اهتمام للعالم أجمع.

محمد كريشان:

أشرتم -منذ قليل- إلى ضرورة بقاء الاستعداد الفلسطيني لكل الخيارات، ولابد من توحيد الجهود، ولكن ربما هناك إشكال، يعني هو كيف يمكن لأي قيادة سياسية -على الأقل في الوضع الفلسطيني الحالي- أن تقول، وتؤكد، وتكرر بأنها مع خيار التسوية، ومع السلام، وفي نفس الوقت تُعد نفسها لبدائل أخرى قد يكون من بينها العودة إلى الكفاح المسلح وخيار السلاح، و..يعني هل هناك إشكال في ترك رِجل هنا، ورِجل هنا؟!

د. حيدر عبد الشافي:

لا، لا يجب أن يكون هناك إشكال، نحن نبقى مستعدين، وملتزمين بمبدأ السلام إذا استجابت إسرائيل، والتزمت بدواعي السلام، مفيش في هذا يعني..أنا شخصياً مع تأكيد هذا المبدأ، بإنه إحنا إذا علقنا المفاوضات، يجب أن لا يفهم منها إن إحنا خلاص قاطعنا عملية السلام بالمرة ولا رجعة لها، لا، إحنا مستعدين أن نرجع إذا إسرائيل التزمت بما ينبغي أن تلتزم به.

وفي نفس الوقت ومن خلال معرفتنا أن إسرائيل تبنت العنف والقوة كمبدأ أساسي، لنرجع إلى المؤتمر الصهيوني الأول، والقرارات والمبادئ التي تبناها هذا المؤتمر، وأن تبنوا في النهاية مبدأ السلام من خلال القوة..معنى هذا أن إسرائيل لا تريد سلام على أسس عادلة، تريد سلام على شروطها هي، هذا هو الموقف الإسرائيلي.

محمد كريشان:

نعم، يعني العملية الجارية حالياً، ومن خلال تلويح الرئيس الفلسطيني من حين إلى آخر بموضوع الدولة الفلسطينية، أنتم على ما يبدو لديكم بعض التحفظات حول هذه النقطة تحديداً، موضوع إعلان الدولة، ولكن ربما للذين يتحمسون لهذه الفكرة يقولون: "ما المانع في فرض أو على الأقل محاولة فرض واقع سياسي جديد" بمعنى إعلان الدولة قد يكون بعد كل هذه السنوات، وكل هذه المراهنات بما فيها التسوية الأخيرة، قد يضع العالم في مواجهة تطور غير مسبوق، عليه أن يتعاطى معه، سواء الاتحاد الأوروبي، أو روسيا الاتحادية، أو غيره..وبالتالي قد تصبح إسرائيل في عزلة دولية من جديد من خلال هذه الخطوة؟

د. حيدر عبد الشافي:

أولاً: نحن أعلنا قيام دولة فلسطينية من عشر سنين وأكثر، والحق الفلسطيني في دولة مستقلة، وحقه في تقرير المصير، مسائل لا جدال فيها، هي ثابتة تاريخياً وقانونياً، وليست بحاجة إلى إعلان، في الحقيقة الإعلان يعني تجسيد هذا الحق على أرض، وأن يكون لنا حرية الحركة وحرية الخيار، الأمور التي نفقدها، ليست معنا!! فماذا يعني إعلان الدولة؟ خصوصاً في ظل يعني تهديد إسرائيل، وعدم قناعة العالم الغربي؟!

يعني لو فرضنا أعلنا الدولة، وإسرائيل تهدد بأنها ستتخذ إجراءات، ربما كما بتقول بتضم أقسام كبيرة من الضفة الغربية، ماذا هيكون ردنا على هذا الموضوع؟ هل سنخوض قتال فاشل بمخاسر وإحباطات جديدة أم ماذا؟ يعني أنا أريد أن أفهم منطق إعلان الدولة في هذه الظروف، هل يعني تنامى إلى علمنا أن العالم سيتخذ موقف مؤيد؟ وموقف يريد أن يتصدى للموقف الإسرائيلي؟! أنا لا لا أدري، يعني على الأقل النية لهذا الإعلان يجب أن يكون لها منطق.

محمد كريشان:

يعني مثلاً تجمعات مثل الاتحاد الأوروبي أو غيره، الدول الإفريقية، الدول

العربية، برأيكم غير قادرة على التعاطي الإيجابي مع مثل هذا الإعلان؟! يعني طالما أن هذا الإعلان سيستند إلى مرجعية قرار 242، والحدود المقامة دولياً في 67..يعني برأيكم هذا لا يخلق واقع سياسي جديد في اتجاه الضغط على إسرائيل حتى..يعني ربما يكون الإعلان لهذه الدولة تسريع لبقية مراحل التسوية ربما؟!

د. حيدر عبد الشافي:

ماذا يعني التعاطي الإيجابي؟! إذا كان التعاطي الإيجابي خلينا نقول يعني..يعني يعني الاعتراف الأوروبي بهذه الدولة الكذا، أنا أقول إسرائيل لن تتأثر، ولن تلين في موقفها إلا من خلال إجراءات عملية، إذا كانت أوروبا مستعدة أن تتخذ مواقف عملية ترغم إسرائيل، يعني تضغط على إسرائيل لتغيير موقفها، إذا كنا نضمن هذا قبل الإعلان، كويس..نعلن، يعني إذا كان أوروبا من خلال اعتقادها أو موقفها بحق الفلسطينيين أن يعلنوا دولة، وإسرائيل تمردت على هذا، مستعدين –مثلاً- يعملوا مقاطعة اقتصادية، مستعدين إنهم يقلصوا التبادل الدبلوماسي، يعني هناك أشياء كثيرة التي يمكن أن تتخذها أوروبا.

طبعاً القدر الحقيقي للضغط على إسرائيل هو مع أمريكا التي تساعد إسرائيل مالياً وعسكرياً، لكن أيضاً أوروبا تملك من وسائل الضغط ما يكفي لتغيير الموقف الإسرائيلي، كل هذا هو في وضع الحسبان، إنما غير متأكدين من هذا، وأنا من خلال لقاءات مع شخصيات أوروبية سياسية، لا أشعر أن هناك استعداد أوروبي لمثل هذه الأشياء.

محمد كريشان:

ولكن طالما أن إسرائيل تسعى في مناسبات عديدة إلى فرض الأمر الواقع، هل يمكن للجانب الفلسطيني أن يتبنى نفس الموقف؟ بمعنى إعلان الدولة كفرض للأمر الواقع، أو كمحاولة لفرض أمر واقع مختلف، وبالتالي قد تخلق حركية سياسية جديدة، قد لا ندرك ملامحها منذ الآن يعني؟

د. حيدر عبد الشافي:

يعني أنا لست بالمرة ضد مبدأ إعلان الدولة، لكن أنا أخشى من مضاعفات قد تحدث بسبب إعلان الدولة، ونعاني منها نحن..يعني نحن لسنا في موقف أن نتعرض لمسائل تزيد من إحباطنا، وتشعرنا باليأس، وتكون كأنما إعلان الدولة هو المحاولة الأخيرة ولم تنجح، ولذلك لا جدوى من عمل أي شيء.

لا نريد أن نتخذ أي موقف..فعلاً يسوقنا إلى اليأس، نحن في وضع إحباط، لكن نستطيع أن نتغلب على هذا الوضع بإجراءات محددة كما حددناها، والعملية طبعاً طويلة الأمد، وبطيئة، ويجب أن يعرف الكل هذا، لا يوجد هناك خروج من المأزق الحالي، خروج سريع..يعني أنا دائماً بأقول أنا لا أعتقد أن أولادي سيروا النهاية، ربما أحفاده يشوفوها، ولا يجب أن نفقد صبرنا، ويعني استمرار محاولاتنا المتأنية لرؤية الأمور بالرؤية الصحيحة، ونتصرف على هذا الأساس.

محمد كريشان:

لكن ماذا إذا كان إعلان هذه الدولة يمكن أن يشكل لحظة فرز؟ وربما ما تفضلتم بذكره طول هذه المقابلة من ضرورة توحيد الصفوف بين السلطة وحماس والفصائل الأخرى، وضرورة شحذ كل الجهود الشعبية وغيرها، ربما تكون لحظة إعلان الدولة، وما ستفرزه حتماً من مضاعفات ميدانية، وسياسية، هي لحظة الفرز هذه؟

د. حيدر عبد الشافي:

أنا مع لحظة الفرز بإعلان الدولة وبغير إعلانها، هذه ضرورة ومسؤولية وطنية على الجميع، على السلطة، على فتح، على حماس، على الفصائل المقاومة، إحنا يعني أخلاقياً مسؤولين، لا نستطيع أن نبالغ في مواقفنا الفئوية، أو الشخصية، نحن بحاجة إلى وحدة موقف، ويجب أن نتخلى عن كل حساسياتنا، ونعمل من أجل موقف فلسطيني موحد، وبدون هذا لن نصل إلى شيء.

محمد كريشان:

دكتور حيدر عبد الشافي شكراً جزيلاً.

د. حيدر عبد الشافي:

شكراً.