مقدم الحلقة محمد كريشان
ضيف الحلقة خليل جهشان، رئيس الجمعية العربية للعرب الأميركيين
تاريخ الحلقة 02/03/1999






خليل جهشان
محمد كريشان
محمد كريشان: دكتور خليل جهشان، أهلاً وسهلاً.

د. خليل جهشان: شكراً.

محمد كريشان: في محاضرة ألقيتموها في قطر بدعوة من مركز "قطر لدراسات استشراف المستقبل" اعتبرتم أن موضوع العلاقات العربية الأميركية لم يحظ حتى الآن بالاهتمام الكافي والشامل، لا على الصعيد الأكاديمي المحض، ولا على الصعيد الرسمي، ولا على الصعيد الإعلامي والمعلوماتي –يعني حسب تعبيركم- مع إنه الانطباع السائد أنه عندما نبحث مثلاً قضية العلاقات العربية الأميركية هو موضوع قتل بحثاً، ويكاد يكون حتى موضوع مستهلك هل فعلاً الأمر بهذا الشكل الذي وصفتموه؟

د. خليل جهشان: نحن نعتقد ذلك على الأقل من وجهة نظرنا في الولايات المتحدة، يبدو لنا خصوصاً بالنسبة إلى أهمية هذه العلاقة أولاً من وجهة نظر أميركية حيث أن الولايات المتحدة تضفي نوع من الأهمية الخاصة لهذه المنطقة، وتعتبرها بأنها منطقة استراتيجية وحيوية لمصالحها، ولكن في نفس الوقت حتى الآن لم نر من الطرف الأميركي أي تقييم جدي، يعني منذ مثلاً انتهاء الحرب الباردة قامت الولايات المتحدة بإجراء تقييم للكثير من سياساتها في العالم، ولكن حتى الآن لم يجر أي تقييم لسياساتها في منطقة الشرق الأوسط، بالإضافة إلى ذلك لا نشعر -أيضاً- من منطلق وجودنا على الساحة الأميركية أن حتى الآن هناك بالفعل تقييم عربي إن كان خاص، أو أكاديمي، أو رسمي للعلاقة العربية مع الولايات المتحدة بالنسبة إلى ما هو المطلوب عربياً من هذه العلاقة؟ ما هو المتوقع منها؟ وكيفية تحسين هذه العلاقة، نحن نسمع الكثير من الانتقادات والكثير من الشكاوى من قبل الطرفين كجمعية تعمل في مجال العمل السياسي، وكشخص يتعاطى مع المسؤولين العرب والمسؤولين الأميركيين دائماً أسمع الكثير من الانتقادات والكثير من القلق والكثير من التخوف من المسؤولين في الطرفين الأميركي والعربي، ولكن حتى الآن لم أر أي تحليل علمي، مدروس، واقعي، مستقبلي، عميق لهذه المشكلة وكيفية تجنبها في المستقبل.

محمد كريشان: هذه الشكوى المتبادلة هل برأيكم تنم عن سوء فهم عن سوء تفاهم أم عن –ربما- تمترس كل طرف بنوع من المواقف الجاهزة من الطرف الآخر؟

د. خليل جهشان: لا شك أن هناك جزء من سوء التفاهم بين الطرفين، يبدو لي أحياناً أن الطرف العربي والطرف الأميركي يتحدثان على موجات صوتية مختلفة أبداً، فالخطاب غريب نوعاً ما –خصوصاً- إذا ما أخذنا في عين الاعتبار خصوصية هذه العلاقة والوجود الأميركي في المنطقة، وأهمية المصالح الأميركية في المنطقة، ولكن ليس هناك من تنسيق جدي أو من خطاب جدي بين الطرفين بالنسبة إلى العلاقة الثنائية التي تربطهما، فالعلاقات لهذا السبب ولأسباب أخرى نحن مقتنعين أن العلاقة العربية الأميركية أنها في الواقع في انزلاق مستمر، أو في حالة تدهور مستمر نحو صدام من الممكن دون مبالغة أن نقول أنه صدام لا محالة منه، من الممكن تفاديه إذا اتخذت خطوات جدية بهذا الخصوص ولكن صدام لا محالة منه إذا استمر الوضع كما هو عليه الآن.

محمد كريشان: عندما تتحدثون عن صدام يكاد يكون محتوماً –برأيكم- ما هي نوعية هذا الصدام؟

د. خليل جهشان: بوادر هذا الصدام كثيرة منها ما هو رسمي، ومنها ما هو على صعيد الرأي العام يعني لا شك أن مثلاً سياسة الولايات المتحدة في المنطقة الآن قد فقدت الكثير من مصداقيتها، ليس فقط على صعيد الرأي العام، إنما حتى على صعيد المسؤولين، فالتذمر من مساوئ وأخطاء السياسة الأميركية كان في الماضي ينتشر بشكل أفقي، فكنا نلاحظ –مثلاً- مجموعات أخرى في المجتمعات العربية تشكو من المواقف الأميركية.

بينما في السنوات الثلاث أو الأربع الأخيرة بدأت أشعر أن هذا الشعور أيضاً يصعد بشكل عمودي نوعاً ما ويصعد إلى طبقات المسؤولين والحكام، فالآن تسمع ربما نفس الانتقادات من سائق التاكسي كما تسمع من الحاكم في بعض الدول العربية، وخصوصاً من بعض الحكام المقربين جداً من الولايات المتحدة والذين يرغبون في علاقات أفضل. فهذا -أنا برأيي- ظاهرة تعبر عن خطورة الوضع الهش الذي تتحلى به العلاقة الثنائية بين الولايات المتحدة والدول العربية.

محمد كريشان: يعني هذا الواقع الهش وأيضاً وصفتم العلاقة العربية الأميركية بأنها هشة وسطحية في حين أن البعض الآخر يرى أن العلاقة العربية الأميركية على الأقل على الصعيد الرسمي وصلت إلى حد من التفاهم بلغ درجة التحالف حتى لا نقول التواطؤ أحياناً كما يصفها البعض، يعني هل هناك مفارقة بين هذا الوصف، وصف السطحية ووصف التحالف المتين؟

د. خليل جهشان: طبعاً هناك فرق شاسع، لا شك أن العلاقات العربية الأميركية –كما قلت في محاضرتي- قد تطورت في بعض نواحيها السياسية، والاقتصادية، والتجارية، والأمنية، ولكنها لم تصل إلى المستوى الاستراتيجي المطلوب خصوصاً -كما قلنا- أن الولايات المتحدة في السنوات الأخيرة خصوصاً منذ انتهاء الحرب الباردة أعادت تقييم سياساتها في مناطق كثيرة مختلفة تهمها كدولة عظمى، وبما أن منطقة الشرق الأوسط تعتبر من أهم المناطق لمصالح الولايات المتحدة، ومصالح حلفائها من الدول المتطورة أو الدول الصناعية لابد أيضاً للولايات المتحدة من إعادة النظر في سياساتها في المنطقة، ورفع مستوى علاقاتها كما فعلت في مناطق أخرى ومع دول أخرى إلى مستوى استراتيجي يليق بمنطقة هامة مثل منطقة الشرق الأوسط وهذا لم يتم حتى الآن وهو ما ندفع به على صعيد الجالية العربية الأميركية.

محمد كريشان: ولكن –دكتور- صراحة ما الذي يدفع (واشنطن) إلى إعادة النظر في علاقاتها إذا كانت أصلاً الأمور تسير بشكل مرضي .. اقتصادياً مستفيدة، عسكرياً تحصل على ما تريد، سياسياً تحصل تقريباً إجمالاً على المواقف السياسية التي تريد .. إذن ما هو وجه الداعي لاعتبار أن هناك أصلاً قضية تستدعي مراجعة الموقف؟

د. خليل جهشان: في الوضع الحالي ليس هناك من داع أو حافز لدفع الولايات المتحدة لاتخاذ مثل هذه الخطوة لأنه -كما تفضلت- مصالحها ماشية في العالم العربي، تسير بالشكل المطلوب أميركياً فصانع القرار الأميركي بالأساس هو رجل أعمال، يتعامل مع الأمور وكأنه رجل أعمال، يقارن الربح مع الخسارة ليس هناك عواطف ليس هناك مبادئ هناك مصالح يريد أن يحققها في المنطقة، وما دامت هذه المصالح تحقق ودون دفع أي ثمن فلن يدفع أو لن يتبرع بهذا الثمن، ولن يتخذ هذه الخطوات التي قد تتطلب جهداً خاصاً وفيها صعوبة أيضاً في التنفيذ، فالآن العامل الذي ينقص عن.. أو الناقص عن هذه المعادلة هو المطالبة العربية بمثل هذه الخطوات.

لذلك –من وجهة نظرنا- لسوء الحظ أصبحت العلاقة العربية الأميركية شارع ذو اتجاه واحد العم سام يطلب ويأخذ ولكن العالم العربي لا يجني ثمار ما يقدمه لهذه العلاقة بالشكل الصحيح وعلى المستوى الصحيح ولذلك هذا التذمر الذي نسمعه إن كان على الصعيد الرسمي أو على صعيد الشارع العام في العالم العربي.

محمد كريشان: نعم، العلاقات العربية الأميركية على الأقل مع بعض الأقطار العربية سواء في منطقة الخليج، أو مصر، أو غيرها من الدول علاقة حميمة منذ سنوات ولكن برأيكم لماذا وصلت في السنوات القليلة الماضية إلى حد من الفجاجة -على الأقل- في طلب مواقف سياسية معينة .. يعني ففي السابق كان هناك نوع من الحرص على ماء الوجه بالنسبة للقادة العرب.

د. خليل جهشان: نعم، صحيح.

محمد كريشان: الآن سواء في التسوية في الشرق الأوسط أو مع الدول الأخرى تبدو الإدارة الأميركية وكأنها غير معنية إطلاقاً بما يمكن أن يكون إحراج لهذا القائد أو ذاك أو لهذا الحكم أو ذاك، هل هناك تفهم لهذا النقطة بالذات؟

د. خليل جهشان: أولاً: هناك خلفية تاريخية للعلاقة العربية الأميركية وطبعاً أول دولة اعترفت بالنظام الأميركي بعد الاستقلال -استقلال الولايات المتحدة- كان المغرب، وهناك أول اتفاقية أبرمت مع الولايات المتحدة أيضاً كانت مع المغرب وهي بنفس عمر أو سن الدستور الأميركي .. حيث تم التوقيع عليها عام 1789م، ولكن العلاقات العربية الأميركية بدأت تتدهور في هذا القرن خصوصاً بعد الحرب العالمية الثانية وبعد قيام دولة إسرائيل، والسبب الرئيسي في ذلك يعود إلى الانحياز الواضح في سياسة الولايات المتحدة تجاه إسرائيل، واتخاذ الولايات المتحدة دور مباشر وفاعل كطرف في النزاع العربي الإسرائيلي، اليوم الولايات المتحدة اليوم –لسوء الحظ- ليست طرف محايد في النزاع العربي الإسرائيلي، فقد انحازت إلى طرف معين.

ثانياً: نزعة صانع القرار الأميركي في النظر إلى الأمور في المنطقة خصوصاً في المنطقة العربية ككل وبضمنها الخليج من منظار إسرائيل سبب هذا الانهيار أو هذه النزعة المتدهورة بشكل مستمر في الموقف الأميركي تجاه.. سياساتها تجاه.. في سياساتها تجاه العالم العربي، فهذه يعني .. إحدى الأسباب التي أدت إلى ذلك، بالإضافة هناك أسباب أخرى: فهناك سياسات معينة إن كان بالنسبة لإدارة عملية سلام الشرق الأوسط كالطرف الراعي الرئيسي في هذه العملية، وسوء إدارة هذه العملية، والسماح لها بأن تصل إلى طريق مسدود، حيث أن الحلفاء العرب المقربين من الولايات المتحدة الذين قدموا تنازلات كثيرة للولايات المتحدة في إطار عملية سلام الشرق الأوسط .. يشعرون الآن بأنهم خدعوا نوعاً ما، وأن الولايات المتحدة لا تدفع بالعملية السلمية، ولا تحاول أحياءها من جديد فهم محرجون نتيجة هذه السياسة، أضف إلى ذلك إذا أمكننا تسميتها بسياسة، ولكن موقف الولايات المتحدة أو تصرفاتها تجاه الأزمة في العراق وازدواجية المعايير، وغير ذلك من التناقضات التي يراها الإنسان العربي حتى العادي في المواقف الأميركية.

محمد كريشان: نعم، لكن إذا أخذنا مثلاً عملية السلام في الشرق الأوسط عندما انطلقت في عهد الرئيس جورج بوش وضمن مرجعية (مدريد) مثلاً كانت تنبئ بوعود لا بأس بها الآن تراجعت كثيراً وتقريباً ضاعت مرجعية مدريد والسؤال المطروح هو هل هناك سياسة أميركية؟ دائماً يقال أميركا دولة مؤسسات ودولة سياسية بعيدة النظر ولا ترتبط بالأشخاص ولكن مع ذلك هل هناك سياسات أميركية أم سياسة واحدة؟

د. خليل جهشان: ليس هناك من سياسة واحدة، هناك من سياسات في الولايات المتحدة وبالطبع الولايات المتحدة كنظام سياسي هو نظام يعتمد على المؤسسات ولكن لا أستطيع أن أقول إنه يتبنى سياسات طويلة الأمد، بالعكس أحد أهم المشاكل بالنسبة إلى سياسة الولايات المتحدة الخارجية ككل في جميع أنحاء العالم وهذا ينطبق على الشرق الأوسط ليس هناك بعد نظر، لأن طبيعة النظام يعني إدارات تأتي كل أربع سنوات بحاجة إلى سنة أو سنة ونصف للتأقلم لواشنطن، وبعد ذلك بحاجة إلى سنة أو سنة ونصف لخوض المعارك الانتخابية فهناك إذاً في كل إدارة أميركية ثغرة عادة في وسط حكمها بعد السنة الثانية، هذه الثغرة تطول حوالي 12 شهر إلى 18 شهر نلاحظ فيها اتخاذ زمام المبادرة بخصوص قضايا متعلقة بالسياسة الخارجية، عوضاً عن ذلك هناك شبه شلل في بعض هذه القضايا خصوصاً القضايا الصعبة مثل الشرق الأوسط، فهذا يؤثر بدون أي شك على اتخاذ القرار في واشنطن.

محمد كريشان: أيضاً السياسة الأميركية الداخلية تعتمد كثيراً أو على الأقل تقرأ حساب لا بأس به للرأي العام الداخلي، ولكن نجدها لا تقيم وزناً للرأي العام خارج الولايات المتحدة، مثلاً تصاعد مشاعر العداء لواشنطن مثلاً في زيارة الرئيس الأميركي بيل كلينتون الأخيرة إلى غزة نفس الأعلام التي رفرفت عند قدومه هي التي أحرقت في اليوم الموالي عندما شنت الطائرات الأميركية والبريطانية غارات على العراق، يعني لا وجود لمثل هذا التحسس لدى صانع القرار الأميركي بأن واشنطن أصبحت منبوذة ومكروهة، وبالتالي فعلى المدى المتوسط والبعيد هي تراهن بمصالحها.

د. خليل جهشان: لا شك أن صانع القرار الأميركي على أعلى المستويات يعرف تماماً مواقف الشعوب العربية تجاه الولايات المتحدة، ويعرف تماماً مصداقية أو عدم مصداقية المواقف الأميركية في المنطقة، ولكن لسوء الحظ -كما تفضلت في هذا السؤال الهام- لا شك أن هناك نوع من الإهمال أو عدم اتخاذ الرأي العام العربي مأخذ الجد.. لأسباب..

محمد كريشان [مقاطعاً]: هل هو استخفاف به؟

د. خليل جهشان: لا أعتقد أنه استخفاف بقدر ما هو نوع من .. يعني الولايات المتحدة ربما موقفها تجاه المنطقة يتحلى بنوع من الاستشراق من ناحية، وبنوع من الاحتقار من ناحية أخرى، وكأن العالم العربي أو العالم الإسلامي لا يستحق الديمقراطية ولا يستحق بأن ينظر إليه من منظار ديمقراطي، فبينما نشعر نحن الذين نتعامل مع صانع القرار الأميركي بشكل يومي.. نشعر الانتباه أو.. بشكل مباشر، الانتباه المتزايد من قبل صانع القرار الأميركي تجاه الرأي العام الإسرائيلي وتجاه الأحزاب السياسية هناك، وتجاه حتى النظام السياسي نفسه وعندما نطالب ببعض الأشياء يقال لنا نحن لا نستطيع أن نفرض ذلك على إسرائيل لأنها ديمقراطية، ولأن فيها رأي عام، ولأن فيها نظام انتخابي ويجب أن نحترم هذا النظام، ما نشعر أن هناك حساسية موازية لذلك تجاه الوضع العربي حتى بالنسبة إلى الرأي العام.
ويبدو لي أن صانع القرار الأميركي لا يشعر بأهمية الرأي العام العربي وكأنه في غياب الديمقراطية في بعض أنحاء العالم العربي وكأنه ليس هناك من رأي عام ..!! وهذا غير صحيح حتى في غياب الديمقراطية في هذه الأيام .. فإن العالم اليوم انفتح أصبح قرية فلا نستطيع أن نعزل أنفسنا عن بعضنا البعض، هناك رأي عام مهم في العالم العربي، ويجب على الولايات المتحدة أن تتوقف عن إهمال واحتقار هذا الرأي عام.

محمد كريشان: ولكن –دكتور- إذا كانت واشنطن لا تقيم وزناً كبيراً للرأي العام العربي المحلي، مثلاً الجمعيات العربية الأميركية عندما تقدم بعض النصح أو تقدم بعض التحاليل للواقع العربي وللعلاقات العربية الأميركية هل تلقى بعض التجاوب؟ هل هناك تفاهم؟

د. خليل جهشان: لا شك أن هناك تجاوب أفضل مما كنا نشاهده مثلاً قبل أربع، أو خمس سنوات أو عشر سنوات بالتأكيد، خلال علمنا في هذا المجال لمده 27 سنة أنجزنا الكثير من ناحية أننا وضعنا الجالية العربية الأميركية على الخارطة السياسية للولايات المتحدة، دعني أكون صريح نحن لم نصبح بعد قوة مقررة بالنسبة للسياسة الخارجية للولايات المتحدة في المنطقة، ولكن على الأقل أصبحنا لاعباً لا يستهان به في هذا المجال، يعني اليوم لدينا وزيرة في الحكومة الأميركية الحالية من أصل عربي، لدينا عضو في مجلس الشيوخ، لدينا ستة أعضاء في مجلس النواب، لدينا أكثر من ثلاثين عمدة أو رئيس بلدية في الولايات المتحدة، هناك أكثر من 150 سياسي عربي أميركي في جميع أنحاء الولايات المتحدة.

عندما يعقد الرئيس الأميركي جلسة مع قيادات الجالية اليهودية بشكل تلقائي أوتوماتيكي يطالب أو يطلب منا أن نجلس معه لكي يبدي أنه متوازن، هذا لا يعني أننا نجحنا في تغيير السياسة الأميركية في جميع جوانبها التي لدينا تحفظات عليها، لقد أحرزنا بعض التقدم ولكن مازال أمامنا تحديدات كبيرة، الباب الآن لم يعد مغلقاً بالنسبة لنا، ولكنه غير مفتوح على مصراعيه، الهدف الآن هو فتح هذا الباب على مصراعيه، والدخول إلى وسط الحلبة من أجل إبداء وجهة نظرنا ومحاولة التأثير الفاعل أكثر في المستقبل على صنع القرار بالنسبة لسياسة الولايات المتحدة في المنطقة.

محمد كريشان: وكثيراً ما ينظر إلى السياسة الأميركية على أنها نتاج لضغط لوبي إسرائيلي أو صهيوني وغياب اللوبي العربي، يعني فعلاً هل هذه قضية.. هي قضية حقيقية غير مفتعلة؟ هل فعلاً نحن بحاجة إلى لوبي عربي؟ هل وجود هذا اللوبي أو عدم وجوده في النهاية قد لا يؤثر كثيراً طالما أن رؤية الإدارة الأميركية لمصالحها في المنطقة يفترض ألا تتأثر بمراكز الضغط هذه أو تلك، يعني هناك.. يفترض أن تكون هناك نظرة استراتيجية للمنطقة وللعلاقات الأميركية معها بغض النظر عن وجود مراكز ضغط؟

د. خليل جهشان: المشكلة التي نواجهها هي أن الولايات المتحدة لا تنظر إلى الأمور في المنطقة من منظار المصالح الوطنية للولايات المتحدة في المنطقة، لو كان ذلك صحيحاً لكنت من أول المناشدين في إغلاق أي جمعية تمارس مهنة اللوبي، لأن ليس من الضرورة القيام بمثل هذا العمل، المشكلة أن الولايات المتحدة نتيجة ضغوط كثيرة داخلية وخارجية تنظر إلى الأمور من منظار إسرائيلي أكثر مما هو من منظار أميركي ولذلك سياساتها في المنطقة لا تخدم المصالح القومية الأميركية ولا تخدم مصالح جميع حلفائها، الهدف من أي علاقة ثنائية هي خدمة مصالح الطرفين.
المشكلة أننا الآن نواجه علاقة ثنائية بين الولايات المتحدة والعالم العربي التي أصبحت شارع ذو اتجاه واحد تخدم مصالح طرف واحد بشكل مشوه، وأصبحت الولايات المتحدة اليوم تكرس أو تسخر حتى علاقتها مع العالم العربي لعلاقتها بإسرائيل، وهذا شيء غير منطقي وغير طبيعي، ولذلك في الحجج التي نحاول أن نطرحها على الساحة الأميركية.. يعني هذه هي أكثر الحجج إقناعاً أمام صانع القرار.. أمام الرأي العام الأميركي، أن حدث هناك عملية اختطاف لصنع القرار في واشنطن، القرار لا يصنع على أسس أميركية ويجب إعادة الأمور إلى نصابها بهذا الخصوص.

محمد كريشان: ولكن أحياناً –دكتور- يبدو هذا الطرح وكأنه نوع من لا أقول المزايدة، ولكن كأنها.. كأن بعض الأطراف تعرف المصلحة الأميركية أكثر من صاحب القرار الأميركي، لماذا هذا.. لا يكون هذا التشوش هو واقع في المعسكر العربي ليس إلا.. يعني ربما تكون المصلحة الأميركية متطابقة مع المصلحة الإسرائيلية أو المصلحة الإسرائيلية موظفة لخدمة المصلحة الأميركية وبالتالي هذا التداخل أمر طبيعي.

د. خليل جهشان: نحن نتكلم في الواقع عن عدة مصالح أولاً هناك المصلحة العربية، المصلحة العربية ليست من مسؤوليتي أنا كعربي أميركي، المصلحة العربية الوطنية هي من مسؤولية الحكام العرب، وطبيعة النظام الأميركي تسمح لأي حليف بأن يحاول التأثير على سياسة الولايات المتحدة، ولكن لسوء الحظ هناك تغييب للذات من الأطراف العربية الرسمية ولا نلاحظ لها وجود كاف هناك وجود في بعض الأحيان متعلق بقضايا ثنائية ضيقة الأفق معينة لفترة معينة ولكن ليس هناك استمرارية .. ليس هناك حد أدنى مشترك يتفق عليه جميع الحلفاء العرب للولايات المتحدة، ويحاولوا تحقيقه.

أنا بالنسبة لي كمواطن أميركي أهدافي تختلف وأحياناً أشعر بأنني بالفعل ضمير الولايات المتحدة حيث لسبب أو لآخر –كما قلت- تم اختطاف صنع القرار في الولايات المتحدة وليس هناك من جهد ضميري نوعاً ما يؤنب صانع القرار الأميركي على السماح لمثل هذا الوضع بأن يستمر، لا أعتبر ذلك نوع من المزاودة، وإنما هو جزء من المسؤولية التي نتحمل عبئها نتيجة الهيمنة شبه التامة للوبي الصهيوني ولأنصاره على الساحة الأميركية في التأثير على صنع القرار، فهي مهمة شاقة ومهمة صعبة، مهمة تتطلب نفس طويل واستراتيجية طويلة الأمد، ونحن مستعدون لمجابهتها، ونأمل من الإخوة في العالم العربي أيضاً أن يناصرونا في ذلك.

محمد كريشان: عملية الاختطاف هذه -كما تصفها- هل هي نتيجة طبيعية لهيمنة عدد كبير من الشخصيات الأميركية ذات الأصول اليهودية على صنع القرار يعني أحياناً في البلاد العربية ربما نستسهل الطرح الذي يفسر الأشياء بمنظور تآمري ولكن مثلما قال الكاتب المصري الكبير الدكتور حسنين هيكل ربما ليس من الصدفة أن تكون كل هذه الشخصيات في مراكز حساسة، الخارجية، الدفاع، غيرها من.. مستشار الأمن القومي، يعني ليس صدفة برأيكم أن تكون هذه..

د. خليل جهشان: ليس هناك أي شيء في العالم السياسي الذي هو صدفة، وفي نفس الوقت هذا لا يعني أن هناك مؤامرة، ولكن لنفرض أن هناك مؤامرة .. إذا كانت بالفعل هناك مؤامرة صهيونية، أين المؤامرة العربية بالمقابل؟ فإذا فعلاً آمنا بالتفسير المؤامراتي، يجب علينا في خدمة المصالح العربية –إن كان العربية الأميركية، أو العربية العربية في العالم العربي- علينا مجابهة مثل هذه المؤامرة، فإذا المجال إذن مفتوح لوجود مؤامرات علينا أن نكون أيضاً من اللاعبين في هذا.. في هذه الحلبة.
بالنسبة إلى اللوبي اليهودي في الولايات المتحدة أو اللوبي المؤيد لإسرائيل لا شك أن الموضوع ليس موضوع مؤامراتي .. الموضوع هو في الواقع حق يضمنه الدستور الأميركي لأي مواطن أميركي، لأي مجموعة من المواطنين الأميركيين الذين يرغبون في خدمة قضية ما تهمهم الحق في التنظيم، الحق في دفع وجهة نظرهم أمام صانع القرار، الحق في التأثير على سياسة الولايات المتحدة بالنسبة إلى هذه المواضيع التي يعتبرونها حيوية بالنسبة لهم.

وهذا هو نفس الحق الذي أملكه أنا كمواطن أميركي من أصل عربي وهو نفس الحق الذي يملكه المواطن اليهودي الأميركي، فأنا لا أستطيع أن أحرمه من هذا الحق لأنني أريد نفس الحق، وهو الحق المطروح لجميع الأقليات المهاجرة والعرقية في الولايات المتحدة، مشكلتي مع الجالية اليهودية ليست بالنسبة إلى ممارسة حقهم المضمون دستورياً، إنما بالنسبة إلى المبالغة في هذا الحق، فقد هيمنوا على صنع القرار بالنسبة للسياسة الخارجية، وهذا يضر بمصلحة البلد، ويجب على دولة -خصوصاً دولة عظمى- أن تتفادى مثل هذه الهيمنة لأنها لا تخدم المصلحة الوطنية للولايات المتحدة، فلا يمكن.. خصوصاً لدولة عظمى لها مصالح هائلة في مناطق مختلفة من العالم، وهذه المصالح أحياناً تصبح قضية حياة أو موت للشعوب الأخرى بأن تسمح لأقلية لأسباب داخلية داخل هذا البلد بأن تهيمن على صنع القرار بالنسبة للسياسة الخارجية، السياسة الخارجية يجب أن ترسم على أساس المصالح، مصالح البلد، مصالح الجميع، وليس مصالح الأقلية أو الفئات الصغيرة إن كانت فئات عرقية أو فئات ضاغطة.

محمد كريشان: ولكن هل هناك شعور داخل مراكز البحوث والدراسات في الولايات المتحدة بأن ازدواجية الولاء -إن صح التعبير- لدى بعض المسؤولين بين الولاء الإسرائيلي والولاء للولايات المتحدة سيؤثر في المدى حتى القريب على السياسة الأميركية هل هناك بداية تحسس لهذه القضية؟

د. خليل جهشان: المنظمات اليهودية في الولايات المتحدة تعترف من خلال الأبحاث التي تجريها واستساءلات الرأي العام التي تجريها، أن هناك شق كبير من المجتمع الأميركي يعاديها، تقول هذه الإحصائيات التي تنشر عادة علناً في الولايات المتحدة من مصادر يهودية أميركية أن هناك على الأقل 36% أو 37% من أبناء الشعب الأميركي الذي من الممكن اعتبار بأنه (لاسامي).

المشكلة هي أن المنظمات اليهودية في الولايات المتحدة جعلت من تهمة (اللاسامية) سيفاً ذو حدين وأصبح سلاحاً مؤثراً وقاطعاً في المجتمع الأميركي يوجه إلى كل شخص ينتقد إسرائيل، أو كل شخص ينتقد سلطة أو هيمنة الجالية اليهودية، فأصبح هناك نوع من الإرهاب الثقافي أو الإرهاب الفكري أو الإرهاب السياسي لكل شخص يفتح فمه وينتقد الجالية اليهودية في دعمها لإسرائيل، خصوصاً عند إثارة موضوع ازدواجية الولاء، ازدواجية الولاء هو العدو اللدود للصهيونية في الولايات المتحدة، وكل شخص يثير هذا الموضوع يهاجم بشكل لا مثيل له، لأن الجالية اليهودية واللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة لن يسمح بمثل هذه الانتقادات لأن تنتشر لأنها في الواقع ستؤثر على مصداقيتهم، وستؤثر على مدى سلطتهم وهيمنتهم على إن كان الشق التنفيذي، أو الشق التشريعي للحكم في الولايات المتحدة.

محمد كريشان: إذا عدنا لموضوع التسوية في الشرق الأوسط، كان هناك دائماً إلحاح على أن التسوية هي مصلحة استراتيجية أميركية مثلما هي مصلحة للطرف الإسرائيلي وللطرف العربي، الآن كلما تقدمت العملية أكثر فأكثر، أو تطورت -لنقول حتى لا نستعمل كلمة تقدمت- نرى هذا البعد الاستراتيجي في التسوية يتضاءل لفائدة تفاصيل في النهاية تصب في المصلحة الإسرائيلية، هل ضاع الهدف الاستراتيجي من عملية التسوية؟ يعني هل ما زالت الإدارة الأميركية تملك رؤية واضحة لما تريده فعلاً في الشرق الأوسط؟

د. خليل جهشان: لا أعتقد ذلك .. لا أعتقد أن هناك رؤية واضحة لما تريده الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، إن كان بالنسبة لعملية السلام، أو بالنسبة للخلاف مع العراق أو بالنسبة للمنطقة ككل، بالأساس الولايات المتحدة مازالت تصر إنه هدفها الاستراتيجي الأول لعام 99 في المنطقة هو إحراز السلام الشامل والعادل والدائم والآمن في المنطقة، ولكن في نفس الوقت بعد أن أعلنت الإدارة الأميركية أن هذا هو هدفها الاستراتيجي الأول سمحت لحليفها الاستراتيجي الأول بشل تحقيق هدفها الاستراتيجي الأول.. هنا يكمن التناقض في الموقف الأميركي، يعني كيف تسمح لحليفك إسرائيل ولصديقك إسرائيل بأن يمنعك من تحقيق هدفك.. هدفك الاستراتيجي الأول دون أن تجابه تلك الخطوات من قبل إسرائيل، فهذا هو سر ضعف وعدم مصداقية الموقف الأميركي بخصوص رعاية عملية السلام.

فالولايات المتحدة مازالت مصرة أنها تاريخياً لعبت دور هام في البحث عن سلام، أو حل عادل، أو حل سلمي للنزاع العربي الإسرائيلي وهذا صحيح، فمنذ عام 37 وحتى الآن وخصوصاً منذ عام 48 كان هناك أكثر من 70 محاولة أغلبها أميركية في محاولة إيجاد حل سلمي ولكن في نفس الوقت كان هناك عوامل ضعف في هذه المحاولات.

عملية مدريد بدأت -كما تفضلت- نوعاً ما كان فيا تغيير موضوعي وواضح بالنسبة لبعض المواقف الأميركية مثلاً المشاركة الفلسطينية كان هناك تقدم في هذا المضمار، في الماضي كانت ترفض المشاركة الفلسطينية، في عملية مدريد سمح للطرف الفلسطيني بمشاركة مشروطة، وبعد ذلك بمشاركة مباشرة، ولكن المشكلة أن الولايات المتحدة سمحت لعملية السلام بأن تنزلق وأن تنحدر من مستوى مدريد، إلى مستوى (أوسلو) إلى مستوى (واي بلانتيشن اجريمنت) فهناك عملية تنازل مستمرة كلما تصطدم الولايات المتحدة بحائط الرفض الإسرائيلي تتراجع وتسمح بتخفيض أهدافها بالنسبة لعملية السلام إلى مستوى تعتبره معقول أو مقبول إسرائيلياً، بينما إسرائيل الآن في الواقع تركت مائدة المفاوضات، وترك الأطراف العربية وخصوصاً الطرف الفلسطيني لوحده وسط الحلبة التفاوضية، ولذلك الآن الطرف الفلسطيني مهدد بفقدان مصداقيته نتيجة هذا التصرف الإسرائيلي، بينما الولايات المتحدة لا ترعى العملية السلمية بنفس المصداقية وبنفس الحزم الذي سمعناه أيام مدريد مثلاً من بوش ومن بيكر، فلذلك هذا التدهور في العملية السلمية.

محمد كريشان: هذا التدهور هل يعود جزء منه إلى المفاوض الفلسطيني أو المفاوض العربي؟ يعني أشرتم في محاضرتكم في الدوحة إلى نوع من عقدة النقص لدى العرب تجاه الإدارة الأميركية، ويعني في السنوات الماضية أصبح هناك تيار يوصف أحياناً بالتيار العقلاني أو البراجماتي في الساحة الفلسطينية والعربية، وهذا التيار يؤمن بضرورة المرونة، والأخذ، والعطاء، وعدم تجنب الصدامات مع الإدارة الأميركية هل هذا التدهور يعود جزء منه إلى هذا الموقف؟

د. خليل جهشان: بدون أي شك، العلاقات الدبلوماسية تشبه العلاقات الزوجية، فإذا كان هناك تدهور فالتدهور هو مسؤولية الطرفين، وليس مسؤولية -عادة- طرف واحد، فإذا كان هناك تدهور ونحن نعتقد أن هناك خلل في العلاقات العربية الأميركية الثنائية فهي مسؤولية الطرفان بالنسبة إلى كيفية الحد أو وضع حد لهذا التدهور وإنشاء علاقات أفضل بالنسبة.. أو أكثر صحية بالنسبة إلى المستقبل، فالمسؤولية لا تكمن كلياً في الطرف الأميركي لقد أشرنا إلى بعض الشوائب وبعض الممارسات في نظرة الولايات المتحدة إلى العالم العربي ولكن هناك أيضاً مسؤولية عربية وخصوصاً بالنسبة:
أولاً: إلى نظرة العالم العربي للنظام الأميركي يبدو لي -كما قلت- كشخص يتعامل مع المسؤولين وصانعي القرارات في العالم العربي، يبدو لي أن هناك فعلاً عقدة نقص بالنسبة للولايات المتحدة وكأن العرب ليس لهم من أي بديل أو لنقل بدل كلمة بديل من مجال للمناورة في هذا الخصوص، ويبدو لي أن جزء من هذه المشكلة هو في الواقع ثقافي أكثر مما هو سياسي، يعني هناك نوع من الخجل الدبلوماسي الذي يمارس في التعامل مع الولايات المتحدة، وهذا لا يمارس من قبل أي ثقافة أخرى غير الثقافة العربية لسبب أو لآخر.

السياسة هي فن الأخذ والعطاء، هي ليست نوع من الخجل أو التدخل في شؤون الغير لكل طرف في أي علاقة ثنائية في المجال السياسي والدبلوماسي أهداف ومصالح، والهدف من السياسة الخارجية لأي دولة هو خدمة هذه المصالح بشكل فاعل وبشكل مستمر، ولكن لسوء الحظ يبدو لي كما قلنا ليس هناك من وضوح بالنسبة إلى أهداف الولايات المتحدة في بعض النزاعات في المنطقة أو بالنسبة للمنطقة ككل ولكن في نفس الوقت -لنكن صريحين- ليس هناك من وضوح رؤية بالنسبة لما هي الأهداف العربية المتوقعة من العلاقات الثنائية مع الولايات المتحدة وهذا لا يمكن أن نستمر إذا ما بالفعل أردنا أن نرفع من مستوى العلاقة العربية الأميركية الثنائية إلى مستوى استراتيجي، مرموق يليق بحلفاء استراتيجيين في منطقة مهمة من مناطق العالم.

محمد كريشان: نعم، إذا كان الخجل الدبلوماسي –كما وصفتموه- لم يؤت بشيء تقريباً.. لم يأت بشيء، ولم يؤد إلى نتيجة عملية، سياسة الصدام أيضاً وهنا ننتقل إلى الملف العراقي سياسة الصدام مع الإدارة الأميركية لم تؤد إلى شيء، يعني هل ترون بضرورة وجود منزلة بين المنزلتين، بين هذا الخجل السياسي وبين هذا الرهبة في التصادم باستمرار مثلما هو الحال بالنسبة للعراق؟

د. خليل جهشان: طبعاً الحل لا يمكن في تغييب الذات، لا يمكن في الخجل الدبلوماسي، ولا يمكن في الصدام بين أصدقاء، الخلافات واردة بين.. يعني في كل علاقة ثنائية هناك خلافات، يعني من أقرب للولايات المتحدة أكثر من إسرائيل!! هناك خلافات جذرية بين الولايات المتحدة وإسرائيل لا يمكن إنكارها بشكل موضوعي، إذا أردنا أن نكون موضوعيين، فبالأساس يجب التعامل مع هذه العلاقات بشكل موضوعي، بشكل علمي، بشكل هادئ، يجب بلورة ما هي المطالب التي تريدها الولايات المتحدة من علاقتها مع العرب، وبلورة ما يريده العرب من الولايات المتحدة ورسم استراتيجية عربية، يعني أعطيك مثال الضرورة مؤخراً اضطرت مثلاً.. مجلس التعاون الخليجي أن يفتح له مكتب في أوروبا للتعامل مع المجموعة الأوروبية بخصوص بعض القضايا الاقتصادية المعلقة بين الطرفين.

محمد كريشان: نعم.

د. خليل جهشان: والهدف من ذلك هو الضغط على أعضاء المجموعة الأوروبية لتحسين العلاقة وحل هذه الإشكالات في العلاقة الثنائية بين الطرفين، لماذا ليس هناك من جهد موازي لذلك أو مساوي له بالنسبة للعلاقات مع الولايات المتحدة؟! هناك علاقات متينة، متشعبة، مهمة في جميع المجالات، وتشكو من إشكالات أو من نواحي ضعف في كثير من نواحيها، فلماذا ليس هناك من أي مبادرة عربية في هذا المجال؟ هذا هو السؤال الذي نطرحه.

محمد كريشان: نعم، بالنسبة لموضوع العراق ربما موضوع العراق من القضايا الأساسية التي ساهمت في مزيد تدهور صورة الولايات المتحدة على الأقل لدى الرأي العام العربي، وحتى لدى قسم كبير من الحكومات العربية مثلما ذكرنا أصبحت تشعر بحرج شديد عند كل زيارة مسؤول أميركي في جولة خليجية أو عربية قبل أي ضربة أو بعد أي ضرب.. يعني وكثيراً ما تلام الإدارة الأميركية بأنها لا تملك تصور واضح فيما يتعلق بالعراق، يعني هل فعلاً الصورة بهذا الشكل؟

د. خليل جهشان: نحن نعتقد ذلك، ولسنا الوحيدين كعرب أميركيين في إطار المجتمع الأميركي الذين نشعر بذلك، هناك العديد من الجمعيات، ومن المؤسسات، ومن المفكرين أيضاً الأميركيين الذين ليس لهم أي خلفية عربية الذين ينظرون أو ينتقدون السياسة الأميركية بهذا الخصوص، لا شك.. يعني أنا لا أستطيع أن أقول أن هناك سياسة الولايات المتحدة في الوضع تجاه العراق، ليس هناك من سياسة، هناك بعض الأفكار، هناك بعض الخطوات التي تدعي الإدارة بأنها سياسة، ولكن بصراحة نحن لا نعتبر في الجالية العربية الأميركية وفي الجمعية الوطنية للعرب الأميركيين أن التصعيد العسكري من فترة لأخرى والصدام مع العراق عسكرياً وأن سياسة الحظر الاقتصادي المفروض على العراق هما عاملان ناجحان لسياسة ناجعة.

بالعكس نعتبر ذلك أن هذه سياسة بالية حان الأوان لإعادة النظر فيها، على الولايات المتحدة الآن.. خصوصاً بعد الانتقادات التي سمعناها من أقرب الحلفاء لها من تركيا، من بعض الحلفاء العرب في الخليج، من بعض الحلفاء الأوروبيين، أنه ليس هناك وضوح رؤية.. ما هي الأهداف التي تريدها الولايات المتحدة من العراق؟! هل..

محمد كريشان [مقاطعاً]: أحياناً كل مسؤول يصرح بتصريح.

د. خليل جهشان: طبعاً، كل مسؤول يصرح بتصريح، وليس هناك من وضوح رؤية، ليس هناك من أهداف معينة. يقال مثلاً أن الولايات المتحدة الآن تريد تغيير النظام في العراق، لنفرض أن هذا ممكن هل هناك من تصور أميركي في الواقع أو دراسة عميقة لمستقبل العراق بعد صدام؟ كيف تتصور الإدارة مستقبل العراق بعد صدام؟ هل سيبقى العراق عراق أم هل سيتحول إلى دويلات؟ كيف سيؤثر ذلك على أمن واستقرار المنطقة؟ كيف سيؤثر ذلك على مصالح الولايات المتحدة في المنطقة؟ يعني نحن الذين نتعامل مع الإدارة الأميركية بشكل مباشر بصراحة ليس لدينا -أو لا نسمع- من الإدارة أجوبة مقنعة لهذه التساؤلات، ما نطالب الإدارة به كعرب أميركيين هو:
أولاً: توضيح أهدافها بالنسبة للعراق، يجب أن يكون هناك أفكار أوضح، وأهداف واضحة لا غبار عليها، لا داخل الولايات المتحدة ولا خارج الولايات المتحدة.

ثانياً: يجب على الإدارة أن ترسم استراتيجية عمل واضحة وفاعلة لتحقيق هذه الأهداف بعد إعادة نصها.

ثالثاً: يجب أن يكون هناك تنسيق جدي بين الولايات المتحدة وبين حلفائها العرب في الأساس المشكلة في العراق هي مشكلة إقليمية، الولايات المتحدة الآن متواجدة عسكرياً في المنطقة لفترة ما، ولكن في يوم من الأيام ستعود إلى الولايات المتحدة والمشكلة ستبقى هنا بين سكان المنطقة، فعلى الحلفاء العرب إذن أن يعطوا فرصة للمشاركة في رسم هذه السياسة كي لا تأتي الإدارة وتقول أين حلفاؤنا العرب؟ لماذا نجابه العراق فقط مع لندن أو مع بريطانيا أين الحلفاء الثلاثة والثلاثون الآخرون الذين وقفوا معنا خلال حرب الخليج؟

فهذا هو السبب عدم التنسيق الجدي، وعندما أقول تنسيق جدي لا أعني زيارة من فترة لفترة من قبل وزيرة الخارجية أو وزير الدفاع مع احترامنا للاثنين، التنسيق هو أهم من ذلك ويجب أن يصعد مستوى التنسيق إلى مستوى استراتيجي مستوى جدي يليق بحلفاء يواجهون مشكلة على هذا المستوى الجدي، وأخيراً سياسة الحظر البالية –برأيي أو برأي أغلب العرب الأميركيين- يجب إعادة النظر فهيا وأنها لم تحقق أهدافها هي في الواقع أصبحت ربما أسوأ سلاح للدمار الشامل شاهدناه حتى الآن في المنطقة، 600 ألف طفل في العراق ماتوا نتيجة هذه السياسة ولا يمكن تبريرها لا سياسياً ولا أخلاقياً، وحان الأوان لإعادة النظر فيها.

نحن ليس لدينا مشكلة بالنسبة لسياسة الحظر المتعلقة باقتناء أسلحة الدمار الشامل في الواقع الجمعية الوطنية للعرب الأميركيين منذ عام 72 وهي تطالب بأن تكون منطقة الشرق الأوسط منطقة معزولة من أسلحة الدمار الشامل من قبل جميع الأطراف ومن ضمنهم وعلى رأسهم إسرائيل التي تملك جميع أسلحة الدمار الشامل، ولكن لسوء الحظ هناك ازدواجية في المطالبة بمثل هذه الخطوة، فإذا اتخذت الولايات المتحدة هذه المطالبة الأربعة بعين الاعتبار نحن نعتبر ذلك أنه من الممكن أن يقود إلى سياسة واضحة، وإلى سياسة أفضل في خدمة المصالح الأميركية وخدمة المصالح لحلفاء الولايات المتحدة في هذه المنطقة.

محمد كريشان: ولكن هل.. هل هذا التخبط فيما يتعلق بموضوع العراق ناتج عن عدم وضوح الرؤية عدم فهم الواقع العراقي من الداخل كما ينبغي أم عن تعدد مراكز القوى؟ ما تفسيره برأيك؟

د. خليل جهشان: جزئياً، ربما يكون ناجم عن عدم تفهم الوضع الداخلي في العراق، ولكن في نفس الوقت هو ينجم عن أشياء كثيرة، أشياء أو نواحي لطبيعة النظام في الولايات المتحدة مثلاً، كما قلنا الولايات المتحدة ليس لديها النفس الطويل، لا تستطيع أن تتعامل مع صراعات مستمرة، ليس لها استراتيجية طويلة الأمد، لا تتعامل
-مثلاً- مع صراعين أو نزاعين في نفس الوقت تهمل واحد وتهتم بالآخر، بالإضافة إلى ذلك لا شك أن طريقة تعامل الولايات المتحدة مع الوضع في العراق خصوصاً في الفترة الأولى في بداية حرب الخليج حيث أن الدعاية التي أخذت من العراق وحولته إلى صدام حسين، وحولت صدام حسين عبر الدعاية الأميركية إلى (هتلر) الثاني، فأصبحت نظرة صانع القرار ونظرة الرأي العام الأميركي محددة بشكل في الواقع.. يعني نوعاً ما حرمت صانع القرار الأميركي من أي مجال للمناورة عندما يضطر إلى تغيير هذه السياسة.

الآن ربما هناك نية لدى البعض في الإدارة لإعادة النظر في بعض نواحي السياسة تجاه العراق ولكن هذا الوضع الذي وصفته لك لا يسمح لها بذلك لأن هناك ثمن سياسي باهظ سيدفعه أي سياسي أميركي يدعو إلى إعادة تقييم سياسة الولايات المتحدة تجاه العراق نتيجة عشر سنوات من هذه الدعاية التي تدعي الإدارة الأميركية بأنها وضعت صدام حسين في قفص وحرمته من المناورة ولكن لسوء الحظ يبدو لي أن الإدارة الأميركية أيضاً وضعت نفسها في قفص وحرمت نفسها من مجال المناورة.

محمد كريشان: حتى بالنسبة للرئيس العراقي صدام حسين أحياناً يركزون على ضرورة الإطاحة به عبر تمويل المعارضة العراقية في الخارج، أحياناً يسخفون هذه المعارضة ويعتبرونها غير قادرة على الإطاحة بالرئيس العراقي، أحياناً يقولون إن الحظر سيستمر بغض النظر، بقي الرئيس العراقي صدام حسين في السلطة أم لم يبق، هل الأطراف العربية الحليفة للولايات المتحدة في المنطقة، أو حتى العرب الأميركان نجدهم عاجزين عن إيصال تكون إلى حد ما صورة قريبة من ذهن صانع القرار في الولايات المتحدة حتى يبقى الملف العراقي مفهوم بنسبة معقولة؟

د. خليل جهشان: طبعاً، لأن هناك في الواقع تنافس كبير بين أولاً أجهزة مختلفة داخل النظام الأميركي نفسه، العرب الأميركيين هم فئة عرقية لهم دور معين، ولكن هذا الدور محدود.. يعني نحن لسنا طرف رسمي، اللعبة بالأساس تجري على الصعيد الرسمي، يعني رسم السياسة يجري في ملعب، نحن لا يسمح لنا بدخوله أصلاً، ولكن نحن نستطيع من خارج الحلبة -نوعاً ما- أن نؤثر أو نشرح وجهة نظرنا، وهذا ما يجري خصوصاً مثلاً بالنسبة لموضوع.. موضوع السؤال بالذات، نحن لم نتفانى في التعبير عن وجهة نظرنا بهذا الخصوص في اجتماعات مع الإدارة، وأيضاً حتى في مقالات كتبناها حول هذا الموضوع بالنسبة إلى إمكانية نجاح مثل هذه الخطوة، أو فشلها، أو تأثيرها سلباً على مصداقية الولايات المتحدة في المنطقة.

ولكن لسوء الحظ الآن ميزان القوى في صنع القرار يميل إلى اتخاذ مثل هذه الأفكار، بالرغم.. بالرغم –سأكون صريح في الإجابة على السؤال- أنا لا أعتقد أن هناك جدية في واشنطن في اقتراح تغيير النظام العراقي، وكل ما جرى في الواقع هو مناورة داخلية في الولايات المتحدة، منافسة بين الشق التشريعي والشق التنفيذي، الكونجرس يريد إحراج الإدارة لأنها ضعيفة ولا تتصرف بحزم تجاه القضايا الخارجية، وأن هذا الرئيس ضعيف ومنهمك بفضائحه ولا يستطيع أن يواجه صدام حسين، وحاولت إحراجه بتخصيص أو بإقرار مشروع ما يسمى بمشروع تحرير العراق وتخصيص مبلغ 100 مليون دولار.

يعني مبلغ 100 مليون دولار لن يحرر العراق، في الواقع لا يكفي لدفع فواتير الأوتيلات لقيادات المعارضة العراقية، إن كان في لندن، أو في نيويورك، أو في واشنطن، أو أي بلد آخر. فمجرد الإعلان عن هذه الخطوة الحقيقة أنك أنت وأنا عن هذه الخطوة عبر وسائل الإعلام، مجرد الإعلان عن هذه الخطوة يبرز عدم جدية الولايات المتحدة، مثل هذه الخطوات لو كانت جدية لما كنا سمعنا عنها إلا بعد إتمام جميع نتائجها.

محمد كريشان: دكتور خليل جهشان، شكراً لكم.

د. خليل جهشان: شكراً لك.

مذيع بقناة الجزيرة
محمد كريشان
-
29/11/2000