أثناء حملته الانتخابية لرئاسة الولايات المتحدة، وعد الرئيس الأميركي دونالد ترمب بتفكيك نظام الرعاية الصحية المعروف بـ"أوباما كير" بأقصى سرعة ممكنة بعد أن يفوز بالرئاسة.

لم يكن معروفا آنذاك ما إذا كان سيحالفه الحظ للوصول للبيت الأبيض أم لا، لكن حالفه في نهاية المطاف، فحاول الوفاء بوعده من دون أن ينجح في مسعاه، بعد أن اختلف عليه الجمهوريون في الكونغرس.

ويمثل الإخفاق في إبطال مشروع أوباما كير واستبدال نظام ترمب كير منه إخفاقا يعزز موقف الحزب الديمقراطي.

وبعدما ألقى باللائمة على الديمقراطيين عاد ترمب لدعوتهم للتعاون مع نواب الحزب الجمهوري بما يخدم مصلحة الشعب الأميركي، كما يقول، لكن زعيم الأغلبية الجمهورية في مجلس النواب بول ريان أعرب عن رأي مختلف، خاصة بعد أن وجد الديمقراطيون في إخفاق المشروع سوطا يجلدون به خصومهم الجمهوريين وعلى رأسهم ترمب.

حلقة الجمعة (31/3/2017) من برنامج "من واشنطن" تساءلت عن حجم الضرر الذي لحق بسمعة ترمب رئيسا قادرا على الوفاء بواحد من أهم وعوده الانتخابية في السياسة الداخلية، وما حجم الهدية التي قدمها للديمقراطيين؟ ثم ما قدرة هؤلاء على تحويل تلك الهدية إلى أداة للضغط على إدارة ترمب، التي وعدت بتفكيك تركة أوباما، ليس فقط في الداخل، ولكن أيضا في الخارج.

يواجه الديمقراطيون تحديات كبيرة، منها قدرة ترمب على تقديم نفسه رئيسا يضع مصالح الشعب في الداخل والخارج فوق أي اعتبار أو مساومة مع النخب، التي يصفها بالفاسدة، وقد استعان في تعزيز تلك الصورة بوصفه للرئيس أندرو جاكسون بأنه مثله الأعلى في إدارة دفة الحكم.

جاكسون الرئيس الأميركي السابع منذ استقلال أميركا حكم في ثلاثينيات القرن التاسع عشر، واشتهر عند المعجبين به بالحزم في الدفاع عن مصالح المواطن الأميركي العادي، واشتهر كذلك بمهارته في تحقيق الربح لنفسه ولبلاده.

فإلى أي مدى قد ينجح الديمقراطيون في تقويض صورة ترمب بما يعزز قدرتهم على التأثير في سياسته الداخلية وأيضا الخارجية.

مصلحة أميركية
عن هذا الموضوع، يقول العضو الديمقراطي السابق في مجلس النواب جيم موران، إنه أثناء فترة حكم أوباما أطلق على هذا المشروع اسم "أوباما كير" وكانت مهمة للديمقراطيين، لأنها كانت ضرورية لمصلحة الملايين من الأميركيين، فهناك 14 مليون أميركي ينتفعون من برنامج الرعاية الصحية، ولذلك كان من المحتم أن تفشل جهود ترمب.

ويرى موران أن الديمقراطيين يشعرون بثقة أكبر، وهم يريدون من ترمب أن يدرك أنه يحتاج لأصوات الديمقراطيين عند محاولة تمرير أي شيء، وعلى سبيل المثال إصلاح الضرائب الذي يتوقع أن يواجه هذه المقاومة، وينطبق ذلك على أي شيء فيما يتعلق بالسياسة الداخلية أو الخارجية.

وبشأن الملف الإيراني، يقول العضو الديمقراطي السابق إن معظم الجمهوريين وعلى الأغلب معظم الديمقراطيين ليس لديهم فهم كاف للشعب الإيراني، فقد مرروا الاتفاق النووي لأنهم ظنوا أنه سيجعل إسرائيل وأميركا أكثر أمانا.

وأضاف "أعتقد أنه إذا ما سألت الإسرائيليين سيعترفون بأن الاتفاقية النووية جعلت من إسرائيل أكثر أمانا، كما وعد أوباما، ولا أتوقع إلغاءها، ولا أتوقع أن أي شيء هام قام أوباما بتشريعه سيتم إلغاؤه".

روسيا
أما عن العلاقات مع روسيا، ولا سيما مع ما يثار عن تدخلها في الحملات الانتخابية الأميركية، فيؤكد موران أن موقف الديمقراطيين أصبح قويا، وكذلك موقف الجمهوريين الذين لا يحبون ترمب، مشيرا إلى أن مجلس الشيوخ سيحقق في هذا، لأنهم يدركون أن هذا ليس رئيسا قويا كما كانوا يظنون.

لكن الكاتب والمحلل السياسي حسين الحسين يعتبر أن ما يدفع الديمقراطيين في هذا الملف هو المناكفة الحزبية، فعندما كان أوباما رئيسا كان الموقف الديمقراطي أكثر ليونة تجاه موسكو، وكان العكس بالنسبة للجمهوريين، واليوم تبدلت الأدوار فأصبح الديمقراطيون يستغلون أي صداقة أو علاقة جيدة بين الجمهوريين وموسكو.

العالم الإسلامي
وفي ملف العلاقات مع العالم الإسلامي، يقول موران إن الديمقراطيين أحدثوا تقدما مع العالم الإسلامي، أكثر من الجمهوريين باستثناء الرئيس جورج بوش الأب، وترمب لا يعرف بما فيه الكفاية عن العالم الإسلامي، مثله مثل جورج دبليو بوش، "ولذا هو خطير على أمننا العالمي بسبب عدم فهمه".

وبشأن الملف السوري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب، يقول عمرو العظم أستاذ التاريخ في جامعة شاوني إن الديمقراطيين لم يدخلوا في الملف السوري بشكل كبير، والخط الأساسي والخطوط الحمراء الكثيرة كانت من الطرف الجمهوري، لكن الديمقراطيين كانوا يقفون دائما وراء أوباما بانتظام، ولم نر تغييرات أو تباينات في هذا الموضوع.

ويرى العظم أن الخطوط الحمراء للديمقراطيين الآن هي ألا يجرهم ترمب لحرب جديدة في المنطقة مع إيران، ويضيف أن فشل ترمب في استبدال أوباما كير كان معنويا أكثر منه حقيقيا ورفع معنويات الديمقراطيين كثيرا بحيث يمكنهم التحرك بشكل أوسع لمواجهة ترمب في مشاريع أخرى.

أما رائد جرار من منظمة الكويكرز الأميركية فيرى أن فشل ترمب في إبطال مشروع أوباما كير حصل بسبب خلافات في الحزب الجمهوري نفسه، ولذلك لا يمكن حساب الأمر على أنه انتصار للديمقراطيين، بل هو مؤشر على أن إدارة ترمب ستفشل في تنفيذ معظم وعودها.