مقدم الحلقة محمد كريشان
ضيوف الحلقة - د. هشام جعيط، مفكر ومؤرخ تونسي
تاريخ الحلقة 13/04/1999




د. هشام جعيط
محمد كريشان
محمد كريشان: دكتور هشام جعيط، أهلاً وسهلاً، دكتور اهتماماتكم -كمؤرخ- بالتاريخ العربي الإسلامي اهتمام معروف وشهير على الساحة العربية، ولكن إذا أردنا أن نطلب من مؤرخ أن يلقي بنظرة نقدية فاحصة للواقع العربي اليوم، إذا أردنا أن ننطلق من هذه المسألة، ما الذي يمكن يقول مؤرخ في واقعنا اليوم؟

د. هشام جعيط: في اعتقادي أنا المؤرخ لا يمكن له أن يقول أي شيء، إذا كان فعلاً مؤرخاً مهنياً اهتم طول حياته بواقع ماض ليس له ما يذكر، ولذا أنا سأكلمك من موقع ليس المؤرخ، لكن الرجل الذي كتب عن الوضع العربي المعاصر من وجهات متعددة، ولم يقف فقط عند الإنتاج التاريخي العلمي.

محمد كريشان: نعم، ولكن الخلفية التاريخية المتخصصة هل تجعلكم تنظرون إلى الواقع نظرة تختلف عن نظرة أي مراقب عادي؟

د. هشام جعيط: صحيح –فيما يخصني- تجعلني أنظر إلى الواقع بمنظور آخر فيه ما يسمى "بالعمق التاريخي".

محمد كريشان: يعني مثلاً إذا تابعتم حدثاً معيناً، هل تكتفون كأي معلق سياسي، أو متابع، أو مراقب -كما يسمى- بظواهر الأشياء أم هذا العمق الأكاديمي لديكم يجعلكم دائماً تعودون إلى جذور كل قضية، وإلى خلفياتها السياسية والتاريخية، وال..

د. هشام جعيط: طبعاً، طبعاً واضح، هذا ضروري.

محمد كريشان: يعني رأيكم في الواقع العربي اليوم؟

د. هشام جعيط: هو وضع عادي ليس بالجيد، وليس بالسيئ جداً يعني.

محمد كريشان: كيف؟

د. هشام جعيط: العالم العربي عرف تحولاً كبيراً اعتماداً على الهزة التي اهتز بها في حرب الخليج منذ تقريباً عشر سنوات أو أقل، عرف انحساراً كبيراً في وجوده السياسي والدبلوماسي وحتى الاقتصادي، ونوعاً من الاستقرار أيضاً، لكنه اعتبر أن هذا الاستقرار هو استقرار جامد، أي استقرار دون حياة حقيقية، ودون حيوية، ودون ثقافة، ودون تأكيد وجود من أي وجه في العالم.

محمد كريشان: ولكن هذا الاستقرار الجامد -دكتور- يعني هل تقصد هنا استقرار الأنظمة، استقرار الوضع الاجتماعي؟ وهل يعود هذا الاستقرار إلى نوع من الإحباط إذا أردنا أن نصف الوضع العربي منذ حرب الخليج كما أشرت؟

د. هشام جعيط: لا طبعاً، هو استقرار هذه الأنظمة دون تغير.. جمودها، والمجتمعات تتغير أكثر من الأنظمة، فثمة دائماً تغيير لا نحس به من أول وهلة، ولكن نحس به عندما نقارن ما كان الأمر عليه منذ عشرين سنة وما صار إليه الأمر الآن، ثمة دائماً تغيير، التاريخي الإنساني هو تغير، بالخصوص في المجتمعات، إنما لأن الأجيال تتغير، لا.. إنما أقصد بالوضع الجامد هو أعمق، في أخر المطاف أعتقد أن الذي يحصل في العالم اليوم، فيما يخص العلاقة الكبرى بين العالم الثالث مثلاً وبين الغرب هو أن العالم العربي –وحتى العالم الثالث- وجد –في آخر المطاف الآن- شخصيته ورجع بشخصيته إلى حقيقته، وحقيقته هي حقيقته، فيها الإيجابي، يوجد الهوية الشخصية والاكتفاء بالذات في عدة أمور، ومن جهة أخرى ثم أيضاً الحدود الكبيرة التي تجعله لا يشارك في ما هو –حقيقة- حديث، في العالم اليوم، هذا يخص العالم العربي، ولكن يخص أيضاً عدة.. أغلب العالم الإسلامي تقريباً، بخصوص العالم الغربي بعد ثلاثة عقود.. أقول من التعاون مع العالم الثالث في ذلك العالم العربي، أو حتى بعض الصراعات الخفيفة وأظهر فيها كل العالم الغربي نوع من المحاباة، وفتح الأفق التاريخي لهذا العالم الذي كان مستعمراً لمدة قرن وغير ذلك، أظهر الآن قوته، أراد أن يرجع لموازين القوى الحقيقية، وقد نسي هذه الموازين -مثلاً- القادة العرب.

محمد كريشان: لماذا تصفها بالموازين الحقيقية؟

د. هشام جعيط: الموازين الحقيقية لأن العالم العربي –من الوجهة الاقتصادية- لا يمتلك شيئاً، هو فضاء كبير جداً، فيه تقريباً 220 أو 250 مليون من السكان، لكن مدخول كل العالم العربي بما في ذلك البترول لا يساوي ثلث مدخول فرنسا الاقتصادي، ما يساويش.

محمد كريشان: إذاً لدينا نوع من التضخيم للذات دون وزن حقيقي على الساحة الدولية؟

د. هشام جعيط: وقع هذا التضخيم للذات في فترات معينة، نحن العرب وجاءتنا نشوة، النشوة هذه أراد العالم الغربي أن يوقفها، وفي بعض الأحيان بحق، لأن هذا عالم ماعندوش ثلث مدخول الخام فرنسا، ما عندوش ربع مدخول ألمانيا، كل من العراق إلى المغرب، ما عندوش، هذا الواقع، أرقام، من الوجهة الثانية، أغلبها صحاري وكذا، ما عندوش جيوش قادرة من الناحية العسكرية، ما عندوش أي مقدرة تقنية، ما عندوش، ما عندوش.. ما عندوش أي شيء.

محمد كريشان: لكن دكتور، نحن دائماً نردد أن الدول العربية إذا امتلكت إرادة سياسية بالإمكان أن تصبح رقماً ذا وزن في الساحة الدولية، هل هذا ممكن؟

د. هشام جعيط: يلزم نفهم أن الآن –في آخر القرن العشرين- الذي حصل هو محاسبة الذات، ومحاسبة الذوات، والاعتراف بالحقيقة مفيش، الآن هو الواقع، الواقع هو الذي يحكم في الأمور، وليست الخيالات ولا الصداقات وكل ذلك؟

محمد كريشان: الخيالات مثلاً، هل تعتقدون مثلاً أن فترة المد القومي كانت فترة ربما خيالية؟

د. هشام جعيط: خيالية لكن ضرورية، ضرورية في عدة أمور، لأن ليست هناك المادة فقط، ليست المادة فقط هي التي تحرك الواقع التاريخي، ثمة ضرورة لأيدولوجيات هذا التاريخ، لأن التاريخ الآخر ليس بعقلاني من الوجهة، لا يكتب بيد الاقتصاديين وأمور من هذا القبيل، التاريخ شيء آخر معقد، لعبت دورها القومية، لكن الآن اتضح، حتى لو أن العالم العربي يتحد حقاً، فلنفترض بأنه اتحد فوزنه لا يكون –مثلاً- مثل وزن بلد كفرنسا، وأقل من وزن ألمانيا، وأقول فرنسا لأن فرنسا تلعب دوراً سياسياً لا تلعبه ألمانيا، وبعيد جداً بالطبع عن الولايات المتحدة جداً جداً.

محمد كريشان: أشرت إلى أن الآن هو الواقع بكل سلبياته، إيجابياته، يعني هل ترى -كمؤرخ- أن هذا الواقع علينا أن نخضع له، أن نستسلم إليه، إمكانيات التجاوز ما هي؟

د. هشام جعيط: لا يوجد تجاوز لأي واقع، الواقع يعاش ما فيش تجاوز، التجاوز للواقع معناه يعني نوع من معجزة، لا توجد معجزات في التاريخ، ما فيش، لا توجد معجزات، الأمور تتطور بسرعة في بعض الأحيان، وببطء في أحيان أخرى، وتتطور بطبيعتها فقط، لكن المشاكل النفسية مهمة جداً والذهنية، لماذا العرب يريدون خارجاً، وهذا واضح من أسئلتك، لماذا يريدون خارجاً، وظاهراً أن يُكَنَّ لهم نوع من الاعتبار، أن يلعبوا دوراً في هذا العالم، أن إلى آخره، وليست عندهم المقدرة على هذا –من وجهة الاقتصاد- من وجهة التقنية اللي هي متحكمة في العالم، من وجه التضامن الفعلي، دويلات في أغلب الأحيان، من عدة وجهات، ولماذا يريدون هذا؟ وهم -حتى نفسياً- في الحقيقة يعيشون في أزمة نفسية، لأن العرب نخبة أساساً تبدأ من الصحفيين المثقفين، وغيرهم والسياسيين، السياسيين لا عندهم أكثر شعور بالواقعية، يتكلمون من هذا الموقع، ولكن في قلبهم يحتقرون أنفسهم، هذا الواقع، يحتقرون أنفسهم.

محمد كريشان: هل لدينا بعض الانفصام كعرب يعني؟

د. هشام جعيط: عندنا، عندنا كثير من الانفصام، يحتقروا أنفسهم إلى درجة كبيرة، سواء في المشرق أو في المغرب، ويعتبرون ما هو غربي هو أعظم، هذا وجد في بعض الأحوال التاريخية، في القديم مجتمعات أخرى عاشت هكذا، مثلاً أعطيك –مثلاً- مثل واحد بسيط، هنا في المغرب يريدون أن يعتقدوا –وفي غيره من البلدان العربية- أن يعتبرونه المفكر الفرنسي جارودي الذي أسلم له قيمة، ويستشهدون به وغير ذلك، بينما هو ما عندوش حتى قيمة فكرية، ما عنده حتى قيمة من ناحية الأفكار ومن ناحية الصبر على الأفكار تحول كان شيوعي، كان كاثوليكي ولا بروتستانت، والعكس ثم شيوعي، ثم ضد الشيوعية، ثم الإسلام، ثم أمور من هذا القبيل من ناحية هذه لا قيمة له، من الناحية الفكرية ضعيف جداً.

محمد كريشان: يعني تعتبر هناك نفخ في صورته؟

د. هشام جعيط: هذا واضح، لأن هذا يعتبره.. الناس اللي يعرفوا يعتبروا، لكن العرب بما أنه خواجة -كما يقولون- المصريون، أسلم يعتبروه مرجع.

محمد كريشان: هذا، ماذا يعكس يعني؟

د. هشام جعيط: آه، يعكس عدة أمور، في الحقيقة العالم العربي متأخر جداً، هذه أمور لم أكن أؤمن بها..

محمد كريشان [مقاطعاً]: في دول الخليج، استقبل كبطل يعني؟

د. هشام جعيط: هم في بلدان الخليج ما عندهمش حتى معرفة بالأمور هذه، لأنه فرنسي ويعظمون فرنسا، وأنا لا أدري لماذا يعظمونها بصفة خاصة؟ يمكن لأن عندها الأزياء الجيدة، وأمور من هذا القبيل.

محمد كريشان: هم يتهمون دول المغرب العربي بأنها تعظم فرنسا، ليس هم؟

د. هشام جعيط: تعظم فرنسا، صحيح، بلدان المغرب العربي تعظم فرنسا، لكن علي الأقل عن معرفة، لكن جمهور الخليج لا يعرفون كلمة بالفرنسية فكيف يمكن لهم أن يعظموا فرنسا؟

محمد كريشان: هم ربما يقولون: يعظمون رجل يعتبرونه..

د. هشام جعيط: لا، لا، هم ناس بدو، ما عندهمش ثقافة -إلا مثقفين مريدين- ويعتبروا بما أن هذا خواجة وعلى أنه فيلسوف أسلم فهو..

محمد كريشان [مقاطعاً]: ولكن دكتور، لماذا لا ننظر لهذا الموضوع -مثلاً- من وجهه أخرى يعني، لماذا لا يعتبر هذا التمجيد لجارودي تعبير عن ربما عن رغبتهم في رؤية نموذج؟

د. هشام جعيط: لا، لا، يعتبر تعبير عن تخلف ذهني واضح أولاً، وتعبير عن عدم الثقة في النفس، وفي آخر المطاف أنا عدم الثقة في النفس أعتبرها طبيعية، إذا أنت –فعلاً- متخلف وتعترف بالتخلف، فأنت رجل عندك توازن عقلي، توازن عقلي هو ما فيهاش اختلال، إذاً أنت ضعيف، وتعترف بأنك ضعيف، وتخضع للواقع، فأنت من الوجهة النفسية مش مختل، أنت لست بمختل، ليس بمختل، أنت جيد، لكن ضعيف لا شيء.

محمد كريشان: ولكن دكتور، المثل الذي ضربته لجارودي، ربما جيد جداً، لماذا مثلاً عجز المفكرون العرب الجيدون على أن يتبوؤوا مكانة محترمة؟ يعني هل اللجوء إلى جارودي تعبير أيضاً عن أن البقية النخبة المفكرة النيرة؟

د. هشام جعيط: لا.. لا، لا، لم يعجزوا، عندنا مفكرين جيدين، أرقى قيمة بكثير، أنا تكلمت جارودي ما بحبش نتكلم.

محمد كريشان: ده مؤشر قوي.

د. هشام جعيط[مستأنفاً]: لا، لا، ثم موجودين جيدين، ثم عدد لا بأس به، إنما أولاً القادة السياسيين الذين استحوذوا على الأمر -من الخليج إلى المحيط- أغلبهم أو كلهم أناس جهال، أقول هذا مع كامل الأسف، لأني أفضل شخصياً أن أكون محكوماً من طرف أناس لهم قيمة فكرية، وتوازن فكري أيضاً، هم أناس جهال.

محمد كريشان: المطلوب في القائد السياسي أن يكون مفكر يعني؟

د. هشام جعيط: لا، لا، لا مش مفكر، أن يكون صاحب ثقافة، عنده ثقافة على الأقل –خصوصاً- في عالم يعطي موقف من ناحية المخيال الاجتماعي وفي العقل الباطن الشعبي، من ذلك، في المخيال الشعبي، في الوجدان، يعطي قيمة لكل ما هو علم ومعرفة وغير ذلك.

محمد كريشان: ولكن دكتور، أشرت إلى الجهل لدى القيادات، ولكن منذ قليل أشرت إلى أنهم ربما الأكثر واقعية في تقدير الذات وتقدير القدرات، يعني؟

د. هشام جعيط: صحيح، لا، لا أكثر واقعية.

محمد كريشان: أكثر واقعية.

د. هشام جعيط: بالنسبة مثلاً للسياسة الخارجية، بالنسبة للحرب، بالنسبة لأمور اقتصادية، طبعاً يعرفون موازين القوى، هم أناس سياسيون غالباً، وإلا لما بقوا في سدة الحكم، وهذا واضح، واضح فهم دائماً إمكانات، قدرات سياسية، والقدرة الأساسية هي معرفة الواقع.

محمد كريشان: هذه -يعني- فكرة طريفة جداً، لأن عادة المفكرين يميلون إلى تحميل القيادات السياسية كل المصائب، وإلى التعبير عن أن المجتمع هو أكثر طموح من القيادات السياسية، أنتم هنا تشيرون إلى أن على الأقل لديهم هذه الميزة، ميزة الواقعية؟

د. هشام جعيط: هو ده، يقال في الحكم ما فيش الغلطات الكبرى وكذا لا ترحم، يعرفون واقع مجتمعاتهم عادة، وموازين القوى، يعرفون العالم الخارجي وموازين القوى، هذا واضح أكثر بكثير من المثقفين، فعلاً –من الناحية الأخيرة- هم أناس كبحوا جماح يسبب المطامح الكبرى العليا للمجتمع، ولأفضل ما يوجد في هذا المجتمع، لأن همهم الأساسي هو معاناة بخصوص لقمة العيش، الأمور البسيطة والتمشي مع القوى الضاغطة من الخارج مثل الولايات المتحدة أو أوروبا أو غيره، وخصوصاً الولايات المتحدة التي تضمن لها العيش- عادة- وليس تحرير المجتمع، ما عندهمش نظرة إلى لمجتمعات هم، تكون في نفس الوقت لها جانب من الواقعية خلاف –مثلاً- رؤية عبد الناصر التي عنده نظرة كان، لكن مش واقعية، وعندما حقق عبد الناصر جزءاً من برنامجه، لم يحسن تحقيقه، مثلاً الوحدة مع سوريا فشل فيها فشلاً ذريعاً، لا لأن السوريين غير مستعدين لها، إنما لأنه أراد أن يهضم سوريا بالمخابرات لا أكثر ولا أقل، فعجز في الواقع عن تحقيق حلم كبير، الآن لا طموح المجتمع طموح المجتمع في بعض الأحيان، مجتمعاته هذه ما عندهاش مطامح كبيرة، إنما الواجب القادة السياسين، بما إنهم استحوذوا على تقريب أغلب مواقع القوى أن يرفعوا من شأن المجتمع والإنسان من كل النواحي.

محمد كريشان: لكن إشارتك لعبد الناصر -دكتور- قطاعات واسعة من الرأي العام العربي تحن إلى شخص بكارزمية عبد الناصر وبتطلعاته، حتى وإن كانت أحياناً تبدو خيالية -مثلما أشرتم- يعني هذا الطموح لشخص مثل عبد الناصر في هذا الزمن، حتى إن صدام حسين -في فترة من الفترات- خيل لدى البعض بأنه قد يكون هذا هو الشخص أو هذا هو المهدي المنتظر لطموحات شعبية جارفة، هل هناك أزمة قيادات يعني؟ هل فعلاً أم ربما الموروث التاريخي والثقافي لدينا يجعلنا دائماً نريد زعيم مهما كان؟

د. هشام جعيط: الموروث الثقافي لدينا –على الأقل- في فترة حديثة، منذ قرن أو أكثر يجعلنا دائماً نحب زعيم، مثل ما هو موجود في العالم الأسباني أي أسبانيا، وحتى أميركا اللاتينية كلها، دائماً كلها كانت تحلم ب(الكاوجيرو) وهو الزعيم، الزعامة ومفهوم الزعامة، لكن الآن لا معنى لأي للزعامة، الحركات الوطنية، الحركات القومية، كل الحركات الكبرى هذه كانت تحتاج لزعامات، زعماء، إلى زعماء يحسنون الخطاب، وحتى أوروبا عرفت زعماء، (موسوليني) كان من نمط الزعيم، (هتلر) –أيضاً- نمط الزعيم، في أوروبا قسم من أوروبا كان متأخراً -في حقيقة- من الوجهة العسكرية، ومن الوجهة السياسية.

محمد كريشان: لكن حتى على الصعيد الدولي -دكتور- عصر الزعامات يبدو وكأنه انتهى، يعني (ديجول) (روزفلت).

د. هشام جعيط: عصر كبار الشخصيات السياسية انتهى اليوم، لأننا تحولنا من عصر إلى عصر، لكن ما هو محير في هذا الواقع، في آخر القرن العشرين، ليس لا توجد الزعامات على الصعيد العالمي، بل هو لأن القيادات السياسية صارت هزيلة، لا تلعب دوراً كبيراً مثلاً في العالم الغربي، يبقى دائماً أقوى قطب في أقطاب الكرة الأرضية اليوم، دائماً إلى حدود لا نعرفها، الدولة -وبالطبع رئيس الدولة ومن ذلك رئيس الوزراء- لا تلعب دوراً كبيراً، تلعب دور توازن قوى من الداخل، لا تلعب دوراً كبيراً، ومن ناحية أخرى هناك قوى اجتماعية تتهجم عليها، انظر ما حصل ل(كلينتون) في الولايات المتحدة، هذا أمر عجيب كبير بالنسبة لرئيس جمهورية، له من الناحية الدستورية قدرات كبيرة إمكانات كبيرة، انظر ما يحصل في فرنسا حيث يتزاحم رئيس الجمهورية،ورئيس الوزراء على الحكم، الغلطات التي يقوم بها رئيس وزراء ألمانيا، يبدو أن هذا الرجل ليست له تجربة، بحيث هم أناس يعملوا بكل نشاط، إنما لا يكن لهم الشعب احترام خاص وحتى ليس الشعب فقط، وحتى المؤسسات، مثلاً في أوروبا المحاكم تلعب دور، والقضاة يلعبون دوراً كبيراً في تحطيم القادة السياسيين.

محمد كريشان: ولكن على ذكر المؤسسات -دكتور- يعني الغرب استعاض عن عدم وجود زعامات سياسية كبرى بمؤسسات ما يسمى بالمجتمع المدني، بنسيج اجتماعي قائم على الأحزاب، على الجمعيات غير الحكومية، على الرأي العام، على الإعلام، نحن في البلاد العربية نفتقر إلى الزعامات، ونفتقر إلى المؤسسات؟

د. هشام جعيط: نفتقر إلى الزعامات، هذا واضح والحمد لله، لا توجد أي زعامات أصلاً، أن يساس المجتمع بالخطب غير معقول اليوم وغير ممكن.

محمد كريشان: رب ضارة نافعة يعني أفضل؟

د. هشام جعيط: (..) أفضل، لكن من ناحية أخرى أن يوجد في العالم العربي –حتى في إفريقيا- من له مقدرة على تسيير المجتمع،بل هو الشخص فقط معناه، طبقة سياسية تكون لهم المقدرة على سياسية المجتمع لكن بفكر سياسي، وليس بفكر تقني.. من مثل تطبيق فقط برنامج، هذا الصندوق الدولي، أو البنك الدولي وغير ذلك..

محمد كريشان [مقاطعاً]: إصلاحات اقتصادية.

د. هشام جعيط: كل هذا، دي مسائل تقنية، مش مسائل سياسية، المسائل السياسية هي أوسع أن توجد أناس من شكل من هذا الطراز، ليس لنا في العالم العربي، عندنا ناس عندهم تجارب سياسية، يوجد أناس عندهم تجربة سياسية، ثم العالم العربي ليس بمنسجم كله، عرف كل واحد، كل رقعة، عرفت كل رقعة من رقاعه في الحقيقة تاريخاً مغايراً للرقعة المجانبة أو المتاخمة، الحقيقية الذي مقلق، الذي يقلقني هو أن أغلب العالم العربي محكوم من طرف عسكري، أو بالأحرى من طرف من هو متخرج من المدارس العسكرية اللي هي جنرالات، فرئيس مصر جنرال، رئيس تونس جنرال، رئيس سوريا جنرال، رئيس ليبيا جنرال أو كولونيل، وموريتانيا أعتقد، وشو دول أخرى، جنرالات، أي أناس لهم مواقع قوة، لأن الجيش دائماً يكون منظمة في الأصل، إنما تطوروا الآن وصاروا رؤساء مدنيين في الحقيقة، لا يعتمدون كثيراً على الجيش، إنما على لعبة قوى داخلية.

محمد كريشان: ولكن -دكتور- رغم وجود هذا النوع من القيادات في البلاد العربية، يعني هل ما يسمى أحياناً بالطبقة السياسية أو المجتمع المدني، أو غيره، يعني هل تراه يمكن أن يقدم شيئاً ما للمجتمع؟ هل هناك طبقة سياسية في البلاد العربية يمكن أن تجعل الواقع السياسي ربما أفضل في المستقبل كأحزاب، كشخصيات سياسية كغيره؟

د. هشام جعيط: والله صعب عليَّ أن أجيب الآن، لأن أتكهن في المستقبل ال..

محمد كريشان [مقاطعاً]: هذا صعب بالنسبة لمؤرخ أو بشكل عام يعني؟

د. هشام جعيط: أنا لا أتكلم بصفتي مؤرخ، أتكلم بصفتي مشارك في الحياة الثقافية العربية الحالية، كل ما أعرف أن الأوضاع مش جيدة، من ناحية الحريات ليست جيدة، أنه من الممكن أن تكون أفضل مما هي عليه، ثمة أمور غير ضرورية حتى للإبقاء على سلطة قوية موجودة الآن، ويمكن فسخها في عديد من البلاد العربية، وأيضاً أعتقد أن هذه السلطات التي ترى لنفسها القوة، وتعتبر سلطوية وغير ذلك، في الحقيقة هي هزيلة جداً، لا تتحكم في الواقع بصفة عقلية، ودقيقة، لأ، هي هزيلة وضعيفة ككل دولة سلطوية سلطوية.

محمد كريشان: هل إفساح المجال لحريات يجعلها أكثر قوة؟

د. هشام جعيط: لابد لكل دولة أن تكون لها شرعية، من الداخل ومن الخارج أيضاً، الشرعية من الداخل ومن الخارج لابد أن تعتبر من ناحية المجتمع والقوى الاجتماعية، بالخصوص القوى الاجتماعية التي لها وزن كالدولة التي الأفضل أو التي تقُبل دون حرج، ومن الخارج نفس الشيء، وبما أن مثلاً أغلب المثقفين كثير من الناس لا يحبون التسلط أو سياسات التسلط، وينظرون إلى العالم الخارجي النماذج الخارجية التي يرونها في التلفزة، ويقرؤون عنها في الصحافة وغير ذلك، تقوم بانتخابات وبيتداول على الحكم وأمور من هذا القبيل، فيعتبرون أن وجود النظم تبقى في الحكم ثلاثين أو أربعين سنة أمر مكروه.

محمد كريشان: يعني شرعية القيادات دكتور، بالنسبة إليك لا مفر من أن تكون شرعية عبر انتخابات ديمقراطية؟

د. هشام جعيط: آه بالنسبة إليَّ لابد، وأعتبر –أن خلافاً لما يقال- العالم العربي الآن وصل إلى درجة من النضج تجعله قادر على انتخاب من يجب انتخابه بمقدرته، ولابد من الاستقرار، وأن الاستقرار لا يمكن أن يكون إلا عن طريق مؤسسات تحترم.

محمد كريشان: ولكن هناك بعض الدول التي شرعية القيادات فيها قد تكون شرعية تاريخية، شرعية أحياناً عائلية أحياناً، لكن..

د. هشام جعيط [مقاطعاً]: الأسر الملوكية هذا، الملوكية شيء.

محمد كريشان: إمكانية التطور فيها تبقى واردة أم برأيكم..

د. هشام جعيط: لا، تبقى واردة، التطور.. التطور يبقى وارد بالنسبة حتى للحكومات المتسلطة من الناحية الاقتصادية وغير ذلك، يبقى وارد بالطبع، لكن ماذا يكون الهدف الأسمى؟ أن يرتفع مستوى المعيشة؟ أن يصل مثلاً من ألف دولار على الرأس إلى 15 ألف، لكن حتى لو حصل هذا هل هذا هدف مطلق، هل فيه سعادة الإنسان، أن يعيش في مجتمع ميت، لا مقدرة له -سواء كان من النخبة أو من الطبقات المتوسطة- أن يعبر عن رأيه، أن يقرأ ما يشاء، أن يقرأ من الكتب والصحافة، أن تقع حوارات داخل المجتمع عن مشاكله، بحيث أن يحس رجل النخبة كيف المكان أنه ينتمي إلى المجتمع، وله واجب إزاء هذا المجتمع، ورجل الشعب، والطبقات المتوسطة، والأقل من المتوسطة أنه ينتمي إلى شعب له قيم، وأنه يحب حياته ونمط حياته، ليس فقط من الناحية السياسية، بالطبع من كل الجهات، وأن هذا المجتمع -في الحقيقة- يتبناه ويحبه، وليس لأنه وجد فيه، هذا أساس هذا مالا نجده إلا قليلاً -على الأقل- في مستوى المثقفين، وليس المستوى الشعبي لأن الشعب..

محمد كريشان [مقاطعاً]: قادر على التكيف أكثر؟

د. هشام جعيط: عنده أكثر، أيوة عنده أكثر غريزة إنسانية، نجد نوعاً من الاستنقاص الذاتي ومن المرارة وأمور من هذا القبيل، يمكن لكل شخص بالطبع ثمة ناس ما عندهمش إمكانية التكيف الاجتماعي، لكن كل شخص أن يقول هذا البلد أحبه لأن فيه قيم، فيه قيم، ليست فقط القيم التقليدية، لكن القيم التي تقوم عليها الإنسانية المعاصرة الحديثة، يمكن البلدان الديمقراطية هذه –التي تسمي نفسها ديمقراطية- فيها أنواع من الشر، لكن كل إنسان فخور بأنه من هذا البلد لأن فيه ما يسميه بالديمقراطية، لأنه يعتبر أن الديمقراطية قيمة في ذاتها، وأنه حر كإنسان ومواطن، هذا أمر مهم جداً، وقلت فيما قبل الشرعية الخارجية، لأن الآن السياسة العامة، الاتجاه العام لبلد مثل الولايات المتحدة التي.. هذا بلد يسيطر على قسم –هذا واقع- يسيطر على قسم كبير من العالم –خصوصاً- على العالم العربي- تقريباً كله أو أغلبه، الإيديولوجية التي تتحكم الآن في السلطة –في الولايات المتحدة- هي متركبة من عدة أسس في السياسة الخارجية، لكن أساساً عدم الرضا عن كل نظام سياسي ليس بديمقراطي، وأن يشجع ما نسميه بالانتقال إلى الديمقراطية، لأن الديمقراطية لا يمكن أن تكون من بين عشية وضحاها.

محمد كريشان: لكن دكتور -يعني- دائماً عندما تطرح قضية الديمقراطية في البلاد العربية، وأشرتم إلى مستوى النضج الذي بلغته هذه البلاد، كثيراً ما يشار إلى أن المشكلة -على الأقل من وجهة نظرهم- أنه إذا فتحت المجال لمجتمع تعددي وديمقراطي، ومستوى جيد من الحريات، يقُال دائماً الكاسب في كل هذا الجو هم الحركات الإسلامية، وأن إطلاق الحريات -بدون قيود- معروف من هي الجهة التي ستكسب، وبالتالي هم يبررون هذا التقيد حتى لا تصل قوى يعتبرونها غير مناسبة لقيادة ال.. يعني هل تنتظرون إلى هذه الإشكالية يعني؟

د. هشام جعيط: لا، عادة لا أفكر فيها، أعتقد أنها فيه علة أكثر ولا أقل، وأعتقد أن كل قائد سياسي عربي، وهذا نرجع لمفهوم المقدرة الثقافية والذهنية، أن للقائد السياسي في مقدرته أن يقنع المجتمع بما هو صالح له من عدة وجهات نظر، وألا يختبئ مثل النعامة في الرمل يخبئ رأسه في الرمل خوفاً من غيره، كل من يكتسب شرعية ديمقراطية حقيقية وتكون ليست بمزورة، كل ما عنده مقدرة في الخطاب لإقناع في تصور وضع يستريح له الأغلب، وتستريح له الأغلبية، كل من عنده، كل مجتمع يتطور في هذا الاتجاه، الذي بمقدوره أنه يعطي مكاناً متسعاً لأي حركة من الحركات الإيديولوجية، لكن في رأيي لا تتغلب على المجتمع، لا تتغلب بصفة ديمقراطية، ثم إذا اعتبروا أن الشعب غبي وأنه يمكن التلاعب به، طيب يتلاعبوا بالإسلاميين، طيب فأنت إذا تكون عندك القيادة ذكية وحكيمة أيضاً تلاعب بها أيضاً لماذا تلاعب هم أقوى منك إذاً؟

محمد كريشان: أنا سؤالي دكتور هشام جعيط، كمؤرخ –يعني- البعض يصور وصول الإسلاميين إلى السلطة كنوع من الحتمية التاريخية، قد تتأخر خمس سنوات، عشر سنوات، عشرين سنة، ولكن لا مفر منها، هل هناك فعلاً حتمية تاريخية بين قوسين لمثل هذا الأمر؟

د. هشام جعيط: لا.. لا مفيش حتمية تاريخية، ما فيش حتمية تاريخية، ما فيش حتمية تاريخية لهذا، وإنما.. لا.. لا غير موجود..

محمد كريشان [مقاطعاً]: وعلى فكرة من يقولون بالحتمية التاريخية ليسوا بالضرورة من مؤيدي الإسلاميين، سواء من مؤيديهم أو معارضيهم، يصورون الأمر وكأنه لا مفر منه، البعض يقول..

د. هشام جعيط: لعجز الأنظمة الحالية، لعجزها من الناحية الأيدولوجية، من الناحية الأيدولوجية، من ناحية التفكير الأيدولوجي لا تجد مثلاً.. لا تجد على الساحة في هذا العالم العربي المتسع -20، 22 دولة- لا أعتقد أن يوجد رئيس دولة قادر أن يجادل أحد علماء الحركات الإسلامية في المسائل الدينية، طيب إذا صارت هذه مشكلة مهمة في المجتمع، فيجب على الرئيس الحالي أو الوزير الحالي، أو ما أعرف أن يكون قادر في هذا المجال..

محمد كريشان: ولكن لماذا تطلب منه أن يكون فقيهاً، ليس مطلوب..

د. هشام جعيط: لا، لا، لا مش فقيه يكون مفكر، عنده ملم، أنا أطلب منه كما يطلب الفرنسيون والإنجليز والأميركان من قادتهم أن يكونوا ملمين بما هو اقتصادي، الرئيس الفرنسي، أو رئيس الوزارة أو رئيس وزراء الألماني أو الإنجليزي أو الإيطالي، كلهم أناس لهم معرفة جيدة بما هو الأمر الخطير بالنسبة لعالمهم وهو الاقتصاد، كلهم متضلعين في الاقتصاد، ليسوا بأساتذة جامعات، لكن متضلعين في، لأن هذا هو الواقع اللي يتحكموا فيه لهذا متضلعين في هذا.

محمد كريشان: كل قائد سياسي لديه تحدد من المستشارين..

د. هشام جعيط [مقاطعاً]: عنده المستشارين، لكم هم أيضاً متضعلين، لا الأمور هكذا تجري الآن، وإذا كانوا ملوكاً مثل أسبانيا، عندهم رؤوس ها الوزراء يتحكموا في الاقتصاد، وعندهم وزراء اقتصاد، وهو الأساس الآن في العالم الغربي، هو الاقتصاد والمالية، هو الأساس.

محمد كريشان: نعم، أشرت في بداية الحديث إلى أن حرب الخليج الثانية في 91م كانت نوع من بداية العد العكسي لوضع عربي، الآن يعتبر سلبي، أو يعتبر حقيقي..

د. هشام جعيط [مقاطعاً]: هو الواقعي، حقيقي، هو الواقعي.

محمد كريشان: يعني مرة أخرى -دكتور هشام جعيط- كمؤرخ، هل تنظرون إلى حرب الخليج الثانية، كمنعطف تاريخي في التاريخ العربي الحديث، يعني ما نشهده الآن، لأنه أحياناً يبدو وكأننا نبالغ في تعليق كل المصائب على حرب الخليج الثانية؟

د. هشام جعيط: لا، لا، لا أنظر إلى هذه الأمور بهذا المنظور، لا أعتقد، فقط أن عدة أمور خيالية، مفهوم الزعامة فهو خيال، مفهوم حماس، مفهوم أمور من هذا القبيل، الجمهور الشارع، كل هذا، الشعبوية، كل هذا الذي وجد فيما قبل، وقع، حصل انهيار لا أكثر ولا أقل، حصل انهيار لأنه لا يتماشى مع العالم الحديث.

محمد كريشان: هل فيها -عفواً- هل فيها نوع من -بالنسبة لمفكر- فيها نوع من الانتقاص من الشارع، أو اعتباره؟

د. هشام جعيط: لا أنا كنت هنا، أنا قدت مظاهرات هنا في حرب الخليج، لا هذا مش.. هذا مش انتقاص من الشارع، الانتقاص من الشارع بالعكس وهو من طرف الزعيم الشعبوي الذي يريد حكم الشعب بالخطب عوض إعمال العقل، كما كان مثلاً بورقية يريد أن يفرض على المجتمع الاشتراكية بالخطب، وهو لا يفهم شيئاً من الاقتصاد ولا شيء، لكن عندما أبرز الواقع وزنه، لم تكن الخطب تلعب أي دور، لم تعد تلعب أي دور واضح، لا، لا مش احتقار الشارع، تغير كبير فهموا موازين القوى وفهم القادة العرب اللي هم أقرب للواقع، لأنهم لكل سياسي من أصل التاريخ يحتك بالواقع يعرف المواقف الخارجية، هو.. فهموا أنهم في الحقيقة ليسوا أكثر من وكلاء، ليسوا أكثر من وكلاء، وهم كانوا لابد كانوا يعرفوا هذا من أول الاستقلالات، وكلاء للدول القوية التي تطالبهم بأن يمسكوا بالأمور من الداخل لا أكثر ولا أقل، وأن –فيما يخص العالم العربي- يستغلوا البترول أو أمور من هذا القبيل،فيما يخص المشرق العربي، مسألة إسرائيل، فيما أعتقد المسألتين عندما كانت الشيوعية موجودة مثلاً مسألة مباحة مع الاتحاد السوفيتي، لكن الآن لم يعد ذلك موجود، لا، لأن الذي يهمه العالم الغربي –بالخصوص الأميركان- لهم وزن، هي مسألتين، هي الطمأنينة على وضع إسرائيل وعلى وجود إسرائيل هذا ضروري بالنسبة للسياسة الأميركية، وثانياً في استغلال البترول وبالطبع التعامل الاقتصادي، والولاء عامة من طرف هذه الدول سواء خليجية أو غيرها، مصر مثلاً عندها ولاء من طرف لهذه الدول لأميركا.

محمد كريشان: نعم، يعني إذا أردناك أن تتحدث هنا كمؤرخ، هل تنظرون إلى هذه الحقبة العربية الحالية يعني أين تضعها في سياق التاريخ العربي الإسلامي الذي هو اختصاصكم أساساً؟ هل هو مرحلة انحدار؟ هل هي مرحلة إعادة تقييم للذات، هل هي مرحلة انسحاق كامل، يعني أين كيف تصفها؟

د. هشام جعيط: هذا سؤال وجيه جداً، يجب على الإنسان أن يتوسع في نظرته وأن يربط الحاضر بالماضي، وبالتالي أيضاً بالمستقبل، أنظر إلى الفترة الحالية منذ قرن، ولنقل من حرب مفصلية من حرب 14م كاستفاقة في العالم الإسلامي جملة، وفي العالم العربي بصفة خاصة، لأن العالم العربي عرف الكثير من الإيجابيات، وهي أكثر من السلبيات، من الإيجابيات مثلاً هي الاستعمار، لأن الاستعمار أتى بارتباط حميمي مع الحضارة الحديثة، وهي الحضارة الأوروبية في تلك الفترة، في 1900 عالم جديد، تاريخ جديد كان يبنى في أوروبا، ونحن في العرب لا نعرف شيئاً عن ذلك.

محمد كريشان: لكن هل الاستعمار نقلنا إلى هذه المرحلة ربما لم..؟

د. هشام جعيط [مقاطعاً]: لا، نقل إلى حد كبير، وإذا لم ينقل فبصفة جدلية أعطى الأسلحة الفكرية وغير ذلك، لمكافحته وإخراجه كقوة ضارية كقوة، انتفاعية، لكن من ناحية القيم الحضارية الحديثة لعب دور..

محمد كريشان [مقاطعاً]: ربطنا بهذه العجلة يعني؟

د. هشام جعيط: ربطنا، ثم قامت الحركات التحررية ونجحت نجاح أخر، ثم قامت حركة قومية فأخفقت من وجهة، مايشوفش الإنسان ما ينظرش الإنسان فقط إلى النتائج المحسومة، ينظر إلى ما هو بعيد، الحركات القومية من قديم لعبت دوراً مهماً من وجهة خلق إحساس عربي مشترك، ووعي عربي على الأقل من الوجهة الثقافية، من الوجهة الإنسانية، من وجهة الاتصال بيننا، وكنا منقطعين على بعضنا البعض، الآن حدث هذا الوعي في كل الطبقات تقريباً، ودخلنا في معمعة الكفاح من حضارة قديمة جداً وعتيقة كانت في انحطاط من أجل المعاصرة لما يوجد في عالمنا هذا، اليوم ومنذ قرن، لكن لم يحصل إحساس وشعور قوي بهذه الضرورة إلا منذ جيل أو جيلين، جيل لا أكثر، على الأقل يجب أن يكون يحصل تحول في مجال الجيلين، لكن المسألة هي أن من حضارة معينة، وأن الحداثة مرتبطة من حضارة أخرى معينة هي الحضارة الغربية، ومن هنا يحصل نوع من التصادم، كانت اللغة العربية منذ زمن النهضة أو قبل زمن النهضة، لغة (..) هي دينية إلى غير ذلك، لكن تحركت بقوة، وصارت في الحقيقة لغة تعامل ثقافي من درجة أولى بعد قرن من الزمن، الآن يمكن أن تتكلم عن اللغة العربية وكأنها من أهم لغات العالم الموجودة، وهي رباط قوي بين أبناء الأمة العربية.

محمد كريشان: الدكتور هشام جعيط، شكراً جزيلاً.