مقدم الحلقة محمد كريشان
ضيف الحلقة - د. عبد العزيز المقالح، الكاتب والمفكر اليمني
تاريخ الحلقة 23/10/2000





عبد العزيز المقالح
محمد كريشان
محمد كريشان:

قد تكون الثقافة آخر خطوط الدفاع عن هوية العرب ووحدتهم في أيامنا هذه، بعدما تقهقرت الخطوط السياسية، وتاهت الخطوط الاقتصادية، لهذا السبب يبدو ضيفنا لهذا الأسبوع الكاتب والمفكر اليمني الدكتور (عبد العزيز المقالح) مدافعاً بحماس عن ضرورة وحيوية التواصل الثقافي العربي بمفردات ومصطلحات –ربما- خال بعضنا أنها انقرضت من خطاب عرب اليوم.

[تعريف بالدكتور المقالح]

الدكتور عبد العزيز المقالح، ماجستير من كلية الآداب بجامعة عين شمس عام 1973م، ثم الدكتوراه عام 1977م، أستاذ الأدب الحديث والأدب الشعبي في كلية الآداب بجامعة صنعاء، رئيس جامعة صنعاء، ورئيس مركز الدراسات والبحوث اليمني، له عدد من الدواوين الشعرية والدراسات الأدبية والفكرية، كُتب العديد من الدراسات عن شعره، وله مقالات أسبوعية في عدد من الصحف العربية.

محمد كريشان:

الدكتور عبد العزيز المقالح، أهلاً وسهلاً.

د. عبد العزيز المقالح:

شكراً.

محمد كريشان:

كثيراً ما نشتكي من عدم التناغم بين السياسيين العرب أو الحكومات العربية أو –أيضاً- من شحة التبادل الاقتصادي بينهم، ماذا عن التواصل الثقافي؟ هل هو في وضع أفضل من السياسي والاقتصادي؟

د. عبد العزيز المقالح:

يبدو إلى حد ما أن الواقع السياسي والاقتصادي يعكس نفسه –أيضاً- على الحياة الثقافية، مع استثناءات محدودة، تأثير العامل السياسي المهم هو تأثير لا حد له، وأيضاً الجانب الاقتصادي لا يمكن أن نغفل تأثيره –أيضاً- والجانب الثقافي رغم ذلك كله ما يزال هو الأفضل نسبياً، أفضل نسبياً.

محمد كريشان:

أفضل من أي ناحية؟

د. عبد العزيز المقالح:

أفضل.. على الأقل أن هناك نوعاً من التواصل بين مثقفي الأمة في مغربها ومشرقها، وإن في إطار محدود، نحن نقرأ في كل شهر مجلة مغربية، وهي (أدب ونقد وفكر) التي يرأس تحريرها الدكتور (الجابريّ) وأظنهم هناك يقرؤون مجلة من المشرق، سواء ستأتي من الخليج أو من سوريا، لكن ما يزال الوضع الثقافي غير مُرْضٍ بالتأكيد.

محمد كريشان:

هل هذه القراءة كافية؟ يعني مجرد أن يقرأ المرء في المغرب لآخر في المشرق أو العكس، يعني ماذا عن التواصل بأوجهه الأخرى؟

د. عبد العزيز المقالح:

لو كنا نقرأ فعلاً، نقرأ فهذا نوع من التواصل، ولكن لا يكفي أن يكون التواصل من خلال القراءة وحدها، وإنما تواصل المثقفين في تبني قضايا الأمة، وفي الوقوف صفاً واحداً في مواجهة كثير من المخاطر التي تعاني منها أمتنا، وأعتقد أن الماضي البعيد –وأقصد هنا الماضي العربي الإسلامي– كان التواصل أفضل مما هو عليه الآن، بالرغم من أن المطبعة لم تكن قد وجدت بعد، وأن الفضائيات لم تكن حتى في الحلم والإذاعات والصحافة.

كانت الكتب فقط هي التي تذهب وتعود، فكان التواصل، وكان أيضاً تواصلاً إيجابياً، تواصلاً فاعلاً، وليس التواصل السلبي، كما أشرت أنت أنه هل يكفي؟ لا يكفي أن نقرأ بعضنا إذا لم نتفاعل مع القضايا التي نقرأ عنها في مشرق الوطن وفي مغربه.

محمد كريشان:

دكتور، ما تفسيركم لهذا التراجع، إذا سلمنا جدلاً أن فعلاً هناك تراجعاً على هذا الصعيد؟

د. عبد العزيز المقالح:

الأمة تعرضت لمراحل الانقطاع، وهذه المراحل التي جعلت ما أشبه بجزر متنافرة، وجاء الاستعمار الغربي الحديث فعمق هذه العزلة، وخلق ما يشبه الانقطاع الجديد، واللوم كله من وجهة نظري على الأنظمة القائمة، الأنظمة القائمة التي عكست خلافاتها –إذا وجدت خلافات –على كل شيء في الساحة العربية، وحاول كل نظام أن يصنع لنفسه بلداً خاصاً به، وكأن التاريخ بدأ بظهور هذا النظام، فهو منقطع عما سبقه، وممكن أن يكون منقطعاً عما سوف يليه.

فمجموعة عوامل من الصعب التركيز عليها، القطريَّة، وهذا الاهتمام القطري الذي يكاد يكون طابعاً شاملاً في معظم أقطارنا العربية التي تنتمي إلى أمة واحدة، وتتكلم لغة واحدة، وتعيش مشاكلاً متشابهة.

محمد كرشان:

دكتور، نستسهل دائماً تحميل الحكومات، والأنظمة مسؤولية ما يجري، أين مسؤولية المثقف في هذا المضمار؟ يعني هل تعتقد بأن الأنظمة دخلت في المجال الثقافي عن قصد وبسابق تخطيط؟

د. عبد العزيز المقالح:

هو لا شك أن المثقفين يتحملون جزءاً -وأقول جزءاً- لا كل مشكلة انقطاع التواصل بين الأقطار العربية، وبين حتى مثقفي الأقطار العربية، ولكن الأنظمة تظل هي المسؤولة الأولى عن كل ما يحدث على المستوى الثقافي والسياسي والاقتصادي، نحن أمة واحدة لا يمكن أن ترتقي، أن يرتقي قطر واحد فيها، مستحيل، قطر يحاول أن يقدم تجربة من أي نوع لن ينجح ما لم تعمم على أقطار الوطن العربي كله، لأننا نعيش في رقعة واحدة، ونتكلم لغة واحدة، وثقافتنا الحاضرة كثقافتنا الماضوية واحدة.

ولهذا أتصور أنه لن ينجح قطر واحد في تجاوز التخلف على حدة، لابد أن ننهض سوياً نهوضاً سياسياً وثقافياً، ولا شك أنه بدأنا، بدأت ظواهر هذا النهوض، ولكن الخطورة أن تأخذ هذا الشكل القطري، الشكل القطري، وممكن لا تكون الخطورة واضحة في المجال الاقتصادي مثلما تكون الخطورة واضحة في المجال الثقافي، نحن أمة واحدة تتكلم –كما قلت وكررت- لغة واحدة.

محمد كريشان:

دكتور، منذ البداية تتحدث عن صف عربي واحد، وعن أمة عربية واحدة، لا محالة هذا الخطاب –ربما- في السنوات الماضية شهد تراجعاً كبيراً، لا نريد أن نقول: أنه كلام لم يعد مقبولاً، ولكن على سبيل المثال المفكر المغربي الدكتور (محمد عابد الجابري) في لقاء في نفس البرنامج، أشار إلى أنه دائماً نروم الحديث عن العرب كما يجب أن يكونوا وليس كما هم في حقيقة الأمر، يعني هناك نوع من الحلم، نوع من حديث التمني أكثر منه حديث الواقع.

د. عبد العزيز المقالح:

هو قد يكون على مستوى الخطاب الإعلامي تراجعت على مستوى.. ولكن على مستوى المشاعر بالعكس أنا يبدو لي: كلما زادت همومنا ومشاكلنا زاد تشبث الإنسان، حتى الإنسان العادي، المواطن في الريف، المواطن في القرية اليمنية والقرية المغربية والقرية الجزائرية والتونسية والمصرية، ما تزال هذه الأمنية بالنسبة له شيئاً كبيراً، ولنحلم، مجرد أن نتحدث –كما قال الدكتور محمد عابد الجابري- فليكن حتى حلم.

نحن الآن في بداية قرن جديد، وهو القرن الحادي والعشرين، لماذا لا نعود إلى الحلم؟ حلم الأمة الواحدة الذي بدأ مع بداية القرن العشرين، الذي خسرناه، القرن العشرين لم يكن قرننا،لم يكن قرننا الاقتصادي، ولا السياسي ولا الثقافي، ربما أحرزنا فيه بعض المكاسب الثقافية –ربما- وأصبح عندنا

جامعات، في كل قطر عربي أكثر من جامعة –والحمد لله- وصحافة.لا شك أننا كسبنا في الجانب الثقافي، ولكننا في الجانب السياسي خسرنا كثيراً كثيراً جداً، وأحلامنا وطموحاتنا في بداية القرن العشرين كانت أكبر بكثير مما تحقق، ويجب أن يظل على الأقل.. تظل أحلامنا للقرن العشرين هي أحلامنا للقرن الواحد والعشرين.

محمد كريشان:

أشرتم إلى هذا الوجدان العربي الواحد لدى الناس، نشهد تراجعاً سياسياً، تشرذماً اقتصادياً، هل على الصعيد الثقافي البحت كنسيج ثقافي عربي، هل يمكن الحديث –فعلاً- عن ثقافة عربية واحدة؟

د. عبد العزيز المقالح:

في اعتقادي أن هناك ثقافة عربية واحدة، ولنركز على الجانب الأدبي، مثلاً على الآداب والأدب بالدرجة الأولى، سوف نجد أن هذه الثقافة واحدة، ليس في لغتها فقط، وإنما بمحمول هذه اللغة، بما تطرحه، بما تتمناه، بما تتحدث عنه، بما تصوره، في كل أسبوع أقرأ ملحق صحفية (العَلَم) المغربية، أقرأ في هذا الملحق شعراً وقصصاً، وأقرأ نقداً أدبياً، وأقرأ –أيضاً- ظواهر اجتماعية، ولا أجد فارقاً في هذا الذي يطرح في ملحق العلم.

وأنا على سبيل المثال طبعاً، ما يطرح في هذا الملحق الأسبوعي، وما يطرح في ملحق (الثورة) ولا ريب عندي أن الثقافة أقدر على التقاط هموم الإنسان العربي في أي مكان كان، ولنقل: الإنسان الذي يتكلم اللغة العربية، إن الثقافة والآداب، الشعر، القصة، الرواية أكثر قدرة على نقل هموم هذا الإنسان أينما كان بنفس المستوى وبنفس الدرجة وبنفس الطريقة التي يعبر فيها ابن الخليج مع ابن المغرب الأقصى.

محمد كريشان:

يعني برأيكم الخلفية الثقافية مازالت صلبة مع ذلك؟

د. عبد العزيز المقالح:

نعم، نعم، وتزيد صلابة، تزيد صلابة، وكل النكبات والمشاكل التي تحدث تعمق هذا.. الـ.. ماذا أسمى؟ الدرع الواقع، ومن هنا جاءت إشارتي إلى تحميل الأنظمة العربية ما يحدث من انقطاع، ومن تمزق في الجانب السياسي والاقتصادي، كان على الاقتصاديون العرب أن يبادروا، ولن تتم أي مبادرة إلا برغبة من الأنظمة، لنخلق السوق المشتركة قبل أن توجد لنا أسواق

أخرى.

والكتاب العربي بدلاً من أن أفتح أبواب اليمن أو أبواب الخليج والشام للكتاب الأجنبي، ينبغي أن أفتح هذه الأبواب للكتاب العربي، قليلة هي الكتب التي تأتينا من تونس، وهنا في صنعاء من حوالي 15 عاماً تقريباً أقيم معرض للكتاب التونسي، وتهافت عليه الناس بشكل.. ووجدوا فيه أنفسهم، وجدوا جزء من تاريخهم القديم والحديث، في هذا الكتاب وجدوا رائحة تونس العربية، تونس التاريخ والفن والثقافة، فلماذا لا تتكرر هذه العروض للكتاب، ومما لا شك فيه –وأكرر ذلك- أن الثقافة هي الأساس والحافظ لهذا الحد الأدنى من مشاعر الأمة

الواحدة.

نحن نتألم لما حدث في لبنان، لا نتألم في اليمن من قصف إسرائيلي، أشعر تماماً أن هذا الفلاح اليمني الذي كلمني قبل عشر أيام تحدث إليّ بمرارة أن فلاحاً آخر في المغرب وفي الجزائر وفي تونس وفي مصر وفي العراق وفي الكويت وفي قطر عنده نفس المشاعر.

محمد كريشان:

دكتور، على ذكر موضوع الكتب هناك –أيضاً- ضرورة المعارض، معارض الكتب المتعددة، ولكن يبدو أن هناك –أيضاً- عوائق موضوعية، هل ترجح العوائق الموضوعية أم ترجع الأمر –ربما- إلى إرادات سياسية، أو إرادة سياسية في هذا التواصل أو عدم التواصل الثقافي؟

د. عبد العزيز المقالح:

لو وجدت الرغبة السياسية لبدأ الآخرون في التطبيق، ستبدأ وزارة الثقافة بالتطبيق، لكن الرغبة السياسية مفقودة، وكل قطر يحاول أن يستغني بما لديه، وأن يهرب، لو تمكن أن يهرب بقطره إلى مكان ما في المحيط لفعل، وهذه وجهة النظر ليست آنية، ولكنها نتيجة استقراء طويل لما يحدث في أقطارنا العربية.

محمد كريشان:

يعني منذ البداية هناك نوع الرضاء الذاتي، أو الرضاء عن النفس كمثقف، ومرة أخرى أوجه السؤال -وربما ألح- أين مسؤولية المثقف في كل ذلك؟

د. عبد العزيز المقالح:

المثقفون –كما أشرت بسرعة فيما سبق- يتحملون جزءاً من المسؤولية، ولا شك يتحمل، إنما لم تعد الأمور بيد المثقف على الإطلاق، خرجت من يد المثقف ربما في الخمسينات، وربما قبل ذلك، لم يعد المثقف إلا باكياً حزيناً أو معلقاً أو ناقماً ناقداً، لم يعد للمثقف الدور، خرجت من يد المثقف الأمور إلى يد السياسي، وأصبح السياسي قادراً على تهميش المثقف، وفي أحسن أحوال المثقف أن يكون تابعاً، ولا أقول: ذيلاً، يكون تابعاً لكي يستطيع أن يتنفس، يكتب بعض الأفكار، بعض الأشياء، لم يعد صانع تغيير، لم يعد.. فلا أحمله، أحمل من يمسكون مقادير الأمور، وليس هناك مثقف عربي في يده حتى شؤون بيته، وهذه حقيقة معروفة، أن نقولها تحصيل حاصل.

وهناك بعض المثقفون الشجعان الأبطال الذين يجاهرون بقدرتهم، المثقف إنسان مسكين ضعيف، منهار، خائف محاصر بالتهم، ومحاصر بالهم، أنا لست أدافع عن المثقف، هناك الساحة مليئة، ولكنها مليئة بالمحزونين من المثقفين، وهناك أيضاً من بين المثقفين مَن يرمي سهامه إلى المثقفين، لا أن يطعن نفسه لأنه من السهل عليه بدلاً من أن نوجه إلى جهاز ما سهامي، أوجهها إلى هذا المثقف المسكين الذي ليس بيده لا حول ولا طول، لا يستطيع أن يغير من أمره شيئاً، فأنا أحاربه، وهو –أيضاً- قد يحاربني، ويظل السجال البذيء، والـ.. ماذا أسميه؟ رخيص بين المثقفين أنفسهم، يدينون بعضهم، وهم لا حول لهم ولا طول، هم هناك على الهامش، هم على شاطئ بلا بحر أيضاً.

محمد كريشان:

هل الخيارات المطروحة أمام المثقف في البلاد العربية هي ثلاث فقط: إما أن يكون مثقف سلطة، أو مثقف.. مثقف السلطة، أو أن يكون مثقف معارض، أو مثقف المعارضة، أو أن يلوذ بالصمت، يعني هل هي فقط هذه الخيارات الثلاثة برأيكم؟

د. عبد العزيز المقالح:

لا شيء غيرها، ماشي، لا شيء غيرها هل هناك لا شيء، مثلا حتى الأحزاب، الأحزاب سواء كانت حاكمة أو معارضة لا تطيق المثقف، لا تطيق المثقف لأن..

محمد كريشان[مقاطعاً]:

ولكن حتى المثقف بدوره إذا أصبح متحزباً يتحول أيضاً إلى حزبي، ويخلع جلباب الثقافة.

د. عبد العزيز المقالح:

وهنا أيضاً، هنا مشكلة تضاف إلى مشاكل الثقافة والمثقفين في الوطن العربي، ومحنة الثقافة بلا حدود، بلا حدود.

محمد كريشان:

دكتور هل تعتقد بأنه بإمكان المثقف أن يكون مثقف السلطة، وفي نفس الوقت يستمر عطاؤه الحقيقي الغزير كمبدع وكمثقف؟

د. عبد العزيز المقالح:

لا يمكن من وجهة نظري، لا يمكن، وأود في هذا المجال أن أتحدث أن كل مثقف خاضع لسلطة ما، إن لم يكن خاضع لسلطة الدولة فهو لسلطة الحزب، وأن كل المثقفين العرب خاضعين لهذه السلطات، ليس هناك مثقف سلطة، ومثقف بلا سلطة، أحياناً يهرب المثقف من بلده إلى بلد آخر، ليوظف نفسه في سلطة هذا البلد الآخر.

وهنا في رأيي شيء صعب الحديث عنه، أن توظف إمكانياتك مع سلطة بلدك أفضل من أن توظفها مع سلطة البلد الآخر، وتذهب لتقول: أنك تبرأت من السلطة، تبرأت من سلطتك المحلية لتضع نفسك في خدمة سلطة محلية أخرى، وهذه من مآسي المثقفين العرب، أو حتى يخرجون خارج الأمة، خارج هذه الأقطار فيوظفون قدراتهم لسلطات هي ليست بحاجة إليهم، وعندها من مثقفيها ما لا يجعها في حاجة إلى مثقفين من الوطن العربي، لا أقول من العالم الثالث.

محمد كريشان:

في السنوات الأخيرة الكثير من المثقفين والمبدعين العرب هاجروا إلى الخارج وأساساً إلى أوروبا، برأيكم هل هؤلاء قادرون على المساهمة في العطاء الثقافي العربي بشكل فعال لمزيد ربما سد الثغرات في النسيج الثقافي العربي، هل هم قادرون بفعل الواقع الجديد أن يكونوا مساهمين بشكل أفضل من غيرهم من العرب؟

عبد العزيز المقالح:

لا أتابع كثيراً ما يكتبه هؤلاء الذين هجروا أقطارهم، وربما استطاعوا لأنهم سيكونوا في مأمن من حراب السلطة، ومن حراب زملائهم الذي يخالفونهم الرأي، لكنني لم أقرأ شيئاً مهماً يقدمه هؤلاء حتى الآن، سواء كانوا المشتغلين بالثقافة بالمعنى العام، أو المشتغلين بالأدب، الأدب من وجهة جوهر الثقافة.

محمد كريشان:

يعني على ذكر جوهر الثقافة، لديكم كتاب بعنوان (تلاقي الأطراف) تحدثتم فيه عن هذا التلاقي الأدبي بين الطرف الغربي من البلاد العربية والطرف الشرقي، يعني في زيارة سابقة لموريتانيا، كان للموريتانيين شكوى من ما يعتبرونه ربما إهمالاً أو تجاهلاً من بقية البلاد العربية، ولكن في نفس الوقت مثلاً كاتب موريتاني، مثل (السيد ولد أباه) يساهم في عديد الصحف العربية.

أيضاً الدكتور عبد العزيز مقالح لديه عديد من الكتب الغزيرة والمعروفة، ولكنه ظل محافظاً على كتابات دائمة في عديد الصحف العربة، هنا أريد أن أسأل: هل الصحافة العربية قادرة على خلق هذا التواصل الثقافي من خلال الصحف، الشيء الذي ربما عجزت عنه من خلال الكتب والإبداع الآخر؟

د. عبد العزيز المقالح:

ربما كان للصحافة دور، ولكن هناك أبواب أخرى مفتوحة للتواصل، وأعود مرة أخرى إلى الأجهزة الرسمية، وإلى أجهزة ملحقة بالرسمية، وهي اتحادات الأدباء، نحن عرفنا عدد من زملائنا في موريتانيا من خلال اللقاءات الأدبية التي تتم في إطار ما يسمى باتحاد الأدباء العرب، وكانت لقاءات سنوية مثمرة، على الأقل أن يلتقي الأدباء، والأدباء في طليعة مثقفي الأمة، فيتعرفون على بعضهم من موريتانيا، من المغرب، من عمان، من الإمارات، من قطر.

محمد كريشان:

ولكن حتى أغلب هذه الاتحادات -دكتور يعني- إلا فيما ندر أصلاً تركيبتها نتيجة توازنات معينة في كل دولة، وغالباً ما تكون كل حكومة حريصة على أن يكون اتحاد الأدباء كاتحاد الصحافة كاتحاد..

د. عبد العزيز المقالح[مقاطعاً]:

هي رسمية هي مرسمة.

محمد كريشان[مستأنفاً]:

رسمية أو على الأقل غير مزعجة، يعني إذا كان اتحادات الأدباء في الدول العربية بهذا الشكل المروض بدرجات مختلفة، ما الذي يمكن أن نتوقع منه في النهاية؟

عبد العزيز المقالح:

كان يكفي أنا قلت هو لا يستطيع، لا يستطيع أن يعمل شيء بدون الإرادة السياسية الشاملة التامة، ليس لنظام واحد أو مجموعة أنظمة، وإنما لكل أنظمة الأمة الحريصة على توحد هذا الشعب الواحد، وما لم يتم هذا لا تستطيع لا وزارة ثقافة، ولا وزارة.. شؤون الأدب ولا اتحادات الأدباء، لا يمكن أن تعمل أي شيء بدون إرادة، وبدون هدف، بدون مشروع، نحن أمة بلا مشروع

ثقافي، بلا مشروع ثقافي.

محمد كريشان:

كيف يمكن أن يصبح لنا مشروع ثقافي؟

عبد العزيز المقالح:

هذا مطروح.. كل بلد يحاول أن يكون.. بل كل مثقف يريد أن يكون له مشروعه الثقافي، وطبعاً المثقفون الكبار ممكن أن تكون لهم مشاريعهم الثقافية النابعة من أمتهم، من مشكلاتها، طموحاتها، من أحلامها، وأما أن لا يكون للأمة كلها مشروع ثقافي تتصدى، نحن قادمون على هجمة العولمة الثقافية، وهنا مكمن الخطر.

محمد كريشان:

لماذا مكمن الخطر يعني؟ ألا يمكن للثقافة العربية أن تتفاعل في هذا المحيط العالمي بندية ؟

د. عبد العزيز المقالح:

نعم، آه ممكن تتفاعل، بس تتفاعل تكون هي موجودة، تتفاعل أيش؟ لابد أن يكون هناك قوة قادرة على التفاعل، هناك شيء قادر على أن يتلاقى ويتفاعل، فإذا لم يكن هناك ما.. مع من يتفق؟ مثلاً العولمة الاقتصادية لا تخيفيني، ربما تخيفني العولمة السياسية إلى حد ما، أيضاً لا تخيف، لكن العولمة الثقافية هي هذا الخطر.

نحن ندخل إليها مفلسين تماماً إلا من تراث حزين ومكدس في المكتبات، أمة كبيرة حتى لو كنا مجموعة أمم، ونتكلم لغة واحدة علينا أن نتعاون لكي نصد، وأنا لا أقصد أن لا نصل، يجب أن نتعاون ونستفيد، لا أؤمن بالغزو الثقافي، لا أؤمن بشيء اسمه.. لكن يجب أن أكون موجود، لا تكون ساحتي فارغة فتملأ بالأفلام الأمريكية وبالمسلسلات الهابطة وإلى آخر الثقافة.

محمد كريشان:

ولكن خاوية إلى هذا الحد؟

د. عبد العزيز المقالح:

قد لا تكون خاوية، ولكنها ممزقة، ممزقة لا تثبت، لا تقاوم، لا يستطيع أنت وأنا وهذا كل واحد منا يقاوم بمفردة، لابد أن نقاوم، وأن ننطلق من موقف واحد في هذا زمن الفضائيات المدهش، هذا هو الزمن الأكثر أدهاشاً، انظر إلى فضائياتنا، ماذا نقدم للعالم؟ لو كان هناك شعوب تتعلم لغتنا، وتريد أن تستفيد، كم ستفسيد من هذه الفضائيات العربية التي تكاد أحياناً، تكاد في معظمها تكون عالة على هذه الثقافة.

أنا لا أقول فيها شيئاً، لكن ثقافة غير ثقافة الأمة، وأمة في مستوى متدهور فكرياً وثقافياً، فيمكن لها أن تضيع، وأنا عندي ثقة أنها لن تضيع، وأنها قادرة على أن يحمي، يحمي ثقافتنا هذا الفلاح العائش في الريف، وعند الأرض ويتنفس ثقافته، ثقافة أمته، بس نريد لهذه الثقافة التي يتنفسها نوعاً من التحديث ومسايرة الزمن، ودخول العصر حتى لا يبقى بعيداً يعيش في قرون خلت، وهذا لا يمكن أن يتم في اليمن وحدها، ولا في مصر وحدها، ولا في الجزائر وحدها، لابد أن يتم على الساحة العربية كلها.

محمد كريشان:

طالما أثرنا موضوع الفضائيات، ربما بإمكان هذه الفضائيات أن تختزل سنوات مما كان يمكن أن يفعل في السابق على مر سنوات بفعل غياب التواصل المعاصر، هل لها أن تعلب دوراً ثقافياً جيداً في هذا التواصل الذي نطمح إليه على الصعيد الثقافي.

د. عبد العزيز المقالح:

هي تستطيع.. تستطيع، وأنا أستغرب لماذا المنافسات، لماذا هذه القطرية الشديدة في أن يكون لبلد ما-لن أسميه- خمس قنوات، وبلد عشر قنوات، ليش؟ نحن أمة واحدة ونتكلم..

محمد كريشان:

ربما الكثرة تفرز في النهاية الجيد، يعني..

د. عبد العزيز المقالح [مقاطعاً]:

ما أدري كيف إنه، وقد يقال الديمقراطية، الديمقراطية تجمع ولا تبدد، فأنا أتصور أن هذه هجمة على المواطن العربي، هجمة وإفراغ لكل طاقاته، وطاقات تقبله إفراغ لطاقات التقبل، وأنا أمسك بالريموت كنترول وألف شيء أود أن أتابع هنا وهنا وهنا وهنا، ألذ واحد هو التنوع، التنوع جيد، والتنوع، بس أحياناً يكون تنوع كله مكرر ومن نوع واحد.

محمد كريشان:

ليس تنوعاً موضوعياً يعني.

د. عبد العزيز المقالح:

وأنا أود أن يكون لنا محطاتنا الناطقة باللغة، قنواتنا التي تتحدث باللغة الإنجليزية والفرنسية، ومسلسلاتنا التي أيضاً تمثل باللغة الفرنسية والإنجليزية والألمانية و.. وأعكس ثقافتي وثقافة أمتي على هذه الأمم التي تفرض على ثقافتها، وأنا أتقبلها، لابد أن تأخذ مني شيئاً، هل ممكن أن نصل إلى مرحلة كهذه؟ أتمنى ذلك.

محمد كريشان:

برأيكم دكتور.. كيف يمكن تحديث الثقافة العربية حتى تصبح قادرة على التفاعل الإيجابي مع بقية الثقافات الآن، يعني مثلاً من خلال إدخال قيم حقوق الإنسان أو غيرها من القيم الغربية، كيف؟

د. عبد العزيز المقالح:

تجديد الثقافة العربية، يعتمد-لا شك- على ما لدينا من موروث مهم وبالغ الأهمية، وتحديثه أن يكون مناسباً مزامناً لعصرنا، أفكار القرن الثالث الهجري كانت مناسبة، وربما استطاعت تقاوم عدة قرون، لكنها لا تكفيني، ليست زاداً كافياً لي في أوائل القرن الحادي والعشرين، لو تناولنا قضية الشعر وخرجنا قليلاً، من الصعب جداً من وجهة نظري أن نظل نكتب الشعر كما كان يكتب في القرن الثاني أو الثالث الهجري.

لابد من ثورة شعرية وقد حدثت فعلاً، وأصبح شعرنا في العصر الحديث من أهم ما قدمته الأمة في هذا الظرف السيء، وهو الظرف الذي كانت فيه واقعة تحت هجمة، هجمة من كل مكان، لم تكن هجمة من الغرب، هجمة من كل الجهات على الأمة، استطاعت أنها تقدم نمطاً تحديثياً في الشعر مقبول، وله تقبل شامل تقريباً، فكذلك الأمر في بقية النظم الثقافية والفكرية.

محمد كريشان:

مرَّة أخرى دكتور تتحدث عن الصف الواحد على صعيد المثقفين، ما المانع في أن يكونوا مختلفين يعني؟ ربما تكون هناك كفاءات ثقافية في المغرب، في الجزائر، في سوريا، في العراق، وبالتالي هؤلاء قادرون على أن تكون لهم كلمة مسموعة في الساحة الثقافية العربية، بدون أن يكونوا بالضرورة في صف واحد أو بكلمة واحدة.

د. عبد العزيز المقالح:

لا، ليس المطلوب أن نصبح صوتاً واحداً.. مستحيل، التنوع مهم، ولكن أن يكون تنوعاً كالتنوع الفرنسي مثلاً أنا أود، كالتنوع الألماني، ولا يكون تنوعاً..

محمد كريشان [مقاطعاً]:

فوضوي يعني.

د.عبد العزيز المقالح:

كتنوع مالطا وصقلية وقبرص وأي مكان، تنوع.. أنا أريد أن يكون تنوع، وأنت تتحدث أن هؤلاء فعلاً هم.. نحن عندنا مجموعة رموز مهمة جداً، ولكن هذه رموزنا نحن، وهي تتوجه بحديثها إلينا، أن أود أن نقوم بمهمة معاكسة، فكرة للدكتور حسن حنفي، حسن حنفي، كان الحديث في مجال الثقافة العربية يتم حول الاستشراق، وما أساء به إلى تاريخ الأمة، وإلى.. الاستشراق كل حديث جاي.. فالدكتور(حسن حنفي) اقترح فكرة معاكسة، وهي فكرة الاستغراب أن هؤلاء الذين درسوا، درسوا الغرب وقدموا صورة عنه، أيضاً إن إحنا نبدأ، فأنا أحلم، أحلم بالمسلسل المعاكس.

بالفليم المعاكس، ولا أقول مثلاً إنه هذا الفيلم العربي الذي يرتقي يصل إلى مستوى ويدخل السينما الفرنسية ويدخل في نيويورك، ويحتشد الناس عليه كما نحتشد على أي فيلم من الأفلام، ويفتح الألماني قناة من قنواتنا العربية ليشاهد فيلماً أو مسلسل ويتابعه كما نتابع نحن،كما نتابع Dallasمثلا، أو الجذور أو أي مسلسل، أنا أود أنه تنتقل ثقافتنا تصبح.. لا تكتفي بأن تكون مقلده، ولا تكون منكمشة وخائفة وتستهلك محلياً.

وأنا أخشى أنه يأتي وقت لا تستهلك محلياً مع هجمة العولمة، سنكتفي سيكون عندنا اكتفاء ونوع من الأرواء خلاص، أنا أشاهد أفلام، أشاهد مسلسلات فأنت اقعد..

محمد كريشان:

ارتاح.

د. عبد العزيز المقالح:

ارتاح، مثل أشياء كثيرة لا نعملها، الغرب يأتينا بها، وقال بعض الأفاضل إنه خلقكم الله لخدمتنا، فلماذا نتعب، أو نتعب أنفسنا بأن نصنع سيارات وطائرات وهو يأتي بها.

محمد كريشان:

هل هو فعلاً خطر يهدد الثقافة العربية؟

د. عبد العزيز المقالح:

بالتأكيد خطر حقيقي، خطر داهم، وعلى اللغة داهم، على اللغة، وبما أننا نتكلم عن الثقافة، فاللغة هي وعاء هذه الثقافة، لغتنا مهددة بأن تسمع مثقفاً عربياً يقول أنا أعلم أولادي اللغة الإنجليزية والفرنسية ولا أعلمهم اللغة العربية، يكتفون بما لديهم من قدرة على الحديث مع أمهم الأمية العربية اللي كذا يتفاهموا معها، أما مع العصر، مع العمل في الوظيفة، فهم بحاجة إلى لغة، أما هذه قلت، فهي مع أمهم، يتفاهموا مع البواب مع.. مأساة مأساة.

لا أظن أن مثل هذا يحدث في فرنسا، لو حدث تقوم القائمة يحدث انتحار جماعي، لو حدث أن أحد يتكلم عن لغته، وعن هويته بهذا الشكل، نحن مشكلة، مشكلة حقيقة.

محمد كريشان:

دكتور عبد العزيز المقالح شكراً جزيلاً.

د. عبد العزيز المقالح:

شكراً لكم.