لا تبدو الأزمات الداخلية التي تطرأ في الولايات المتحدة شأنا داخليا خالصا، خصوصا في منطقة الشرق الأوسط. ربما لأن أميركا الدولة العظمى عالميا تتمدد من خلال قوتها الخشنة والناعمة فيصبح كل فعل داخل أراضيها مسموعا ومرئيا ومتفاعلا معه.

هذا الأمر ناقشه برنامج "من واشنطن" في حلقة 26/8/2014 في ضوء أحداث العنف العرقي التي اندلعت في فيرغسون بولاية ميزوري، وخارجيا بسبب ملفات الشرق الأوسط الساخن في مقدمتها الحرب على غزة وسوريا والعراق وبالتالي أداء الإدارة الأميركية في الخارج والداخل.

أبدى عبد الله علي إبراهيم استغرابه من الربط بين قضايا أميركية محلية وبين ملفات خارجية ذات طابع مغاير، ففي الوقت الذي كانت الحقوق المدنية في أميركا تتسع للسود كانت القضية الفلسطينية وحرب فيتنام بلا حل

انعكاسات عربية
بعد قرن من إلغاء العبودية في أميركا وبعد نصف قرن من بدء حقبة الحقوق المدنية، أجج مقتل شاب أسود في فيرغسون جمرا لا يبدو أنه انطفأ.

سرعان ما وجد ذلك انعكاسا في العالم العربي، فقد سارعت الخارجية المصرية إلى دعوة أميركا لضبط النفس، وهي تستند إلى صور العنف في فيرغسون، غامزة من قناة أميركا التي انطلق منها بيان هيومن رايتس ووتش متهما النظام المصري بارتكاب جرائم حرب ضد المدنيين.

وسرعان ما ردت الناطقة باسم الخارجية الأميركية ماري هارف مقارنة بين مصر وبلادها قائلة إن لدى أميركا حرية تعبير وهذه لا يجري احترامها في مصر بذات القدر.

مراسل الجزيرة في البيت الأبيض محمد العلمي قال إن حدثا كالذي وقع في فيرغسون يمكن أن تتكفل به رئاسة البلدية، لكن ذلك يفتح المجال للقول إن أميركا تتعايش إلى درج الانفصام بين ما تفعله وما تدعو إليه.

أشار العلمي إلى نماذج مما ووصفه بالفصام، خاصة بعد الحادي عشر من سبتمبر/أيلول 2001 والتجسس على المواطنين وملاحقة مصادر الصحافة واستهداف مواطنين بالطائرات من دون طيار  من دون إذن قضائي.

أستاذ التاريخ الإسلامي والأفريقي في جامعة ميزوري عبد الله علي إبراهيم قال إن "لدينا مأزقا قديما في الفصل ما بين الداخلي والخارجي"، مشيرا إلى الكاتب ألكسي دو توكفيل الذي كتب كتابا يشيد بالديمقراطية الأميركية في القرن التاسع عشر، وفي الوقت عينه دعا فرنسا لاحتلال الجزائر.

خالد بريش:
الخلفية الفكرية التي تقف وراء مشاهد الاحتجاج في باريس كالتي جرت 2005 يختلط فيها الاستعماري بالحروب الصليبية، وهذا يختلف عما يجري في أميركا فهو تاريخ عبودية خالصة

وأبدى إبراهيم استغرابه من الربط بين قضايا أميركية محلية وبين ملفات خارجية ذات طابع مغاير، ففي الوقت الذي كانت الحقوق المدنية في أميركا تتسع للسود كانت القضية الفلسطينية وحرب فيتنام بلا حل.

اعتقاد خاطئ
لكن الصحفي علي يونس اختلف مع عبد الله علي إبراهيم بشأن الفصل بين أميركا الداخل والخارج، وقال إن ما يجري في الخارج انعكاس لما هو في الداخل الأميركي.

وأضاف أن هناك اعتقادا خاطئا في العالم العربي بأن القيادة في أميركا عابرة للزمن، والحال أن كل إدارة لها إحداثياتها ومواقفها، وبسبب عدم وجود دعم عربي قوي لغزة لم تتردد الإدارة الأميركية في المجاهرة بإعلان وقوفها مع إسرائيل من دون قيد أو شرط.

الباحث في العلوم الإنسانية في باريس خالد بريش ألقى الضوء على كيفية متابعة الأحداث في فيرغسون من قبل الفرنسيين وخصوصا العرب والأفارقة، ومقارنتها بطبيعة الأحداث التي تقع في هوامش باريس بين فترة وأخرى.

أول فرق وجيه يعتقد به بريش هو أن الخلفية الفكرية التي تقف وراء مشاهد الاحتجاج في باريس كالتي جرت عام 2005 يختلط فيها الاستعماري بالحروب الصليبية، وهذا يختلف عما يجري في أميركا فهو تاريخ عبودية خالصة.

وأضاف أن مجموعة كبيرة من الفرنسيين من أصول عربية نظروا بشماتة إلى الأحداث التي وقعت في فيرغسون بسبب مساندة واشنطن للعدو الإسرائيلي، في حين نظر فريق آخر إلى أن الديمقراطية الأميركية وغيرها من ديمقراطيات "نتنة" بسبب فراغها من المعاني الإنسانية.

 اسم البرنامج: من واشنطن       

عنوان الحلقة: أحداث فيرغسون الأميركية في عيون عربية

مقدم الحلقة: عبد الرحيم فقرا

ضيوف الحلقة:

-   عبد الله إبراهيم/أستاذ التاريخ الأفريقي والإسلامي في جامعة ميزوري

-   علي يونس/صحفي

-   خالد بريش/باحث وكاتب في العلوم الإنسانية في باريس

تاريخ الحلقة: 26/8/2014

المحاور:

-   انعكاس أحداث أميركية داخلية على الشرق الأوسط

-   القوة الناعمة الأميركية وأثرها على السلم الدولي

-   أوباما بين الداخل والخارج

-   شرق أوسطية فيرغسون

-   أميركا.. ديمقراطية النقائص المجتمعية

عبد الرحيم فقرا: مشاهدينا في كل مكان أهلاً بكم جميعاً إلى حلقة جديدة من برنامج "من واشنطن"، وكأن القدر يأبى الشفقة على جدول الرئيس أوباما، جدولٍ مشتعل بلهيب الملفات الحارقة في الخارج طبعاً ولكن أيضاً في الداخل.

هذه ليست غزّة أو سوريا أو العراق أو مصر أو ليبيا أو حتى شوارع فرنسا الّتي تشتعل بين الفينة والأخرى باحتجاجات العرب والسود الفرنسيين، إنها مدينة فيرغسون الأميركية الّتي أجج فيها مقتل شاب أميركي أسود على يد شرطي أبيض جمراً يَتقد ويَخمد منذ بدأ الأوروبيون في تصدير الأفارقة كعبيدٍ إلى العالم الجديد، بعد حوالي قرن من نهاية العبودية على أثر حربٍ ضَروس تطاحن فيها الأميركيون ضد بعضهم الآخر جاءت حِقبة الحقوق المدنية الّتي أنهت الفصل العرقي والعنصري في البلاد مشيدةً الجسر الّذي أوصل السود الأميركيين إلى قمة الجبل كما يقال بطبقاته الوسطى وبيته الأبيض دون أن تتمكن من إسدال الستار نهائياً على ملفٍ يأبى النسيان.

[شريط مسجل]

باراك أوباما/ الرئيس الأميركي: كأميركيين علينا استخدام هذه اللحظة للبحث عن إنسانيتنا المشتركة الّتي كشفها هذا التحدي لحظة مستقبل شاب وأسى أهله واحباطات مجتمع والقيم الّتي نثمنها كعائلةٍ أميركيةٍ واحدة.

عبد الرحيم فقرا: يسعدني أن أرحب بضيوفي في هذه الحلقة، الدكتور عبد الله علي إبراهيم من جامعة ميزوري، الباحث دكتور خالد بريش من باريس ومعي في الأستوديو الكاتب والصحفي علي يونس، أوباما أول رئيس أميركي أسود اشتعل رأسه بياضاً منذ تولي مقاليد الحكم في الولايات المتحدة قبل  5سنوات وقد كان السود الأميركيون أسوة بالفلسطينيين وغيرهم من العرب المسلمين والمسيحيين يعلقون عليه آمالا كبيرة يقول العديد منهم إنها خابت في نهاية المطاف، غير أن أوباما لم يقل في يومٍ من الأيام إنه رئيس شريحة دون غيرها برغم أنه قال كلاماً سابقاً فتراجع عنه لاحقاً أو لم يلتزم به حتى الآن في مختلف الملفات، ففي الملف الفلسطيني مثلاً رفض توسيع الاستيطان الإسرائيلي دون أن يتمكن من وقفه، وفي الملف السوري وعد السوريين بدعمهم في إنهاء حكم الرئيس بشار الأسد دون أن يحصل ذلك حتى الآن بل هناك من رأى أعلام تعاون أميركي مع الأسد تلوح في الأفق، وفي الملف العراقي قرر العودة العسكرية إلى العراق بعد أن كان قد سحب القوات الأميركية من هناك قائلاً إنها تركت ورائها حكومة تمثيلية تقود البلاد إلى الديمُقراطية.

[شريط مسجل]

باراك أوباما/ الرئيس الأميركي: إن العراقيين وبمساعدتنا يقاتلون ضد داعش وعليهم أن يستمروا في اتحادهم من أجل طرد أولئك الإرهابيين من مجتمعاتهم، وإن الشعب السوري الّذي أخبر عن أحواله جيم فولي لا يستحق العيش في ظل مستبد أو إرهابيين إنهم يحظون بدعمنا في بحثهم مستقبلٍ قائمٍ على الكرامة.

انعكاس أحداث أميركية داخلية على الشرق الأوسط

عبد الرحيم فقرا: إذا كانت الولايات المتحدة لا تستند إلى القوة العسكرية وحدها كما يقول أوباما وأنصاره بل ترى في قوتها الناعمة أداةً جبّارة لبلوغ أهدافها المبتغاة فإنها تواجه تحدٍ كبير في تأييدها الحديدي كما يقول أوباما لإسرائيل، فمنذ بدء الحرب الإسرائيلية على قطاع غزّة غصت وسائل الإعلام العالمية بصور القتل والدمار في القطاع كما غصت حديثاً بصور الاضطرابات في مشاهد بدت فيها الشرطة الأميركية في فيرغسون كقوة عسكرية حقيقية مدججة بفائض الجيش الأميركي من الأسلحة، هذه الصور استندت إليها وزارة الخارجية المصرية مثلاً في بيانها الّذي حثت فيه السلطات الأميركية على ضبط النفس في فيرغسون كما قالت في نفس الوقت الّذي اتهمت فيه منظمة Human Rights Watch الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ومسؤولين مصريين آخرين بارتكاب جرائم ضد الإنسانية في ميداني رابعة والنهضة على سبيل المثال، بيانٍ لسعت مفارقة إصداره الإدارة الأميركية التي تُتهم في أكثر من محفل بأنها نصير للانقلاب على الشرعية الانتخابية في مصر.

[شريط مسجل]

ماري كارف/ المتحدثة باسم وزارة الخارجية الأميركية: أولاً وبخصوص ما قلناه حول مصر نحن قلقون جداً حول أوضاع حقوق الإنسان وما حدث خلال العام الماضي للمتظاهرين السلميين والصحفيين الّذين ألقي بهم في السجن، ونحن قلقون أيضاً من العدد الهائل من أحكام الإعدام الّتي صدرت.

عبد الرحيم فقرا: قد تختلف إدارة أوباما مع منتقديها في الداخل حول دلالة ما حصل في فيرغسون وحول سبل معالجته وقد تختلف معهم في تشخيص أسباب وتداعيات الخلل الّذي يراه الفلسطينيون والشعوب العربية كما يقال عموماً في السياسة الخارجية الأميركية إزاء فلسطين وملفاتٍ أخرى كمصر، ولكن أوباما ومنتقديه لا يختلفون كثيراً في القول إن الولايات المتحدة تتعامل مع مشاكلها الداخلية في إطار دولة القانون.

[شريط مسجل]

ماري كارف/ المتحدثة باسم وزارة الخارجية الأميركية: إن الناس أحرارٌ فيما يريدون قوله وهذه هي روعة حرية التعبير في أميركا، إن حرية التعبير هذه لم يتم ممارستها بالاحترام نفسه في مصر.

عبد الرحيم فقرا: ينضم إلى الآن من البيت الأبيض الزميل محمد العلمي، محمد عندما تتحدث إدارة أوباما عن دولة القانون في الولايات المتحدة ما مدى التشويش على تلك الصورة الّذي تشعر الإدارة أنه جاءها من أحداث فيرغسون مثلاً؟

محمد العلمي: عبد الرحيم على الرغم أن ما حدث في فيرغسون هو في نهاية المطاف شأن محلي تتكلف به البلدية المحلية أكثر من سلطات الحكومة الفدرالية الّتي يرأسها الرئيس باراك أوباما، لكن عموماً هناك ربما تعايش إلى حد الانفصام في الشخصية الأخلاقية للولايات المتحدة بين ما تفعله وما تدعو إليه خاصةً بعد الحادي عشر من سبتمبر من تجسس على المواطنين إلى ملاحقة مصادر الصحافة إلى استهداف مواطنين أميركيين بطائرات بدون طيار بدون إذنٍ قضائي إلى غوانتَانامو وأبو غريب والقائمة طويلة، مما يجعل التناقض عميق جداً فعلاً بين الدعوة الأخلاقية المجسدة في التقارير السنوية لوزارة الخارجية والممارسات العملية داخلياً وخارجياً، لكن ما حدث في فيرغسون ربما يأخذ بعداً أعمق بحكم أن الولايات المتحدة بالفعل تصالحت مع ماضيها العنصري بوصول رئيس أسود لكنها أخفقت سواءٌ على المستوى المحلي أو على المستوى الفدرالي، الشبّان السود يُقتلون بالعشرات سنوياً من طرف رجال الشرطة المحلية وكان من المفترض أن يكون هذا قد انتهى أو هذا الفصل قد طُوي مع وصول أول رئيس أسود لكن المفارقة أنه تعرض أيضا للانتقاد لردود فعله حتى الآن، أنتقد أن ردود فعله افتقدت إلى الروح إلى العاطفة أنه لم يزر أهل الضحية كما فعل مع قتلى بيض من قبل، أن ردود فعله كانت انتخاباوية سياسية حتى لا يُغضب الناخبين البيض في عام الانتخابات على الرغم أن كل استطلاعات الرأي العام تشير إلى أن الجمهوريين سيحتفظون بمجلس النواب وأن مجلس الشيوخ قد يفقد بغض النظر عن رد فعله.

القوة الناعمة الأميركية وأثرها على السلم الدولي

عبد الرحيم فقرا: محمد يعني إذا أمكن أن ننقل هذه الصورة إلى إطار مختلف لكن ذي صلة وهو موضوع غزّة، يعني عندما تتحدث إدارة الرئيس باراك أوباما عن دولة القانون وأنا أفهم ما قلته الآن إنما ما حجم المشكلة الّتي ترى إدارة أوباما أن دعمها الّذي ينظر عليه في بعض الأوساط العربية على أنه غير مشروط لنتنياهو، ما حجم التحدي الّذي يطرح ذلك بالنسبة للقوة الناعمة للولايات المتحدة في منطقة مشتعلة كمنطقة الشرق الأوسط؟

محمد العلمي: عبد الرحيم هنا أيضاً عبد الرحيم الرئيس باراك أوباما في نظر منتقديه أخلف وعداً مع التاريخ، البروفيسور كورنيل ويست وهو أُستاذ من أصول إفريقية في جامعة برنستون العريقة انتقد الرئيس باراك أوباما في الحالتين في حالة غزّة وفي حالة ولاية ميزوري واتهم رد فعله بالسياسوي الانتخابي وأن ما حدث في فيرغسون وما وصفه بارتكاب إسرائيل لجرائم حرب في غزّة لا يُعد تنفيذاً للقانون، الرئيس باراك أوباما في نظر منتقديه ركّن إلى الحل الأسهل في الحالتين هو محاولة مسك العصا من الوسط، لكن في غزّة ربما كان أكثر من ذلك حينما تبنى المواقف التقليدية الّتي هي كما في غزّة كما في فيرغسون هو شأن محلي، محاولة عدم إغضاب أصدقاء اليمين الإسرائيلي هنا في واشنطن سواءٌ من اليمين المسيحي أو اليهودي لكن المفارقة هو أن الرئيس باراك أوباما لديه قاعدة كما أشارت إلى ذلك استطلاعات الرأي العام أن الجيل الجديد الّذي دخل السياسة لأول مرة مصدقاً باراك أوباما بوعوده للتغيير أثبتت استطلاعات الرأي العام أنه يختلف عن الجيل الجديد أو الجيل القديم عفواً في تصديق الرواية الإسرائيلية الرسمية تصديقاً أعمى، أي أن الرئيس باراك أوباما إن كان باستطاعته أن يحدث قطيعةً مع سلوك أسلافه في هذا المجال كان سيجد مؤيدين من الأجنحة الليبرالية من اليهود ومن المسيحيين الأميركيين والعرب والمسلمين الأميركيين ولكن أيضاً من أغلبية الشبّان الّذين يريدون وآمنوا بالفعل أن تغييراً قادماً مع رئاسة باراك أوباما لكنهم أحبطوا كما أحبط السود الأميركيون أيضاً بعدما حدث في فيرغسون.

عبد الرحيم فقرا: محمد نهايةً الآن إذا نظرنا إلى التاريخ السياسي الأميركي تاريخ الإدارات، وأنت غطيت جزء غير بيسير منه نجد أنه في وقت من الأوقات عدد من الرؤساء الأميركيين واجهوا أزمات في الداخل وفي نفس الوقت أزمات في الخارج، جورج بوش مثلاً في العراق أيام كاترينا، أين تضع إدارة الرئيس باراك أوباما في هذا الطيف؟

محمد العلمي: هناك شبه إجماع على أن الرئيس باراك أوباما في موضعٍ لا يُحسد عليه، استطلاعات الرأي العام حتى إبريل الماضي وضعته كأسوأ رئيس للولايات المتحدة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية أي أن الرئيس الأسبق جورج بوش في وضعيةٍ أفضل وهو ما كان لا يتوقعه أحد تقريباً، هذا الأسبوع كان سيئاً أيضاً بالنسبة للرئيس باراك أوباما كما تعلم عبد الرحيم الصور تخلق انطباعات لدى الرأي العام، ما أنها رئاسة الرئيس جورج بوش في مثل الأسبوع عام 2005  حينما بدا بعيداً غير مكترثٍ بمصيبة السود مدينه نيوأورلينز في لويزيانا بعد كاترينا، الرئيس باراك أوباما ارتكب الخطأ نفسه في إجازته الأسبوع الماضي حينما ألقى خطاباً مؤثراً حول إعدام الصحفي الأميركي جيمس فولي في العراق وبعد ذلك انتقل مباشرةً للعب الغولف وتداولت وسائل الإعلام صور له وهو يبتسم، أيضاً ردود فعله حول الفتى الأسود الّذي قتلته الشرطة في فيرغسون اتُهم أنه لم يكن بروح لم تكن فيه عواطف، والرئيس باراك أوباما يبدو أنه لإنقاذ رئاسته حتى لا تلقى مصير رئاسة جورج بوش لأن عملياً رئاسة جورج بوش انتهت في مثل هذا الوقت في عام 2005 وصار بطةً عرجاء الرئيس باراك أوباما يواجه الخطر نفسه وبحاجة إلى شبه معجزة لإنقاذ رئاسته داخلياً وخارجياً، خارجياً طبعاً هناك من يحمله المسؤولية حتى من داخل حزبه، وزيرة الخارجية السابقة هيلاري كلينتون الّتي تحمله أن ما يحدث الآن في العراق وسوريا بسبب ما لم يتخذه من قرارات ومحلياً أيضاً يُحمّل ما لم يتخذه من قرارات وإجراءات للرفع من وضعية الأفارقة السود وإصلاح الهجرة بالنسبة للاتين والقائمة طويلة من المآخذ عليه وعلى رئاسته.

أوباما بين الداخل والخارج

عبد الرحيم فقرا: أتحول الآن إلى ضيوفي في الأستوديو وأبدأ بالدكتور عبد الله علي إبراهيم في ميزوري، دكتور عبد الله بالنسبة لما حصل في ميزوري في فيرغسون طبعاً نيران المواجهات خفت تتواصل الآن السجالات السياسية والقانونية حول ما حصل، أين ترى أنت تأثير ذلك على قدرة أوباما في التعامل مع هذا الوضع، الوضع الداخلي في نفس الوقت الّذي يواجه فيه تحديات في الخارج كما سمعنا قبل قليل؟

عبد الله إبراهيم: نعم، أهلاً بك، أنا في الحقيقة يعني أحب أنبه نوعاً ما إلى الفصل بين السياسة الداخلية لهذا البلد الولايات المتحدة والسياسة الخارجية، ويقال عندنا دائماً أنك لا تضيّق واسعاً ولكن في هذه الحالة أتمنى أن نضيّق الواسع، نحن نحمل الآن كل قضايانا غزّة ومصر وسوريا والعراق كلها إلى قضية، قضية فيرغسون وأنا أفتكر هذا نوع من الاكتظاظ ونوع من التفاقم، أتمنى أنه نعالج المسألة في حيزها وفي حيثياتها كإشكال لتوسع أو ضيق الديمُقراطية الليبرالية في الولايات المتحدة، عندنا مأزق قديم ما بين الخارجي والداخلي في الغرب، أضرب لك مثل الأستاذ المعروف توكفل جاء هنا في القرن الثامن عشر والتاسع عشر وكتب كتاباً عن الديمُقراطية الأميركية وهذا كتاب عمدة وكتاب مرجع وأشاد به ثم رجع إلى الجزائر وحرّض على استعمار الجزائر، نفس توكفل الّذي يميز الديمُقراطية الليبرالية في الولايات المتحدة هو من دعاة استعمار الجزائر.

عبد الرحيم فقرا: جاء من فرنسا طبعاً.

عبد الله إبراهيم: من فرنسا، فهذا يعني إذا وقفنا على التاريخ يعيننا على أن نصير واقعيين، وأنا دائماً بضرب مثل بأخينا الفلسطيني الّذي هو قيل له يعني لماذا صوّت للجمهوريين ومعروف عنهم عدائهم للعرب وللقضية الفلسطينية قال لهم أنا في أميركا جمهوري وفي الخارج أنا ديمُقراطي أو ما شئت.

عبد الرحيم فقرا: طيب دعني دكتور عبد الله لو سمحت لي دعني أُفصّل قليلاً في النقطة الّتي أثرتها، بأنه يجب الفصل بين الداخل والخارج مع ضيفي في الأستوديو علي يونس، ما رأيك في هذا الكلام؟

علي يونس: طبعاً أنا بالنسبة للفصل ما بين الداخل والخارج أتحدث عن السياسة الخارجية الأميركية، أتصور أنا اختلف قليلاً مع هذا الشأن أنه لا يجب أن نفصل ما بين الداخل والخارج هنا في أميركا معروف أن السياسة الخارجية الأميركية هي انعكاس للسياسة الداخلية، وأقصد هنا لا أتحدث عن فيرغسون ميزوري إنما نتحدث عن قضايا الشرق الأوسط عندما نريد أن نفهم كيف تتعامل الإدارة الأميركية أي إدارة أميركية مع الشرق الأوسط يجب أن نفهم ماذا يحدث في أميركا، يجب أن نفهم كيف أن السياسية الداخلية تتحرك، السياسة الأميركية هناك خطأ كبير أتصور في المجتمعات العربية وحتى عند القيادات العربية يروا أن الإدارة الأميركية أي إدارة أميركية عابرة للزمن، هي ثابت منذ عهد بوش إلى عهد أوباما إلى عهد أيزنهاور، رونالد ريغان وكأنها ثابتة عبر المكان والزمان هذا الكلام في تصوري غير صحيح كون أن كل إدارة أميركية لها إحداثياتها ولها مواقفها ولها انعكاساتها، هل هناك عبد الناصر أم ليس هناك عبد الناصر هل هناك السيسي هل هناك الملك أو رئيس كما حدث في غزّة لا يوجد هناك دعم عربي لغزّة قوي كما حدث في 2012 أو 2008  لا يوجد هناك ضغط عربي فبالتالي الإدارة الأميركية ذهبت على الملأ لتقول نحن مع إسرائيل بدون قيد أو شرط، إذاً وأيضاً هناك طبعاً بالإضافة إلى ذلك هناك دعم داخلي كبير لوجهة النظر الإسرائيلية ليس فقط من اليهود الأميركيين ولكن أيضاً من المسيحيين والمجتمع الأميركي بشكل عام هو يؤيد إسرائيل وهذا تقصير طبعاً عربي أو إسلامي، إذاً حتى نفهم كيف تتعامل هذه السياسة الخارجية الأميركية سواء في غزّة أو العراق يجب أن نفهم هذه السياسة الداخلية.

عبد الرحيم فقرا: عفواً، بناءاً عليه يعني هناك شيء في الطبيعة البشرية اسمه الإسقاط، يعني نقوم بربط أمور قد لا تكون بالضرورة مرتبطة بطبيعتها لكن نحن كبشر نرى فيها ارتباط، معناه أنه الناس في منطقة الشرق الأوسط خاصةً في غزّة عندما رأوا ما يحصل في فيرغسون برغم أن السياق مختلف كما يقول الدكتور عبد الله ربما اختلاف تام إلا أنهم رأوا في ذلك ترابط.

علي يونس: صحيح طبعاً كنت أقرأ في المجتمعات العربية عندما تكون هناك حرائق طبيعية في كاليفورنيا وتحدث كل عام في فصل معين في الصيف يقولوا هذا عقاب من الله سبحانه وتعالى، لكن هذا يحدث من قبل أن تكون أميركا دولة وقبل أن تكتشف أميركا، بالنسبة لما حدث في ميزوري طبعاً هذا حدث سابقاً في عهد كيندي، جيرالد فورد، رونالد ريغان، جورج بوش هناك في لويزيانا في 1992 أيضا في رودني كينغ تحدث الاضطرابات وهذه لها أسباب اجتماعية واقتصادية عند المجتمع الأميركي والأقلية السوداء وهي أقلية فقيرة بشكل عام بالرغم من أنها 12% من عدد سكان المجتمع الأميركي لكن التعليم عندها قليل جداً، الأمراض كبيرة جداً عندها، الفقر كبير، إذاً هذه الثورة السود كما تفضلت سابقاً عندهم مظلومية، تاريخياً مظلومين السود حقيقةً في المجتمع الأميركي لم يصبحوا أحراراً بالشكل الكامل إلا منذ 50 عاماً فهناك موروث تاريخي في العقل الجَمعي للأقلية السوداء هنا بأنهم مضطهدين من قبل البيض وهذا تراه في انعكاسات مستوى التعليم عندهم قليل، مستوى النجاح الاقتصادي قليل، الأمراض كبيرة، ليس عندهم نجاحات كبيرة بالرغم أن هناك وجود الرئيس باراك أوباما وهو من هذه الأقلية ولكن أوباما لم ينتخب بـ 12% السود أُنتخب من شرائح الأقليات الأخرى نتيجة التحول الديمُغرافي لأميركا، ومن هنا أنتخب أوباما وليس فقط على أرضية الأسود أو الأبيض.

شرق أوسطية فيرغسون

عبد الرحيم فقرا: طيب دكتور عبد الله أعود إليك يعني مسألة الإسقاط كما سبقت الإشارة هناك أناس في الشرق الأوسط رأوا ارتباط بين الوضع في الشرق الأوسط وما شاهدوه على شاشات التلفزيون في فيرغسون يعني عدا مسألة الإسقاط، كيف بتصورك أنت يجب فصل ما حصل في فيرغسون عمّا يحصل في العديد من مناطق الشرق الأوسط سواء في غزّة أو في العراق أو في ليبيا أو في غيرها من المناطق؟

عبد الله إبراهيم: ببساطة المسائل في السياسات الداخلية فيما يتعلق بنشأة ونمو ورعرعة الديمُقراطية في داخل الولايات المتحدة ظلت تُثار وتُحل في إطار النظام، يعني الولايات المتحدة في 1965 بعد حركة الحقوق المدنية وسّعت جداً من الحقوق المدنية للسود، حُلّت هذه المسألة ولم تحل قضية فيتنام ولم تحل القضية الفلسطينية ولم تحل القضية مع روسيا ولم تحل أي قضايا، أنا عندما قدمت مقدمتي هذه كنت أريد أن أشرح أن عامل التسبيب وطبعاً ما وجدت فرصة، الأخ كان يرد على المسألة في عمومها، المسألة الداخلية الأميركية مثل تطور الديمُقراطية وانتشارها واتساعها وشمولها لفئات لم تشملها من قبل هذه قضية نفهم منها أن الديمُقراطية ليست منتوجاً نهائياً وإنما هي عملية تستمر، ولو رجعت بي إلى تاريخ الصوت الأسود في أميركا كان أفظع، في القرن التاسع عشر كان يفرض عليهم دغنية، الدغنية هذه ضريبة على الرأس وإذا لم تدفع هذه الدغنية لا تصوت، كذلك كان في شرط القراءة والكتابة وهذه كلها الّتي أزالها قانون الحقوق المدنية في 1965، أنا باختصار أقول لك في قضايا تُحل في إطار السياسة الداخلية والبرنامجية والمؤسساتية الأميركية وهناك سياسات تُحل ربما في بعض هذه المؤسسات ولكن أغلبها في نوع النضال في نوع الاستعداد في نوع العزيمة الخارجية.

عبد الرحيم فقرا: دكتور خالد بريش في باريس كما سبقت الإشارة شوارع فرنسا تهتز بين الفينة والأُخرى في احتجاجات للجالية إما جالية الأبناء العرب من شمال إفريقيا أو السود من غرب إفريقيا، بأي أذن وبأي عين رأى هؤلاء ما حدث في فيرغسون وأُذكر إلى أن في نفس الوقت كانت قد خرجت مظاهرات احتجاج على الحرب الإسرائيلية على غزّة، إنما بالنسبة لفيرغسون بأي أذن وعين سمعوا ورأوا ما حصل في فيرغسون؟

خالد بريش: تقريباً بنفس العين الّتي رأى فيها الأميركان ما حدث في فرنسا في عام 2005، يومها صوّر الأميركان أن هناك حرائق تلتهم الأخضر واليابس في المجتمع الفرنسي، فكنا نرى على أجهزة الإعلام الأميركية وعبر الـMultimedia  من إنترنت وغيرها أن الأميركان يصورون كأن هناك فرنسا كلها تشتعل حتى أننا نتذكر تماماً أن الأميركان يومها طلبوا من الجاليات الأميركية الالتزام ببيوتهم ومغادرة باريس أيضاً إن أمكن لهم ذلك، نفس الطريقة الآن يعرضون المشكلة وكأن أميركا تشتعل وكأن أميركا تلتهب، طبعاً بنسبةٍ أقل لسببٍ بسيط أنه هناك تعاطف مع الحكم في أميركا وليس مع السود في أميركا، وها هنا لُب المشكلة نلاحظ ما عدا حتى لا نبخس الناس أشيائهم ما عدا مثلاً جريدة الـ "إيمانتيه" الّتي كانت متعاطفة جداً مع ما حدث في أميركا ويحدث، أمّا لو أخذت جريدة أو صحيفة كالو فيغارو أو صحيفةٍ أُخرى فإنك ترى أنها مع وجه النظر الحكومية أو مع وجهة النظر الـ System الأميركي نفسه، وها هنا مشكلة أيضاً على كل حال بالنسبة للمزاوجة بين ما حصل من مظاهرات من أجل فلسطين ونتج عنها شغب، هذا الشغب كان متوقعاً بعد تصريح رئيس الجمهورية الفرنسي الذي أعطى كرتاً أبيضاً للإسرائيليين كي يضربوا الفلسطينيين بصورة أو بأُخرى فكان هذا متوقعاً، ثانياً الناس هنا تقوم بأعمال الشغب في التظاهرات ليس عندما يكون هناك سبب وجيه أو بغير سبب، فمثلاً لو أخذنا من سنتين ما حصل بعد فوز فريق باريس في كرة القدم في الدوري حصل هناك تكسير وشغب إلى آخره، تخرج هنا أحياناً من السينما ممكن أن يحدث شغب، الشغب هو عملية خاصة بين الدولة وبين المواطن وبين المواطن الّذي هو من أصول أجنبية..

عبد الرحيم فقرا: طيب بناءاً عليه دكتور، دكتور خالد بناءاً عليه يعني بإيجاز لو سمحت نريد أن نذهب إلى استراحة، كيف ترى أنت بناءاً على ما قلته الآن الفرق بين الطريقة الّتي يتعامل بها المجتمع الأميركي مع مثل ما حصل في فيرغسون والطريقة الّتي يتعامل بها المجتمع الأوروبي والفرنسي تحديداً مع مثل هذه المظاهرات الّتي تتحدث عنها أنت؟

خالد بريش: الفرق بين الاثنين واضح لأن هنا في قضية تاريخية وهي قضية استعمار في أوروبا متأصلة وقضية مشاركة في حرب صليبية تعشعش وتعشش في الخلفية الفكرية للأوروبيين بينما في أميركا هي مختلفة تماماً القضية، القضية في أميركا قضية عبودية محضة ومن هذا المنطلق لا يمكن المقارنة بين الأمرين على الإطلاق.

عبد الرحيم فقرا: طيب لو سمحتم لي أريد أن آخذ استراحة قصيرة، عندما نعود من الاستراحة نواصل الحديث في مسألة فيرغسون ونتطرق ربما لكيف تعامل معها الإعلام الأميركي وأبعاد وتداعيات ذلك، استراحة قصيرة إذاً.

[فاصل إعلاني]

عبد الرحيم فقرا: أهلاً بكم في الجزء الثاني من هذه الحلقة من برنامج "من واشنطن"، مقالة ساخرة لموقع فوكس  الأميركي جاء فيها: يحذر مسؤولون صينيون وروس من احتمال حدوث أزمة إنسانية في ميزوري وفي جلسةٍ لمجلس الأمن الدولي لبحث الأزمة الأميركية قال سيرغي لافروف وزير الخارجية الروسي يجب استخدام جميع الوسائل المتاحة لدينا لإنهاء العنف واستعادة الهدوء إلى المنطقة، أما المجلس التشريعي في ولاية ميزوري وهو مجلس شورى تقليدي تسيطر عليه مجموعة من المعارضة ورغم أن التخوف من وقوع انقلاب عسكري ما زال منخفضاً نسبياً فلا يعرف أحدٌ ما سيكون عليه رد حلفاء حاكم الولاية نيكسون في حال استمرار الأزمة، أُرحب بضيوفي مجدداً، أبدأ بك علي يونس يعني هذه المفارقة الّتي تتحدث عنها المقالة، السخرية من إزاء ما حصل في فيرغسون، يعني كما تفضل الدكتور عبد الله هناك آلية للتعامل مع مثل هذه القضايا في المجتمع الأميركي قد لا توجد في مجتمعات تسخر مما حصل في فيرغسون، لكن في النهاية هل يشكل هذا مشكلة بالنسبة لقدرة الرئيس باراك أوباما على استخدام القوة الناعمة للولايات المتحدة في السياسة الخارجية.

علي يونس: طبعاً في البداية هناك كما تفضل الأستاذ محمد في المقدمة وتفضلت حضرتك عبد الرحيم، هناك فرق كبير بالتحدث عن الأشياء وكأنه الولايات المتحدة الأميركية فيما حدث في ميزوري هي قضية محلية، هي قضية المدينة والبلدية والمحافظة والقانون الأميركي يمنع بالدرجة الأولى الحكومة الفدرالية وخصوصاً الأميركي، هناك قانون يمنع تواجد الجيش الأميركي في المدن الأميركية "كابسي كامي تراس" باللاتيني وهذا طبعاً منذ انتهاء الحرب الأهلية في 1865 بسبب تدخل الجيش الأميركي، إذاً لا يستطيع الرئيس الأميركي إرسال الجيش ولكن يستطيع أن يعمل الحرس الوطني الّذي يتبع الولاية وحاكم الولاية أن يجعله فدرالياً له قوى بوليسية لحفظ النظام والأمن في الكوارث وفي أحداث الشغب هذا واحد، ثانياً بالنسبة إلى الدول الأخرى كالصين وروسيا لا أعتقد أن هناك مجالا للمقارنة طبعاً هذه دول لا يوجد فيها ديمُقراطية بالمفهوم الغربي للكلمة لا يوجد هناك حريات مدنية دول قمعية ودول دكتاتورية أو سلطوية على الأقل في سياستها الخارجية وأيضاً في سياستها الداخلية، والصين دولة ما زالت شيوعية لكن ضمن نظام رأسمالي اقتصادي، الولايات المتحدة الأميركية أيضاً في نفس الوقت عندما تحدثت وتفضلت عن القوة الناعمة لديها القوة الناعمة ولكن لتحفظ هذه القوة الناعمة يجب أن يكون لديها قوة خشنة وجيش قوي وقوة مسيطرة وجيش عابر للقارات وفي الفضاء وفي جميع أماكن العالم وقواعد في جميع أماكن العالم، إذاً لا تستطيع الإدارة الأميركية أن تتحدث بالقوة الناعمة دون أن يوجد لديها جيش يحمي هذه السياسة، إذن السياسة بالقوة الناعمة هي وجه آخر للقوة الخشنة كحرب أو غير الحرب.

عبد الرحيم فقرا: دكتور عبد الله في ميزوري عندما يتحدث المصريون باللهجة الّتي تحدثوا بها عن فيرغسون كما سمعنا في مطلع البرنامج، يتحدث الصينيون والروس كما سمعنا في الحقيقة وفي المقالة الساخرة، هل يمثل ذلك مشكلة بالنسبة لإدارة الرئيس باراك أوباما أم بالعكس أنه يمثل رصيد يجعل الأميركيين ينظرون إلى أحوالهم ويقارنوها بما يدور في بلدان كروسيا والصين ويصبح ذلك مبعث للسخرية لديهم هم على أمم أُخرى؟

عبد الله إبراهيم: والله أنا أفتكر يعني نحن كعرب وعندنا قضايا أحب أن نبعد من الشماتة في أميركا بسبب فيرغسون، هذه الشماتة السياسية ولا نتداولها لأنها يعني كلٌ يصفي حسابات ويحرز نقاط لا معنى لها، أنا أشدد أن الرئيس أوباما هو ليس كما تفضل الأخ من واشنطن يعني لا يملك سلطات كثيرة على مستوى الولاية، وهو الرئيس ليس البلسم النهائي الشافي وإذا حبينا أن ننظر إلى مسألة فيرغسون نحن ننظر إلى بُنى بنيان سياسية تاريخية تتحكم في هذه المسألة وحلولها ليست عند أوباما فقط عند الكونغرس عند الجمهرة الواسعة عند بؤر الضغط، الآن الّذي يناقش حقاً هو كيف سُلب السود مرةً أُخرى من إرادتهم الانتخابية وينشأ فرعي كامل جداً في المباحث القانونية اسمه العدالة الجنائية وكيف تتوزع في الولايات المتحدة وبدون إثقال بالأرقام اتضح فعلاً أنه العدالة الجنائية الانتقائية هي سبب من أسباب حرمان السود في مناطق كفيرغسون من أنهم تكون عندهم الإرادة الانتخابية يكون هم أغلبية في مكان ويكون الحكم عليهم من جماعة بيض أو غيرهم، هذه هي المسألة نحن يجب أن نستعيد شغفنا وذوقنا للديمُقراطية الليبرالية وكيف أنها تحلحل وتفكك مسائل شيئاً بعد شيء.

عبد الرحيم فقرا: طيب دكتور..

عبد الله إبراهيم: نحن لنا تراث كامل عبد الرحيم أعطيني فرصة.

عبد الرحيم فقرا: تفضل.

عبد الله إبراهيم: لدينا تاريخ كامل من كراهية الديمُقراطية الليبرالية، سواء كانت الحركات القومية والماركسية والاشتراكية، نحن لا ذوق لنا للديمُقراطية الليبرالية، لا صبر لنا عليها لا توقع منها نحن نريد الرئيس يتدخل، هذا ما أحتاجه هذا ما ألمسه، أين الرئيس؟ لا الرئيس هنا لا يلعب غير دور ثانوي تتحرك فيه مؤسسات والديمُقراطية الليبرالية أخذت بزمام نفسها في داخل الولايات المتحدة الأميركية، قرون كانت المرأة لا تصوت حتى 1919..

أميركا.. ديمقراطية النقائص المجتمعية

عبد الرحيم فقرا: طيب وصلت الفكرة، وصلت الفكرة دكتور، دكتور خالد في باريس يعني بالنسبة للعرب في أوروبا وفي فرنسا تحديداً عندما ينظرون إلى ما حصل في فيرغسون ويسمعون هذا الكلام الذي قاله الدكتور عبد الله هل ينظرون إلى الولايات المتحدة كما نظر إليها توكفيل الذي أشار إليه الدكتور عبد الله في بداية البرنامج على أساس أنها ديمقراطية تتطور وتتماشى مع عصرها بكل نقائصها أم أن هناك نوع من الشماتة والقول المجتمع الأميركي كالمجتمع الأوروبي غير قابل إلا للشرائح المحظوظة في المجتمع؟

خالد بريش: السؤال ذو شقين، الشق الأول هناك مجموعة كبيرة من الأجانب هنا عندهم نوع من الشماتة ضد الأميركان للأسباب السياسية المعروفة وهو مساندتها للعدو الصهيوني، في قسم آخر لا ينظرون إلى ذلك بشماتة بل ينظرون إليها كأنها مجتمع كبقية المجتمعات الأوروبية تماما لا تختلف عنها بمعنى أنها كلها كما يقولون هنا بُري بمعنى وسخة أو نتنة، اعتذر عن استخدام هذه الكلمة، ينظرون إليها أنها كلها في سلة واحدة وأن كلمة الديمقراطية ليست كلمة تؤدي معنى ما معنى ديمقراطية بلا إنسانية؟ وهذا مقال قرأته من  حوالي تقريبا أسبوعين فيما يخص موضوع غزه، لا يمكن بأي حال من الأحوال نزع صفة الإنسانية عن الديمقراطية كما يفعل البعض بنزع صفة الإنسانية من اللايسيته، فنحن لا بد أن يكون هناك الإنسان إنسان ديمقراطي كان غربي كان عربي كان، العلمانية من غير الإنسانية ما معناها تصبح لا معنى لها، أي فكرة سياسية بلا إنسانية لا معنى ولا أساس لها على الإطلاق، فالعرب هنا أو الأجانب هنا نظروا إلى ما يحدث في أميركا بعين أخرى غير العين التي نظر إليها العرب في بلادنا العربية، لأن هناك بعض العرب في بلادنا العربية نظروا إليها على أنها نهاية المجتمع الأميركي كما نقرأ على وسائل الاتصال الاجتماعي، أبدا هنا يعانون من نفس المشكلة تماما، فمثلا لو أخذنا ما حدث في أميركا هو حادث فردي يحصل هنا في كل يوم.

عبد الرحيم فقرا: علي، هل هذا فعلا حادث فردي يحصل في مناطق أخرى كل يوم؟ هل فردي هو في السياق الأميركي؟ يعني توالت الأحداث أحداث أن يقوم شرطي أبيض بقتل شخص أسود، لكن مع ذلك نرى أن هناك آليات للتعامل مع هذه المشكلة لا تهز بنية النظام السياسي والقضاء الأميركي.

علي يونس: هذا صحيح هذا يحدث كل يوم في أميركا على العموم، لكن أيضا حتى لا أنسى أن القصة هناك أيضا أن هناك سود يتظاهرون تم قتل ضحية شاب اسود من قبل رجل أبيض قد يكون رجل الشرطة قد يكون أسود في نفس الوقت ليس بالضرورة، ولكن الغائب عن الموضوع في الإعلام العربي أيضا أن الشرطي الأبيض أيضا لديه قصة، الشرطي يقول تم مهاجمته من قبل هذا الشاب الأسود وتم إيذائه من قبل هذا الشاب الأسود وما قام به هو الدفاع عن النفس، إذن لكل قصة لكل وجهة نظر هناك وجهة نظر مقابلة، الإعلام العربي لم يغطِ الوجهة نظر المقابلة وأخذها من قبل المجتمع الأسود ولديه مظلومية كما تفضلت سابقا هي مظلومية تاريخية، أيضا هناك كما تفضل الأستاذ عبد الله عندما تتحدث عن العدالة الاجتماعية أو العدالة الانتقائية تجد هناك نسبة كبيرة من السود هم بالسجن أو يتم مخالفتهم أو يتم عقابهم بشكل اكبر من البيض وهذا طبعا متأصل لها جذور تاريخية طبعا لا مجال للحديث عنها هنا ولكن الذي لا نستطيع أن نتصوره أن كل مظاهرة في أميركا سوف تنهار أميركا لن تنهار أميركا بسبب مظاهرة هذه قضايا بالدرجة الأولى قضايا اجتماعية وليس قضايا سياسية، ما يحدث في غزة وهنا أرى أن الخطأ في المقاربة المجتمع الفلسطيني سواء في غزة  أو بالضفة الغربية والشعب الفلسطيني لا يريد حقوق مدنية لا يريد مساواة مع الإسرائيليين الشعب الفلسطيني يريد استقلال، حماس ترى نفسها حركة تحرر وطني كما فتح كما كل المنظمات الفلسطينية وهذا فرق شاسع وكبير ما يحدث في أميركا وبما يحدث في غزة هي تدافع عن نفسها تريد أن تستقل وتريد التخلص من الاحتلال وتريد أن تبني دولة، المجتمع الأسود لا يريد أن يستقل ولا يريد أن يبني دولة يريد مساواة يريد عدالة اجتماعية.

عبد الرحيم فقرا: طيب على ذكر ذلك بالنسبة للبلاد يعني توقيت هذا الحدث في فيرغسون جاء في الوقت الذي يتولى فيه إدارة البلاد رئيس اسود هل يمثل ذلك عنصر إيجابي، هل يمثل عنصر سلبي أم انه لا إيجابي ولا سلبي بالنسبة للسود في الولايات المتحدة وبالنسبة للنظام السياسي الأميركي برمته؟

علي يونس: رمزيا هو عنصر إيجابي، الرمزية كبيرة أن للمرة الأولى في التاريخ الأميركي من أكثر من 200 عام أن يحصل رجل اسود على الرئاسة الأميركية طبعا مع التاريخ الأميركي منذ تأسيس الولايات الأميركية قبل 400 عام وجود المهاجرين ووصول العبيد إلى هنا كما يوصف في ذلك الوقت قانونيا رمزية كبيرة، ولكن أوباما لم ينتخب من قبل السود فقط هم 12% فقط ال12% لا يستطيعون أن يضعوا رجل اسود في سدة الرئاسة، عندما ترى قوة السود في أميركا 12% السود ليس لديهم ولا عضو في الكونغرس إلا عضو واحد هو الذي أتى من ساوث كارولينا هو رجل اسود تم تعينه من قبل حاكمة الولاية ليخلف رجل آخر أيضا بالنسبة لأعداد مجلس النواب قليل جدا، بينما ترى أن الجالية اليهودية الأميركية 1% من السكان لديهم 12 عضو بمجلس الشيوخ.

عبد الرحيم فقرا: إنما سؤالي هو هل وجود باراك أوباما على رأس هرم السلطة في الولايات المتحدة كرئيس اسود ما هي تأثيراته إيجابية أو سلبية بالنسبة لما حصل في فيرغسون وكيف تم التعامل مع ما حصل؟

علي يونس: هناك انتقادات، الرئيس باراك أوباما يضع نفسه في منطلق أنا رئيس لكل الأميركان بمختلف قومياتهم وإثنياتهم وألوانهم، فهو لا يستطيع أن يذهب إلى ولاية ميزوري وإلى فيرغسون ويقول أنا اسود منكم وأنا أريد أن أدافع عنكم ولكن هو بنفس الوقت يراعي مشاعر السود ويراعي مطالب السود ويعرف المظلومية التاريخية وهو قال عن نفسه أنا كشخص أسود عشت في هذا البلد وعندما ادخل متجر يراقبونني أيضا، ولكن أرسل المدعي العام وهو أيضا شخص اسود أيريك هولدر وهو وزير العدل إلى ميزوري ليطمئن ليس فقط أهالي  فيرغسون ولكن ليرسل رسالة إلى المجتمع الأميركي وخصوصا الجالية السوداء في أميركا بأنه نحن لا نتعامل مع هذا الحدث من منطلق أسود أو أبيض ولكن من منطلق العدالة ومن منطلق أنا رئيس لكل المجتمع الأميركي.

عبد الرحيم فقرا: دكتور عبد الله ما رأيك أنت في هذا الجانب، يعني كون الرئيس رئيس أسود يقول أنا رئيس لكل الأميركيين وليس للسود لكن عندما تتعرض أو تقع هذه الشريحة شريحة السود الأميركيين تحت الأضواء بسبب ما حصل في فيرغسون، هل هذا عنصر إيجابي بالنسبة لباراك أوباما أم انه يُعقد مهمته كرئيس؟

عبد الله إبراهيم: والله إحنا برضه يا عبد الرحيم رجعنا إلى مسألة وثن الرئاسة، نحن عشنا تحت الرؤساء ونظن أنهم يملكون القدرات الخارقة بالقوة ، أنا ما أفتكر أنه ما حدث في فيرغسون أو غيرها كان يتقصد الرئيس أوباما، هذا يخرج من بنية صلبة وضلت هذه البنية تؤثر وتأتي بأشياء والمجتمع البرلماني أو الليبرالية الديمقراطية أو سمها ما شئت تحتويها، هذا هو التاريخ إذا قرأنا هذا التاريخ، أما نحن في الحقيقة نحن أبناء نظم مستبدة ورؤساء مستبدين يغيروا أسماء المدن والقرى، النميري كان يغير اسم القرية  يدخل القرية يقول لهم هذه القرية اسمها إيه يقول لهم لا أنا سأغيرها وأديها اسم آخر، هذه يجب أن لا نحاسب أميركا بما ترعرعنا عليه من سلطان الحاكم، الحاجة الثانية يعني أميركا الآن عارفة ماذا تعمل في هذا الشأن، في الإعلام نيويورك تايمز قالت التحقيق لا يكفي  إنما يجب أن نتجه بشجاعة إلى مواجهة هذه المسالة كما واجهناها في 1965، فهذه يعني مدروسة والنظام يأخذ شأنه بنفسه بالضغط بمثل ما يجري في فيرغسون الآن بالتظاهر بالتحشيد، الرئيس قليل الحيلة جدا هنا، وأرجو أن نحن عندما نناقش هذه المسألة أن لا نأتي لها بنفاذ الصبر التاريخي لنا حول الديمقراطية الليبرالية، يجب أن نُعلي من شأنها ويجب أن نراها في فيرغسون ونحرص على أنها تعمل عملها وتستوعب هؤلاء المنبوذين المستبعدين من الدائرة الديمقراطية  لأن أي سجين في الولايات المتحدة وبينهم من السود كثير محروم من التصويت مثلا.

عبد الرحيم فقرا: دكتور خالد أمامنا تقريبا أقل من دقيقة بالنسبة لك.

خالد بريش: بالنسبة للدكتور عبد الله لا أجد أي تبرير لما قاله على الإطلاق لأنه الرئيس مطلوب منه أن يكون رئيسا لا أن يكون صورة في مكتب أو أن يكون صورة تخرج على التلفزة وأجهزة الإعلام.

عبد الرحيم فقرا: انتهى الوقت المخصص لهذا النقاش، يمكنكم التواصل معنا كالمعتاد عبر بريدنا الإلكتروني وفيسبوك وتويتر، شكرا لضيوفي في هذه الحلقة الدكتور عبد الله علي إبراهيم في ميزوري والدكتور خالد بريش في فرنسا وعلي يونس معي هنا في الأستوديو، إلى اللقاء.