سلبا أو إيجابا استطاعت روسيا أن تفرض نفسها على طاولة النقاش داخل الولايات المتحدة وخارجها.

وتشعر العديد من الأوساط في الولايات المتحدة بأن روسيا تضيق الخناق بصورة متزايدة على القوة الأميركية خارج بلادها وداخلها، فقد سيطرت على زمام المبادرة في سوريا مثلا، كما أنها متهمة بالتدخل في الانتخابات الأميركية من خلال وسائل التواصل الاجتماعي التي توفرها شركات إنترنت مثل غوغل وتويتر وفيسبوك.

فهل اتهام روسيا بالتدخل في الانتخابات الأميركية له علاقة بهوس قديم لا يزال ينتعش من ذاكرة الحرب الباردة؟ أم إنه تقييم موضوعي يستند إلى ركائز الحقيقة؟

الواقع أن تعريف المفاهيم بما فيها الحقيقة قد أصبح محط خلاف في أوساط الأميركيين أكثر من أي وقت مضى، وقد عمقته انتخابات 2016 التي أعطت الفوز للجمهوري دونالد ترمب، الذي أعرب خلال حملته الانتخابية عن إعجابه بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وأنهت الحلم الرئاسي للمرشحة الديمقراطية هيلاري كلينتون المعروف عنها تشدد مواقفها السياسية إزاء الروس.

موسكو من جانبها ترفض اتهامها باستخدام الإنترنت للتأثير في نتيجة الانتخابات الأميركية، لكن ذلك لم يوقف سيل الأسئلة الصعبة التي أصبحت تواجه الأميركيين.

حرب باردة
عن هذا الموضوع، يقول المسؤول السابق في مجلس الأمن القومي الأميركي تشارلز كابشن إن العلاقات الأميركية الروسية تمر بأسوأ مراحلها منذ الحرب الباردة، وتعود إلى تدخل الروس في جورجيا عام 2008 وأوكرانيا عام 2014 ودعم الرئيس السوري بشار الأسد الذي يقمع شعبه.

وأضاف أن حقيقة الأمر أن الروس تدخلوا في الانتخابات الأميركية، لأن فيسبوك أقرت فعلا بذلك، والوضع أصبح صعبا جدا بالنسبة لترمب أن يصالح روسيا، والجميع يتساءل لماذا هو متسامح معهم؟ ولماذا لم يعترف بأن حملته التقت بهم؟ مما يعطي انطباعا بأن مساندي ترمب يخفون شيئا ما.

وأوضح كابشن أن إدارة ترمب تتبع سياسة "أميركا أولا" ويسمعها الناس بالداخل، لكنهم لا يفهمونها بالخارج، وهذا يعني تراجع أميركا، معتبرا أن الروس نجحوا في التدخل في الانتخابات الأميركية جزئيا لأن الشعب الأميركي مستقطب، مما خلق وضعا جعل القوى الخارجية تتدخل.

وبشأن الدور الروسي في سوريا، اعتبر أن إدارة الرئيس السابق باراك أوباما والأوروبيين وجميع الدول في الشرق الأوسط وتركيا قرروا عدم الدخول في اللعبة من أجل تغيير النظام في سوريا، وبالتالي حصل الأسد على دعم روسيا وإيران، لكن في النهاية إذا كان أوباما هو من بدأ السياسة فإن ترمب هو من نفذها.

اختراق روسي
من جهته، أكد خبير أمن المعلومات في مؤسسة "إنتربرايز" دلشاد عثمان أن الطريقة التي استخدم بها الروس وسائل التواصل الاجتماعي والإعلانات وفّرت لهم الوصول لمواطنين أميركيين بتصنيفات معينة ساهمت بطريقة أو بأخرى في التأثير على الرأي العام الداخلي.

أما بالنسبة لسياسة "أميركا أولا" فقد ساهمت في بناء رأي عام ضد التدخل الأميركي في سوريا أو إرسال جنود هناك، وكانت تكتيكات متوازية ساهمت بشكل أو بآخر لتصل روسيا لما وصلت إليه اليوم في سوريا.

ولم يستبعد عثمان أن يتعرض المواطن الأميركي في المستقبل للتحكم الكامل في المحتوى الذي ينشره عبر مواقع التواصل، وهو أمر تقوم به هذه الشركات بالفعل، لكن ليس داخل الولايات المتحدة، وقد يحدث ذلك في حالة تعرضوا لضغط من السلطات الأميركية.

أما الصحفية والمحللة السياسية جويس كرم فرأت أن ترمب ورث ورقة خاسرة في سوريا، مما يعني أن روسيا ربحت مرتين، الأولى عندما تدخلت في الشأن الأميركي إلكترونيا، والثانية بتدخلها عسكريا في سوريا.

واعتبرت أن إدارة أوباما سلمت الملف السوري لروسيا لكي تدفعها للوقوع في مستنقع، لكن هذا لم يحدث، والضحية الكبرى في سوريا اليوم هم المدنيون والأطفال.