عبد الرحيم فقرا
لويس مورينو أوكامبو

عبد الرحيم فقرا: مشاهدينا في كل مكان أهلاً بكم جميعاً إلى حلقة جديدة من البرنامج، حلقة هذا الأسبوع تأتيكم من بيونس آيرس عاصمة الأرجنتين التي هي بطبيعة الحال إحدى أهم الدول في أميركا اللاتينية. وقد تكون أميركا اللاتينية بعيدة عن المنطقة العربية جغرافياً إلا أنها أقرب وبكثير تاريخياً وسياسياً، فتاريخياً توافدت أعداد كبيرة من العرب على أميركا اللاتينية والأرجنتين تحديداً، بل وصل أرجنتيني من أصول عربية إلى سدة الحكم هو كارلوس منعم، أما سياسياً فإن العديد من سكان أميركا اللاتينية يسمعون بأصداء ما يسمى بالربيع العربي لما شهدته منطقتهم قبل حوالي ثلاثة عقود، عندما بدأت الدكتاتوريات العسكرية التي حكمت المنطقة تتلاشى إيذاناً ببدء مرحلة ديمقراطية في العديد من بلدان أميركا اللاتينية بما فيها الأرجنتين بطبيعة الحال، الأرجنتيني لويس مورينو أوكامبو الذي ارتبط اسمه عربياً حتى قبل بضع أسابيع بدور محكمة الجنايات الدولية في ملف دارفور السوداني، لعب دوراً هاماً في مرحلة ما بعد الدكتاتورية العسكرية في الأرجنتين، فقد كان أوكامبو مساعداً لخوليو سيزار ستراسيرا المدعي الرئيسي في محاكمة أعضاء الهيئة العسكرية التسعة الذين حكموا الأرجنتين بالحديد والنار ما بين عام 1976 وعام 1983، وقد أفضت المحاكمة إلى إدانة خمسة من أعضاء تلك الهيئة وعلى رأسهم رئيسها خورخي رافاييل فيديلا الذي حكم عليه بالمؤبد. السيد أوكامبو أنا سعيد بوجودي في بلدكم وقد غمرني الكرم وحسن الاستقبال لدى الشعب الأرجنتيني وهو ما يذكرني بالدفء وحرارة الاستقبال عند شعوب الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، الآن بعد حوالي 30 عاماً على نهاية الدكتاتورية العسكرية في الأرجنتين ما هو رأيك في أحوال الديمقراطية في بلادك في هذا الوقت من تاريخها؟ 

الأرجنتين من الدكتاتورية إلى الديمقراطية 

لويس مورينو أوكامبو: أتفق معك حول دفئ الأرجنتينيين فهم من أصول إيطالية وعربية وإسبانية. إن بلدنا في السبعينات كانت بلد عنيفاً جداً، وكانت هناك جماعات الثوار وديكتاتورية سيئة أيضاً وحرباً قاسية، لكن الديمقراطية عادت عام 1993 وكان الموضوع الأهم في الانتخابات في حينه هو كيف سنتعامل مع الماضي؟ وقد فاز المرشح الذي اقترح القيام بتحقيق حول ما حدث في الماضي، وقد وافق الكونغرس في بلادنا على الفكرة وبدأنا بالمحاكمة مرة أخرى، محاكمات كبار القادة عام 1995 وقد كان بلدنا من البلدان الأولى في العالم الذي حاكم قادة ومنهم الرئيس لاقترافهم تلك المجازر، في السبعينيات لم يكن هناك من يتحدث عن العدالة أما الآن فإن أمراً كهذا يعتبر طبيعياً، وقد كانت محاكمة مبارك أمراً طبيعياً وقد توقع الناس محاكمة القذافي كان ذلك بعيداً عن التحقيق في السبعينيات، كانت الأرجنتين هي الأولى في عام 1985 التي تقوم بذلك. وقد كنت نائباً للمدعي العام الذي لاحق قضائياً كبار الجنرالات في البلاد ومن بينهم ثلاثة رؤساء سابقين للجمهورية، وقد تمت محاكمتهم بتهم التخطيط للخطف والتعذيب وقتل البعض أيضاً. 

عبد الرحيم فقرا: سنعود إلى ذلك بعد قليل، ولكن في هذا العام عام 2012 هل تقول إنك مرتاح لأوضاع الديمقراطية في الأرجنتين؟ 

لويس مورينو أوكامبو: لا، إن الديمقراطية ليست كاملة أبداً في الأرجنتين، أعتقد بأن ما حققناه هو أن العدالة يمكن أن تساعدنا في التعامل مع العنف بطريقة مختلفة، ومنذ عام 1985 قتل الآلاف في بلادنا ولم تكن هنالك أعمال انتقامية ولا ردود فعل مماثلة وقد توقف العنف السياسي، إن الأرجنتين بلد جموح وبلد هائج إنك ترى الفوضى وحركة السير تشبه حركة السير في القاهرة، إلا أن الأوضاع الاقتصادية قد تقلبت صعوداً وهبوطاً ولكن العنف السياسي قد توقف وانتهى، وهذا ما يمكن أن نقوم به في العالم، أعتقد أن المحكمة الجنائية الدولية يمكنها أن تقضي على العنف كوسيلة للوصول إلى السلطة هذا فعلاً ما نريده وما نسعى إليه. 

عبد الرحيم فقرا: في عام 1976 عاد الجنرالات إلى السلطة في الأرجنتين، وفي عام 1983 انتهت الدكتاتورية العسكرية هناك ما الذي ساعد على تحقيق تلك النتيجة؟ 

لويس مورينو أوكامبو: لقد قرر الجنرالات دخول الحرب ضد المملكة المتحدة في جزر الفوكلاند وقد خسرنا تلك الحرب، وقد كان لذلك أهمية جوهرية لقد كان الوضع الاقتصادي وخسارة الحرب هما اللذين أديا إلى انهيار النظام، ولكن المثير هو أنه في انتخابات عام 1993 ظهرت جميع المعلومات حول أعمال القتل التي وقعت خلال حكم الدكتاتوريات، وفي الانتخابات كان النقاش يدور حول ما الذي سنقوم به في هذا الأمر، واقترح أحد المرشحين تجاهل الأمر، وقد وافقت الدكتاتورية على ذلك العفو العام الذي تمنحه لنفسها، أما المرشح الآخر الذي كان مرشح الأقلية السيد ألفونسين فقد اقترح أن نقوم بالتحقيق والملاحقة الجنائية، وهنا في هذا المكان وفي هذا الشارع دعا ألفونسين إلى أول اجتماع حاشد كان فيه مليون من البشر أتوا ليشهدوا عودة الديمقراطية وأنها تعني حكم القانون. 

عبد الرحيم فقرا: ألفونسين هو أول رئيس يحكم بعد عودة الديمقراطية؟ 

لويس مورينو أوكامبو: نعم، كان ألفونسين هو أول رئيس في تلك الأيام كان واضحاً للأرجنتينيين أن القانون هو الموضوع الأساسي كان هو الفارق بين الموت والحياة، ففي لندن على سبيل المثال يمكن أن يكون القانون أكثر تفصيلا، ولكن الأمر هنا هو أنه الفارق بين الحياة والموت، وقد أيد الناس فكرة تطبيق القانون على الجنرالات، ثم قمنا بالمحاكمة ولاحقناهم جنائياً كان ذلك رائعاً. 

عبد الرحيم فقرا: بطبيعة الحال سيقول البعض إنك قد عملت طويلاً من أجل الديمقراطية، وإن الأرجنتينيين قد دفعوا ثمناً باهظاً لذلك اختفاء حوالي 30 ألف شخصاً كما يقال والعنف السياسي إلى غير ذلك، إلى أي مدى تعتقد أن العنف السياسي في الأرجنتين قد دفع الأرجنتينيين إلى العمل ضد حكم العسكر في نهاية المطاف؟ 

لويس مورينو أوكامبو: أعتقد أن محاكمة مجموعة الانقلاب العسكري كانت عاملاً رئيسياً في ذلك، وأنا دائماً أذكر ما جرى بيني وبين والدتي كان جد أمي جنرالاً وهي بالتالي تحب الجنرالات، وأذكر عندما كنت أحقق في تلك الأحداث وكنت أذهب للغداء مع والدتي أيام عطلة نهاية الأسبوع كانت دوماً تشكو وتتذمر قائلة لي: ما هذا الذي تفعله؟ إن الجنرال فيديلا رجل عظيم، لقد كنا معهاً في الكنيسة إنه يشبه أبي، هذا ما قالته أمي كانت تحب الجنرال فيديلا وكانا مغتاظة مني لأني كنت المدعي العام ضده. 

عبد الرحيم فقرا: ونجحت في إدانته. 

لويس مورينو أوكامبو: وعندما بدأت المحاكمات وبدأ الضحايا بالتحدث عما جرى لهم، كلمتني أمي قائلة: ما زلت أحب الجنرال فيديلا ولكنك على حق، يجب أن يسجن، وهكذا عندما صدر الحكم ضده كان الكثيرون بما فيهم والدتي لا يؤيدونه، أما فيديلا نفسه فلم يكن يتصور حدوث ذلك وهكذا قدمت محاكمة تلك المجموعة العسكرية القاعدة التي فهمها الجميع وهي أنه مهما كان المنصب الذي شغلته في الماضي، فهذا من اليوم قواعد جديدة وهي أن هناك حدوداً قانونية إن اقتراف الفظاعات للبقاء في السلطة لم يعد ممكناً، وما زالت هذه القاعدة تعمل بنجاعة. 

العسكر وإفشال عملية التحول الديمقراطي 

عبد الرحيم فقرا: ذكرت الكنيسة، ما هو الدور الذي في تصورك لعبته الكنيسة الكاثوليكية في الأرجنتين في مساعدة العسكر ولكن أيضاً في وضع حد لحكمهم؟ 

لويس مورينو أوكامبو: للكنيسة في الأرجنتين دور هام جداً والأرجنتين بلاد كاثوليكية حتى العظم، إن من رجال الدين من كان يؤيد الجيش ومن كان يؤيد الثوار وآخرين يحاولون مساعدة الضحايا، وهكذا كان رجال الكنيسة يؤيدون الأطراف المختلفة، ولذا إن من الصعب القول إن هذا هو الحكم وما جرى، وربما كانت الكنيسة في الأرجنتين أكثر تأييداً لما كانت عليه الكنيسة في تشيلي، كانت الكنيسة في تشيلي أكثر تأييداً للمعارضة، كانت الكنيسة في الأرجنتين أكثر تأييداً للجيش، كانت هناك فكرة أنهم يقاومون الشيوعية ولذلك كانوا يؤيدون الجيش. 

عبد الرحيم فقرا: ولكن إذا كانت الكنيسة جزء لا يتجزأ من حياة الأرجنتينيين هل يعني ذلك أنك قد كنت حذراً في ملاحقة الكنيسة الكاثوليكية وبعض أعضاء الكنيسة الكاثوليكية، وفي نفس الوقت كنت حذراً في أن لا تسيء إلى مشاعر الأرجنتينيين؟

لويس مورينو أوكامبو: أعتقد أن التحقيق قد أظهر دور الكنيسة، ويمكن للناس البحث في هذا الأمر إنك لست بحاجة إلى إدانة أحد الأساقفة لتظهر أن أساقفة كثراً يؤيدون الدكتاتورية، لم يكن هناك تدخل في عملياتهم، كان عملي هو أن أظهر للقضاة أن الجنرال فيديلا قد أصدر تلك التعليمات إلى جنرالات آخرين، وكان مسيطر عليهم ولم يكن لدي أية معلومات بأن الكنيسة كانت لها دور في صناعة تلك القرارات، لقد كانوا يؤيدونه وكانوا يدعمون ذلك أخلاقياً وليس عملانياً، وكمدع عام كان علي أن أركز على أولئك الذين اقترفوا الجرائم أو أصدروا الأوامر للقيام بذلك أو قاموا بتنفيذ تلك الأوامر. 

عبد الرحيم فقرا: عندما بدأت عملك كمدعي في منتصف ثمانينات القرن الماضي هل كنت مثلاً تذهب إلى الكنائس بحثاً فيها عمن تعتقد أنهم كانوا يؤيدون حكم العسكر؟ 

لويس مورينو أوكامبو: لا، لأننا كنا نركز أولاً على كبار القادة، كنا نريد أولاً أن نلاحق جميع كبار الجنرالات، كان لدينا شهود من القساوسة والرهبان حول عملية التعذيب وحتى المساعدة في ذلك، وأثناء المحاكمات تم الكشف عن بعض ممارسات الكنيسة الكاثوليكية، ولكننا لم نلاحقهم قضائياً وبعد انتهائنا من قضايا أخرى قمنا بالتركيز على أولئك الذين أصدروا الأوامر أو قاموا بتنفيذ أوامر القتل التعذيب وليس الذين أيدوا ذلك. 

عبد الرحيم فقرا: كيف شعرت آنذاك وأنت تحكم شخص كالجنرال فيديلا الذي قاد الحكم العسكري في الأرجنتين؟ 

لويس مورينو أوكامبو: كان ذلك رائعاً، كنت في الثانية والثلاثين وكنت أشعر أنني أمثل شعبي، وقد شعرت دوماً أن ذلك هو أهم ما نقوم به في حياتي كمحام، لأنني لم أعمل في قضية أهم من تلك القضية في الأرجنتين، كانت هذه فترة هامة جداً في الملاحقة القانونية وقد كان مثيراً حقاً بالنسبة لي أن أمثل شعبي. 

عبد الرحيم فقرا: ولكن هل شعرت بأنك كنت تغامر أو تخاطر بحياتك وتقول إما أن أقدم شيئاً مفيداً لنفسي ولبلادي إذا نجحت في ملاحقة هؤلاء أو أفشل وأفقد مصداقيتي بل حياتي أيضاً؟ 

لويس مورينو أوكامبو: نعم، كان موضوع خطر على حياتي أول اهتماماتي، وعندما عرض علي منصب نائب المدعي العام قلت في نفسي: حسناً إن علي أن أتخذ قراراً عقلانياً لأنني أحب ذلك العمل ولكن فيه خطراً كبيراً علي أيضاً وقد يقتلونني وقلت في نفسي: لا يقتلوني في نظام ديمقراطي، لأن قتلي سيفرض عليهم القيام بانقلاب آخر، وإذا قاموا بانقلاب آخر سأنجو منهم وأطلب اللجوء السياسي ولن أبقى في البلاد، وقررت القيام بالمهمة وبعدها لم يكن هناك فشل، لقد عملت جاهداً لإثبات التهم الموجهة إليهم ولم يكن لدي شك بأننا سنكسب القضية ولن نخسر، لقد كنت مركزاً بكليتي على الأمر بل ومهووساً به وكنا نطلب المشورة والنصح من كل مكان ومن أي كان وكان كثيرون يساعدوننا في بحث الأمر وفهمه وفي جمع المعلومات، وكان ذلك كله مفيداً لي لاحقا في عملي في المحكمة الجنائية الدولية وفي الأرجنتين في التحقيق في الجرائم لم يكن ممكنا لنا الاستعانة بالشرطة أو جهاز المخابرات لأنهم كانوا طرفاً في تلك الجرائم، كان علينا إيجاد الوسائل لجمع المعلومات من مصادر مختلفة. 

عبد الرحيم فقرا: ما طبيعة تلك الآليات؟ 

لويس مورينو أوكامبو: كانت لدينا لجنة لتقصي الحقائق وقد تحدثت إليهم أولاً ومطولاً لمعرفة طريقة جمعهم للمعلومات، وقد ساعدوني في تحديد الجرائم الخطرة وقد اخترنا من بينها 700 جريمة، ثم بدأت الاجتماع بأولئك الناس واستعنت بهم في التحقيق وعلى سبيل المثال كنا نسأل: لقد تم اختطافك فأين حدث ذلك؟ فيجيب: من بيتي، ونسأله: من كان معك عندها؟ فيجيب: أمي وأبي وعمتي، وهنا لدينا ثلاثة شهود ثم آخرون ليسوا من أفراد العائلة، ويضيف الذي تم اعتقاله عندما أخذوني في السيارة كان أحد جيراني حاضراً ثم نستدعي ذلك الجار، ونطلب إحضار المعتقل أمام المحكمة، وهكذا تجمعت لدينا وثائق تعود إلى عشر سنوات، وأثبتنا على حوادث الخطف وبعد ذلك ذهب العديد من هؤلاء الذين تم اختطافهم إلى مركز الاعتقال السري حيث جرى تعذيبهم ولذلك أثبتنا حدوث عمليات التعذيب، وفي إثبات حوادث القتل كانت لدينا مشكلة وهي اختفاء الأفراد، وكان هذا شيئاً جديداً في الأرجنتين أتت به الدكتاتورية، وقد قمنا بالتركيز في هذه الحالة على القضايا التي كانت فيها جثث الضحايا موجودة أو أن بعضهم أحياء وقد كانت لدينا حالات من الاعتقال في المركز السري استمرت ستة أشهر، ثم كان يجري أمامهم ويقال بعدها إنهم قتلوا في مواجهة عسكرية، ونظراً لحصولنا على أدلة أنه قد تم اعتقالهم قبل ستة أشهر، استطعنا إثبات أن ذلك لم يكن صحيحاً وأنه قد تم اختطافهم وقتلهم وهكذا كنا نجمع المعلومات من الناس ثم في الإعداد لتلك القضايا الجنائية. 

عبد الرحيم فقرا: كيف ترى الأمور الآن؟ هل تعتقد أن أشباح أولئك الذين قاموا بالتعذيب والقتل إلى آخره قد اختفت من الأرجنتين؟ أفهم أن العديد منهم ما زالوا على قيد الحياة ويتمتعون بالحرية! 

لويس مورينو أوكامبو: لا، لقد انتهت تلك المشاكل، لدينا الجريمة المنظمة الآن ومشاكل أخرى وليس لدينا هذا النوع من العنف السياسي، كانت هناك انقلابات عسكرية في الأعوام 1987، و1988 و1989 ولقد قمنا بمحاكمتهم وكانت تلك المحاكمات تعتبر نهاية لمحاولات الجيش التحكم في الشعب. 

عبد الرحيم فقرا: إذن في عام 2012 أنت واثق من أنه لا تراجع عن الديمقراطية في الأرجنتين وأن الجيش لا يمكن أن يعود إلى الحكم؟ 

لويس مورينو أوكامبو: لا، لن يعودوا. 

عبد الرحيم فقرا: ما الذي يبرر ثقتك؟ 

لويس مورينو أوكامبو: إن الأمر واضح، لقد انتهى ذلك كله وهذا أمر طبيعي ويمكنك سؤال أي كان في الشارع لقد فهم الجيش المشكلة وهو جيش محترف الآن لدينا مشاكل أخرى مشاكل في الميزانية، ولا علاقة للجيش الآن بالحياة الإنسانية إنهم معنيون بالشؤون العسكرية. 

عبد الرحيم فقرا: حاكمت أيضاً الثوار؟ 

لويس مورينو أوكامبو: لقد كانت هناك قضيتان من قضايا الثوار كنت معنياً بها كانت قضايا قتل رجال أعمال، لقد قمنا بمحاكمة جميع قادة الثوار ثم أصدر الرئيس كارلوس منعم عفواً عنهم، أصدر الرئيس منعم عفواً عن الثوار ثم عن الجنرالات. 

عبد الرحيم فقرا: هل كنت تخشى أن يقتلك الثوار أو أن تفاجئك القوات المسلحة بعمل ما لاغتيالك مثلاً؟ 

لويس مورينو أوكامبو: لا، كان قد تم القضاء على الثوار ولم يعد لهم وجود، والآن نجد من السهل علينا قول لا، لم يكن هنالك اتصال بالمعنى المفهوم في تلك الأيام كانت الأمور أكثر وضوحاً وكان علينا القيام بما قمنا به. 

عبد الرحيم فقرا: هناك مسألة كنت قد أثرتها معك في مناسبتين سابقتين على الأقل عندما كنت تعكف على بحث ملف دارفور في المحكمة الجنائية الدولية، كيف تحقق التوازن بين العدالة وإحلال السلام والاستقرار؟ فعندما كنت مدعياً في الأرجنتين كنت بطبيعة الحال تسعى لتحقيق العدالة، ولكن ألم يكن هناك خطر بعودة الجيش إلى الحكم وبإفشال الانتقال الديمقراطي؟ 

لويس مورينو أوكامبو: كان هناك خطأ ما في العالم عندما كنا نحاكم أولئك في الأرجنتين كان السياسيون يقومون بعملهم السياسي ويديرون أمور البلاد، وكان مجلس النواب يؤيد إجراء المحاكمات كان جميع الزعماء السياسيين يؤيدوننا، كان ذلك مثيراً لأن الدكتاتورية العسكرية قد أزاحت جميع القيادات السياسة وكانت الطبقة السياسية برمتها ضد الدكتاتورية، وفي الديمقراطية اتحد الجميع ضد الدكتاتورية أما في العالم فالأمر مختلف ليس هناك مجلس عالمي ولا قيادة عالمية موحدة وعندما قمنا بمحاكمات في قضايا دارفور كان هناك القليل من العمل الجماعي، وذلك مما يؤسف له لأنه هو كان هناك فرصة لحل المشكلة، وأذكر أن المشكلة لم تكن في عدم وجود قيادة سياسية فقط، كانت المشكلة في عدم فهم طريقة في استخدام القانون في إدارة النزاع في دارفور.. 

عبد الرحيم فقرا: عفواً عدم الفهم من أي جهة؟ 

لويس مورينو أوكامبو: لدى أولئك الذي كانوا يديرون النزاع، وعلى سبيل المثال في أيلول سبتمبر من عام 2007 ذهبت إلى نيويورك واجتمعت بأحد السفراء هناك، وقلت له: لقد أخذنا الوزير هارون إلى المحكمة، وقد أجبرت الرئيس البشير على إعفاء الوزير هارون من منصبه اعتقلوه وسلموه لنا وهكذا ينتهي النزاع، لأنه لا يكون هناك من ينفذ التعليمات غير قانونية في قتل الناس في دارفور عندما يكون شخص عالي المنصب كهارون في السجن. 

عبد الرحيم فقرا: لكن ما هو وجه الشبه بين هذا وما حدث في الأرجنتين خلال محاكمات العسكر؟ 

لويس مورينو أوكامبو: عندما تسلمت الحكومة السلطة كانوا على ثقة بأن قائد الجيش ليس قادراً على حماية القادة السابقين، كانوا يعلمون أن الجنرالات غير قادرين على حماية القادة السابقين وعندما حاول ثوار عسكريون فعل ذلك أو العودة إلى الحكم قام الآخرون، والجيش بالرد على ذلك والسيطرة عليه وتم السيطرة على الوضع السياسي، كان هناك التزام ليس من قبل القادة فحسب بل من المدعي العام ومن الكونغرس والجيش والرئيس بفرض القانون، وكان هذا ما ينقص في تلك الحال لأن الأمر لا يتعلق بالقانون فقط بل بالنتائج أيضاً عندما شرحت الأمر للسفير في نيويورك قلت له: إذا أجبرتم البشير على اعتقال هارون وهو وزير فلن يكون هناك من يتبع التعليمات وهل تعلم بماذا أجابني؟ لقد قال: إنها فكرة رائعة! ولكننا لا نقدر على القيام بها وسألته لماذا؟ فقال لأننا لا نعلم كيف نقوم بذلك، إن لدينا استراتيجيتان: القصف أو عدم القيام بشيء، وعندما لا ينفذون ما نريد نهددهم بالقصف، وعندما نفاوضهم لا نقوم بشيء، والفكرة هي بين هذا وذاك ولا ندري كيف ننفذها يا حضرة المدعي العام. 

عبد الرحيم فقرا: هنا في الأرجنتين خلال تلك الفترة كنت بطبيعة الحال تلاحق الكبار من أمثال الجنرال فيديلا الذي كان يتمتع بنفوذ كبير، فكيف وازنت بين تحقيق العدالة وبين المخاطرة بأن تدفع بالبلاد إلى أتون عدم الاستقرار؟ 

لويس مورينو أوكامبو: كمدع عام عليك أن تكون صلباً، إذا كانت الأدلة تشير إلى أن الرئيس فيديلا أو الرئيس البشير قد أصدر الأوامر يجب أن تكون صلباً، وهذا هو عملك وما عليك أن تقوم به، يستطيع القادة السياسيون اتخاذ قرارات مختلفة، فقد قام الرئيس كارلوس منعم بعد ذلك ومن أجل إرضاء الجيش بالعفو عن فيديلا، إن للزعماء السياسيين مسؤولياتهم الخاصة، هم قادرون على اتخاذ خطوات لا أقدر عليها، وكمدع عام كانت مهمتي هي فرض القانون وإذا كانت الأدلة تشير إلى أن الرئيس مرتبط فسأقوم بملاحقته، كنت أخبرهم مقدماً بما سأقوم به وأوضح خطواتي للزعماء السياسيين، يستطيع الزعماء السياسيون اتخاذ قرارات عديدة ويستطيعون التفاوض حول قضايا كثيرة يمكنهم التفاوض حول أمور أخرى ولكن العدالة هي العدالة في نهاية الأمر، لذلك يجب تقديم من يقترفون جرائم إلى المحكمة. 

عبد الرحيم فقرا: أريد أن نتحدث قليلاً عن الرئيس السابق كارلوس منعم ولكن عندما نعود من الاستراحة،  نأخذ استراحة قصيرة ثم نعود. 

[فاصل إعلاني] 

الأرجنتين ومحاكمة العسكر 

عبد الرحيم فقرا: أهلاً بكم إلى الجزء الثاني من هذه الحلقة برنامج من واشنطن تأتيكم ليس من واشنطن ولكن من العاصمة الأرجنتينية بيونس آيرس، ضيفي في هذه الحلقة هو لويس مورينو أوكامبو، سيد أوكامبو مرحباً بك مرة أخرى في البرنامج إلى أي مدى تعتقد أن الرئيس كارلوس منعم قد ألحق الضرر بعملية الانتقال في الأرجنتين؟ 

لويس مورينو أوكامبو: كان ذلك وضعا صعباً جداً، لقد كانت الأرجنتين أول بلد في العالم يحاكم قادة الجيش، ولم يكن من يعلم طريقة القيام بذلك وإلى أي مدى يمكن الذهاب فيه. وكان الرئيس ألفونسين يحاول تخفيض عدد الذين يريدون أن يقدموا إلى المحاكمة، وقد واجه محاولتين انقلابيتين وكان الناس يشعرون أن ألفونسين يفاوض الجيش، وقد كان شعوري تجاه منعم مختلفاً كان منعم صاحب فكرة أن عليه أن يفرض سلطته، وبعد أن وصل إلى السلطة كانت هناك محاولة انقلاب ضده وقد قاوم الانقلابيين بشدة، وقد وقع عدد من القتلى في تلك المحاولة التي انتهت وكأنها معركة كان منعم منها متشدد في محاكمته من ثار ضده، أعتقد أنه في تلك الفترة كان يحاول التعويض عن شيء ما، وكأنه يقول لا أحد يقدر على تحلي سلطاتي، سأعفو عن الجنرال الذي قتل الناس في الماضي، وأنا صاحب الشرعية، كان قد تم سجنه في عهد الدكتاتورية، كان يقول: لقد سجنوني، أما الآن فإن لي الصلاحية إصدار العفو، ثم أصدر عفواً عن الرؤساء السابقين، أعضاء المجموعة العسكرية، كي يسترضي الجيش وفي الوقت نفسه كان قاسياً مع الذين حاولوا الثورة عليه، لقد كان ما حدث أمراً مثيراً للغاية، ذهبت إلى اجتماع في قيادة الجيش بصفتي المدعي العام في القضية المرفوعة ضد من قاموا بمحاولة الانقلاب، يومها قال مساعد القائد العام: إن لدينا وزير دفاع جديد، من هو هذا الوزير الجديد؟ قال لي: إنه سيد غونزاليس ذلك، ولربما كانت باستطاعته المساعدة في تقديم بعض المال، وكنت أعتقد أن منعم قد أصدر تعليماته إليهم لأن الجنرال المذكور لا فكرة لديه عمن سيكون وزيراً للدفاع، وهكذا قام منعم بذلك وكان من الصعب تقييم الأمور، لقد كنت ضد العفو عن الجنرالات وقد كان منعم يفرض إراداته.

عبد الرحيم فقرا: بالنظر إلى السياسات التي اتبعها كارلوس منعم هل شعرت في أي وقت من الأوقات بأنه كان يعمل على تقويض ما حققته أنت كمدعي عام؟ 

لويس مورينو أوكامبو: للإنصاف أقول أن الرئيس ألفونسين هو الذي بدأ بوضع قيود على التحقيق والملاحقات القضائية. 

عبد الرحيم فقرا: قبل منعم.

لويس مورينو أوكامبو: قبل منعم كان الرئيس ألفونسين قد أصدر قوانين للحد من عدد الضباط الملاحقين، وعلى الأقل لقد بقي القائد العام في السجن ثم جاء منعم وأصدر العفو عنهم، وفي نظري كان الحكم عليهم هو حجر الزاوية في الديمقراطية الأرجنتينية، وقد أثرت على حجر الزاوية هذا، لقد كنت ضد العفو عنهم وقد ناقشت الرئيس منعم حول ذلك وقلت له: إن العفو من صلاحياتك، ولكن عليك أن تشرح أسباب ذلك لأن من المهم أن نشرح للناس أسباب قيامك بذلك، وهكذا كان الرئيس منعم يبحث الأمر معي ولكنه في النهاية هو الزعيم السياسي وهو صاحب القرار، أما أنا وكمدع عام فلا أقدر على معارضته إنه رئيس الجمهورية واليوم الوضع شبيه بذلك فلو حاكمنا البشير فإن لمجلس الأمن قدرات وصلاحيات لاتخاذ خطوات أو لوقف التحقيق، إن المجلس قادر على ذلك، أما أنا فدوري هو أن أقوم بعملي القانوني دون أن أتحول إلى رجل سياسي. 

عبد الرحيم فقرا: ماذا عن الرئيس السابق كيرتشنر وزوجته الرئيسة الحالية للأرجنتين، هل تشعر أنهما أقرب للرئيس السابق ألفونسين أم أقرب إلى الرئيس السابق كارلوس منعم في هذا الصدد؟ 

لويس مورينو أوكامبو: لا في عهد الرئيسين ألفونسين وكريستين كيرتشنر عادت المحاكمات، إذ حكمت المحاكمة العليا أن القيود التي وضعت في عهد ألفونسين غير دستورية وعليه فإن القوانين التي حدت من المحاكمات أصبحت مستثناة، وجرت محاكمة فيديلا مرة أخرى على جرائم أخرى كانت هناك محاكمات وملاحقات قضائية للجميع، وهكذا بعد 25 عاماً بدأت دائرة المدعي العام تلاحق مرة أخرى وهم الآن يلاحقون آخرين قضائياً. 

عبد الرحيم فقرا: بالنسبة للرئيس الراحل نستور كيرتشنر وزوجته الرئيسة الحالية للأرجنتين، بعد حوالي 30 عاماً من نهاية حكم العسكر في الأرجنتين ما زال هناك آباء وأمهات يتظاهرون أسبوعياً مطالبين بمعرفة مصير أبنائهم، أليس ذلك عاملاً سلبياً في أحوال الديمقراطية في الأرجنتين بعد كل ما حصل؟ 

لويس مورينو أوكامبو: لا، إن ذلك يعني إن القتل الجماعي كارثة وقد أضعنا سنوات كثيرة، إن أمور كهذه تحدث لكثيرين. أذكر أن أحدهم قال لي مرة: أعلم أن ابنتي قد قتلت وما زلت أحمل الأمل في قلبي أن أجدها حية، لقد ذهبت إلى المستشفى بعد عشرين عاماً بحثاً عنها لأن أحداً ما قال لي: بأنها هناك، ولقد طفت بجميع أرجاء مستشفى الأمراض العقلية وكلي أمل أن أجد ابنتي على قيد الحياة، هذه هي المشكلة إنها كارثة اجتماعية، إن العودة إلى الأوضاع الطبيعية ستستغرق وقتاً طويلاً. 

عبد الرحيم فقرا: وهو ما يعيدني إلى مسألة العدالة والاستقرار. وأعني بذلك أن العديد من الأرجنتينيين يقومون يقولون إن الانتقال إلى الديمقراطية قد جلب الاستقرار إلى البلاد الاستقرار السياسي وليس الاقتصادي بالضرورة، ولكن في موضوع العدالة وحيث أنه ما زال هناك من يتظاهر في الشوارع أسبوعياَ في الأرجنتين فربما هناك مؤشر إلى أنهم لا يشعرون بأن العدالة قد تحققت. 

لويس مورينو أوكامبو: لا، لقد حققنا العدالة في الأرجنتين ولقد قتل من مواطنينا عشرة آلاف فما هي العدالة الكافية في حال كهذا؟ وقد خرج من البلاد هرباً 500 ألف مواطن وجرى تعذيب 50 ألف آخرين، هناك آلاف من رجال الشرطة والجيش ممن اقترفوا الجرائم بحق الناس فما هي العدالة الكافية لذلك كله؟ في المحرقة النازية الجماعية كانت هناك محاكمات في البداية، ثم توقفت بسبب الحرب الباردة، لقد حكمت ألمانيا بعضهم أما نحن فلم نحاكم الجميع أيضا، وهذا هو الموضوع لقد كنت أعلم عندما تسلمت منصبي في المحكمة الجنائية الدولية أنني لن أستطيع محاكمة الجميع، ولهذا كانت سياستي واضحة جداً بالتركيز على الذين تقع عليهم المسؤولية الكبرى، وهكذا لاحقنا أصحاب المناصب العليا وما زلنا في الأرجنتين نحاكم بعضنا البعض الثلاثين عاماً والوضع شملهم في الكونغو أيضاً وأوغندا وليبيا، فإن ذلك يستغرق وقتاً طويلاً وهناك فارق كبير في حقيقة أن معمر القذافي والسنوسي قد تم توجيه التهم إليهما منذ البداية. 

عبد الرحيم فقرا: ولكن عندما لاحقت الجنرالات قضائياً هنا في الأرجنتين أدين البعض منهم ولم يدان البعض الآخر أليس كذلك؟ فما الذي حدث لأولئك الذين لم يدانوا؟ 

لويس مورينو أوكامبو: في الأرجنتين حاكمنا المجموعات العسكرية الثلاث الأولى كانوا 9 فقد تمت إدانة 5 أما الـ 4 الآخرين فلم يكن لهم دور في اقتراف الجرائم فقد تم إطلاق سراحهم.

عبد الرحيم فقرا: هل كنت مرتاح للتبرئة؟ 

لويس مورينو أوكامبو: كان وضعاً لا بأس به، كان قد تم إطلاق سراحهم لأنه لم تقع هناك جرائم في عام 1980 والمجموعة العسكرية التي حكمت في عامي 1981 و 19882 لم تقترف أية جرائم، لقد وجهنا لهم الاتهام ولكنهم كانوا يغطون على جرائم سابقة، ولكن القضاة رفضوا ذلك وهكذا فإن ما حدث كان بعدما حاكمنا آخرين كان هناك حركات انقلابية عسكرية أوقفها ألفونسين بطريقة ما وبدأنا العمل مرة أخرى، ثم جاء منعم وأصدر العفو والآن مع كيرتشنر عادوا مرة أخرى، وما زالوا يقدموا البعض للمحاكمة. أما في الأوروغواي فقد اتخذت الأوضاع مساراً مختلفاً تماماً لقد أجروا استفتاءاً لبحث ما يمكن أن يقوموا به واختار الناس فكرة أن لا يلاحقوا أحداً،  والآن وبعد عشرين عاماً يقول الرئيس الجديد عن الاستفتاء كان الاستفتاء الأول. 

عبد الرحيم فقرا: في الأوروغواي. 

لويس مورينو أوكامبو: في الأوروغواي وكان تحت تهديد الدكتاتورية كانت هناك حاجة إلى استفتاء جديد، وقرروا مرة أخرى أن لا يلاحقوا أحداً، إلا أنه استغلال للثغرات استطاعوا محاكمة الرئيس السابق وكبار الجنرالات، أنت تذكر أنه عندما كنا نقدم جنرالات للمحاكمة هنا، كان بينوشيه الرئيس الاسبق لتشيلي عضواً في مجلس الشيوخ، وكان تقديمه إلى المحاكمة مستحيلاً، وهكذا ترى أن المسارات في كل من تشيلي والأرجنتين والأوروغواي كانت مختلفة، وفي النهاية تمت محاكمة كبار القادة. إن هذه أمور نحن قادرون على القيام بها يمكن أن نضع في وعي الناس أنهم مسؤولون عن عملهم، وهذا ما يأتي بالتغيير عندما تتم محاكمة القائد الأعلى فإن خلافه في المنصب سيتصرف بطريقة أخرى. 

عبد الرحيم فقرا: حسناً! عودة وباختصار إلى موضوع الآباء والأمهات الذين ما زالوا يتظاهرون أسبوعياً من أجل المختفين في الأرجنتين، نظرك ما الذي يجعل قد هؤلاء يصلون إلى قناعة أنهم وصلوا إلى نهاية الطريق ولم يعد هناك ما يستحق أن يتظاهروا من أجله هل ممكن ذلك أبداً؟ 

لويس مورينو أوكامبو: لا أعتقد ذلك فإذا قام أحد بقتل ابنتي ولم أعثر على جثتها أيضاً فسأتظاهر طوال حياتي. 

عبد الرحيم فقرا: إذن ستتواصل تلك المظاهرات إلى ما لا نهاية؟ 

لويس مورينو أوكامبو: أعتقد أن لهم حق في التظاهر ولا ضرر في ذلك، أعتقد أن من المهم أن تعلم الأجيال القادمة أن أخطاءً قد حدثت في بلادنا. 

عبد الرحيم فقرا: ما الذي يجب أن تقوم به الدولة لتحقيق نتيجة؟

لويس مورينو أوكامبو: قمنا بمحاكمات في الأرجنتين وقدمت البلاد التعويضات للضحايا بالتعويضات المالية، لقد كانت الأرجنتين رمزية في هذه الطريقة وقد وعت البلاد ما حدث فهل كان ذلك كافياً؟ إن ذلك لا يكفي ذلك أبداً أبداً. 

مدى تأثير الحرب الباردة على سياسة الأرجنتين الداخلية 

عبد الرحيم فقرا: كنت قد تحدثت عن الجزر التي تسمونها أنتم في الأرجنتين بالمالفيناس ويسمونها البريطانيون بالفوكلاندز وقلت إنها قد ساهمت في إنشاء الديمقراطية في الأرجنتين بطريقة غير مباشرة، بطبيعة الحال في تلك الفترة كانت رحى الحرب الباردة تدور في العالم إلى أي مدى أثرت الحرب البادرة في السياسية الداخلية للأرجنتين التي أوصلت إلى نهاية حكم العسكر وبروز الديمقراطية؟ 

لويس مورينو أوكامبو: كان لها أثر كبير، كانت الفكرة أن الجنرالات في أميركا اللاتينية يسيطرون على الحركات الثورية وهكذا كانت الولايات المتحدة تؤيدنا ولا شك في ذلك، وهكذا عندما كانت الدكتاتورية الأرجنتينية تهاجم المواطنين كانت تحظى بالدعم في البدء والمشكلة هي أن الأرجنتين كانت.. 

عبد الرحيم فقرا: كانت واشنطن تدعم الدكتاتورية في الأرجنتين. 

لويس مورينو أوكامبو: نعم، ولكن عندما وصل جيمي كارتر إلى الرئاسة تغيرت الأمور، لأنه كان يحاول استخدام مبادئ حقوق الإنسان ضد روسيا ولكنه قال يجب أن أثبت على هذا المبدأ وعلي أن أتعامل بنفس الطريقة مع الدكتاتورية الحليفة لواشنطن وتقوم بقتل شعبها، وهذا ما كان عليه الوضع في الأرجنتين وهذا ما كان جيمي كارتر يدين الدكتاتورية في الأرجنتين وبقوة. 

عبد الرحيم فقرا: هل تعتقد أن إدانات الرئيس كارتر قد أثرت على الجنرالات في الأرجنتين بطريقة أو بأخرى؟ 

لويس مورينو أوكامبو: نعم، هذا صحيح! وقد كانوا يمقتون كارتر وعندما طالبنا شهادة الرئيس الأسبق كارتر في المحكمة وشهادة مساعدة الوزير وزير خارجية الاميركية لشؤون حقوق الإنسان قام الجنرالات ومحاميهم بمغادرة قاعة المحكمة، كانوا يمقتون كارتر حقاً، وقد كان ذلك مثيراً إذ أن كارتر كان يدين الضباط الأرجنتينيين رغم أنهم تلقوا تدريباتهم على أيادي الأميركيين، وقد تحالفت الأرجنتين مع روسيا، لقد بدؤوا العمل مع روسيا وحتى عام 1988 أثناء حكم الدكتاتورية العسكرية منحت قيادة الجيش الأرجنتيني جائزة لجنرال فرنسي كان يتحدث عن الماركسية والشيوعية في بلد كان الناس يقتلون فيه بسبب ذلك، وهكذا كانت الأرجنتين وروسيا تعملان معاً ضد كارتر وعندما وصل ريغان إلى البيت الأبيض اختلف الوضع لأن ريغان كان يستخدم الأرجنتين ضد نيكاراغوا، وهكذا كان طبيعياً أن تؤيد الولايات المتحدة الديكتاتورية في الأرجنتين، ولكن مع كارتر كان الوضع مختلفاً تماماً كارتر في مواجهة مع الديكتاتورية لقد أنقذ كارتر حياة ألفي مواطن أرجنتيني على الأقل. 

عبد الرحيم فقرا: بالنسبة للرئيس ريغان..

لويس مورينو أوكامبو: عفواً، عفواً حتى أنهي موضوع الحرب الباردة كانت المشكلة أنه كانت في سنوات الحرب الباردة لم يكن فرض العدالة ممكن لأنه الوحيد الذي كان قادراً على ذلك هو جيمي كارتر ولكن فترة حكمه كانت قصيرة، وجاء ريغان الذي عاد إلى السياسية المعتادة وكان يستخدم القوات المسلحة الأرجنتينية في كل من غوانتمالا ونيكاراغوا وعندها قرر رئيس جنرال رئيس الأرجنتين في حينه قرر أن يغزو جزر المالفيناس الفولكلاند وعندها جن جنون ريغان وهاتفه ريغان وأنا على علم بذلك حيث كنت المدعي العام في قضايا حرب المالفيناس الفوكلاند أيضاً، هاتفه ريغان وقال له: يا سيد لا تقم بغزو جزر الفوكلاند أنا اقول لك بأن المملكة المتحدة سترد عسكرياً، وسأؤيدهم في ذلك فأرجو أن لا تقدم على الغزو، كان ريغان واضحاً مع غالتيري، وهكذا رأوا أن تلك الدكتاتوريات لا يعتمد عليها، أعتقد أن ذلك من الأهمية بمكان لأنني أرى تشابه الوضع مع الأحوال في العالم العربي، إن الولايات المتحدة تؤيد الدكتاتوريين العرب، وهكذا فإن الربيع العربي ليس تحدياً للزعماء العرب فحسب بل هو تحد للزعامات العالمية إن علينا فهم ذلك جيداً. 

عبد الرحيم فقرا: بالنسبة للرئيس ريغان كنت قد قلت أنه كان أمام خيار صعب بين تأييد الأرجنتين أو تأييد الحليف الأميركي القديم بريطانيا بزعامة مارغريت تاتشر في حرب المالفيناس أو الفوكلاند، وحيث إن الأرجنتين كانت تلعب دوراً هاماً في أمريكا اللاتينية في دول كنيكاراغوا مثلاً في ظل الحرب البادرة لماذا تعتقد أن ريغان اختار أن يدعم بريطانيا ومارغريت تاتشر بدلاً أن يدعم الجنرال غالتيري  والأرجنتين؟ 

لويس مورينو أوكامبو: كان غالتيري يغرق لأنه كان يقوم بدور كبير في غواتيمالا وفي نيكاراغوا ويظن أن ريغان سيبقى على الحياد ومفترضاً أن بريطانيا لن ترد، ولكن الحقيقة هي أن ريغان  هاتف غالتيري قبل الغزو بيومين وقال له: أن بريطانيا سترد أنا، أنت مخطئ لا أستطيع الوقوف على الحياد سنؤيد المملكة المتحدة وهم سيقومون بالرد، لقد أعلمه ريغان بما سيحدث إن جنرالاتنا كانوا مجانين يظنون بأن بريطانيا لن ترد، لذلك اندفعوا إلى الحرب ولم يكن لديهم خططاً لحماية الجزر، وكانت هذه كارثة عسكرية. 

عبد الرحيم فقرا: هل تعني أن ريغان قال للعسكر في الأرجنتين: إنه إذا غزوتم جزر المالفيناس أو الفوكلاند فستكون تلك نهاية حكم العسكر في الأرجنتين؟ 

لويس مورينو أوكامبو: لا، لقد قال له ريغان أنه إذا قمت بغزو الجزر فإن المملكة المتحدة سترد وسأدعمهم في ذلك وأقدم لهم المساعدة، ونظراً لما كان هناك من علاقات شخصية قام ريغان بإيفاد الجنرال هيغ الذي كان وزيراً للخارجية ليكون وسيطاً بين مارغريت تاتشر والأرجنتين، وقد عرض هيغ حياته السياسية للخطر وفشل لأنه كان يقوم بهذا الدور، وفي حقيقة الأمر أقنع هيغ مارغريت تاتشر بأن تعطي الأرجنتينيين مدة 3 أسابيع قبل أن تقوم باحتلال الجزر، وعرضت مارغريت تاتشر على الأرجنتينيين مرحلة انتقالية لمدة عام، يتم بعدها إقرار ما إذا كانت الجزر أرجنتينية أم لا، وهكذا عرضت مارغريت تاتشر على الأمم المتحدة حلاً خطيراً رفضه الجنرالات الأرجنتينيون وكانت النهاية. 

عبد الرحيم فقرا: بالنسبة لنتائج تلك الحرب ومن بينها نهاية حكم العسكر في الأرجنتين كما تقول، إلى أي مدى كان ذلك كله في نظرك يمثل تحدي في مجالات السياسة الخارجية الأميركية؟ وإلى أي مدى كان يمثل فرصة للولايات المتحدة في أميركا اللاتينية؟ 

لويس مورينو أوكامبو: أعتقد أن الحروب الثورية كانت قد انتهت في الثمانينات في أميركا اللاتينية، وهكذا كانت الولايات المتحدة تؤيد الديمقراطية وتؤيد فكرة قيام أنظمة ديمقراطية جديدة في العالم. 

عبد الرحيم فقرا: إذن تقول إن ريغان كان مرتاحاً لنهاية حكم العسكر في الأرجنتين؟ 

لويس مورينو أوكامبو: لا، لا لا علم لي بذلك ولا أظن كان الوضع معقداً ولا أدري ما الذي كان يفكر به ريغان، إنني على علم بموضوع الحرب في الأرجنتين لأننا حاكمنا الجنرالات على ما قاموا به في تلك الحرب لأنهم أساؤوا التصرف، وقد كنت المدعي العام في تلك القضية ولا أدري ما الذي كانت عليه ردود فعل ريغان لاحقاً، أفترض أن الأميركيين كانوا يقولون بأنه لا يمكن الاعتماد على تلك الدكتاتوريات أو الوثوق بها، لا يمكننا الاعتماد عليهم هذا ما كانت عليه آراؤهم في أميركا اللاتينية على الأقل. 

وجه الشبه بين الأرجنتين ودول الربيع العربي 

عبد الرحيم فقرا: التشابه الذي تقول أنه يوجد بين الحالة الأرجنتينية وبين ما يجري حالياً في المنطقة العربية، ما هي أوجه ذلك الشبه تحديداً في نظرك؟ لأنه في تونس ومصر وأماكن أخرى كانت هنالك ثورات شعبية أما في الأرجنتين تمت العملية بشكل مختلف؟ 

لويس مورينو أوكامبو: أنا معجب بالربيع العربي، إن الربيع العربي في الدرجة الأساس هو أن شعبا يطالب بكرامته، وهذا أمر مثير ومنطقي في الوقت نفسه، أما في الأرجنتين فقد كانت مجموعة قليلة العدد هي التي تطالب بذلك، أما في الربيع العربي فالأعداد غفيرة وآمل أن يكون عملها ناجعاً، أعتقد ان هناك اتفاقاً بين الربيع العربي وبين فكرة المحكمة الجنائية الدولية، لا يقدر الحكام على اقتراف كوارث جماعية للبقاء في السلطة. وهذا ما حدا بكثير من التونسيين إلى تأييد المحكمة الجنائية الدولية وكانت ليبيا تتعاون مع المحكمة الجنائية الدولية أيضاً، وعندما ذهبت إلى ليبيا شرحوا لي أهمية أن تقوم المحكمة بملاحقة القذافي جنائياً أثناء النزاع، كانوا يشعرون بأننا نؤيدهم وقد شعرت أيضاً ان بعض جنرالات القذافي خرجوا عليه، وبدؤوا يتصلون بنا عندما بدأنا العمل على ملاحقته جنائياً، وهذا ما يدفعني إلى الاعتقاد أنه إذا كان هناك إجماع فإن المحكمة الجنائية الدولية ستقدر على مساعدة سوريا لأن في سوريا ستكون المحكمة قادرة على إحداث فارق كبير، إن قضايا هؤلاء الناس ليست متشابهة، لقد اقترف بعضهم جرائم وبعضهم لم يقترف أي جريمة، إن المحكمة الدولية الجنائية هي فكرة جديدة يمكن أن تكون عوناً في إدارة النزاع في سوريا دون أي تدخل عسكري، قد لا تتغير الأنظمة ولكن التصرفات ستتغير. 

عبد الرحيم فقرا: مسألة أخيرة في نهاية هذه المقابلة وأود لو سمحت أن أعود إلى مسألة العدالة، تحدثت عن العدالة في سياقها السياسي والاجتماعي لكن ماذا عن العدالة في سياقها الاقتصادي؟ هل ترى أن المرحلة الانتقالية في الأرجنتين قد أتت بنوع من العدالة الاقتصادية أم أنها فقط دفعت الشعب إلى نوع جديد من الليبرالية الجديدة في الاقتصاد إلى ظروف يقال إنها شبيهة بما دفع العرب إلى الثورة كما تقول أنت؟ 

لويس مورينو أوكامبو: لا علم لي بالشؤون الاقتصادية ولست خبيراً فيها، أعتقد أن الاقتصاد الأرجنتيني كان سيئاً خلال القرن الماضي، والأمر ليس متعلقاً بالعشرين أو الثلاثين سنة الماضية، كانت الأرجنتين تنافس كندا في مطلع القرن العشرين وكانت تنافس البرازيل في منتصف القرن، أما الآن فنحن في انحدار إن القضايا الاقتصادية هي مشكلة أخرى. 

عبد الرحيم فقرا: سيد أوكامبو شكراً لك. 

لويس مورينو أوكامبو: وأنا أشكرك أيضاً. 

عبد الرحيم فقرا: انتهت هذه الحلقة لكن ستكون لنا حلقة أخرى في المستقبل من الأرجنتين نتناول فيها جوانب أخرى كدور الكنيسة الكاثوليكية في دعم التحول الديمقراطي لكن أيضا حكم العسكر قبله، يمكنكم التواصل معنا كالمعتاد عبر بريدنا الإلكتروني وفيسبوك وتوتير تحية لكم جميعاً من العاصمة الأرجنتينية بيونس آيرس.