عبد الرحيم فقرا
مويزيس نعيم
مسعود معلوف

عبد الرحيم فقرا: مشاهدينا في كل مكان أهلاً بكم جميعاً في حلقة جديدة من برنامج من واشنطن، حلًت هذا الشهر الذكرى الحادية والثلاثون لحرب جزر الفوكلاند أو المالفيناس كما يسميها الأرجنتينيون وبرغم المرارة التي خلفتها لديهم تلك الهزيمة على أيدي القوات البريطانية بدعم استخباراتي أميركي إلى أنهم يقرون بأنها أسهمت بصورة حاسمة في إنهاء دكتاتورية العسكر ليس في الأرجنتين وحسب بل كذلك في دول أخرى في المنطقة كالبرازيل وتشيلي وأفضت إلى تغييرات جوهرية فيها ، ضيفايّ في هذه الحلقة السفير اللبناني السابق لدى تشيلي مسعود معلوف والكاتب مويزيس أو موسى نعيم الذي ولد في ليبيا ونشأ في فنزويلا، صدر له كتاب جديد تحت عنوان: "نهاية القوة"، برغم من اعتراضات حكومة الرئيسة الأرجنتينية الحالية كريستينا فرنانديز دي كيرشنر على إجرائه وعلى نتائجه، أكد المشاركون في الاستفتاء على مستقبل جزر الفوكلاند قبل أسابيع رغبتهم في أن تظل الجزر تابعة لبريطانيا، وبينما أعربت إدارة الرئيس أوباما عن احترامها لتلك الرغبة إلى أنها أكدت أنّ مسألة السيادة البريطانية على الجزر يجب أن تخضع للتفاوض بين لندن وبوينس آيرس، راي والزر من مؤسسة (Heritage) يقول أنّ موقف الولايات المتحدة لم يتغير منذ عهد رونالد ريغان الذي وفر الدعم الاستخباراتي لمرغريت تاتشر خلال حرب الفوكلاند، لكن والزر يرى أنّ تعقيد الموقف الأميركي في مسألة السيادة على الجزر يعكس تعقيد علاقات واشنطن مع بوينس آيرس منذ أمد بعيد.

[شريط مسجل]

راي والزر/باحث في مؤسسة هيريتيج: علاقاتنا بالأرجنتين تخللها الكثير من المد والجزر، كانت علاقاتنا جيدة ومتينة مع الأرجنتين في الثمانينات والتسعينات، وفي التسعينات على سبيل المثال اعتبرت الولايات المتحدة الأرجنتين حليفاً رئيسياً غير عضو في حلف شمال الأطلسي، وقد كانت العلاقة واثقة جداً مع حكومة كارلوس منعم، ولكن ما حدث وتحديداً مع بداية الأزمة المالية مطلع القرن وعودة التيار البيروني  إلى الحكم من خلال رئاسة كيرشنر وزوجته شهدنا تباعد في العلاقة بين الولايات المتحدة والأرجنتين، وإذا وضعنا الأمر في إطار أعم ومع صعود البرازيل ومصالح الصين وآخرين أصبحت الولايات المتحدة في وضع تنافسي أكثر من ذي قبل في المنطقة، وقد رأينا أيضاً بعد موت الرئيس الفنزويلي هوغو تشافيز أثار حركته في صفوف اليسار في أميركا اللاتينية، لذا هناك العديد من القوى المتنافسة  في المنطقة اليوم أكثر ممّا كان عليه الوضع في عهد ريغان عندما كان الاصطفاف أيام الحرب الباردة بين الولايات المتحدة ومنافسيها الاتحاد السوفييتي وحليفه الكبير كوبا.

عبد الرحيم فقرا: ما هو تأثير حرب فوكلاند على الأنظمة العسكرية في أميركا اللاتينية وعلى علاقات المنطقة برمتها مع الولايات المتحدة على مر العقود الثلاثة الماضية، كذلك سننظر إلى التحولات التي شهدتها المنطقة في ظل بعض التشابهات بينها وبين المنطقة العربية؟

[تقرير مسجل]

عبد الرحيم فقرا: كل الطرق تؤدي إلى الأرجنتين أو على الأقل إلى حكم العسكر هناك، حكم يحيي الأرجنتينيون مرور حوالي ثلاثين عاماً على نهايته، قبل أسابيع أنتخب الأرجنتيني خورخي بيرغوغليو أو البابا فرانسيس على رأس الكنيسة الكاثوليكية التي يتهم بعض أفرادها في الأرجنتين بدعم حكم العسكر هناك وما تخلله من اغتيالات وعمليات اختفاء لا يزال التحقيق فيها متواصلاً حتى اليوم، وقبل أسابيع أيضاً صوت سكان جزر الفوكلاند التي يسميها الأرجنتينيون بالمالفينس لصالح الإبقاء على روابطهم مع التاج البريطاني بدل العودة إلى الوطن الأصل كما تصفه الحكومة الأرجنتينية وإذا كانت واشنطن قد دعمت لندن في الحرب ضد الأرجنتين عام 1982 فإنها اليوم تمسك بعصا الاستفتاء من الوسط.

[شريط مسجل]

فيكتوريا نولاند/ متحدثة باسم الخارجية الأميركية: لقد عبّر سكان الجزر بوضوح بالحفاظ على روابطهم مع المملكة المتحدة، وبالطبع نعترف من جانبنا بوجود مطالب أخرى، موقفنا الرسمي لم يتغير، نحن نعترف بالإدارة البريطانية الحالية للجزر ولكننا لم نتخذ موقفا إزاء الدعوات بالسيادة.

الأرجنتين ونهاية دكتاتورية العسكر بعد حرب الفوكلاند

عبد الرحيم فقرا: حلت هذا الشهر ذكرى حرب الفوكلاند، حرب قصيرة لم تتجاوز مدتها الشهرين ونصف الشهر على جزر قبالة الساحل الأرجنتيني يسكنها حوالي ثلاثة آلاف شخص، ولكنها حرب امتدت خيوط تأثيرها وربما لا تزال ليس إلى الأرجنتين وبريطانيا وحسب بل إلى المنطقة العربية أيضاً، في بوينس آيرس قابلت لويس مورينو أوكامبو الذي حقق مع الجنرالات العسكر الذين حكموا البلاد بالحديد والنار من 1976 إلى 1983 وقد اختفى آلاف الأرجنتينيين في عهدهم.

[شريط مسجل]

لويس مورينو أوكامبو/المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية: قرر الجنرالات دخول الحرب ضد المملكة المتحدة في جزر الفوكلاند وخسرنا تلك الحرب كان ذلك خطر جداً، الوضع الاقتصادي وحرب الفوكلاند شكلت نهاية النظام.

عبد الرحيم فقرا: فوز مارغريت تاتشر على الجنرالات الأرجنتينيين في حرب الفوكلاند حولها من رئيسة وزراء محبطة ومرهقة سياسياً في الداخل إلى زعيمة دولية بكل ما في الكلمة من معنى، كما كتب سايمون جينكز في صحيفة الغارديان البريطانية "لقد أنهت حرب الفوكلاند انحداراً في السياسة الخارجية البريطانية جاء في مرحلة ما بعد الإمبراطورية. وأصبح رؤساء الوزارات المتعاقبة من تاتشر إلى جون ميجور وتوني بلير وغوردون براون إلى ديفد كاميرون ينتحلون ألقاباً وصفات عالمية وباتوا مستعدين للدخول في صراعات أكبر من أحجامهم، بهذا المنطق تكون القوة التي استمدتها بريطانيا من فوزها في حرب الفوكلاند قد أسهمت في تغيير مسار التاريخ في المنطقة العربية، فقد وجد الرئيس الأميركي جورج بوش الأب حليفاً سياسياً وعسكرياً قوياً في خلف تاتشر جون ميجور خلال حرب تحرير الكويت، أمّا جورج بوش الابن فقد وجد في خلف ميجور توني بلير حليفاً وثيقاً ليس في غزو العراق والإطاحة بنظامه عام 2003 وحسب بل أيضاً في التسويق لتلك الحرب أميركياً وفي مناطق أخرى من العالم، في هذا المنطق أيضاً يكون رئيس الوزراء الحالي ديفد كاميرون قد استمد القوة البريطانية التي استخدمها لمساعدة الليبيين مثلاً في الإطاحة بنظام الزعيم السابق معمر القذافي من الزخم العالمي الذي استمدته بريطانيا من نصرها في حرب الفوكلاند بدعم استخباراتي حاسم من الولايات المتحدة التي تخلي رئيسها أنا ذاك رونالد ريغان عن حليف عسكري في الأرجنتين لصالح حليف ديمقراطي في لندن، وقد يقول الأرجنتينيون: "ربّ ضارة ً نافعة" فطعم الهزيمة العسكرية مُرّ ولكنه ربما ليس أكثر مرارةً من حكم العسكر خاصة في ظل ما ارتكبه من فظاعات هناك.

[نهاية التقرير]

عبد الرحيم فقرا: في هذه الحلقة نعيد جزءا من لقاء سابق مع لويس مورينو أوكامبو وقد ارتبط اسمه أوكامبو في السنوات الأخيرة بمحكمة الجنايات الدولية ودورها في السودان بعد أن كان قد حقق مع الجنرالات الأرجنتينيين الذين حكم على العديد منهم بالسجن.

[شريط مسجل]

لويس مورينو أوكامبو: كان بلدنا من البلدان الأولى في العالم الذي حاكم قادة ومنهم الرئيس لاقترافهم تلك المجازر، في السبعينيات لم يكن هناك من يتحدث عن العدالة أما الآن فإن أمراً كهذا يعتبر طبيعياً، وقد كانت محاكمة مبارك أمراً طبيعياً وقد توقع الناس محاكمة القذافي كان ذلك بعيداً عن التحقق في السبعينيات، كانت الأرجنتين هي الأولى في عام 1985 التي تقوم بذلك، وقد كنت نائباً للمدعي العام الذي لاحق قضائياً كبار الجنرالات في البلاد ومن بينهم ثلاثة رؤساء سابقين للجمهورية، وتمت محاكمتهم بتهم التخطيط للخطف والتعذيب وقتل البعض أيضاً.

عبد الرحيم فقرا: في عام 1976 عاد الجنرالات إلى السلطة في الأرجنتين، وفي عام 1983 انتهت الدكتاتورية العسكرية هناك ما الذي ساعد على تحقيق تلك النتيجة؟

لويس مورينو أوكامبو: قرر الجنرالات دخول الحرب ضد المملكة المتحدة في جزر الفوكلاند المالفيناس وقد خسرنا تلك الحرب، كان لذلك أهمية جوهرية، كان الوضع الاقتصادي وخسارة الحرب هما اللذين أديا إلى انهيار النظام، لكن المثير هو أنه في انتخابات عام 1993 ظهرت جميع المعلومات حول أعمال القتل التي وقعت أثناء حكم الدكتاتوريات، في الانتخابات كان النقاش يدور حول ما الذي سنقوم به؟ اقترح أحد المرشحين تجاهل الأمر، وافقت الدكتاتورية على ذلك العفو العام الذي تمنحه لنفسها، أما المرشح الآخر الذي كان مرشح الأقلية السيد ألفونسين اقترح أن نقوم بالتحقيق والملاحقة الجنائية، هنا في هذا المكان وفي هذا الشارع دعا ألفونسين إلى أول اجتماع حاشد شارك فيه مليون من البشر أتوا ليشهدوا عودة الديمقراطية وأنها تعني حكم القانون.

عبد الرحيم فقرا: ألفونسين هو أول رئيس يحكم بعد عودة الديمقراطية؟

لويس مورينو أوكامبو: نعم، كان ألفونسين هو أول رئيس في تلك الأيام كان واضحاً للأرجنتينيين أن القانون هو الموضوع الأساسي كان هو الفارق بين الموت والحياة، في لندن على سبيل المثال يمكن أن يكون القانون أكثر تفصيلا، الأمر هنا هو أنه الفارق بين الحياة والموت، وقد أيد الناس فكرة تطبيق القانون على الجنرالات، ثم قمنا بالمحاكمة ولاحقناهم جنائياً كان ذلك رائعاً.

عبد الرحيم فقرا: بطبيعة الحال في تلك الفترة كانت رحى الحرب الباردة تدور في العالم إلى أي مدى أثرت الحرب الباردة في السياسة الداخلية للأرجنتين التي أوصلت إلى نهاية حكم العسكر وبروز الديمقراطية؟

لويس مورينو أوكامبو: كان لها أثر كبير كانت الفكرة أنّ الجنرالات في أميركا اللاتينية سيسيطرون على الحركات الثورية وهكذا كانت أميركا تؤيدنا ولا شك في ذلك، هكذا عندما كانت الدكتاتورية الأرجنتينية تهاجم المواطنين كانت تحظى بالدعم في البداية والمشكلة هي أنّ الأرجنتين كانت..

عبد الرحيم فقرا: كانت واشنطن تدعم الدكتاتورية في الأرجنتين.

لويس مورينو أوكامبو: نعم، ولكن عندما وصل جيمي كارتر إلى الرئاسة تغيرت الأمور، لأنه كان يحاول استخدام مبادئ حقوق الإنسان ضد روسيا لكنه قال: يجب أن أثبت على هذا المبدأ وعلي أن أتعامل بنفس الطريقة مع الدكتاتورية الحليفة لواشنطن وتقوم بقتل شعبها، وهذا ما كان عليه الوضع في الأرجنتين وهكذا كان جيمي كارتر يدين الدكتاتورية في الأرجنتين وبقوة.

عبد الرحيم فقرا: هل تعتقد أن إدانات الرئيس كارتر قد أثرت على الجنرالات في الأرجنتين بطريقة أو بأخرى؟

لويس مورينو أوكامبو : نعم هذا صحيح وكانوا يمقتون كارتر عندما طلبنا شهادة الرئيس الأسبق في المحكمة وشهادة مساعدة الوزير قام الجنرالات ومحاميهم بمغادرة قاعة المحكمة، كانوا يمقتون كارتر حقاً كان ذلك مثيراً إذ أنّ كارتر كان يدين الضباط الأرجنتينيين رغم أنهم تلقوا تدريباتهم على أيدي الأميركيين، عندما وصل ريغان البيت الأبيض عام 1980 اختلف الوضع، ريغان كان يستخدم الأرجنتين ضد نيكاراغوا، كان طبيعياً أن تؤيد أميركا الدكتاتورية في الأرجنتين لكن في سنوات حكم كارتر الأربعة كان الوضع مختلفاً كان كارتر في مواجهة مع الدكتاتورية في الأرجنتين أنقذ حياة ألفي مواطن أرجنتيني على الأقل.

عبد الرحيم فقرا: بالنسبة للرئيس ريغان؟

لويس مورينو أوكامبو: فقط موضوع الحرب الباردة، كانت المشكلة أنه في السنوات الحرب الباردة لنقل فرض العدالة ممكناً لأنّ الوحيد الذي كان قادراً على ذلك جيمي كارتر لكن فترة حكمه كانت قصيرة وعاد ريغان وكان يستخدم القوات المسلحة في غواتيمالا ونيكاراغوا..

عبد الرحيم فقرا: ضد الساندينستا؟

لويس مورينو أوكامبو: وعندها قرر غالتيري جنرال ورئيس الأرجنتين  في حينه قرر غزو المدينة المالفيناس فوكلاند، عندها جن جنون ريغان هاتفه ريغان وإني أعلم ذلك حيث كنت المدعي العام في قضايا حرب المالفيناس، هاتف ريغان غالتيري قائلاً: "يا سيد غالتيري لا تقم بغزو جزر الفوكلاند إني أقول لك بأن المملكة المتحدة سترد عسكرياً سأؤيدهم في ذلك أرجو ألاّ تقدم على الغزو"، كان  ريغان واضحاً مع غالتيري، هكذا رأوا أنّ تلك الدكتاتوريات لا يعتمد عليها واعتقد أنّ ذلك من الأهمية بمكان لأني أرى تشابه الوضع مع الأحوال في العالم العربي، أميركا تؤيد الدكتاتوريين العرب وهكذا فإنّ الربيع العربي ليس تحدياً للزعماء العرب فحسب بل هو تحدٍ للزعامات العالمية علينا فهم ذلك جيداً.

عبد الرحيم فقرا: ما هو الدور الذي في تصورك لعبته الكنيسة الكاثوليكية في الأرجنتين في مساعدة العسكر ولكن أيضا في وضع حد لحكمهم؟

لويس مورينو أوكامبو: للكنيسة في الأرجنتين دور هام جداً، والأرجنتين بلاد كاثوليكية كبيرة الحجم من رجال الدين من كان يؤيد الجيش من كان يؤيد الثوار وآخرين يحاولون مساعدة الضحايا، هكذا كان رجال الكنيسة يؤيدون الأطراف المختلفة، لذا إن من الصعب الحكم على الأمور، ربما كانت الكنيسة في الأرجنتين أكثر تأييداً لما كانت عليه الكنيسة في تشيلي، كانت في تشيلي أكثر تأييداً للمعارضة، كانت الكنيسة في الأرجنتين أكثر تأييداً للجيش، وبالتالي كانت هناك فكرة أنهم يقاومون الشيوعية ولذلك كانوا يؤيدون الجيش.

عبد الرحيم فقرا: ولكن إذا كانت الكنيسة جزء لا يتجزأ من حياة الأرجنتينيين، هل يعني ذلك أنك قد كنت حذراً في ملاحقة الكنيسة الكاثوليكية وبعض أعضاء الكنيسة الكاثوليكية، وفي نفس الوقت كنت حذراً في أن لا تسيء إلى مشاعر الأرجنتينيين؟

لويس مورينو أوكامبو: أعتقد أن التحقيق أظهر دور الكنيسة، ويمكن للناس البحث في هذا الأمر لست بحاجة لإدانة أحد الأساقفة لتظهر أن كثيرين آخرين كانوا يؤيدون الدكتاتورية، لم يكن هناك تدخل في عملياتهم، كان عملي هو أن أظهر للقضاة أن الجنرال فيديلا أصدر تلك التعليمات إلى جنرالات آخرين، وكان مسيطرا عليهم لم يكن لدي أية معلومات بأن الكنيسة كانت لها دور في صناعة تلك القرارات، كانوا يؤيدون وكانوا يدعمون ذلك أخلاقياً وليس عملاتيا، وكمدع عام كان علي أن أركز على أولئك الذين اقترفوا الجرائم، أصدروا الأوامر للقيام بذلك أو قاموا بتنفيذ تلك الأوامر.

عبد الرحيم فقرا: لويس مورينو أكامبو متحدثا في بوينس آيرس في هذه الحلقة نعيد أيضا مقابلة سابقة عن المختطفين في الأرجنتين خلال حكم العسكر.

[شريط مسجل]

عبد الرحيم فقرا: أهمية هذا الموقع بالنسبة للتحول الديمقراطي في الأرجنتين هو أنه كان واحد من حوالي 500 معتقل كانت هذه المعتقلات منتشرة في أرجاء الأرجنتين، حوالي ثلاثين ألف شخص حسب تقارير حقوق الإنسان اختفوا خلال الحكم العسكري ما بين 1976 و1983 هذا الموقع كما تشاهدون يمتد على مسافة سبعة عشر هكتار معي الآن المنسقة منسقة العلاقات العامة في هذا الموقع  ليلي فيكتوريا، ليلي مرحباً بك أولاً في الجزيرة، ما أهمية هذا الموقع بالنسبة لك بالنسبة للتحول الديمقراطي الذي حصل في الأرجنتين؟

ليلي فيكتوريا: تسألني عن أهمية هذا المكان وعلاقته بمرحلة الانتقال إلى الديمقراطية حسناً دعني أقول لك إنّ هذا الموقع هو موقع رمزي إلى حد بعيد حول ما جرى، حيث العلاقة بما جرى في مرحلة أخيرة من تاريخ هذا البلد حيث كان القمع الذي تمارسه الدولة على المكافحين والنشطاء الشعبيين والذي كانت نتيجته موت واختفاء عشرات الآلاف منهم، كان هذا المكان أحد المحال الرئيسية الظاهرة والمعروفة جيداً نظراً لموقعها الجغرافي والذي عرفه الناس أثرت أحداث تعيد الرعب إلى الأذهان وتزرعه أيضاً، إنّ استعادة هذا الموقع وعلى مدى سنوات كان مطلباً للمجتمع كله وكان من بين أيضاً مطالب منظمات حقوق الإنسان، وأخيراً في عام 2003 قرر الرئيس كيرشنر بالتعاون مع أمانة العاصمة بوينس آيرس تحويل هذا الموقع إلى شيء آخر كي يكون متفقاً ومتفقاً مع الديمقراطية

عبد الرحيم فقرا: هذا البيت كان يسكن فيه ضباط وكان فيه كذلك معتقلون ومعتقلات، من بين المعتقلات كانت هناك حوامل، لكِ أنت قصة شخصية مع هذا البيت كنت معتقلة في هذا البيت، حدثينا أولاً عما شاهدته خلال فترة اعتقالك في هذا البيت؟

ليلي فيكتوريا: فيما يخص نعم لقد جرى اعتقال الكثير هنا ولمدة طويلة، كانت الاعتقالات غير قانونية، وكان من بين المعتقلين نساء حوامل سجينات ضمن هذه المجموعة أو تلك، لقد استخدموا هذا الموقع كموقع للإبادة الجماعية أو كمحطة في الطريق إلى الإبادة، كان الذين يسجنون هنا ينقلون إلى أماكن أخرى حيث يلقون من الطائرات أو يجري القضاء عليهم بطرق أخرى، وكانت النساء تضع أبنائهن هنا وبعد أسبوع أو عشرة أيام يفرقون بين الأم وابنها، وكانت النساء تلاقي مصير الآخرين من الذين اعتقلوا ولم يعرف مصيرهم بمعنى أنه قد جرى قتلهم، أمّا الأولاد فالغالبية العظمى منهم وإلى حد ما أغلبهم كان الذين يمارسون القمع يستولون عليهم، يستولون عليهم شخصياً أو يعطوهم إلى عائلات أخرى، كان هذا من أقصى ما حدث في هذا المكان، وقد حدث ذلك بالفعل، لم نكن دوماً بالعلم بما كان يجري هنا، وكان يداخلنا شعور بحدوثه أو كنا نعرفه بالحدس، وما زال الناس إلى اليوم يبحثون عن أبناء الذين اختفوا وفي أماكن أخرى يتم استعادة بعض أولئك الأبناء الذين ترعرعوا في عائلات أخرى وبحسن نية أمّا أغلبهم فلم يكن هذا نصيبهم.

عبد الرحيم فقرا: ليلي فيكتوريا في العاصمة الأرجنتينية بوينس آيرس، بعد الاستراحة أميركا اللاتينية وقضية الفوكلاند أو المالفيناس بين حكم العسكر في ثمانينات القرن الماضي وحكم كريستينا كيرشنر اليوم مع ضيفي السفير مسعود معلوف والكاتب مويزيس نعيم.

[فاصل إعلاني]

عبد الرحيم فقرا: أهلاً بكم جميعاً مرة أخرى في هذه الحلقة من برنامج من واشنطن ومعي فيها السفير اللبناني السابق لدى تشيلي مسعود معلوف والكاتب موسى نعيم الذي ولد في ليبيا ونشأ في فنزويلا، نعيم كاتب أعمدة صدر له كتاب تحت عنوان: "نهاية القوة" كما أنه كان وزير سابق في فنزويلا مرحباً بكما، عندما قرر الجنرال الأرجنتيني غالتيري إرسال قواته لإنهاء ما يصفه الأرجنتينيون باستعمار بريطانيا من جزر المالفيناس من الاستعمار البريطاني وصفت مارغريت تاتشر ذلك الإجراء بالغزو السافر لجزر تعتبرها بريطانية وتسميها بالفوكلاند، ما هو مؤكد هو أنّ كلا البلدين كان يعانيان من أزمة اقتصادية وسياسية داخلية خانقة فما دلالة الدعوة التي وجهتها الرئيسة الحالية كريستينا كيرشنر إلى بريطانيا بالتخلي عن الجزر بعض مضي ثلاثة عقود على الحرب بين البلدين، سيكون هذا أحد المحاور التي سنناقشها، أبدأ بك موسى نعيم يعني عودة إلى المنطق الذي استخدمناه في مطلع البرنامج ونسمع من العديد من الناس بأنّ القوة البريطانية حتى في الوقت الراهن مستمدة من فوزها في حرب الفوكلاند  إلى أي مدى يصح هذا المنطق بتصورك؟

مويزيس نعيم: نعم أوافق، لقد غيّر قرار بريطانيا بالتصدي لمحاولة الأرجنتين استعادة الجزر من وضعها في العالم وأعطاها بعداً مختلفاً لكن من المهم أن نعي أنّ قرار الأرجنتين لم يكن مدفوعاً بحسابات دولية ولم يكن خطوة جيوسياسية كان قراراً اتخذه دكتاتور ضعيف هو الجنرال غالتيري كان يواجه وضعاً داخلياً صعباً ورأى أنّ السبيل الوحيد لتشتيت انتباه البلاد هو توحيدها حول هدف وطني يتمثل بالدفاع عن أراض كانت للأرجنتين وذلك من خلال غزو جزر الفوكلاند وكان يعتقد أيضاً كما جاء في تقريركم بأنّ  بأن تاتشر كانت ضعيفة وتحكم بلاداً يفصلها المحيط الأطلسي عن الأرجنتين وأنها لن ترد  كانت هذه خطة ومؤامرته وقد فشل في ذلك.

عبد الرحيم فقرا: هل يعيد التاريخ نفسه الآن مع كريستينا كيرشنر تصف الوجود البريطاني في الفوكلاند بالاستعمار، تريد تصفية ذلك الاستعمار الوضع في بريطانيا مختلف لكن هل الوضع في الأرجنتين مختلف؟

مويزيس نعيم: الوضع مختلف، كريستينا كيرشنر لن تغزو جزر الفوكلاند ولم تدخل في مواجهة عسكرية مع بريطانيا لكن الأساليب متشابهة، هذا البلد وبرغم تمتعه بالمصادر الطبيعية والزراعة وقد كان يوما من البلدان المتقدمة إلا أنه عانى انحداراً شديداً، توجه كرسينا كيرشنر وضعاً صعباً للغاية في الداخل وتضخماً اقتصادياً يعد من أعلى نسب التضخم في أميركا اللاتينية، الوضع الاقتصادي سيء وتواجه كيرشنر انتقادات كثيرة خصوصاً جراء محاولتها تقييد الحريات الصحفية فهي تعمل على مهاجمة وسائل الإعلام المستقلة لذا فإن ملف الجزر طريقة مناسبة لتشتيت الرأي العام عن المشاكل الداخلية إلى قضايا قديمة وهي مطالبة بجزر الفوكلاند.

عبد الرحيم فقرا: السفير معلوف أنت خدمت في تشيلي في تسعينات القرن الماضي سفير للبنان، طبعاً في هذه الفترة التي نتحدث عنها فترة حكم العسكر في أميركا اللاتينية كانت هناك تحالفات بين هذه الأنظمة، كان هناك تحالف معروف بين العسكر في الأرجنتين، العسكر في البرازيل والعسكر في تشيلي، هل تعتقد أن هزيمة الأرجنتينيين في المالفيناس قد أسهمت في إقامة أنظمة ديمقراطية ليس فقط في الأرجنتين، ولكن في بقية ربوع أو على الأقل في العديد من بلدان أميركا اللاتينية الأخرى؟

مسعود معلوف: صحيح أن هنالك كثير من التحالفات تقع بين الدكتاتوريات وإنما بين تشيلي والأرجنتين فإن الدكتاتوريين بينوشيه في تشيلي وغالتيري في الأرجنتين لم يكونا متحالفان إطلاقاً بل كانا على عداء قوي فيما بينهما لدرجة أن البلدين كانا على شفير الحرب ويعتقد البعض، يعتقد البعض أن حرب المالوين أتت وكأنها بديلاً للحرب بين الأرجنتين وتشيلي على الأرض في جنوب تشيلي وهذا كما قال الأخ الدكتور الأستاذ نعيم أن الدكتاتور عندما يشعر بأنه ضعيف في بلده يسعى إلى خلق عدو خارجي لتوحيد الشعب حوله سواء أكان ضعفاً اقتصادياً أو ضعفاً سياسياً أو ضعفاً بأي موقع كان فإنه يسعى إلى خلق عدو خارجي وهذه قاعدة نعرفها بالتاريخ منذ القدم.

الوضع الاقتصادي لأميركا اللاتينية بعد حكم العسكر

عبد الرحيم فقرا: إنما إذا كان حكم العسكر قد انتهى في الأرجنتين وكما سبقت الإشارة من قبل نعيم يعني في ذلك الوقت كان الوضع الاقتصادي سيء هل يمكن القول بأن الأوضاع في معظم الدول في أميركا اللاتينية التي تعرف الآن حكم مدني خلاف الحكم العسكري، الأوضاع الاقتصادية أحسن مما كانت عليه ربما في البرازيل لكن ليس في الأرجنتين؟

مسعود معلوف: عدد من الدول تحسن وضعها بعد انتقالها من الحكم الدكتاتوري إلى الديمقراطية وإنما هناك بعض الدول كان وضعها ممتاز اقتصادياً أثناء الديمقراطية حكم بينوشيه..

عبد الرحيم فقرا: الديكتاتورية.

مسعود معلوف: أثناء الديكتاتورية عفواً، حكم بينوشيه مثلاً كان حكماً ظالماً وقتل أو أخفى أكثر من ثلاثة آلاف شخص "ديس براسيدوس" مثل الأرجنتين ثلاثين ألف، أما في تشيلي حوالي ثلاث آلاف وإنما الوضع الاقتصادي كان اقتصاداً ناجحاً في أيام ما قبل بينوشيه كان الاقتصاد ضعيفاً هشاً كان الناس ينتظرون أمام الأفران ساعاتٍ للحصول على ربطة خبزٍ أو على بيض أو على شيء، وكان هناك تقنينٌ للمواد الغذائية وعندما جاء بينوشيه فتح البلاد إنني لا أدافع عنه ولا أقول أنه كان أفضل من غيره طبعاً ولكن لكي لا نقارن دائماً بين الديمقراطية التي تأتي بنا بالخيرات الاقتصادية والدكتاتورية التي لها سيئات اقتصادية.

عبد الرحيم فقرا: نعيم؛ أنت في كتابك في "نهاية القوة" تقول من ضمن ما تقوله: " في أميركا اللاتينية على سبيل المثال ورغم الفقر الدائم وعدم المساواة واستمرار الفساد والفضائح فإن استطلاعات الرأي العام تُظهر ثقة أعلى في الحكومات المدنية من الجيش"، يعني هذا الكلام الذي نسمعه في تشيلي كان الوضع الاقتصادي أحسن أيام الحكم العسكري كيف يتوافق ذلك مع الاستنتاجات التي خلصت إليها في كتابك؟

مويزيس نعيم: من أهم ما يحدث في أميركا اللاتينية والعالم في هذا العقد هو توسع الطبقة الوسطى أشخاص انتشلوا من براثن الفقر وباتوا يشكلون مجتمعا استهلاكيا جديدا أشخاص كانوا يعيشون في الماضي على الكفاف أما اليوم فلديهم خيار الاستهلاك وتوجد هذه الظاهرة في أميركا اللاتينية بشكل كبير، تجد اليوم بأميركا اللاتينية أن عدد الطبقة الوسطى مساو لعدد الفقراء وذلك في قارة كان الفقر منتشرا فيها على نطاق واسع، ولدى حدوث ذلك فإن الطبقة الوسطى التي حصلت على تلك الفرص وعلى التطور المادي وهي محقة بذلك تبدأ بالمطالبة بالمزيد، فقط وجود جامعة بل تطالب بتعليم جامعي جيد ولم يعد كافيا لها أن يوجد مستشفى بل تريد مستشفى يقدم عناية طبية جيدة وعندما لا يحدث ذلك يخلق ذلك ردود الفعل التي نراها اليوم.

عبد الرحيم فقرا: إنما كما سبقت الإشارة يعني الوضع الاقتصادي في البرازيل وهي دكتاتورية عسكرية سابقا طبعا معروف أن البرازيل حققت معدلات من النمو ومن إنهاء الفقر الأرجنتين ربما لم ترق إلى ذلك حتى في ظل الحكم المدنيين وعلى رأسهم كريستينا كيرشنر مع ذلك نسمع في كلام كيرشنر أصداء لما كنا نسمعه من العسكر في الأرجنتين؟

مويزيس نعيم: تماما وما يحدث كما قال السفير معلوف عندما تواجه الدكتاتورية والأنظمة المتسلطة بردود فعل شعبية وتتأثر شعبيتها ويتضاءل الدعم الشعبي لها وتصبح أكثر ضعفا تبدأ بالبحث عن أعداء في الخارج وقد حدث ذلك في البرازيل في الماضي كما أشرت أنت، لقد حققت البرازيل نموا اقتصاديا أدى إلى توترات كثيرة وادي إلى إعطال في التركيبة الاجتماعية وفي التركيبة الاقتصادية والسياسية أيضا.

عبد الرحيم فقرا: إنما كيف نفسر هذا الفرق بين الأرجنتين والبرازيل كان الدكتاتورية في كلا البلدين مع ذلك المسار اختلف اقتصاديا بين البرازيل والأرجنتين؟

مويزيس نعيم: الفوارق تعود إلى حقيقة مفادها بأن الدكتاتورية البرازيلية لم تكن قوية أو قمعية جدا، ولم يكن عدد الذين قتلوا أو عذبوا كبيرا كما كان الحال بالأرجنتين ثم أن عسكر الأرجنتين اقترفوا أخطاء اقتصادية قاتلة، أما المجموعة العسكرية الحاكمة في البرازيل اتبعت عندئذ خططا اقتصادية أفضل، أما في الأرجنتين فقد اتبعوا سياسات خاطئة جدا أسفرت عن تضخم اقتصادي كبير وزيادة في درجات عدم المساواة والفقر وقد كانت البرازيل وضعا متشابها لكنه لم يصل إلى ما كان عليه الأمر في الأرجنتين أما في تشيلي فقد كانت الأوضاع أفضل منها في البلدان الأخرى.

عبد الرحيم فقرا: السفير معلوف هل ما سمعته حتى الآن عن الفرق بين الأرجنتين والبرازيل تحديدا في المجال الاقتصادي يتسق مع ما لاحظته أنت عندما كنت سفير في أميركا اللاتينية؟

مسعود معلوف: طبعا عندما كنت أقول أيام الدكتاتورية في تشيلي كانت أفضل مما كانت في السابق لنتذكر أن قبل الرئيس بينوشيه تشيلي كان هنالك الحكم الشيوعي الهندي الذي وصل بالانتخاب وعندما جاء بينوشيه فتح البلاد على الاقتصاد وسمح بالاستيراد وحسن الأوضاع ولكن تحسنت الأوضاع أكثر وأكثر اقتصاديا بعد انتهاء حكم الدكتاتور وعندما انتقلت البلاد من نظام الدكتاتورية إلى نظام الديمقراطية وكما قال السيد أوكامبو كما سمعنا سابقا الديمقراطية هي القانون وعندما تطبق القانون في البلاد تتحسن  أوضاع الناس بصورة عامة.

علاقة الولايات المتحدة بدول أميركا اللاتينية

عبد الرحيم فقرا: طيب ما دمنا نتحدث هنا في العاصمة الأميركية واشنطن يعني الولايات المتحدة في تلك الفترة كان لها حلفاء من العسكر في أميركا اللاتينية كان وضعها ربما هناك من يصف وضعها في ذلك الوقت اقوي مما هو الآن أصبحت تواجه منافسة اكبر اقتصادية مثلا من دول كالبرازيل، هل الولايات المتحدة حظها أسوء الآن خلال حكم المدنيين في المنطقة مما كان عليه أيام الدكتاتوريات العسكرية هناك؟

مسعود معلوف: سؤال جيد جدا جدا ومهم جدا إذا نظرنا الآن إلى وضع الحكومات في بلاد أميركا اللاتينية نجد أن هناك فقط خمس دول من أميركا اللاتينية متحالفة إلى حد ما أو متعاونة مع الولايات المتحدة وهي تشيلي وبيرو وبنما والمكسيك ولا اذكر دولة أخرى وكولومبيا، ومعظم بقية الدول إما في حالة عداء مع أميركا أو في حالة غير صداقة فالجواب بسيط لسؤالك هو ربما تكون أميركا في حالة ليست أفضل مما كانت عليه في تعاونها مع الدكتاتوريات ولكن ذلك لا يعني أنها في حالة عداء مع أميركا اللاتينية وهي الآن تسعى إلى انفتاح اكبر واكبر مع معظم دول أميركا اللاتينية.

عبد الرحيم فقرا: نعيم، هل يمكن القول إن الديمقراطية في أميركا اللاتينية قد تسببت لمتاعب للولايات المتحدة هناك أم أن أسباب تراجع  النفوذ الأميركي في المنطقة ليست له علاقة بالديمقراطية أو العسكر، له أسباب أخرى؟

مويزيس نعيم: في حقيقة الأمر أميركا اللاتينية ليست ذات أهمية كبيرة بالنسبة للولايات المتحدة بالنسبة لصناع القرار في واشنطن حول السياسة الخارجية وعندما ينظرون إلى العالم لا يجدون في أميركا اللاتينية تهديدا، فهي خالية من الأسلحة النووية لا يوجد فيها خطر عمليات  انتحارية إرهابية وليس فيها من يريد مهاجمة الولايات المتحدة إن اغلب بلدانها بما فيها البرازيل التي امتازت علاقتها مع الولايات المتحدة ببعض من التوتر تربطها اليوم بالولايات المتحدة علاقات وثيقة حتى على الصعيد الاقتصادي، حتى أعداء الولايات المتحدة كفنزويلا تربطها علاقات متينة بالولايات المتحدة، أن الولايات المتحدة من أفضل زبائن النفط البرازيلي، نعم تسمع أحيانا في أميركا اللاتينية بعض الخطب التي تدين الولايات المتحدة لكن الواقع الاقتصادي والروابط من الجانبين وعلاقات القطاع الخاص والاستيراد والتصدير والاستثمارات وثيقة جدا، والحقيقة أن في واشنطن الآن حكومة مشتتة الذهن فهي قلقة إزاء إيران وكوريا الشمالية وروسيا والأزمة الاقتصادية الأوروبية، عندما تنظر إلى جميع تلك القضايا لا ترتق أميركا اللاتينية إلى سلم أولويات الولايات المتحدة ولذا لا يصح القول أن الديمقراطية كانت تسبب مشكلة بالنسبة للولايات المتحدة.

عبد الرحيم فقرا: عطفا عليه كنا في السابق نسمع بعض الأصوات مثلا واحد من تلك الأصوات الرئيس المكسيكي السابق فينست فوكس كان يقول بصريح العبارة: "إن الولايات المتحدة قد ارتكبت خطأ بغزوها للعراق لأنها أصبحت منهمكة بالملف العراقي وبالتالي تخلت عن مسؤولياتها وعن نفوذها في أميركا اللاتينية"، ما رأيك؟

مويزيس نعيم: بالتأكيد لم يكن للرئيس المكسيكي الأسبق وحده ورئيس تشيلي وعددا من الرؤساء الآخرين أبرزهم تشافيز، جميعهم كانوا ضد غزو العراق وهذه حقيقة لكن هذا لم يكن العامل المحدد لعلاقة أميركا اللاتينية بالولايات المتحدة، هناك عوامل أخرى ونحن نشهد حضورا متزايدا لإيران في أميركا اللاتينية، وهذا حضور جديد خاصة في الأرجنتين يجب أن لا ننسى أن التحقيقات التي أجريت في الأرجنتين وكان هناك محاكمة أيضا قد توصلت إلى أن إيرانيين نفذوا تفجيرات في الأرجنتين أوقعت ضحايا، وبعض من وجهت لهم التهم يشغلون مناصب في الحكومة الإيرانية الآن، ورغم ذلك سعت الرئيسة كريستينا فرنانديز كيرشنر مؤخرا إلى تقارب جديد مع إيران لذا هناك الكثير من الأمور أكثر دقة لتوصيف العلاقة العامة بين الولايات المتحدة وأميركا اللاتينية أو أميركا اللاتينية والعالم .

عبد الرحيم فقرا: السفير معلوف يعني بصرف النظر هناك من سيتفق مع ما قاله موسى الآن خاصة بالنسبة للدور الإيراني في أميركا اللاتينية بصرف النظر عمن سيتفق وسيختلف هناك بعض الأصوات في أميركا اللاتينية هوغو شافيز الذي رحل في الفترة الأخيرة كان أحد تلك الأصوات يريد أن يمثل قوة لليسار في أميركا، وجد أصداء له في الأرجنتين مثلا، إلى أين بتصورك تذهب أميركا اللاتينية في غياب شخص مثل هوغو شافيز الآن؟

مسعود معلوف: أولا اسمح لي أن أؤيد ما تفضل به الأستاذ نعيم من حيث أن أميركا اللاتينية ليست من أولى أهميات الولايات المتحدة فهي الحديقة الخلفية للولايات المتحدة وسواء كان هنالك حكومات مؤيدة للولايات المتحدة أو غير مؤيدة لها فأميركا ليست هذه من أولوياتها وحتى عندما كان الرئيس هوغو تشافيز رحمه الله يقف موقف العداء ضد أميركا لم يكن ذلك يشكل عبئا كبيرا على الولايات المتحدة أو خطرا أو أي شيء عليها، فأميركا اللاتينية الناتج القومي تبعها يعني لا يكاد يصل إلى نصف الناتج المحلي الأميركي جميع دول أميركا اللاتينية مجتمعة لا تعادل نصف الاقتصاد الأميركي إجمالا بالناتج القومي تبعها، لذلك ليس من الأهمية بمكان بالنسبة للولايات المتحدة أن تكون لها هذه العلاقات الوثيقة القوية مع أميركا اللاتينية بصورة عامة خاصة في الظروف الحالية حيث نجد عندها أولويات عالمية اكبر من ذلك بكثير وقد عبر عنها الرئيس أوباما أولا بزيارته إلى منطقة الشرق الأوسط والآن في الوضع مع كوريا الشمالية وبأمور أخرى كثيرة .

نفوذ أميركا بعد تشافيز

عبد الرحيم فقرا: أنت تقول هوغو تشافيز رحمه الله طبعا الأميركيون سيستخدمون عبارة أخرى إلى أين يتجه نفوذ الولايات المتحدة في أميركا اللاتينية بعد هوغو تشافيز باعتقادك؟

مسعود معلوف: هوغو تشافيز ذهب ولكن تشافيز لم يذهب ما زالت فكرة هوغو تشافيز ونشاطه، وكان له كاريزما قوية وبفضله حصلت تغييرات كثيرة سواء في بوليفيا أو في الإكوادور أو في دول أخرى التي هي أصبحت شبه حليفة لهوغو تشافيز، ماذا سيحصل بعد أن غاب هوغو تشافيز عن الساحة؟ وأقول- رحمه الله- لأنني أترحم على كل من يغادر هذه الدنيا، بعد غيابه طبعا سنرى ماذا سيفعل الرئيس الخلف؟ من سيكون الرئيس الذي سيكون خلفه؟ وماذا ستكون قوته؟ وهل سيكون عنده الكاريزما؟ وهل سينجح الرئيس مادورو حاليا الذي هو أم سينجح خصمه في الانتخابات ومن هذا المنطلق سنرى تحركات جديدة في أميركا اللاتينية ولكن لا أعتقد أن هنالك سيحصل في القريب العاجل في المستقبل القريب العاجل تغييرات جذرية باستثناء عندما ستحصل انتخابات في بعض الدول الأميركية وماذا سينتج عنها ويبقى الواقع الاقتصادي في كل دولة هو الأساس لتحديد من سيتولى الحكم فيها.

عبد الرحيم فقرا: قبل أن أتحول مرة أخرى إلى نعيم يعني نعيم في كتابه "نهاية القوة" يقدم لنا هذا الرسم البياني، وفي هذا الرسم البياني يعرض نسبة الأنظمة الديمقراطية في العالم ما بين 1972و 2008 هناك ارتفاع ملحوظ لهذه النسبة هل نموذج كالنموذج الفنزويلي بتصورك يتسق مع هذه الاستنتاجات هل يتسق مع ما سمعناه في بداية البرنامج بأن الضربة التي وجهت لنظام العسكر في الأرجنتين وجهت لنظام العسكر والدكتاتوريات في أميركا اللاتينية برمتها بتصورك؟

مسعود معلوف: لا شك أن خسارة حرب المالفيناس أو حرب الفوكلاند قضت على النظام العسكري في الأرجنتين وفيما بعد في دول أميركا اللاتينية جدا، هل هنالك حاليا تطور جديد نحو الدكتاتوريات؟ لا اعرف ذلك ليس لدي ما يفيد بأن هنالك تطور باتجاه الدكتاتوريات فالعالم يتطور باتجاه الديمقراطية أكثر..

عبد الرحيم فقرا: حتى في دولة مثل فنزويلا مثلا.

مسعود معلوف: في دولة فنزويلا ربما هنالك انتخابات ستحصل قريبا وقريبا جدا وسنرى من نتيجة الانتخابات هل هنالك سيكون تدخل من قبل هذا الفريق أو ذاك؟ هل سيكون هناك انتخابات نزيهة؟ من سيختار الشعب؟ وبنتيجة الانتخابات سوف نعرف كيف سيتوجه الشعب في فنزويلا ومستقبل الحكومة فيها؟

عبد الرحيم فقرا: نعيم، ما رأيك في هذا الجانب بالضبط؟

مويزيس نعيم: أعتقد أن العالم قد أصبح أكثر صعوبة بالنسبة للأنظمة المستبدة والدكتاتوريات، والأرقام تتحدث عن نفسها هنا أن عدد الحكومات المستبدة في العالم اليوم ليست إلا نسبة بسيطة مما كان عليه الحال قبل 20 او30 عاما أن نصف سكان العالم  يعيشون اليوم في ظل حكومات منتخبة ديمقراطيا، وهذا رقم هائل إذا أخذت الصين في الحسبان وهي بالطبع ليست بلدا ديمقراطيا وهي الأكثر سكانا في العالم أن نصف البشرية تعيش في ظل الديمقراطية وهذا مؤشر هام بما لا شك فيه أن الدكتاتوريات والحكومات غير الديمقراطية ستظل موجودة، لكن بقاءها واستمراريتها لن يكون سهلا، فانظر إلى بلدان كروسيا أو فنزويلا فهي تحاول إيجاد واجهة ديمقراطية ما زال لوكاشينكو في روسيا البيضاء دكتاتوريا  هناك منذ زمن بعيد ورغم ذلك يسعون إلى إجراء انتخابات وأن يظهروا ديمقراطيين هناك حاجة إلى الشرعية الديمقراطية في عالم اليوم.

عبد الرحيم فقرا: بإيجاز يعني هل تسمع أي أصداء فيما يدور في المنطقة العربية الآن فيما حصل في أميركا اللاتينية مع انهيار دكتاتورية العسكر وبروز أنظمة مدنية توصف بالديمقراطية هناك؟

مويزيس نعيم: هذه أوضاع مختلفة جدا ومن المهم أن نعلم انه قد تمت الإطاحة بالجنرال غالتيري في الأرجنتين نتيجة قراره الخاطئ غزو جزر المالفيناس، وبعد نهاية الدكتاتورية في الأرجنتين قضي على الدكتاتورية في كل من البرازيل وتشيلي والباراغواي والأورغواي وتخلصت أميركا اللاتينية من الدكتاتورية لفترات طويلة، الدكتاتورية الوحيدة الباقية هناك هي كوبا لذا من المهم الفهم بأن الفارقة بين وضع أميركا اللاتينية والأوضاع في الشرق الأوسط حيث ما زالت هناك حكومات غير ديمقراطية والنفط.

الدول العربية وآفاق التعاون مع أميركا اللاتينية

عبد الرحيم فقرا: السفير معلوف في اقل من دقيقة هل تسمع أي أصداء في المنطقة العربية فيما حصل في أميركا اللاتينية سابقا؟

مسعود معلوف: أصداء هنالك محاولات للتعاون بين أميركا اللاتينية وبين العالم العربي، لقد شاركت منذ فترة قصيرة في شهر ديسمبر الماضي في أبو ظبي بمنتدى لتطوير العلاقات الاقتصادية بين أميركا اللاتينية والعالم العربي، وكان هنالك تعاون وثيق جدا بين الوفود الأميركية اللاتينية والوفود العربية في سبيل تحسين العلاقات وتطويرها خاصة أن مستوى التجارة النسبة المئوية من التجارة بين أميركا اللاتينية والعالم العربي ضعيفة جدا ونسعى إلى تقويتها، ولا اعرف إذا كانت الأوضاع السياسية المتطورة في أميركا اللاتينية والتي هي تطورت من الدكتاتوريات إلى النظام إلى الأنظمة الديمقراطية سوف تنعكس على البلاد العربية ولكن كان هنالك حديث قوي في ذلك المنتدى بأن إحدى نتائج التعاون بين المجموعتين قد تكون الاستفادة من التجربة الأميركية اللاتينية للعالم العربي.

عبد الرحيم فقرا: شكرا لك السفير مسعود معلوف شكرا لك أيضا موسى نعيم انتهت الحلقة يمكنكم التواصل معنا كالمعتاد عبر بريدنا الالكتروني وفيسبوك وتويتر إلى اللقاء.