مقدم الحلقة  محمد كريشان

ضيف الحلقة

 يوسف حبي عميد كلية بابل للفلسفة واللاهوت في بغداد

تاريخ الحلقة

06/11/2000



يوسف حبي
محمد كريشان
محمد كريشان:

الكلدان والآشوريون هم من سكان العراق القدامي، دانوا بالمسيحية وظلوا أوفياء لها وللعراق، ولغتهم ما تزال صامدة إلى يوم الناس هذا كتابة وحديثاً، والقضية أن هؤلاء -رغم حرصهم على خصوصيتهم- أفلحوا في أن يكونوا جزءاً من نسيج المنطقة الحضاري والوطني دون عصبيات أو صدامات كما يحدثنا عن ذلك ضيفنا لهذا الأسبوع الدكتور (يوسف حبي) عميد كلية بابل للفلسفة واللاهوت في بغداد.

الدكتور يوسف حبي الاسم الكامل: الدكتور فاروق داوود، لكنه عرف بالاسم الأدبي يوسف حبي، من مواليد الموصل في العراق عام 1940م، توفى قبل أسبوعين في حادث مرور أليم في عمان، حاصل على شهادات جامعية عليا عديدة في الفلسفة واللاهوت والدكتوراة في القانون الكنسي، يتقن العديد من اللغات منها الكلدانية والإيطالية والفرنسية واللاتينية والألمانية وغيرها، عضو مجمع اللغة السريانية منذ 1972م وعضو المجمع العلمي العراقي منذ 1978م، ورئيس هيئة اللغة السريانية، ورئيس تحرير مجلة (بين النهرين) الفصلية الحضارية منذ تأسيسها عام 1972م، النائب البطريركي للكلدان للشؤون الثقافية، عميد كلية بابل للفلسفة واللاهوت منذ تأسيسها عام 1991م، رئيس محكمة الاستئناف الكنيسة في العراق منذ 1990م، كاهن منذ 1961م، له زهاء 26 كتاباً بين أدبي ولاهوتي.

محمد كريشان:

دكتور يوسف حبي أهلاً وسهلاً.

د. يوسف حبي:

أهلاً وسهلاً.

محمد كريشان:

عندما نتحدث عن الكلدانيين البعض يشير أيضاً إلى الآشوريين، إلى السريان، إلى البابليين، هل من توضيح لهذه الصورة؟

د. يوسف حبي:

مؤكد لأنه الكلدان اليوم هم الشريحة الكبيرة من كنيسة المشرق التي هي كنيسة وشعب ضم الكلدانيين والآشوريين، ولغة ما تسمى بالسريانية، من ذلك أيضاً السريان، وهذه الكنيسة وهذه المسيحية امتدت من القرن الأول للميلاد وعبر العصور في شرقي الفرات: العراق وبلدان الخليج وإيران وجنوب تركيا وحتى أقاصي جنوب وشرق آسيا، يعني حتى الهند والصين واليابان والتبت، أما اليوم فبالعكس الانتشار هو نحو الغرب ونحو الولايات المتحدة الأمريكية وأستراليا، ونيوزيلاندا، يعني في بلاد تماماً عكس المنعطف اللي كانت عليه، وهذه كلها ---كشعوب وككنائس- كانت مسيحية واحدة في القرون الأولي، وكشعوب تنتمي طبعاً إلى الشعوب التي سكنت المنطقة خاصة في وادي الرافدين، في بلاد ما بين النهرين، وفي المجاورات، وهي شعوب تنتمي بالأصول إلى ما هي الشعوب القديمة. وكانت عليه يعني من سومريين وأكاديين وبابليين وآشوريين وكلدانيين وعرب وطبعاً أقوام أخرى.

محمد كريشان:

إذاً هم من الناحية العرقية -إن شئنا- شعوب مختلفة، ولكن كانتماء ينتمون كلهم إلى الكنيسة الشرقية.

د. يوسف حبي:

نعم.. نعم هم انتماء حضاري وانتماء بعدين أيضاً ديني ولغوي أكيد.

محمد كريشان:

ما الذي بقي كآثار من هذه المرحلة الآن في العراق؟

د. يوسف حبي:

آه، الحمد لله هذه المسيحية وهذه الشعوب لم تنقرض كما تصور البعض، وأحياناً حتى في الإنترنت وفي الصحف تصدر بعض أمور وبعض أقوال ما تمت إلى الحقيقة بصلة، يعني بدءاً أن كنيسة المشرق بشقيها الكبيرين الكلداني والآشوري هي كنيسة حية، ولكل من هذه الكنيسة بطريرك، بطريرك الكلدان هو في بغداد حالياً، وبطريرك الأشوريين هو في شيكاغو، وهناك أيضاً بطريرك ثالث للآشوريين قسم يعني آخر للأشوريين هو في بغداد، ثم هناك أيضاً مؤكد أن السريان لديهم بطريرك في الشام، وفي بيروت للكاثوليك وفي الشام للأرثوذوكس، فهي كنيسة حية وبها عدد كبير وما يزال أيضاً هناك أكثر من 6 ملايين من الذين بالضبط هم انتمائهم كان إلى هذه الكنيسة، كنيسة المشرق في المدائن القديمة، يعني قرب بغداد بعدد ستة ملايين من الملابريين ومن الملانكاريين ومن الهنود المشرقيين الذين هم في كيرالا في جنوب الهند، وهذه الكنيسة، وهذا الشعب، وهذه المسيحية هي حية أولاً: بلغتها وبطقوسها، وثانياً: بتاريخها وإرثها، وثالثاً: بنشاطاتها الحالية اليوم، فأنا معاك في كل مكان أبرشيات عامرة، أديرة عامرة أيضاً، أندية، مجلات، صحف، وحتى وسائل الإعلام كالتليفزيون.. التلفاز و..

محمد كريشان:

نتحدث بشكل عام ليس بالضرورة في العراق فقط؟

د. يوسف حبي:

نعم في العراق وخارج العراق لأن كما قلت أنه الكلدان ولآشوريين وأيضاً السريان منتشرين حالياً سواء في العراق، كما في إيران، كما في سوريا، في تركيا، في لبنان، في مصر، وطبعاً قلت في البلدان الأوروبية وخاصة في هولندا وألمانيا وبلجيكا وفرنسا وإنجلترا والبلدان الإسكندنافية، كما هناك عدد كبير في الولايات المتحدة الأمريكية، ومنذ سنوات أيضاً في أستراليا وفي نيوزيلاندا، وفي أماكن أخرى.

محمد كريشان:

لكن دكتور الآن شعور الكلدان في العراق، هل يشعرون بأنهم عُرّبوا وأن انتماءهم أصبح بالأساس انتماء ديني مسيحي، أم إلى جانب الانتماء المسيحي هناك انتماء ثقافي في كلغة وكعادات وأشياء أخرى ربما تميزهم عن بقية سكان الـ..؟

د. يوسف حبي:

هذا الشعور بالانتماء أو الانتماءات المتعددة بيختلف من عصر إلى عصر، يعني لما دخلت المسيحية -خاصة في شرقنا- حاولت أن -نوعاً ما- تبعد الناس عن التراث القديم باعتباره وثني، ولكن بقي من هذا شيء لابد منه الآن خاصة أن الفكر والأدب يستمران على طول الخط، والحضارة الرافدية –يعني حضارة وادي الرافدين، حضارة ما بين النهرين، الحضارة العراقية القديمة –حضارة ليست فقط معروفة، وإنما -كما يعلم الجميع- هي أول حضارة في العالم، وبدءاً بالسومرية، ثم الأكادية، البابلية، الآشورية، الكتابة اخترعت وبدأت في هذه البلاد، وأيضاً ليس فقط التدوين وإنما الأدب وعندنا ملاحم عظيمة، وهذه الملاحم ارتبطت في المسيحية بقصص مثلاً، خذ على سبيل المثال قصة (مارجورجيس) كما نسميه إحنا أو جورجيوس أو جورج هذه مرتبطة في قصة سومرية، وفي ملحمة سومرية اللي هي صرع التنين، أو قتل التنين، ورُكّب على هذا الشهيد جورجيز أو جورج أو جورجيوس مصارعته أو قتله للتنين، وهي قصة رمزية جميلة معبرة، كذلك النفحة الصوفية التي نلقاها حتى في ملحمة جلجامش، استمرت في كنيسة المشرق الكلدانية الآشورية السريانية عندما نسميهم بالآباء الروحانيين فإسحاق قنينة، ويوحنا دالياسي، وغيرهما من المتصوفين وحتى بعض المتصوفين المسلمين بنوع ما صار عندهم تقارب في هذه المجالات، ودائماً يعتبروا الله المتسامي والإنسان لا يطاله إطلاقاً، وإنما يقدر فقط أن يصل إلى ماء المعين دون أن يغوص، أو يغوص في المعين ذاته، لكن يتخطى السواقي والجداول إلى المعين نفسه بتصرف أعلى. هذا يعني أن المشرقي سواءً كان كلدانيا أو آشورياً أو عربياً أو مهما كانت التسمية احتفظ بسمات حضارية تراثية تاريخية عبر التاريخ، ولم يتمكن –إن جاز التعبير الشديد- الدين أن ينهي على الأقل هذه الانتماءات بالأرض –التعلق في الأرض- التعلق بالتاريخ، التعلق بالأدب، بالحضارة بشكل عام، وهذه نقطة إيجابية، أنا أعتبرها لأنه دين -أكيد أي دين- لم يأتِ ليلغي وإنما ليكمل، ولكن عندما تعددت -نوعاً ما- الأديان كما كانت أيضاً في السابق، عندما دخلت المسيحية إلى البلاد وأخذت تنتشر طبعاً بقى آخرون على دينهم الوثني، وكانوا ما يزالون أغلبية، شعر هؤلاء المسيحيون الجدد بضرورة هذا الجديد من وحي، من أيضاً مباديء، ومن طبعاً ما يترتب على ذلك أيضاً من طقوس ونظام ديني فمن جهة نوعاً ما اختلفوا أكيد عن المجتمع القديم، ولكن لم يتمكنوا، أولم يريدوا أيضاً بأن يبتعدوا 100% عن أصالة حضارية ومؤكداً عن الأصالة اللغوية وإلى آخره..، وهذا حدث بعد سنوات في انتشار الإسلام في البلاد.

محمد كريشان:

كأصالة لغوية إذا أردنا.

د. يوسف حبي:

نعم الأصالة..

محمد كريشان[مقاطعاً]:

هل بقيت اللغة الكلدانية الآن؟ هل هي الآن لغة محكية ومستعملة سواءً في العراق أو في دول الجوار وبها بعض الكلدانيين؟

د. يوسف حبي:

نعم، أكيد، بحدود قلنا تقريباً 95% من مجموع المنتمين إلى كنيسة المشرق كلدان آشوريين وحتى السريان -ولو بدرجة أقل- يتحدثون كلغة أم ما نسميه بالسورث وهي لغة آرامية، لهجات تنتمي بأصولها إلى اللغات القديمة التي أولى اللغات التي هي معروفة في هذا الباب هي الأكادية حالياً، وتقاربها في سوريا الإبلية وربما هي أيضاً أكادية، وتفرعت، أو هي ذات فروع: البابلية، الكلدانية، الآشورية، الآرامية، وحتى في هذه..

محمد كريشان[مقاطعاً]:

هناك تشابه بينها؟

د. يوسف حبي[مستأنفاً]:

نعم.. وهناك طبعاً التشابه الكبير في كل هذه اللغات التي تسمى أيضاً آرامية غربية، وآرامية شرقي ، ويدخل في هذا الباب حتى اللغة العربية.. كاللغة العبرية والحبشية واللغات الأخرى، هي عائلة واحدة، لأنه هذه الشعوب هي ذات أصول..، أو أصل واحد في نهاية الأمر، طبيعي هناك الكتب المقدسة كلها تقريباً كتب الأديان الموحاة تقول بالأصل الواحد للإنسان، العلم يحاول أن يقول أيضاً بأصول متعددة، ولكن في نهاية المطاف نحن أمام أصول مشتركة مؤكداً ليس فقط كأقوام وأجناس، ولكن وخاصة كلغات، هذه اللغة باقية..

محمد كريشان[مقاطعاً]:

باقية إلى الآن حتى في البيوت والاستعمال اليومي؟

د. يوسف حبي:

إلى الآن وحتى الذين انتشروا في بلاد الشتات، يعني اللي راحت اللي ديترويت، أو إلى شيكاغو، أو إلى أمستردام، أو إلى مالبورن بتسمع هؤلاء المشرقيين، هؤلاء الكلدان والآشوريين والمسيحيين يتحدثون بهذه اللغة.

محمد كريشان:

وأغلبهم يجمع بينها وبين العربية في أغلب الأحيان؟

د. يوسف حبي:

أغلبهم ولكن ليس الكل، يعني هناك طبعاً الإيراني مثلاً أو التركي الأصل فيتحدث بهذه اللغة السورس أو الآرامية أو الآشورية الكلدانية كما يتحدث بلغة البلد كما، ولكن لأن الأغلبية هم في الوطن العربي فطبعاً اللغة العربية تسود أيضاً بين معظمهم كلغة أدب وتخاطب وحضارة. وهذا ما حصل أيضاً كانتماء حضاري بعد ازدهار الحضارة العربية وكذلك أيضاً من القرن الأخير يعني التاسع عشر والقرن العشرين عندما تعززت العربية والأدب العربي والحضارة العربية أصبحت تقريباً هي السائدة في المنطقة، وبين شعوب المنطقة فمن الطبيعي أيضاً أنه أصحاب هذه اللغة، ومسيحيين هذه اللغة دخلوا في الخط إنما بقليل من اختلاف مع مثلاً الأردني لنقل أو الفلسطيني الذين هم أكثر يمتون بصلة إلى العربية، وإلى الحضارة العربية لأنها لغتهم الأم بينما هؤلاء ليست لغتهم الأم عادة ولكن هي اللغة..

محمد كريشان[مقاطعاً]:

القديمة.

د. يوسف حبي[مستأنفاً]:

القديمة والشقيقة أيضاً، فالمصطلحات هي نفسها يعني حتى أيضاً المشاهد يعرف أن الخلاف أو الاختلاف هو بسيط نقول شمشا (شمس) ونقول أرا (أرض) ونقول ميّا (ماء) وإلى آخره من الكلمات.. الأصولية واحدة تقريباً.

محمد كريشان:

هل ما زالت هذه اللغة متواصلة كإبداع أدبي كما كانت في السابق؟

د. يوسف حبي:

نعم، وخاصة أن هناك أيضاً نوع من حركة شجعت على أن تزداد قوة وتنتشر أيضاً على صعيد الأدب والكتابة والمجلات والصحف ووسائل الإعلام خاصة في بلاد الشتات، لأنه كما قلت بلاد الشتات جمعت أصحاب هذه اللغة من عدة بلدان، فالمشترك بينهم هو خاصة هذه اللغة أكثر من لغات أخرى فتقوت وتشجعت ثم هناك دراسات أوروبية ويعني مزدهرة سواء للأدب السرياني القديم وسواء لأدب السورث أو هذه اللغة المحكية من قبل الآشوريين والكلدانيين في العالم، فهي الآن واليوم لغة أدب، لغة شعر ولغة صحافة أيضاً، ولكن لنقل دائماً في معظم -أو في العديد من أيضاً- الاشتغالات بتتشابك مع العربية –وهذا- هؤلاء الأشخاص لا يشعرون بالغربة إطلاقاً بالنسبة للحضارة العربية، واللغة العربية بالعكس.

محمد كريشان:

عندما جاء الإسلام ومعه تحديداً اللغة العربية ولغة القرآن الكريم، كيف كان تفاعل الكلدانيين أو الآشوريين مع هذه الرسالة الجديدة؟ علماً وأن الكنيسة المشرقية كانت من أقدم الكنائس في العالم يعني عندما؟

د. يوسف حبي:

عندنا شهادات تاريخية واضحة أن الجفالقة –نقصد بهم البطاريك يعني رؤساء هذا الكنيسة- خاصة في العراق، يعني في المدائن قبل طبعاً تشييد بغداد،قرب بغداد، المدائن، هؤلاء لم يعارضوا انتشار الإسلام، لا بل هناك نوع من تعاطف ولم يحدث أي صدام بين مسيحيين بلاد ما بين النهرين بشكل عام وخاصة وادي الرافدين والعراق وبين المسلمين، وهناك أيضاً كان مسيحيين عرب كمسيحيي الحيرة، المناذرة، وكذلك المسيحيين الغساسنة الذين هم أقوام عربية، ثم إن هناك أقوام أو قبائل عربية عديدة كانت مسيحية كطيء وتغلب وغيرها دخلت في الإسلام بسهولة لأنها نفس اللغة، نفس الحضارة، وأيضاً، ولو أن معظم المسيحيين لنقل بقوا على دينهم، الذين أصبحوا مسلمين عادة هم الذين كانوا زراد شتين أو كانوا على أديان وثنية أخرى، لماذا؟ لأن الإسلام لم يجبر مسيحياً على أن يسلم، وإنما أن يدفعوا جزية واعتبروا أهل الكتاب، وبعد سنوات نلقى ليس فقط تعايشاً سلمياً وإنما عيشاً مشتركاً بين المسيحيين والمسلمين، والدليل هي أولاً حتى حوارات دينية بين أعلى المستويات كمثلاً الحوار بين الجثاليق البطريرك (تمثاوث الكبير) في حدود سنة 800م مع الخليفة المهدي، أو حوار المطران (إيليا برشينايا) مطران نصيبين مع الوزير المغربي.

محمد كريشان:

حوار بالمعنى كأنه بدايات لحوار.

د. يوسف حبي:

مسيحي إسلامي ينحكي عن الله، وعن الوحي، وعن المعجزة، وعن العقاب والثواب وإلى آخره، وكذلك حوار بين العلماء خاصة وبين الفلاسفة والمفكرين المسيحيين والمسلمين، لا، بل في بغداد عاصمة الحضارة العباسية خاصة الزاهرة والمجيدة، المدارس كانت مشتركة، يعني لم تكن هناك أي تفريق في أن تكون هذه المدرسة مسيحية وإسلامية خاصة على صعيد العلوم، وعلى صعيد الفكر والفلسفة وبالأخص المنطقيات، فمثلاً بيت الحكمة يترأسه مسيحي، يعمل فيه أيضاً مسلمون، أو يترأسه حتى صابئي ويعمل فيه مسيحيون ومسلمون، أو مسلم وبالعكس، وكذلك في المستشفيات مثلاً في مستشفى الأرضي نلقى أبا فرج ابن الطيب، عبد الله بن الطيب الذي هو كاهن سكرتير البطريرك، وفي عين الوقت فيلسوف ومنطقي وقانوني و..

محمد كريشان[مقاطعاً]:

كان يتتلمذ على يديه حتى من المسلمين.

د. يوسف حبي:

نعم، يوحنا بن حيلان هو أستاذ الفارابي، والفارابي هو أستاذ أبو بشر متى بن يونس، وأبو بشر متى بن يونس عبد الله بن الطيب بعده ويحيى بن عدي والسجستاني والمنطقي وفلاسفة كثيرين معتبرين كأنهم زملاء في عين المدرسة الفكرية المنطقية الفلسفية وأصل الترجمة عندما نطالع قوائم المترجمين في العصر العباسي نلقى مسيحيين، ونلقى مسلمين، ونلقى صابئة، ونلقى حتى يهودياً، فكان هناك حوار بين الأديان على صعيد العلم ربما أحياناً بعض المتدينين، أو بعض يعني رجال الدين هنا وهناك لم يتقبلوه 100%، ولكن على صعيد المجتمع، وعلى صعيد العالم، وعلى صعيد الحضارة هذا الحوار كان قائم، وهذا دليل وخاصة منذ 1400 سنة وحتى اليوم، وفي هذه البلاد يعني خاصة مثلاً في العراق، لم تقم حرب دينية واحدة، هذا دليل على أن فعلاً التعايش المسيحي الإسلامي والعيش المشترك بين المسيحيين والمسلمين كان قائماً، لماذا؟ لأن الأصولية واحدة، لنعد دائماً إلى الأصول الحضارة هي التي أولدت هذا الشعب العظيم فعلاً وحقاً والتي أعطت لنقل حتى أكثر مما تأخذ.

محمد كريشان:

الصورة لم تهتز حتى مع الحروب الصليبية؟

د. يوسف حبي:

بالعكس نحن نرى ونعرف بأن المسيحيين وقفوا جنباً إلى جنب في صد هجمات الصليبية ولهذا في العراق مثلاً خاصة لم يكن هناك أي تأثير صليبي واضح، وكذلك في حروب أخرى مثلاً عندما نادر شاه أو طهماسب غزا البلاد بشكل تصفه كتب التاريخ وهوامش المخطوطات القديمة بأنه كان فعلاً بشعاً ويعني فتاكاً، وقف هناك أيضاً المسيحيون والمسلمون صفاً واحداً كما في مدينة الموصل، وشهيرة هي الحادثة –حادثة محاولة تهديم أسوار الموصل من قبل الطهماسب نادر شاه وعسكره الجرار بقذائف المنجنيق..

محمد كريشان[مقاطعاً]:

جاءوا من بلاد الفرس.

د. يوسف حبي[مستأنفاً]:

نعم من بلاد الفرس بقذائف المنجنيق ويقال أنه ألقى على الأسوار بحدود 25 ألف قنبلة حديدية بواسطة المنجنيق ولما كانت تتهدم الأسوار كان أهالي الموصل يضعون حتى –للاستعجال ولكي لا يتركوا ثغرة لدخول العسكر المعادي –يضعون حتى جثث على الأسوار، ويقال أن التشابك اللي كان بين مزار العذراء مريم الطاهرة في الأسوار –قرب الأسوار- ومرقد يحيى أبي قاسم والشافعة التي كان المسيحيون والمسلمون يتضرعون إلى العذراء وإلى يحيى أبي القاسم صدت أيضاً هذه القوة العاتية وجعلتها فعلاً تبوء بالفشل، ونقدر نذكر أمثلة عديدة كمثلاً عندما كان تكوين الدولة العراقية وقف المسيحيون مع المسلمين بكلمة واحدة هي القول أن الموصل هي للعراق، وهي جزء لا يتجزأ من الوطن العربي، وغير صحيح أنها تتبع –ويجب أن تتبع- مثلاً تركيا وإلى آخره، فهناك شواهد عديدة على هذا التعايش على الصعيد حتى السياسي وأكيد الوطني، ومؤكداً الحضاري واللغوي، وحتى الخلقي فالصداقات والعلاقات بين البيوتات الإسلامية والمسيحية في العراق كما في بلاد الجوار معروفة يعني وليس هناك أي إشكال من هذا الناحية.

محمد كريشان:

يعني هذا التعايش اللي سمح، برأيك ألم يسع البعض ولو أحياناً لإثارة (فتن) ربما؟ لأن فقط على سبيل المثال يعني مثلاً في المغرب العربي القضية مختلفة، هناك البربر أو الأمازيغ وهم من سكان البلاد الأصليين وانتماؤهم نفس الانتماء الديني للعرب الموجودين وهو الانتماء إلى الإسلام، ومع ذلك انتماء ديني واحد وهناك حساسيات عرقية أو قومية أو ثقافية، هنا اختلاف ديني ولكن انتماء حضاري واحد.

د. يوسف حبي:

يعني إذا..، ليس هناك أحد يستطيع أن يقول أن الإثارات لم تكن، لأنه مع الأسف هناك دائماً أشخاص أو فئات يثيرون ويريدوا أن يعمقوا بعض الخلافات أوالاختلافات تصبح خلافات، أو الحساسية إلى حد استثارة النفوس.. إلى آخره، ولكن لأقولها أنا كعراقي وككلداني وعمري في الستينات أنني ومعي الألوف نبتسم وأيضاً نتألم عندما نسمع أحداثاً عجيبة، غريبة مثلاً في مصر، أو في الجزائر أو في أي بلد آخر، في لبنان يعني بين.. والقضية تصبح قضية مسلم ومسيحي، لأنه إما القضية هي وطنية وتشمل الجميع أو هي قضية دينية، وأي دين –وأنا رجل دين- لا يمكن أن يخلق أو ينشيء أي فرقة بين إنسان وإنسان، كل دين صحيح –ونحن مؤمنين بأديان صحيحة- يجب أن يعمل على توحيد الإنسان أولاً في ذاته، الإنسان مع الله، والإنسان مع قريبه يعني مع الآخر ومع الآخرين بغض النظر عن أي انتماء عرقي أو لغوي أو حضاري أو ديني أو مهما كان نوعه.

محمد كريشان:

دكتور يوسف هذا التوجه استمر حتى في الأوساط الكلدانية المسيحية الموجودة في أمريكا أو غيرها، لم تكن هناك بعض النعرات الخاصة؟

د. يوسف حبي:

مؤكداً في الخارج ممكن بسهولة أكبر أن يكون التأثر السلبي، لأن التعايش المباشر يضعف، ولكن هناك يمكن أيضاً ما حدث بالعكس أنه المسافر أو الذي عاش في الشتات والآن يعني استوطن في بلدان أخرى يشعر بانتماء أقوى، يعني قبل أيام بالضبط وإحدى قريباتنا في أستراليا مولودة في أستراليا، والآن شابة تقول نعم إني أحمل الجنسية الأسترالية لكن أنا أشعر بأن بلدي هو العراق.

محمد كريشان:

مع أنها ولدت في أستراليا وتربت هناك.

د. يوسف حبي:

ولدت وتربت هناك وحسب الأصول فهذا دليل وطبعاً إحنا نسمع من كل الذين يعيشون في الخارج أنهم يشعروا بأنهم يعيشون في غربة، والغربة قاسية كما نعلم، والانتماء عميق، لماذا؟ لأنه أنا متأكد أنه هذا الانتماء طبع في قلوبهم أكبر الأثر، أعمق الأثر حيث لا يمكن أن ينفصل، ولهذا تشوف التعاطف أيضاً التعاطف الذي فعلاً المواطنين الكلدان وحتى الآشوريين والسوريان تتحدث عن الكل متعاطفين مع –أكيد- وطننا العربي والبلدان العربة بشكل عام، مع القضية الفلسطينية مؤكداً ومع كل القضايا التي تخص بلادنا وشعبنا، مثلاً مع حصار بالنسبة للعراق، يعني بخصوص الحصار لولا تعاطف –حقيقة- لشعبنا في الخارج، وللمسيحيين –أيضاً- من كلدان، ومن أشوريين، ومن سريان وغيرهم..

محمد كريشان[مقاطعاً]:

تعاطف يعني كإرسال مساعدات وإرسال أموال.

د. يوسف حبي[مستأنفاً]:

تعاطف كإرسال مساعدات بشكل هائل وكبير، وقسم من هذه المساعدات ليست لأهاليهم ولا لأقاربهم، ولا حتى فقط لأبناء دينهم، وإنما للجميع، وحتى عن طريق القنوات الرسمية للدولة، أو حتى التي تأتي إلى الكاريتاس مثلاً يعني، (خويت المحاربة) كما نسميها في العراق وجوباً يجب أن توزع منها حصص –أيضاً- على المسلمين، وليس فقط على المسيحيين، وهذا دليل الانتماء، ولكن وخاصة في المحافل السياسية، وقسم من أبنائنا، يعني من شعبنا الكلداني مثلاً في أمريكا، نحن عندنا أعضاء في الكونجرس، وعندنا ناس متقدمين في المجالات السياسية، أو أيضاً الفكرية، أوفي وسائل الإعلام، وفي الإدارة العامة في عدة بلدان، هؤلاء دائماً يعرضوا قضايانا كلها المصيرية سواء عن الحصار، سواء عن –كما ذكرت- القضية الفلسطينية وغيرها، وحتى بالمظاهرات يقومون بها، وباحتفالات، وبوسائلهم الإعلامية المتقدمة المتطورة، هم تقريباً الصوت الحي –حقيقة- لقضايانا.

محمد كريشان:

توزيع المساعدات التي تأتي من الخارج على المسيحيين وغير المسيحيين في العراق برأيك زادت من تعميق هذه الأواصر التي كنا نتحدث عنها؟

د. يوسف حبي:

مؤكد..

محمد كريشان:

يعني هل هناك مثلاً بعض الحرج من أن يأتي مواطن عراقي مسلم يأخذ مساعدات غذائية، أو حتى عينية من كنيسة كلدانية؟ هل هناك بعض الحرج أم القضية –ربما- غير مطروحة بالنسبة إليه؟

د. يوسف حبي:

الحرج غير موجود، بدليل أني أنا –أيضاً- في كنيستي في بغداد عندي رعية كبيرة، أقدر أقول: كل يوم، إن لم أبالغ مؤكداً كل أسبوع يأتي أكثر من شخص، ولا نرفض مساعدة أشخاص مسلمين، ولا نرفض أبداً أي شخص، كما أنه وجوباً –كما قلت- نقدم –أيضاً- مساعدات لعائلات مسلمة، بعد أن نتأكد –طبعاً- كما نتأكد من العائلات المسيحية كذلك المسلمة أنها فعلاً محتاجة أكثر من غيرها أكيد الكل محتاجون الآن، وعكس ما يمكن حصل في بداية ما يسمى بحرب الخليج أو العدوان على العراق أن بعض المتطرفين كانوا يريدون أن يتهموا بعض المسيحيين بأنهم مع الأمريكان، والجواب كان الرسمي والشعبي على الساحة أن العراقي المسيحي هو أقرب إلى العراقي المسلم من أي شخص آخر، ولا فرق في هذه المعاناة بين مسلم ومسيحي، وكلنا نرفض ونشجب العدوان الذي حدث على العراق، ونندد به، ومعلوم أنه مثلاً صوت البابا ارتفع أكثر من مائة مرة ضد الحرب وضد العدوان وضد الحصار، وكذلك صوت البطريرك الكلداني معروف (…) المعروف بمواقفه الوطنية ودفاعه المستميت حقيقة عن شعب العراق، ولم يقل في يوم من الأيام هذا البطريرك أنه يدافع فقط عن مسيحيي العراق، وإنما عن شعب العراق ككل، لأنه منتمين إلى هذا الشعب، وحتى ولو أنه بطريرك الكلدان في العالم، وإليه تعود كل الأبرشيات والرعايا الكلدانية، لكن طبعاً اعتزازه بالدرجة الأولى بأنه عراقي، وبأنه من هذا البلد، ومن هذه المنطقة، ومن هذا الوطن العربي الكبير.

محمد كريشان:

الكلدان لديهم –أيضاً- مؤتمرات ومجامع كنسية، مناسبات معينة، فيها الجانب الديني، وفيها الجانب الاجتماعي، منها قضايا الزواج، وترتيب عمليات زواج، لو تعطينا فكرة عن هذه الجوانب الدينية والاجتماعية.

د. يوسف حبي:

هناك مؤتمرات عامة يعقدها الكلدان مع كل مسيحيي العراق، ونسميها (المؤتمرات المسيحية) هذا عادة يترأسها هو غبطة ربطة البطريرك الكلداني باعتباره السلطة الكنيسة الأعلى في العراق، مع كل رؤساء الطوائف والكنائس المسيحية، وبالتعاون مع وزارة الأوقاف والشؤون الدينية، وهذا يتم كل سنة أو كل سنتين، وهناك المؤتمرات الخاصة بالكلدان اللي تعقد سنوياً إما في العراق، أو في لبنان، أو في روما حسب الحاجة، ودائماً هناك فقرات ضد الحصار، تندد بالحصار، تتكلم عن معاناة الشعب، عدا طبعاً كل ما يترتب على ذلك من إعلام، ومن قضايا أخرى.

ثالثاً: هناك مؤتمرات عامة يعقدها الكلدان مع كل بطاركة الشرق، والعام الماضي –أيضاً- في شهر (أيار) مايو مع كل بطاركة وأساقفة الشرق، وكان العدد أكثر من مائتي شخص وكنت حاضراً.

محمد كريشان[مقاطعاً]:

بكل طوائفهم وكل..

د. يوسف حبي:

بكل الطوائف، وصدرت بيانات، صدر بيان، وصدرت توصيات رائعة جداً سواء على صعيد المنطقة ككل، المنطقة العربية خاصة وعلى منطقة الشرق الأوسط بشكل عام للتأكيد على ضرورة وحدتها وأيضاً للتخفيف عن المعاناة التي تسببها تدخلات أجنبية هنا وهناك، وتأكيد على الحوار وعلى التعايش الإسلامي المسيحي في المنطقة وبين الأديان وبدون يعني ترك تماماً كل ما يعيق وحدة هذه الشعوب أو هذا الشعب الواحد من أي تفرقة لأي تفرقة مهما كان لونه أو شكله إلى عنصرية، أو دينية، أو لغوية، لأن الكل والمسعى هو أن يكون الكل واحداً، وهذه المؤتمرات –فعلاً- كان عندها مردود كبير لأنه الذين حضروها –أيضاً- وسائل الإعلام بشكل كبير وشخصيات –أيضاً- كبيرة من العالم، وكان لها أصداء –حقيقة- مثيرة، وكما تعلمون أيضاً قبل سنوات نحن ككلدان خاصة ككنيسة كلدانية طلبنا من بعض البطاركة أن يزوروا العراق، وفعلاً زاروا العراق من جملتهم البطريرك ميشيل صباح الذي في القدس، بطريرك الأقباط الكاثوليك في مصر، بطريرك الأرمن الكاثوليك، وبطريرك السريان الكاثوليك وآخرين بعثوا ممثلين عنهم، وكذلك في هذه المؤتمرات المسيحية الكنائس الأرثوذكسية، الكنائس الإنجيلية بالتعاون مع الكلدان مع الآشوريين، كلنا نعمل في هذا البلد، وفي المنطقة قدر الإمكان بيد واحدة، ودائماً هناك أيضاً في المؤتمرات العامة حضور إسلامي متميز، وأيضاً كلمات لرجال دين مسلمين لكي لا يظهر أي فرق، وأعطى آخر مثال قبل أيام بالضبط من الثالث إلى السابع آيار (مايو) الماضي، إحنا ككلية بابل وأنا رئيس هذه الكلية، عميدها، مع المعهد الكهنوتي البطريركي الكلداني رتبنا مؤتمراً حول وجه الله، في هذا وجه الله تحدث شخص آثاري عن وجه الله في الحضارات القديمة، وتحدث الشيخ جلال الحنفي عن وجه الله في الإسلام، وتحدث عالم براسيكولوجي عن وجه الله في البراسيكولوجي، وتحدثت قصائد وكلمات عن وجه الله في الفن وفي الشعر، وفي الأدب، وفي الكتاب المقدس، وفي الروحانيات، وفي التصور فوصولاً إلى –وكان هذه الغاية- أننا جميعاً نكشف قليلاً عن وجه إلهنا الذي إذا ما تجلى مؤكداً الإنسان راح يكون أكثر بخير، لأن إلهنا الذي نؤمن به كمسيحيين، كمسلمين، وكأديان توحيدية أخرى هذا الإله هو حتماً إله خير، وإله محبة، وإله سلام، وإله تآخي، إذن هو إله يجمع ولا يمكن أن يُفرِّق، وهذا ما نحتاجه خاصة في المنطقة وفي العالم..

محمد كريشان:

هذا على الصعيد الديني، ماذا على الجانب الاجتماعي؟ قضية تنظيم الزواج بين الكلدانية [الكلدانيين] ربما المغتربين والموجودين هنا؟ هل هذا يعود إلى حرص على..

د. يوسف حبي[مقاطعاً]:

هناك شيء طريف جداً في هذا الباب، لأننا كل أسبوع نُفاجأ بشخص يأتينا من أمريكا، من كندا، من أستراليا، من السويد، ويريد أن يتزوج فتاة عراقية، لماذا؟ لأنهم يقولون، وأنتم أدرى..

محمد كريشان[ضاحكاً]:

أنتم أدرى..

د. يوسف حبي[مستأنفاً]:

أن بناتنا بنات –حقيقة- حافظوا على أصالة وعلى تقاليد، وعلى نقاء، وثانياً أيضاً ربما من باب تشجيعنا إحنا أيضاً لكذا زواجات، إلا أن مع الأسف بسبب الحرب الإيرانية العراقية، وبسبب أيضاً الهجرة التي حدثت وهي نزيف استمر بعد الحصار، نقص عدد الذكور، ونوعاً ما عدد الإناث أصبح كثيراً فلتلافي هذا الخلل نحن نشجع –بالضبط- الزواجات من الخارج إلى الداخل، وباعتبارهما عادة نفس العائلة، ونفس الشعب ونفس الـ.. ولكن أيضاً هناك شيء ثاني منذ –يعني- زمن طويل –على الأقل- نحن لا نقيم وزناً في الزواجات ونسميها المختلطة بين كلداني وآشوري وسرياني، كاثوليكي وأرثوذكسي، نعتبرها كلها واحدة، المشكلة يمكن فقط في الزواجات المختلطة بين مسيحيين ومسلمين لأنه عندنا في العراق دين الدولة هو الإسلام، ومعنى ذلك أن حقوق المسيحية إن بقيت على دينها تكون منتقصة نوعاً ما، وإذا هي أسلمت فطبعاً هناك –يعني- نوع من التدارك لهذا القانون –ربما- مع الوقت كما حصل ويحصل في بعض بلدان تتبنى الخط ما يُسمى بالعلماني، وهذه بعض الأحزاب حتى العربية..

محمد كريشان:

مازال هناك بعض الحساسية في الزواج المشترك؟

د. يوسف حبي:

ما يزال بعد في هذا المجال، نعم مازال هناك، ولكن مؤكداً العلاقات العائلية والاجتماعية وروابط الصداقة قائمة، أنا من الناس وأنا –طبعاً- صح رجل دين ولكن أيضاً عندي صفة الثقافة، صفة –أيضاً- عضو المجمع العلمي، وعندي صداقات عائلية عديدة مع عائلات إسلامية، وبدون أي حرج أنا أدخل إلى بيوت عائلات إسلامية، كما أن عائلات إسلامية بكاملها يعني تقصد بيتي، وهذا أعتبره شيء طبيعي جداً وخلافه هو غير الطبيعي يعني.

محمد كريشان:

نعم، أشرت إلى ظاهرة نزيف الهجرة، الحقيقة أن هذه الظاهرة موجودة حتى في دول أخرى مجاورة فيما يتعلق بالمسيحيين، مثلاً في فلسطين هناك هذه الظاهرة، هل فعلاً هذا الخطر خطر جدي؟ وكيف يمكن مقاومته؟

د. يوسف حبي:

هو خطر مؤكداً، ولكن نحن لنسأل عن أسبابه، ونحن نخشى أن هناك يعني مَنْ تقريباً يريد أن يكون هذا الخطر وأن يتحقق، لأنه فعلاً كما نوهت وذكرت أن هناك نزيف من كل بلدان المنطقة، حتى في مصر، في فلسطين مؤكداً، في لبنان، سوريا، تركيا، إيران كلها للمسيحيين كنسبة أكبر مما للمسلمين، كنسبة أكبر بكثير، فيوماً ما هذا توقُع المتشائمين وليس توقعي- ستفرغ المنطقة من مسيحييها، أنا لا أعتقد وأنا لا.. ليس فقط لا أعتقد، وإنما لا أتمنى أن يحدث ذلك، لأنه ستكون خسارة ليس –فقط- للمسيحية وللمسيحيين في هذه البلاد، وهي بلادهم وموطنهم وأراضيهم، وإنما للمسلمين أنفسهم، لأني من الناس الذين يؤمنون بالتعددية، وماذا تريد يعني يا صديقي؟ الله لو لم يرد التعددية لما خلق الكون ألواناً، فإحنا أحياناً نتحسس ونريد أن الكل يجب أن يأخذوا بلغتنا، بديننا، بعاداتنا، بإلى آخره، بينما الأنا هو دائماً مختلف عن الآخر، هذا المختلف ليس ولا ينبغي أن يكون.. وأن يسبب خلافاً، بدون الآخر لن أكون أنا، فإذن بدون التعددية ما راح أؤكد على ذاتي، يا ريت يسمعني أي واحد ويقول: أنا من الناس أقول: يجب أن يكون المسلم إزائي، يجب أن يكون أيضاً مسلم أيضاً، ويجب أنه المسلم أيضاً يقبلني كمسيحي وكلنا..

محمد كريشان:

احترام الآخر.

د. يوسف حبي:

ونعيش، بالضبط، الواحد يحترم الآخر، الواحد –أيضاً- لا بهذه السهولة والسرعة يقول: أنا معي كل الحق والآخر معه كل الباطل من المستحيل أننا نحيط علماً ونلم بكل الحقيقة، كالشمس أنت ترى أشعتها تنتشر في كل مكان ولكنك لا تستطيع أن تلم بها كلها، وكما ذكرت قبل –أيضاً- كالماء المعين، أنت تصل يمكن إلى فهم المعين، ولكنك لا تدخل إلى قلبه، فهذه هي الحقيقة، لأن الحقيقة في نهاية الأمر هي الله.. أكبر وأسمى بكثير منا جميعاً.

محمد كريشان:

دكتور يوسف حبي شكراً جزيلاً.

د. يوسف حبي:

أهلاً، وسهلاً.