مقدم الحلقة محمد كريشان
ضيوف الحلقة - عبد الرحمان مجيد الربيعي، كاتب وروائي عراقي
تاريخ الحلقة 11/05/1999




عبد الرحمن مجيد الربيعي
محمد كريشان
محمد كريشان:

السيد عبد الرحمان مجيد الربيعي، أهلاً وسهلاً.

عبد الرحمان مجيد الربيعي:

يا مرحباً، أهلاً وسهلاً.

محمد كريشان:

في السنوات الماضية أحاديث كثيرة عن معاناة الشعب العراقي إنسانياً، اقتصادياً سياسياً، ولكن نريد أن نخوض معك في قضية أخرى هذه المرة وهي انعكاس هذه المعاناة على الإبداع الأدبي الروائي الشعري أو غيره، انعكاسه، أو هل هناك معاناة أخرى بسبب هذه المعاناة؟

عبد الرحمان مجيد الربيعي:

بالتأكيد إنه هذه الحالة -حالة الحصار- ومعاناة الشعب العراقي اللي يعيشها منذ سنوات انعكست على الكُتَّاب والأدباء سواءً على عملهم -طبيعة عملهم- أو على الموضوعات التي يكتبون فيها. على سبيل المثال هناك مثلاً انعدام الورق انعدام الأحبار، انعدام كذا .. هذه غير متوفرة، ترتب عليها أن كثير من الكتب وكثير من المؤلفات والمطبوعات إما يُؤجَّل طبعها وإما تُطبَع بالخارج، وإما تُطبَع بأشكال بدائية وبسيطة، على سبيل المثال من الصدفة أنا لقيت في مكتبتي نماذج -مثلاً- إنك تجد هذا كتاب...

محمد كريشان[مقاطعاً]:

شكله كأنه نشرية حزبية في حزب سري!!

عبد الرحمان مجيد الربيعي:

وهي كلها تصميم من مؤلفيها وفيها إهداءات، ومثلاً هذا كتاب .. أيضاً، وهذا كتاب هي لا تستطيع أن تقول حتى أن هذه!! لكنه كتاب، وهذا على طريقة أضعف الإيمان.

محمد كريشان:

وهل يُطبَع على نفقة صاحبه.

عبد الرحمان مجيد الربيعي:

أكيد أن هذه تُطبَع على .. مؤلفيها هم اللي يطبعوها باعتبار أن تكاليفها بسيطة وكان هنالك –مثلاً- مشروع مثلاً عندي في مكتبتي بعض ما وصلني عن طريق المؤلفين أنفسهم، مشروع سموه (سلسلة ضد الحصار الثقافي) وهذه كل مرة يذهبون إلى شخصية إما يكون فنان وإما يكون تاجر، وإما يكون .. يكون رجل مقتدر فيمول طبع الكتاب.

مثلاً هذا -على سبيل المثال- هذا الكتاب مجموعة قصصية مكتوب عليها طُبِع على نفقة الفنان سعدون جابر المغني المعروف، مثلاً هذا الكتاب مجموعة شعرية مكتوب أنه طُبِع على نفقة الفنان كاظم الساهر، يعني أنهم يذهبون إلى كاظم الساهر أو لغيره ويأخذون من عنده نفقات الطبع.

محمد كريشان:

وهل مازالت متواصلة هذه السلسلة؟

عبد الرحمان مجيد الربيعي:

أتصور توقفت هذه السلسة، يعني لم تعد موجودة، لكن المسألة الأخرى هي المعاناة العيش اليومي للكُتَّاب العراقيين، وهذه المسألة جرى الحديث عنها وظهرت كتابات كثيرة عنها هو أن الكُتَّاب تحولوا إلى باعة كتب، والكتب التي يبيعونها هي كتبهم، أي كتب مكتباتهم فأصبح أحد أشهر أسواق بيع الكتب في العراق اللي هو سوق السراي اللي متفرع منه شارع المتنبي، هذا هو شارع المكتبات كان عامر في يوم ما، فيه مكتبة المثنى ومكتبة النهضة وغيرها أصبح الكُتَّاب يفرشون كتبهم على الرصيف في هذا الشارع، ويبيعونها بأسعار بخسة يعني بسيطة من أجل أن يوفروا لأسرهم الخبز اليومي.

محمد كريشان:

لكن هل المعاناة هذه جعلتهم مثلاً يستمرون في إنتاجهم؟ ولكن قد يؤجلون النشر ربما لظروف أفضل، أم أن اللهث وراء لقمة العيش جعلت حتى المبدع ينكفئ ولا يستطيع أن يواصل الإبداع؟

عبد الرحمان مجيد الربيعي:

هو الكاتب لا ينكفئ، هذا الجانب هذا الشق الثاني من سؤالك اللي أردت أن تتحدث عنه، أن الكُتَّاب يكتبون.

محمد كريشان:

وهذا جيد في حد ذاته.

عبد الرحمان مجيد الربيعي:

وهذا يعني بحد ذاته، ثم يكتبون ويبعثون -يحاولون- إلى كل المطبوعات تقريباً التي تصدر في الوطن العربي تحفل بكتابات العراقيين وخاصة اللي هم موجودين بالداخل، وحتى العراقيين اللي أطلقوا مجموعة من المشاريع الأدبية خارج العراق، يعني مثلاً تجد أن هناك مجلة (الاقتراب الأدبي) يصدرها الشاعر صلاح نيازي من (لندن) تجد أن هناك مجلة (الجسر) تصدر من (السويد) أيضاً يُصدرها الدكتور موسوي ومعه آخرين، وهناك أيضاً مجلة يمكن اسمها (عشتار) تصدر من (أستراليا).

مجلات كثيرة، وكل هذه المجلات اهتمت بنشر النصوص اللي تصلهم هم .. هذا إضافة إلى مجلة الآداب اللبنانية، ومجلات أخرى وبعض المجلات المصرية مثل جريدة (أخبار الأدب) ومجلة (إبداع) المصرية بشكل خاص، كلهم يساهمون فاتحين صفحاتهم للكُتَّاب العراقيين، المشكلة أنه الآن أن أغلب ما يُنشر أو أغلب ما يصل .. يعني على سبيل المثال أنا أتلقى مجموعة كبيرة من هذه الكتابات، يبعثون لي بمخطوطاتهم ويتركون لي شأن إيجاد منابر لنشرها باعتبار يعني أن لي علاقات وأني موجود في (تونس) وهي ساحة مفتوحة ممكن أن أراسل كل البلدان.

أغلب ما يصلني هو الشعر، والشعر بشكل خاص قصيدة النثر، أنا أعتقد -وسبق أن تحدثت عن هذا الموضوع أكثر من مرة- قلت إن قصيدة النثر الآن العراقية هي قصيدة متميزة جداً، وحتى الأخوة التونسيين الذين كانوا في بغداد في الفترة الأخيرة في مهرجان (المربد) حدثوني عن أهمية هذه القصيدة لأنها متميزة ولأنها قصيدة معاناة.

محمد كريشان:

يعني طغت السنوات الماضية.

عبد الرحمان مجيد الربيعي:

طغت في السنوات الماضية.

محمد كريشان:

ما تفسيرك لذلك؟

عبد الرحمان مجيد الربيعي:

تفسيري بأنها هي الأقدر على التعبير، وأيضاً هي الأقدر على حمل الدلالات والرموز غير الواضحة يعني، لأن الكاتب يعيش في واقع معين لابد وأن ينعكس على نصه، لكن إذا أردنا أن نضع ما بعد هذه قصيدة النثر هناك القصة القصيرة هناك كتابات مهمة في القصة القصيرة، وأنا أطلَّع على نصوص، وأحياناً نصوص يمكن أن أقول عنها إنها جريئة، لأنها تمسك بموضع الألم، تمسك اليد من موضع الألم...

محمد كريشان[مقاطعاً]:

يعني هل المرحلة الماضية أفرزت أدباء جدد وكُتَّاب جدد، أم استمر الجيل المعروف في الكتابة؟ أي هل كانت مرحلة حُبلى؟ نعرف مثلاً الأديب التونسي الكبير محمود المسعدي يقول: "الأدب مأساة أو لا يكون" هل هذه المأساة الإنسانية في العراق ولَّدت جيلاً جديداً من الكُتَّاب؟

عبد الرحمان مجيد الربيعي:

هي الأجيال تتوالد ولكن هذا الجيل جيل مسكين، يعني أبسط ما يقال عنه جيل محروم، جيل ظُلم بمعنى الكلمة، أنه جيل بعضهم أنفق أكثر من عشر سنوات وهو يرتدي الملابس العسكرية،لم يخلعها، يعني أضاع أكثر من .. تجاوز الثلاثين وهو مُجند ولا يعرف ما هو مصيره، وبعضهم خرجوا من الحروب مُعاقين، اللي يخرج بعضهم استشهد، ولدينا أسماء كثيرة من الكُتَّاب والأدباء الذين هذا حالهم.

أنا أتمنى –طبعاً- هذه الأسماء قسم منها اللي أريتك نماذج من كتاباتهم هي أسماء جديدة، أنا لا أعرفهم شخصياً ولم ألتق بهم، وهو عنصر محبتهم وهذا شيء أعتزُّ فيه، محبتهم لي يجعلهم يبعثون لي بنصوصهم لأطلِّع عليها وأتعرف من خلالها على مسيرة ما يحصل بالحركة الأدبية في الوطن.

محمد كريشان:

يعني رغم بقاءك الآن -تقريباً- عشر سنوات بعيداً عن العراق لم تنقطع هذه الصلة مع...

عبد الرحمان مجيد الربيعي[مقاطعاً]:

لم تنقطع هذه الصلة، ليس مع الداخل فقط، بس بأحاول أن أتابع كل ما يُكتب يعني ما يكتبه العراقيون حتى بالخارج، يعني هم العراقيون دائماً لكثرتهم وتواجدهم في مساحة جغرافية كبيرة يعني أصبح لهم حضور في أكثر من مجال وحضور قوي أحياناً، وهم يعني مشاريع يطلقون مجلات، دور نشر، يعني هذا اللي يستطيعون أن يقوموا به هم الآن، لكن يعني الرواية مثلاً بشكل .. لم أقرأ روايات كُتبت في الداخل واستطاعت أن تسمي الأشياء بأسمائها.

يعني العراق يعيش .. يعني بدأت مأساته الكبيرة من الحرب العراقية-الإيرانية .. هذه أكبر، يعني بدأت خيوط المأساة الكبيرة في تاريخ الشعب العراقي، وأكيد أن هذه الحرب .. أنه ليس هناك شعب محب للحروب، الحروب، شعب وجد نفسه في حرب وأفرزت كثيراً من الشباب الذين جُندوا في هذه الحرب، كتبوا عنها قسم من الكتابات وجد طريقه للنشر عن طريق منشورات وزارة الثقافة، وهي الكتابات اللي لا يمكن اعتمادها كوثائق عن هذه الحرب، وفعلاً وثائق وجدانية بالمعنى...

محمد كريشان]مقاطعاً[:

ربما الكتابات المرضي عنها ربما...

عبد الرحمان مجيد الربيعي[مقاطعاً]:

لأنها الكتابات التي تصب في السياق اللي يُراد، أي السياق الرسمي لمفهوم الحرب، يعني مثلاً -على سبيل المثال- أنت تجد أن لديَّ نصوص هي ضد الحرب، أنا ضد الحرب مهما كانت، لأني أنا كاتب .. أنا إنسان يجب أن أكون داعية سلام.

محمد كريشان:

مكاني ليس هنا.

عبد الرحمان مجيد الربيعي:

مكاني ليس هنا، لكن ماذا تفعل مثلاً عندما الكاتب يجد نفسه مجنداً في الجيش الشعبي ومرمياً في أحد القواطع على حدود الحرب خصوصاً الحرب العراقية-الإيرانية، البعض -كما قلت لك- دفعوا حياتهم ثمناً، لكن لم تُكتب أعمال كبيرة،يعني أعمال...

محمد كريشان[مقاطعاً]:

لم تُكتب أو ربما لم تُنشر.

عبد الرحمان مجيد الربيعي:

لم تُنشر، أنا ذكرت مرة أن رواية أعجبتني كثيراً، رواية اسمها (الحرب في حي الطرب) وهذه الرواية لم تُنشر، يعني صاحبها هو عراقي يُقيم في ألمانيا، ونشرها خارج العراق، وهي رواية أنا أحببتها كثيراً، لأنه ليس كل شيء صحيح في الحرب، وحتى الإنسان في الحرب .. في أي حرب كانت الإنسان له ضعفه وله قوته، له تردده وله إقدامه، وبالتالي يعني يجب إن إحنا..

هذه الرواية سجلت كل هذه التفاصيل، استطاع هذه الكاتب –اسمه نجم والي- يكتب رواية فعلاً مقنعة، روايات أخرى كثيرة كُتبت في الداخل عن الحرب استطعت أن أقرأ بعضها، لكني لم أتوقِّف عند عمل من هذه الأعمال، ثم نأتي على الأحداث التالية من بداية التسعينات، يعني منذ احتلال الكويت، دخول الجيش العراقي للكويت، ثم ما جرى من تفاصيل إلى يومنا هذا، هنا يعني هاي الحوادث، هذا الرعب اللي حصل، يعني حصلت أشياء كثيرة في العراق...

محمد كريشان]مقاطعاً[:

يعني هزة أقوى من الهزات.

عبد الرحمان مجيد الربيعي:

هزة قوية لأنه كانت الحرب العراقية- الإيرانية تستطيع أن تقول بأنها كانت حرب حدود بشكل أو آخر، أما هنا فصارت المسائل يعني صارت في الداخل ولابد من كتابات، يعني كتابات توثق هذا الذي يحصل وكتابات لا تخضع للشعار الإعلامي أو التوجيه الإعلامي، وإنما هي تخضع لتوجيه الضمير .. ضمير الكاتب نفسه، ماذا يحس؟ ماذا يشعر؟ ماذا يرى؟ كيف يكتب عن هذا الذي جرى ويجري في بلده؟

يعني أنا –مثلاً- هناك ما أعقب الأحداث اللي حصلت في العراق وسقوط أكثر من 14 مدينة، ولاية، محافظة بيد الناس يعني هذه العملية مثلاً كيف صارت؟ وكيف أصبحت؟ وكيف تمت؟ أنا لا يهمني كيف صاغها الإعلام الرسمي، لكن أنا أحب أن أقرأ تفاصيل، وهذه التفاصيل لن تستطيع أن تصل إليها إلا بالأعمال الروائية، والأعمال الروائية الجريئة.

وأقول لك -وأنا غير مدعٍ- أتمنى أن أكون غير مدعٍ، أنا بدأت بكتابة الرواية وأنا في العراق، والرواية لا تزال بين يدي مخطوطة وهي في أكثر من 700 صفحة، بدأت في كتابتها وهي تدور حول السنتين الأخيرتين من عمر الحرب العراقية- الإيرانية، لكني ربما أقول بشيء من الاعتداد بمعزل عن قيمة الرواية الفنية هاي المسألة سيقررها...

محمد كريشان]مقاطعاً[:

القارئ والناقد.

عبد الرحمان مجيد الربيعي:

سيقررها القارئ والناقد، لكني نفذت إلى تفاصيل كثيرة يومية كان الناس يعيشونها في ظل هذه الحرب، وهذه الرواية -أنا في الحقيقة- أرجأت طبعها أكثر من مرة.

محمد كريشان:

لِمَاذا؟

عبد الرحمان مجيد الربيعي:

أرجأت طبعها أكثر من مرة لأنها يعني حتى لا تُوظَّف في سياق معين، ويعني بالتالي أن يعني في معاناة فيه ظرف كثير دقيق وحاسم، وإنه الإنسان عندما يكتب عنه شبيه بمن يعني -كما ذكرت أنت في حديث جانبي قبل أن نسجل هذه الحصة- يعني كمن يمشي على حبل...

محمد كريشان]مقاطعاً[:

يعني إمكانية التوظيف السياسي لأي عمل إبداعي أمر وارد يعني، هل في ذهن المبدع أن يحاول أن يقرأ مثل هذه القراءات السياسية لإنتاج أدبي؟

عبد الرحمان مجيد الربيعي:

والله إحنا لا نستطيع لأن الحدث السياسي حدث ساخن .. إن هذا الحدث يحرقنا، يعني نحن نحترق فيه .. يحرقنا، يحرق قلوبنا ويحرق أُسَرنا ويحرق تاريخنا ويحرق كل شيء فينا، وبالتالي يحاول أن يقلب معادلات كثيرة موجودة في المجتمع العراقي، وأنا من هذا الجانب يعني يتحمل النظام بمؤسساته الثقافية، وأيضاً وبمفهومه للإعلام، بمفهومه للثقافة، أيضاً يتحمل جانب كبير من هذا اللي يحصل، لأن الكتابة ليست بالضرورة .. لأننا لا نكتب بيانات سياسية ودعايات، وإنما نحن نكتب عن كل جوانب الصورة .. الصورة من كل جوانبها...

محمد كريشان]مقاطعاً[:

تبقى المسألة تأويلية.

عبد الرحمان مجيد الربيعي:

تبقى المسألة تأويلية بالتالي، يعني فمثلاً أنا قلت في مرة من المرات -وليس من باب التبرير- قلت أن نحن لا نعود مثلاً .. أن لو هذا لم يحصل لكان كذا وكذا، لكن نحن أمام شيء حصل يعني مثلاً شبهت الموضوع بمثل أنه عندك أنت حادث في سيارة، شخص ضُرب، دهسته سيارة أنت الآن مطلوب أن لا تقول أنه لو ما عبر أو عبر أنت مطلوب أن تنقله إلى المستشفى، فحالة الشعب العراقي الآن مثل حالة بهذا الموضوع، هو إنسان دُهس يجب أن تسعفه أولاً وبعد ذلك تعيد ال...

محمد كريشان]مقاطعاً[:

أشرت أكثر من مرة إلى الأعمال الجريئة، يعني برأيك هل يمكن أن يكون هذا الوضع الصعب الإنساني السياسي في العراق أن يجعل كم هائل ربما من الإنتاج يُخزن ويقع تأجيله؟ يعني هل تتوقع أن تشهد ربما الساحة الأدبية العراقية بعد سنوات وبعد –ربما- تغيُّر الأوضاع طفرة إبداعية لأشياء أُنتجت في السابق وأُجِّل نشرها أو قُمِع نشرها بشكل أو بآخر؟

عبد الرحمان مجيد الربيعي:

أتصدق بأنه الآن أحياناً قصص قصيرة، أنا أخاف على كُتَّابها .. تصلني مخطوطة يحبون نشرها، أنا أخاف على كُتَّابها لأنهم في الداخل، وأنا أحجبها شخصياً وأكتب بعدين للكاتب أقول له: قصتك أنا أخفيتها، أو أنا أبقيتها عندي...

محمد كريشان]مقاطعاً[:

تروَّ قليلاً.

عبد الرحمان مجيد الربيعي:

تروَّ قليلاً لأنه ربما هو في فترة حماس بعث بيها وربما لا يعرف ماذا سيكون انعكاس هذا عليه شخصياً، أنا أتمنى أن لو كانت الأشياء منذ البداية بسعة صدر وليست بهذا المفهوم، لكن الأحداث تعاقبت وتلاحقت بشكل سريع وتراكمت بحيث أصبحت مفزعة إلى حد لا يمكن .. يعني لا يمكن للكاتب أن يصمد، وعلينا أن لا تكون بالتالي أن لا نكون ساكتين عن الحق، أو أن لا نكون شهود زور، لأن هذا التاريخ سيلعن أولاً: إحنا كُتَّاب مثلاً.

وأنا شخصياً -كعبد الرحمن- لست منخرطاً في أي جهة معارضة، أنا كاتب مستقل أكتب قناعاتي، أنا ضد الحصار اللي على العراق الآن، وأعتبر أنه عمل همجي ومرفوض كلياً، وأنه يجب أن يُرفع، ولكن بالمقابل أنا لا أستطيع أن أدافع عما يحصل في الداخل من ممارسات مثلاً، لا أستطيع وغير مطلوب مني أن أدافع، لأني لا أمثل إلا نفسي وأمثل ضميري ككاتب وكشاهد من شهود هذا العصر. أنت قلت ملاحظة أنه ممكن الآن فيه أعمال تُكتب، لكن الذي يحصل أحياناً الكاتب حتى عندما يكتب عمل يخاف أن يقيم في بيته، يعني...

محمد كريشان]مقاطعاً[:

دليل إدانة ربما.

عبد الرحمان مجيد الربيعي:

دليل، لأنه قلت لك لأنك لا تستطيع أن تعرف ما الذي سيجري غداً، ومن هنا فإن كثير من النصوص اللي هي ربما اقتربت أو لاحت أو دخلت في صلب الموضوع هي تلك التي نُشرت خارج العراق وكُتبت غالباً خارج العراق...

محمد كريشان]مقاطعاً[:

وأصحابها ربما...

عبد الرحمان مجيد الربيعي]مقاطعاً[:

أو استطاع أصحابها .. وهم موجودين خارج العراق، ولكن بعض منهم ساق في مكان وساق أخرى في مكان آخر، يعني فتلقى نصه أنه ما فيه .. يعني أنا لا يمكن أن أقرأ الآن رواية لكاتب عراقي مثلاً ويقفز أشياء حصلت وأشياء دامية في تاريخ العراق السياسي لا يستطيع لأنها موجودة .. يعني كيف مثلاً .. على سبيل المثال هناك روائي لا نسميه أهدي إحدى رواياته لصديق تونسي وقال لي: يعني اقرأها، أراد أن يقارن بين انطباعي وانطباعها، فأنا وجدت هذا الكاتب يصل إلى أحداث هي مفصلية في تاريخ العراق السياسي...

محمد كريشان]مقاطعاً[:

ويقفز عليها.

عبد الرحمان مجيد الربيعي:

ويقول مثلاً: "وحصلت ثورة رمضان63" والأحداث معروفة للقارئ أو للمتتبع ويمضي، وكأن هذا الشخص أو كأن هذا الحدث، يعني كما مثلي أنا أكتب رواية الآن، وأقول: "وفي عام كذا وتسعين حصل دخول الجيش العراقي الكويت" والأحداث معروفة للقارئ، لا .. الأحداث مش معروفة لازم هنا المشكلة يجب أن تفصل لي أنت.

محمد كريشان]مقاطعاً[:

لأنه معروفة من قبل السياسي، معروفة من قبل الصحفي.

عبد الرحمان مجيد الربيعي:

أيوه، لكن العمل الروائي .. العمل الروائي.

محمد كريشان]مقاطعاً[:

لابد أن يقدم روايته.

عبد الرحمان مجيد الربيعي:

يعني لما رواية .. هذه أحداث ما مرت عابرة، عندما تتحدث عن 63 أو عن ها المراحل المفصلية أو بداية الحرب العراقية- الإيرانية، هذه أحداث يعني هذه أحداث لا تمر فيها تقول أنه حصل كذا، وتمر مثل ما تقول جلست أنا ومحمد وشربنا مثلاً قهوة في مقهى (روتان) في باريس ومضينا، جاء ليَّه .. هذا حدث قلب الموازين بالبلد كله، كله، كله يعني 8 سنوات مثلاً حرب، أن هذا أدى إلى كل هاي الانعكاسات التي يعيشها الآن شعب أصبح الآن .. أصبحنا شعباً من المشردين، وكل واحد في مكان يعني..

محمد كريشان:

لكن من خلال مطالعتك سواءً للإنتاج الأدبي القادم من العراق أو للإنتاج الأدبي في الخارج، هل تلاحظ أن القادم من العراق هو أكثر دفئاً، أكثر حرارة؟ يعني من يكتب عن معاناة العراق وهو في الدانمارك أو حتى في تونس قد لا يعبر عنها بالضرورة بنفس الدرجة أم بالنسبة للمبدع، الأمر قد يكون مختلف؟

عبد الرحمان مجيد الربيعي:

أكيد أنه اللي يكتوي بالنار مش مثل اللي يتفرج عليها من مسافة، وهناك أناس يكتوون بالنار، وأنا أعرف كيف يعيش أصدقائي ومعارفي، وهناك مآسي حصلت، يعني مآسي كثيرة، لدي صديق كان من أظرف الناس وأكثرهم متعة في سهراتنا وفي .. أصيب بكآبة واختفى عن الأنظار أيام، أشهر وخرج فجأة ليرمي بنفسه تحت عجلات سيارة ويصبح جثة يبحثون عنها لأيام .. هكذا انتحر بهذه الطريقة، ولم يكن أحد يصدق أن هذا الشخص يمكن أن يرتكب هذا العمل، ولكن إلى حد وصل .. وهو شخص معروف باحث مسرحي وناقد اسمه أحمد فياض المغربي وهو من أصدقاء عمري الذين، أنا بكيته أكثر ما بكيت أقارب لي فقدتهم.

فهذا يحصل في المشهد اليومي العراقي، هناك من طال بهم البقاء خارج العراق أو بعضهم أصبحت الكتابة عندهم كتابة مثل حلم تذكر ذكريات، حتى المرحوم غائب طعمة فرمان، وهو أهم روائي في تاريخ العراق بلا .. هو أبو الرواية العراقية وصاحب كم كبير من الروايات المهمة.

مرة التقينا آخر مرة قبل وفاته عام 83 في المغرب كانت هناك ندوة عن القصة القصيرة العربية نظمها اتحاد كتاب المغرب، وجاء وهو مريض كان في حالة .. هو وزميل آخر أيضاً روائي من جيلنا وصديق من أصدقائي اسمه برهان الخطيب يقيم الآن في السويد أو الدانمارك إحدى هذه البلدان الاسكندنافية، قلت له إن كل ما كتبت عنه لم يعد قائماً، هو يكتب عن بغداد الذاكرة.

وحتى آخر رواية له صدرت قبيل وفاته، ويمكن بعد وفاته صدرت، كان مودعها عند سهيل إدريس -الناشر اللبناني المعروف صاحب دار الآداب- اسمها (المركب) .. هذه الرواية كان يسمي فيها مثلاً جزيرة في دجلة مشهورة كان الناس يذهبون لها بالزوارق يوم الجمعة -يوم العطلة- ويمضون فيها أوقاتهم، يسميها جزيرة (أم الخنازير) هي كان اسمها أم الخنازير، يبدو أن كان بها خنازير في فترة ما، وبقي هذا الاسم ولازال يسميها جزيرة أم الخنازير.

لكن لو قلت الآن لأجيال الشباب وقلت لهم جزيرة أم الخنازير لا يعرفونها، لأن هذه الجزيرة استبدلوا اسمها وبنوا بها مرافق سياحية وسموها جزيرة (العرائس) أن يكتب عن الشوارع والمحلات الشعبية في بغداد كلها هُدَّت وأصبحت مكانها عمارات، ولم يعد منها شيء قائم...

محمد كريشان]مقاطعاً[:

مخيلته كلها تقريباً قديمة يعني.

عبد الرحمان مجيد الربيعي:

مثلاً أنا كتبت (القمر والأسوار) عن الناصرية مدينتي في الجنوب في الخمسينات أواخر الخمسينات هذا الحي الذي كتبت عنه ودارت فيه أحداث الرواية لم يعد قائماً الآن، حتى الكثير من الأجيال اللاحقة اللي قرءوا الرواية قالوا لي أين هذا؟ لم تعد موجودة، لأن المدينة العراقية ليس مثل بعض المدن الأوربية أو حتى مثل المدن التونسية الآن، أو المدينة العتيقة –كما نسميها أو المدينة القديمة- باقية يعني هذا المكان الذي نتحدث فيه عمره كذا سنة، وباقٍ مثل ما هو، يعني إنه الذاكرة جرى تهديمها، حتى الذاكرة جرى تهديمها، استبدال الأسماء، تغيير المعالم إلى درجة أنه انقلبت الصورة.

هو نفسه غائب طعمة فرمان كتب رواية أنا أعتقد على الرغم من أنها ليست من أجود روايات غائب فنياً اسمها (المرتجى والمؤجل) هذه الرواية تتحدث عن مجموعة من العراقيين المقيمين في (موسكو) هم مقيمين كلاجئين، تمر عليهم السنوات وهم يعيشون حلم أن يعودوا إلى العراق، يحدث تغير في العراق ويعودوا إلى العراق، لكن السنوات تمر وهذا لم يحصل.

هذا الموضوع مهم جداً يعني أنه هو ترك جانب من الموضوع لكن جانب آخر يعني أنه الآن اللي موجود .. الحالة اللي موجودة، ونظراً لكثافة العراقيين وكثرتهم الموجودين في كل –وخاصة في البلدان الاسكندنافية- وفي بريطانيا بشكل خاص وفرنسا وبلدان أخرى فبدأت تظهر كتابات، هذه الكتابات أكثر ملامسة للجرح أو أكثر، يعني قادرة على أن تسمي الأشياء بأسمائها، كثير من التعب والخوف اللي كان موجود بدأ يتهدم، لأن الناس حتى وهم موجودين في أوربا خائفين!

الآن يعني ما يحصل في الداخل ينعكس على ما يحصل في الخارج، فالكاتب أخذ مساحة معينة من الحرية في كتابة ما يريد أن يكتب، ومع هذا كله ليست هناك أعمال كبيرة ومهمة في مجال الرواية خاصة إلا يعني لم تكتب الرواية اللي أنا شخصياً .. دعك مني أنا ككاتب رواية قل عني قارئ الآن أحب أن أقرأ هذا العمل ولا يهمني من يكتبه، لكني لا أجد هذا العمل لحد الآن.

محمد كريشان:

ولكن سيد عبد الرحمان، بالنسبة للمبدع العراقي شاعراً أو روائياً أم قصاصاً هل هو محكوم بهذه المعادلة؟ من حقه –كأي مبدع- أن يكتب في قضايا متعددة، هل الروائي العراقي أو الشاعر أو القصاص مجبر –في نهاية المطاف- ألا يكتب إلا عن هذه المعاناة؟ ألا يصبغ هذا بقتامة عامة في الإبداع العراقي؟

عبد الرحمان مجيد الربيعي:

أكيد أن الإبداع العراقي إبداع تنفرش عليه قتامة، لأنه لا يمكن أن يكون منعزلاً عما يجري، وكأن هذا البلد يعني مكتوب عليه أن يكون بلد حزنٍ وبلد نواح منذ كربلاء إلى يومنا هذا .. لا يمكن للكاتب أن ينعزل عما يجري...

محمد كريشان]مقاطعاً[:

لا خيار.

عبد الرحمان مجيد الربيعي:

كيف يمكن أن نكتب .. أن نصطنع الكتابة عن الفرح؟ أو كيف يمكن أن نقلب ما يجري أمامنا أن نقلبه إلى الضد؟! نحن نرى أن كل شئ يتهدم ويتخرب والبلد يدمر ونكتب عن تفاؤل وعن نصر وعن كذا، هي المشكلة هنا يبدأ الخطأ، وعلينا مواجهة الشيء مثلما هو، لأنه من السهولة أن نكتب في جريدة أو نقلب كل المعادلات، لكن على الأرض وعلى الواقع سنرى شيء عكس الشيء، يعني بل بالنتيجة يصبح هناك خطا بين خطاب موجود في الجريدة وفي المطبوع وفي كذا .. والخطاب اللي هو موجود في نبض الحياة اليومية للناس.

وأنا أعتقد أن حتى العراقي نفسه حتى في لحظات انتشاءه فهو يفرح لأغاني، لا يطرب إلا لأغاني الحزن، أغاني البوذية وغيرها هذه كلها نواحات، لأن جُبِل على .. صار تراكم من الحزن، حتى أمهاتنا تلقاها تختلق المناسبة من أجل أن ترتدي الأسود مثل عندنا هناك في جنوب العراق يلبسون الأسود للحداد، تجدها تخلق المناسبة من أجل أن تلبس الأسود كأن هذا السواد ليسكن القلوب...

محمد كريشان]مقاطعاً[:

جُبِل عليه الناس.

عبد الرحمان مجيد الربيعي:

فكيف ومثلاً أن هذه الحروب وهذه الأحداث التي تجري أنها قد حصدت مئات الآلاف من البشر؟! فليست هناك عائلة لم يصبها مصاب إن لم يكن مصابات.

محمد كريشان:

إذا أردنا أن نتحدث عن عبد الرحمان مجيد الربيعي وأثر السنوات الماضية من معاناة العراقيين على إنتاجه وإبداعه، كيف عايشت الحالة؟

عبد الرحمان مجيد الربيعي:

كما تعرف أنت، أنا منذ عام 89 وأنا بعيد .. يعني موجود في تونس وحصلت أحداث الكويت وما تلاها وكذا وأنا بعيد.

محمد كريشان:

وأحداثها معروفة.

عبد الرحمان مجيد الربيعي [مستأنفاً]:

كما أن الحرب العراقية- الإيرانية في السنوات الأولى أنا لم أكن في العراق إلا ماعدا السنتين الأخيرتين من عمر هذه الحرب، بقيت لفترة أنا موظف بوزارة الثقافة ثم طلبت إحالتي على المعاش قبل 15 سنة من موعد إحالتي.

واستطعت أن أقنع لأني -الحقيقة- وجدت أن الإيقاع غير إيقاعي على الرغم من أنني بشكل مباشر لم يقترب مني أحد بأذى شخصي بشكل مباشر، لكني وجدت .. آثرت أن أنسحب ليس خوفاً من شيء، لكني وجدت أن هناك أصبحت لغتان لي: لغتي وهناك لغة أخرى، وأنا بالتالي كاتب، أنا لست طامح لمراكز ومناصب حتى أستطيع أن أكَيِّف نفسي وأنساق في .. يعني أضع نفسي في السياق...

محمد كريشان]مقاطعاً[:

تخلق حتى حالة من الانفصام.

عبد الرحمان مجيد الربيعي:

يعني أنا كاتب بالتالي فقلت أكثر من مرة وفي أكثر من جواب وعندما كنت موظفاً وقبل أن أكون موظفاً وبعد أن تخليت عن الوظيفة، قلت أن كل شيء يصطدم بالكاتب فأنا أتخلى عنه، أنا أتخلى عنه من أجل الكاتب، وهذا بالنسبة لي مبدأ لأنني أعرف جيداً أن ما يبقى من الكيان الآدمي الذي يحمل اسم فلان هو الكاتب.

وبالتالي هذا الكاتب يجب أن يكون متجانساً مع نفسه، يجب أن يكون صادقاً معها وألا يفكر بأي شئ بأي ربح بأي مردود، بأي شئ سوى أني أكتب نصاً يرضي ضميري ويقنعني، وبالتالي يعني إنه يضيف لتاريخي ويجعل الناس .. مثلما يقول (ماركس) مرة قالوا له: لماذا تكتب؟ قال: أكتب لكي يحبني أصدقائي، فأنا أكتب أيضاً لكي أبقى محبوباً من أصدقائي، وهذا ما أريده وما أعمل عليه، وهذا لا يتأتى إلا أن تكون صادقاً.

أذكر لك حادثة الآن تذكرتها، مرة من المرات أنا كتب قصة قديمة "روناك" روناك بالكردية تعني ضوء القمر، وهي أول قصة أنا كتبتها عن أحداث الشمال العراقي في بداية السبعينات بعد زيارة يمكن بالـ 73، ونشرتها مجموعة قصصية اسمها "الخيول" مرة من المرات أنا أمشي في الطريق في بغداد التقى بي شاب لا أعرفه، قال لي: يا أستاذ عبد الرحمان .. يا أخ عبد الرحمان، نحن نحبك و.. أنت ككاتب نحن نحبك كشباب نحن نقرأ لك، لكن لماذا كتبت هذه القصة؟ هذه القصة فيها مس من مشاعر الأكراد بشكل خاص، وأنا لم أكن أتقصد هذا الشيء ولم أتحدث فيها عن حوادث الهجرة ما بين العوائل التي يتم تهجيرها خوفاً من الحرب إلى إيران .. تعرف هاي الحدود المفتوحة وفي زمان سابق.

فرحت قلت له: إيش كونك، ما أنت؟ يعني اللهجة التونسية شوف مؤثرة عليَّ، شوف أقول: إيش كونك يعني أنت من هو؟ قلت له: ممكن أتعرف على سيادتك؟ اسمك؟ قال: أنا شخص أحبك وأقرأ لك، ومضى عني حتى إذا التقيت به بعد يومين أو ثلاثة يمكن نسيت وجهه، هذا مثلاً يجعلك أنت ككاتب أنت مراقَب، مراقَب ليس بمعنى من عيون المخبرين ولا كذا، أنت مراقب حتى من الناس الذين يقرءون لك.

فيجب ألا تخذلهم، إذا أحبك الناس عليك ألا تخذلهم، فهذا ما أحاوله، محمد .. صدقني أنني تلقيت أخيراً رسالة من عراقي يحمل دكتوراه ويدرِّس في جامعة كبيرة تعليقاً على مقالة لي في إحدى الصحف، أنا لا أريد أن أعيد هذا الكلام لأن فيه من النرجسية ستكون العالية جداً، ولكن يكفي أن أقول لك أن هذا الصديق من جملة ما قال أن أصابعك اللي كتبت هذا المقال تستحق أن تُقبَّل وأنا الذي أُقبِّلها، هذا لو كان بقريباً لاحتضنته وبكيت على صدره كما هو يبكي على صدري لأننا سنبكي بلداً، ولا أقول نبكي ملكاً مضاعاً، لأن العراق لا يضيع مادام هناك عراقيون.

محمد كريشان:

ولكن السنوات الطويلة هذه في تونس يعني هل صبغت إنتاجك بأي طابع آخر أبعد إلى حد ما هذا الارتباط بالمشروع، بالوطن وهموم الوطن؟

عبد الرحمان مجيد الربيعي:

شوف، هي هموم الوطن لا يمكن الإنسان يكون معزولاً عنها .. مستحيل، وبعدين إنه أنا كإنسان أفقي عربي، وأقول دائماً أنني جغرافيتي اللغة العربية أينما امتدت فهي أرضي، هكذا أحس رغم الفيزا والتأشيرات والإقامة وغيرها.. إلخ، هذه مشاعري أنا على الأقل، وهكذا أنظر للأمور، أنظر لها كعربي قبل أن أنظر لها كعراقي.

والموضوع العراقي الآن لم يعد موضوعاً عراقياً وإنما هو الآن صار موضوعاً عربياً وأصبح موضوعاً إنسانياً، فأنا اهتمامي فيه متأتٍ انطلاقًا من .. لنضع أنا أصبحت لي امتدادات في تونس، أنا متزوج من تونس، ولي ولد الآن...

محمد كريشان]مقاطعاً[:

يمكن أن يوصف بأنه تونسي؟

عبد الرحمان مجيد الربيعي:

لا، هو فعلاً يحمل الجنسية التونسية لأنه بحكم ولادته هناك، مثلاً وهي جنسية عربية لا فرق، سواءً كانت تونسية أو عراقية طالما هي جنسية عربية، لكن الرد على سؤالك تونس بدأت تدخل -تونس بالذات- دخلت كثيراً في تفاصيل كتاباتي القصصية بشكل خاص، والآن يمكن أن أقول لك أنا أعرف عن الأدب التونسي الحديث أكثر مما أعرف عن الأدب العراقي الحديث، فمثلاً الأسماء كلها تقريباً أعرفها بوجوهها وبأسمائها وكلهم من معارف وأصدقاء وأحضر ندوات، ألتقي بهم، وأيضاً خلال تواجدي في فضاء ثقافي معين، أعرف الكُتَّاب التونسيين.

وإضافة إلى كل هذا أنه الأهم تونس ليست كما كانت بدأت تدخل في قصصي، وإنما تونس الإنسان وهذه مسألة مهمة، وهذا ما جعل مثلاً الأستاذة الدكتورة فوزية سفار الزاوي أصدرت كتاباً اسمه "قراءات في الأدب التونسي المعاصر" أنا وضعتني مع الكُتَّاب التونسيين ودرست أحد نصوصي في هذا الكتاب، صدر الكتاب في أواخر في العام الماضي.

محمد كريشان:

لكن طالما أن الهم العراقي صار هماً عربياً -كما ذكرت- وبحكم اطلاعك على الساحة الثقافية في تونس والمغاربية أيضاً .. الجزائرية والمغربية هل انتقل هذا الهم العراقي وانعكس بشكل أو بآخر في إنتاج، لنقل على الأقل مثلاً الأدباء الشبان أو الشعراء الشبان؟ هل لامست امتداد هذا الهم لإنتاجهم؟

عبد الرحمان مجيد الربيعي:

بدأت -مثلما في فترة من الفترات- تحولت بيروت إلى رمز صارت تتكرر في كثير من القصائد، أيضاً الآن بدأت بغداد أيضاً تصبح رمز، وهذا شيء واضح. كثيراً من النصوص .. ليست النصوص ليست فقط لبعض الشعراء التونسيين وإنما حتى لشعراء عرب وكتاب عرب خاصة بالنسبة للشعر رمز يعني لأن بغداد ليست بنت اليوم ولا هي عمرها 30 سنة عمر النظام الحالي، بغداد موجودة منذ مئات السنوات.

ومن الصدف أن باني بغداد -أبو جعفر المنصور- أمه قيروانية وزوجته قيروانية، أمه من قبيلة (نبزه) وزوجته في نفس الوقت -أروى- هي قيروانية، ومنها اشتق الصداق القيرواني كما يقال، وكان موجوداً في فترة طويلة في القيروان أثناء نشر الدعوة العباسية قبل أن تصبح .. قبل أن يتحول، ويصبح الملك بيد العباسيين.

فإذن العلاقات .. بغداد هي موجودة، موجودة دائماً، وحاضرة في .. وهي عاصمة ومركز من مراكز الثقافة العربية كما هي البصرة كما هي القيروان، كما هي المهدية كما هي القاهرة كما هي دمشق والمدن العربية، كما هي فاس والمدن المعروفة.

محمد كريشان:

السيد عبد الرحمان مجيد الربيعي، شكراً جزيلاً.

عبد الرحمان مجيد الربيعي:

وأنا سعيد بهذا الحديث معك.