عبد الرحيم فقرا
بيتر باينارت
جيكوب بيندر
محمد السنوسي

عبد الرحيم فقرا: مشاهدينا في كل مكان أهلا بكم جميعا في حلقة جديدة من برنامج من واشنطن .نفتتح هذه الحلقة بقليل من كثير لصوت يهودي أميركي ذاع صيته وكثر حوله الجدل أكثر من أي وقت مضى منذ صدور كتابه الجديد تحت عنوان "أزمة الصهيونية"، بيتر باينارت يجادل في كتابه بأن الأزمة القادمة التي ستواجهها إسرائيل ستأتي ليس من الفلسطينيين أو من إيران بل من الشباب اليهود الأميركيين. في مقدمة الكتاب يتحدث باينارت عما يصفه بالتقدم المذهل الذي يقول إن اليهود قد حققوه في أوروبا خلال نصف قرن منذ المحرقة بعد قرون من الاضطهاد كما يقول، حتى ذلك التقدم تبهت أهميته مقارنة بما حققوه في الولايات المتحدة حيث شغلوا خلال العقدين الماضيين منصب وزير الخارجية ووزير الخزانة ومستشار الأمن القومي وزعيم الأقلية في مجلس النواب وكبير موظفي البيت الأبيض كما تقلدوا منصب رئاسة جامعات كل من هارفارد وييل وبرينستون، وقد فاق عدد القضاة اليهود في المحكمة العليا عدد القضاة البروتستانت فيها بثلاثة لصفر، وتزوج يهودي ابنة رئيس سابق هو بيل كلينتون وهو يرتدي طلّيسا يهوديا، في مجالسهم الخاصة يضيف باينارت يتفاخر اليهود بالقوة اليهودية بينما يتجنبون ذلك في العلن خوفا من الأساطير المعادية للساميّة. كتاب باينارت ينظر لمواقف اليهود الأميركيين من إسرائيل وسياساتها وذلك من زاوية الهوّة بين الأجيال، يقول: كثيرا ما يخالط الطلاب اليهود المسلمين والعرب أو العرب الفلسطينيين وهم جماعات كانت أقل تواجدا في الجامعات الأميركية أيام الجيل السابق من اليهود الأميركيين هناك، ويضيف باينارت: وبالتالي فإن هؤلاء الطلاب اليهود أكثر تفهما من جيل آبائهم، كما أنهم يدركون أن انتمائهم إلى طبقة ميسورة بيضاء ولدت في أميركا يخوّل لهم موقعا متميزا. وعندما ينظرون إلى الشرق الأوسط، يجدون أيضا أن إسرائيل دولة قوية. إن زعماء اليهود الأميركيين يصفون إسرائيل بالدولة الديمقراطية التي يهددها الجيران. وبينما يبدو ذلك الوصف صحيحا لجيل آبائهم الذين يذكرون أياما لم تكن فيها إسرائيل تسيطر على الضفة الغربية وقطاع غزة، أياما كانت تواجه فيها جيوشا عربية ذات قوة متساوية مع قدرة الجيش الإسرائيلي آنذاك، لم يعرف هؤلاء الشباب إسرائيل أبدا كدولة ديمقراطية بصورة كاملة. 

عبد الرحيم فقرا: بيتر مرحبا بك, ما الذي حملك على تأليف كتاب من هذا النوع؟ 

بيتر باينارت: لقد وضعت هذا الكتاب لأني صهيوني وأحب دولة إسرائيل وفي نظري إن ما يجعل إسرائيل عزيزة علينا هو أنها أنشأت لتكون ديمقراطية. وأن إعلان استقلالها يعد بمساواة تامة في الحقوق السياسية والاجتماعية لجميع سكانها بغض النظر عن العرق أو الدين أو الجنس، وأعتقد أن احتلال الضفة الغربية يهدد هذه الرؤية حيث يحمل اليهود جنسية الدولة أما الفلسطينيون فلا، وإني أخشى أن نصل في السنوات القادمة إلى وضع يكون فيه الوجود الإسرائيلي في الضفة الغربية مستحكما لدرجة تستحيل معها إقامة الدولة الفلسطينية التي يستحقها ويحتاجها الفلسطينيون. 

عبد الرحيم فقرا: إذن هل كتبت هذا الكتاب لأنك قلق على مستقبل إسرائيل أم تعاطفا مع الفلسطينيين؟ 

بيتر باينارت: لكلا الأمرين معا، اعتقد أن جوهر ارتباطي بإسرائيل هو أنه ليس علّي أن اختار وأني كيهودي يمكن أن أحب دولة إسرائيل وأن أؤمن بأنها خير للشعب اليهودي دون الحاجة إلى تأييد قمع الفلسطينيين، وأن حقوق وكرامة الفلسطينيين في نهاية المطاف هي أن تكون لهم دولة وليس هذا موضوع حقوق إنسان فقط، إنه في مصلحة دولة إسرائيل لأنه وفي نهاية المطاف ليس من مصلحة إسرائيل ولا الشعب اليهودي أن يكونوا محتلين.

حق تقرير المصير للفلسطينيين 

عبد الرحيم فقرا: بناء على ما قلته الآن بالنسبة للإسرائيليين والفلسطينيين على حد سواء، هناك على الجانب الإسرائيلي من يعتقد أنه ليس هناك شعب فلسطيني وأنه ليست هناك حقوق فلسطينية. من جهة أخرى على الجانب الفلسطيني والعربي هناك من يقول إن إسرائيل سلبت أرض فلسطين وبالتالي تلك الأرض يجب أن تعاد إلى الفلسطينيين، عندما تتعاطف أو تقول إنك تتعاطف مع الفلسطينيين سيسمع الناس كلامك ويقولون هذا الرجل في نهاية المطاف بالرغم أنه يتعاطف مع الفلسطينيين لكنه صهيوني ويحب إسرائيل وبالتالي ما يحدث للفلسطينيين ليس مهما بالنسبة له بالدرجة الأولى، المهم بالدرجة الأولى هو إسرائيل. 

بيتر باينارت: نعم أنا صهيوني ويهودي ولكن يبدو لي أنه وكما أعتقد أن للفلسطينيين الحق في تقرير المصير وفي دولة لهم، وأن نعي أن الأفضل للشعبين اللذين يعيشان بين البحر المتوسط ونهر الأردن أن تكون لكل منهما دولته الخاصة به، ولذا فليس المهم فقط أن تكون هناك دولة للفلسطينيين، بل أيضا أن يعامل المواطنون الفلسطينيون داخل الخط الأخضر بمساواة وكرامة. 

عبد الرحيم فقرا: هناك واقعة معينة تقول إنها أثرت ليس فقط في وجدانك بل كذلك في ذهنك، في عقلك، وهي واقعة الطفل الفلسطيني الذي كان يحتج على الجيش الإسرائيلي بينما كان يأخذ، يعتقل أباه، هل يمكن أن تقرأ لنا الجزء من كتابك الذي يتعلق بهذه الواقعة؟ 

بيتر باينارت: بالتأكيد ، لقد وضعت هذا الكتاب من أجل جدتي التي جعلت مني صهيونيا ومن أجل خالد جباري الذي كان يمكن أن يكون ابنا لي، أذكر يوما كنت عائدا مع جدتي من الكنيس في كيت تاون بجنوب إفريقيا، كنت طفلا وأتحدث باعتزاز عن الولايات المتحدة البلد الذي هاجرت إليه ابنتها التي هي والدتي، واغتاظت جدتي وقالت لا تتعلق ببلد ما، إن اليهود كالفئران إننا نترك السفينة الغارقة، وإني أرجو الله أن نلتحق يوما بأبناء إسحق في إسرائيل. كان إسحق هذا شقيقها وقد افترقا قبل أربعة عقود حين تفرقت الجالية اليهودية القديمة في الإسكندرية بمصر، كانت عائلة أمي من اليهود الشرقيين. وقد اتخذوا اسم العائلة "البلداش"، وهي بلدة إسبانية تم طرد اليهود منها قبل 500 عام، ومن إسبانيا عبر أجدادها البحر المتوسط وعندما انهارت الجالية اليهودية في الإسكندرية انتقل أفراد العائلة إلى الكونغو البلجيكي، حيث كان يتجمع هناك يهود جزيرة رودس، ذهبوا جميعا إلى رودس ماعدا إسحق، وبعد سنوات قليلة وجد اليهود في رودس أنفسهم تحت حكم نازيّ، وقام النازيون باعتقالهم وسرقة ممتلكاتهم. وقبل حوالي ثمانية عشر شهرا أرسل لي صديق إسرائيلي شريط فيديو، هو قصة فلسطيني اسمه فاضل جباري تم اعتقاله بتهمة سرقة المياه وكانت عائلته قد طلبت مرارا من السلطات الإسرائيلية السماح لهم بأخذ ما يحتاجونه من الماء من أنابيب مياه تزود مستوطنة يهودية قريبة، ولذا فأن الفرد الفلسطيني في الضفة الغربية يستهلك خمس كمية المياه التي يستهلكها المستوطن اليهودي، وهكذا ترى برك السباحة وريّ المزروعات في المستوطنات اليهودية، أما الفلسطينيون فهم دون مستوى استهلاك المياه اليومي الذي توصي به منظمة الصحة العالمية، وفي شريط الفيديو تقوم الشرطة الإسرائيلية بربط فاضل إلى عربة مقفلة لنقل السجناء ثم تتجه الكاميرا إلى طفل صغير في الخامسة خالد وهو يصرخ بابا بابا، وهنا أرى أني كالكثير من اليهود الأميركيين تغيرت أفكارهم، لقد تركتني صرخات الطفل خالد واقفا في رعب صامت أنظر إلى شاشة الكمبيوتر وربما كان ذلك لأن خالد في عمر ابني الذي يدرس في مدرسة يهودية، ويضع علم إسرائيل في غرفته، ويسرد قصصا من التوراة حول ارتباطنا القديم بالأرض، وفي سنوات عمره الأولى كنا نعتقد بأنه سيدعونني بابا وهي كلمة الأب بالعبرية، ولكنه لم يستطع نطق أب فكان يدعوني بابا كما كان خالد يصرخ مناديا أباه. 

موقف اليهود الأميركيين إزاء الملف الفلسطيني الإسرائيلي 

عبد الرحيم فقرا: وضح أكثر كيف أثرت هذه الواقعة على موقفك أنت كيهودي أميركي إزاء الملف الفلسطيني الإسرائيلي؟ وهل يمكن لك بكل صدق أن تقول إنه يمكن التعميم من حالتك الخاصة إلى حالة اليهود الأميركيين بصورة أعم؟ 

بيتر باينارت: أعتقد أن الانقسام بين اليهود الأميركيين يزداد اتساعا، إنهم منقسمون إلى فريقين، من يهتم ومن لا يهتم، إن أغلب اليهود الأميركيين لم يزوروا إسرائيل، والأغلبية العظمى منهم لا يتكلمون العبرية، وأغلبهم أيضا يعطون أصواتهم في الانتخابات تبعا لقضايا محلية وليس بالنظر إلى إسرائيل، إن عددا كبيرا من اليهود وخاصة الشباب اندمجوا في المجتمع وتم استيعابهم كأميركيين، واقصد بذلك أن نسبة الزواج بين اليهود  إلى غير اليهود هي خمسين بالمئة وأنهم لا يفكرون دوما في إسرائيل. وهناك ضمن هذه المجموعة اليهودية الصغيرة من يهتم كثيرا بدولة إسرائيل ويشعر بالارتباط بها، أما اليهود الشباب فقد شهدوا إسرائيل محتلة للضفة الغربية دوما، ولم يشهدوا حرب 1967 التي كانت رعبا في نظر اليهود الأميركيين إذ  رأوا إسرائيل على شفا التدمير. 

عبد الرحيم فقرا: ماذا تعني هذا الهوة بين الأجيال بالنسبة لمستقبل إسرائيل؟ 

بيتر باينارت: أعتقد أن ذلك  قد يمنح بعض الأمل بأن اليهود الشباب قد يعيدون تعريف ما الذي يعنيه تأييدهم لإسرائيل، وأن لا نطلب إلى الحكومة الأميركية وإلى المنظمات اليهودية أن تؤيد ما تقوم به الحكومة الإسرائيلية. 

عبد الرحيم فقرا: عندما نقول وبناء على كلامك إن الأزمة الخطيرة القادمة التي ستواجهها إسرائيل ستأتي ليس من الفلسطينيين، ستأتي ليس من إيران، ولكن من اليهود الأميركيين الشباب. أليست هذه مبالغة ؟ مبالغة سياسية . 

بيتر باينارت: أنا لا أقول أنه ليست هناك أزمة مع الفلسطينيين، ومع إيران ولكن هناك شرخ كبير بين جيلين عند اليهود الأميركيين، إنه ليس تمردا أو ثورة بالقول إن الولايات المتحدة لا يجب أن تكون صديقة وحليفة لإسرائيل، ولكنه تمرد يقول إن على الولايات المتحدة أن لا تستمر في تأييد سياسة الاستيطان التي هي ضد المصالح الأميركية وتسيء إلى الديمقراطية الإسرائيلية. 

عبد الرحيم فقرا: بطبيعة الحال تعرف البروفسور روبرت ليدر من جامعة جورج تاون فهو أميركي وهو يهودي، وهو من جيل مختلف عن جيلك وهذا ما يقوله عنك وعن كتابك؟ 

روبرت ليدر: إن ما أخطئ فيه هو المعاني التي تضمنتها أقواله بأن الشباب اليهود قد أصبحوا ضد إسرائيل وقبلوا بأقوال الفلسطينيين، إن الأمر ليس كذلك، ولا يملك باينارت دليلا حقيقيا يدعم هذا، وهناك طرق متعددة لقياس ذلك ولكن ومن المثير أنك إذا نظرت إلى طريقة تعامله مع إحصائيات وجهات نظر اليهود ووجهات نظر الشعب الأميركي بعامة تجاه إسرائيل ستجد أن هذه الأرقام قد تغيرت بالكاد في أربعين عاما. 

بيتر باينارت: لا، هناك استطلاعات قام بها علماء في الدراسات الإحصائية ولا يعني ذلك أن هؤلاء اليهود الشباب يقبلون بما يقوله الفلسطينيون وأنهم يؤيدون حق العودة كاملا وأن وجود إسرائيل هو النكبة، لا ليس الأمر كذلك ولكنهم أكثر تقبلا بأن هناك خطأ ما في احتلال إسرائيل للضفة الغربية، وأن يكونوا أكثر انتقادا لبعض أعمال إسرائيل العسكرية، وهناك استطلاعات كثيرة تشير إلى ذلك، لكن بعض الناس يجادلون بأن الأمر عائد إلى أنهم من الشباب وأنهم عندما يكبرون سيصبحون كغيرهم من الكهول اليهود الأميركيين. ولا أعتقد أن ذلك عائد إلى فئات العمر. إنه عائد إلى خبرة مختلفة لجيل كامل. فإذا كانت خبرة هذا الجيل تبدأ بالحرب اللبنانية في مطلع الثمانينات والانتفاضة الأولى فهي تعطي صورة مختلفة عمّا لو كنت تعي حربي 48 و67، إن الشباب من اليهود الأميركيين يعتبرون إسرائيل قوة إقليمية عظمى وليس الأمر كذلك في نظر الجيل السابق.

إسرائيل ومستقبل الديمقراطية 

عبد الرحيم فقرا: أنت يهودي وأميركي وشاب، ومع ذلك تقول إنك ملتزم بدولة إسرائيل، وإنك قلق على مستقبلها الديمقراطي كما تقول، إذن، إذا كان الوضع كذلك لماذا تعتقد أن الإسرائيليين سيشعرون بأن الخطر القادم سيأتيهم من اليهود الأميركيين الشباب؟ 

بيتر باينارت: لأني اعتقد أن اليهود الأميركيين يقومون بدور رئيسي في تدعيم علاقة إسرائيل بالحكومة الأميركية، وأعتقد أننا سنشهد في السنوات والعقود المقبلة تزايد احتجاجات الشباب من اليهود الأميركيين، وقد حدث ذلك عندما تحدث نتنياهو للمنظمات اليهودية الأميركية الخيرية، وقام اليهود الأميركيون من الشباب بمقاطعته ومضايقته، كانوا قليلي العدد ولكني أعتقد أن عددهم سيتزايد كثيرا لأن شعورهم يتزايد بأن هذه السياسة ليست خيرا لإسرائيل، وهناك غضب معنوي وأخلاقي. نحن لنا تقاليد كما يقال في سفر الخروج، إننا نعلم ما في قلب الغريب لأننا كنا غرباء في أرض مصر، والكثير من اليهود الأميركيين يأخذون هذا الأمر بجدية، ويشعرون بالتزام أخلاقي تجاه الفلسطينيين ولا يعني ذلك أن عليهم معاداة دولة إسرائيل ولكن أن يحدثوا تغييرا في السياسة الأميركية تجاه الضفة الغربية وغزة. 

عبد الرحيم فقرا: فيما يتعلق بالهوة بين الأجيال التي تتحدث عنها وأنت تعرف جيدا هذا الكلام، إذا تمعنت في تصريحات الرؤساء الأميركيين المتعاقبين بالنسبة لالتزامهم بمستقبل إسرائيل بمن فيهم باراك أوباما بالمناسبة، في ظل ذلك هل فعلا مسألة الهوة بين الأجيال هل لها فعلا قيمة؟ 

بيتر باينارت: إن التأييد الأميركي لإسرائيل لا يعتمد على اليهود الأميركيين فقط،  هناك الكثير من المسيحيين الأميركيين الذين يشعرون بالارتباط مع دولة إسرائيل لأسباب دينية وثقافية ولما يعتبرونه مصلحة أميركية أيضا. إن نسبة كبيرة من القيادات اليهودية الأميركية هم في الستينات والسبعينات والثمانينات من العمر، وفي تعاقب الأجيال هذا سنشهد مطالبة بأن نعيد النظر فيما يعنيه بأن تكون مواليا لإسرائيل، وأن لا يتم تعريف ذلك بأنه تأييد لاحتلال إسرائيل للضفة الغربية وأن لا تعني موالاة إسرائيل معاداة الفلسطينيين. 

عبد الرحيم فقرا: اسمع مرة أخرى لما يقوله روبرت ليدر عنك. 

[شريط مسجل] 

روبرت ليدر: إني أعارض ذلك كليةً، إن ذلك ليس تقييما دقيقا لليهود الأميركيين، إنه ليس تقييما دقيقا للجالية اليهودية، وليس تقييما دقيقا لما يحدث في إسرائيل بين إسرائيل والفلسطينيين، إنه ليس سوى تعبير عن مواقف باينارت السياسية النخبوية اليسارية حيث يعيش في مانهاتن، إنه تعبير عن ليبرالييّ مانهاتن اليساريين ولا يقول شيئا عن تلك القضايا الأهم والأوسع نطاقا. 

عبد الرحيم فقرا: إلى أي مدى تشعر أنك تعكس مواقف شريحة واسعة من الشباب من اليهود الأميركيين؟ 

بيتر باينارت: تشير الاستطلاعات إلى أنك إذا سألت اليهود الأميركيين الأسئلة التي تم طرحها أيام أزمة مجموعة سفن المساعدات التركية، وهي: هل تعتبر وجود إسرائيل في الضفة الغربية احتلالا لأراضي شعب آخر؟ وبوضع مشاعرك تجاه توسع المستوطنات جانبا، هل تعتقد أن إسرائيل دوما على حق في سياساتها؟ عندها ستجد فروقا حادة بين جيل اليهود الشباب والجيل السابق. وذلك ليس نتيجة لأني أعيش في مانهاتن المعروفة بليبراليتها، فقد صدرت تصريحات متتالية عن مسؤولين أمنيين كبار في إسرائيل أمثال يوفال ديسكين رئيس جهاز الشباك السابق فقد كتبت صحيفة هآرتس أنه يتحدث وكأنه باينر لأنه كان معاديا لحكومة نتنياهو، لأنها لم تقم بأي جهد لإقامة دولة فلسطينية. وقالت تسيبي ليفني قبل أسبوعين أيضا أن احتلال إسرائيل للضفة الغربية يعرض إسرائيل لخطر قاتل، ولذا لا اعتقد أن ذلك مجرد نتاج أني أسكن نيويورك، أعتقد أن هناك شيءٌ لا يراه كثير من الإسرائيليين بالتهديد الواقع على مستقبل الديمقراطية الإسرائيلية جراء خمسة وأربعين عاما من احتلال الضفة الغربية. 

عبد الرحيم فقرا: هناك من اليهود ومن غير اليهود من يعتقد أن إسرائيل تواجه خطر ما يصفونه بالاختفاء، وأنت تقول إنك لا توافق على ذلك لأن العديد من اليهود الأميركيين الشباب ينظرون إلى إسرائيل كقوة عسكرية عظمى في الشرق الأوسط، تقول في كتابك ما يلي: "إن بقاء إسرائيل المادي مرهون ببقائها الأخلاقي" وهو ما يثير تساؤلا لدي عن منهجيتك، هل هي علمية أم أخلاقية؟ أم ما هي منهجيتك في هذا الكتاب بالضبط؟ 

بيتر باينارت: لديك الآن 600 ألف مستوطن إسرائيلي في الضفة الغربية والقدس الشرقية، إن إسرائيل ليست ديمقراطية، إنها لا تعطي الفلسطينيين في الضفة الغربية حق التصويت والمواطنة، واعتقد أنه إذا أصبح الاحتلال دائما فلن تكون إسرائيل ديمقراطية حقيقية، عندها سيحدث ما لا يمكن تجنبه وهو دولة واحدة من النهر إلى البحر وهي ليست يهودية، هذا ما أعنيه بقولي إن استمرار أخلاقيات إسرائيل مرتبط باستمرار وجودها. 

عبد الرحيم فقرا: تستشهد في كتابك من التوراة، وتقول ما معناه إن أي أمة من الأمم إذا أصيبت بالانحطاط الأخلاقي فقوتها العسكرية والسياسية لا تعني أي شيء في نهاية المطاف لأنها ستنهار. وتقول إن هناك أمثلة في التاريخ اليهودي لذلك، في هذه الحالة ما الفرق بينك أنت كشاب يهودي أميركي وبين من يقول من اليهود سواء في إسرائيل أو غير إسرائيل بأن أرض فلسطين وإسرائيل أرض الميعاد، وعد الله بها اليهود؟ 

بيتر باينارت: إن اليهودية كالإسلام والمسيحية، دين متنوع، وهذه تقاليد دينية يمكن أن تجد فيها الشيء ونقيضه. هي عالم قائم بذاته، وكما أن هناك صراعات في الإسلام وفي المسيحية حول ما إذا كانت لديك رؤية حول تلك التقاليد بالقول بأننا أفضل من غيرنا، ولا نريد سوى احتلالهم ولا علاقة لنا بحقوقهم، إن في تقاليدنا أن الله خلق الإنسان على صورته، وأننا نرى الله في خلقه وفي كل فرد سواء أكان من ديننا أم لا. إن هذه هي التقاليد اليهودية، والتي لها تأييد كبير في اليهودية التي أؤمن بها، ولذا فإني على خلاف جوهري مع أولئك الذين يؤمنون بأن السيطرة على الأرض أهم من حقوق وكرامة الناس يهودا وفلسطينيين. 

عبد الرحيم فقرا: بيتر شكرا، بعد الاستراحة فيلم عن رحلة يهودي أميركي إلى الأندلس مقتفيا خطى ابن رشد وابن ميمون بحثا عن مفهوم معاصر اسمه المواطنة. 

[شريط مسجل] 

تظهر روعة الأندلس أيضا في أشبيلية التي هي اليوم عاصمة الإقليم الذي يحمل اسم الأندلس في إسبانيا، وفي اشبيلية وقبل أكثر من تسعة قرون أقام الفلاسفة والأطباء وعلماء الرياضيات والفلك والمهندسون المسلمون ثقافة رائعة وخلاقة . 

[فاصل إعلاني] 

عبد الرحيم فقرا: أهلا بكم جميعا في الجزء الثاني من برنامج من واشنطن، إثر أحداث الحادي عشر من أيلول سبتمبر وما صاحبها من أحاديث عن صدام الحضارات أكتشف اليهودي الأميركي جيكوب بيندر أن الجهل كما يقول هو الذي يتصادم، أما الحضارات ستتقاطع وتتلاقحُ وتتكامل، هذا الاكتشاف تعزز لديه كما يقول بعد الوقوف على إرث المُسلمين في الأندلس في رحلةٍ أخذته أيضاً إلى دولٍ أخرى كالمغرب حيث تُوفي الأندلسي أبو الوليد ابن رُشد، ومصر حيث يرقدُ جثمانُ مواطنه الأندلسي أيضاً موسى ابن ميمون أشهر أعلام اليهود في ذلك الزمان.

[تقرير مسجل]

يختلف الناس وبحدةٍ اليوم حول مدى ما كان عليه التسامُح في إسبانيا المسلمة، ويظهر هذا الجدل النظري حول التاريخ في النقاش الدائر حول إذا ما كان الإسلام والغرب قادران على التعايش في وئام أم إنهما مشتبكان في صراع حضاراتٍ لا يُمكن تفاديه، وتحتفل قرطبة اليوم بتكريم اثنين من المع أبنائها أحدهما مسلم والآخر يهودي ابن رُشد الذي يعرف في الغرب باسم أبي روج وقد ولد في العام 1126 للميلاد، وبعد ذلك التاريخ باثني عشر عاما ولد ابن ميمون، وكلاهما ولد لعائلةٍ مرموقةٍ في سلك القضاء وقد أوصلهما النجاح والإنجاز إلى قصور الحكم، وبالتزام عنيدٍ بحرية الفكر قاما بكل ما في وسعهما، وقد خاطرا بكل شيءٍ من أجل التوثيق وبشجاعةٍ بين الحقائق التي وجداها في كتابات الوثني أرسطو، وبين كُتبهم المقدسة، وكانت أحوال اليهود في إسبانيا على النقيض من أحوال يهود أوروبا المسيحية الذين عانوا الاضطهاد، كان اليهود في إسبانيا المسلمة يعيشون ما يصفه المؤرخون اليهود بالعصر الذهبي، كان عصراً يبني فيه اليهود كُنسهم شبيهةً بالمساجد، وكانوا يكتبون ويتكلمون ويحلمون باللغة العربية، وقد كتب أحد أعظم شعراء اليهود في إسبانيا يقول: ليكن الكتاب المقدس جنة عدن ولتكن الكتب العربية جنتك الغناء، ويولد ابن رشد للمرة الثالثة بعد 800 عام على وفاته، وها هو يلعب اليوم دوراً مؤثراً لدى المفكرين العرب الذين يسعون إلى الديمقراطية والإصلاح في مُجتمعاتهم.

[نهاية التقرير]

عبد الرحيم فقرا: كيف أخذت أحداثُ الحادي عشر من أيلول جيكوب بيندر إلى الأندلس؟ وما أهمية هذا الماضي الحاضر لديه كيهودي أميركي يعيش في مجتمعٍ تختلط فيه الأديان والثقافات؟ وكيف ينظر إلى عبر الأندلس في علاقاته مع العرب والمسلمين الأميركيين في زمنٍ يشهدُ فيه العالم العربي الإسلامي موجةً من التغيير توصف بالربيع العربي؟ يُسعدني أن أرحب بجيكوب أو جيكوب بيندر الذي ينضم إلينا من نيويورك كما أرحب في الأستوديو معي بالدكتور محمد السنوسي مدير مكتب الإتحاد الإسلامي في أميركا الشمالية الذي دعم فيلم بيندر: الخروج من قرطبة، أبدأ بك جيكوب في نيويورك: بعد أحداث الحادي عشر من أيلول سبتمبر زرت منطقة الأندلس في إسبانيا ما الذي شهدته وعشته خلال تلك التجربة الذي تعتقد أنه يمكن أن يُغذي الحوار حول مسألة المواطنة سواء هنا في الولايات المتحدة وفي المنطقة العربية حالياً؟

 جيكوب بيندر: إن من دواعي سروري أن أكون معكم في الجزيرة للتحدث عن الفيلم الذي قمت بإنتاجه: الخروج من قرطبة، والعلاقة بين أتباع الديانات الثلاث اليهود والمسيحيين والمسلمين، عندما زرت الأندلس غمرني إعجابٌ هائِلٌ بالإرث الحضاري والثقافي الذي خلفته لنا الأندلس وإسبانيا المسلمة للعصور الوسطى، لم يكن ذلك تراثاً أو إرثاً إسلامياً فقط بل مسيحياً ويهودياً أيضاً، حيث عملت الديانات الثلاث سويةً في بناء مجتمعٍ خلاقٍ ورائع، وأعتقد أن ذلك كله قد منحنا ميراثاً من التعددية، وكيف يُمكن للمجتمعات المتعددة الأديان التغلب على الخلافات وبناء مجتمع يتساوى فيه الناس في الحقوق والحرية، وأعتقد أن هذا هو أيضاً أحد دروس الربيع العربي.

عبد الرحيم فقرا: جيكوب، بالنسبة لمسألة المواطنة إلى أي مدى تعتقد أن المواطنة بمفهومها المعاصر تجد جذورها أو سلفها في مفهوم التعايش الذي تتحدث عنه أنت في الأندلس قبل 400 أو 500 عام؟

جيكوب بيندر: طبعاً لم تكن الأندلس ديمقراطيةً كما نفهم الديمقراطية اليوم، لكن أعطتنا ميراثاً من التعددية والتسامح، وكيف تتعايش مجموعاتٌ مختلفة، وقد وضعت بذلك الأسس والقواعد لما تطور في أوروبا لاحقاً في عصري التنوير والنهضة والذي أوصل إلى الثورة الفرنسية وانتشار أقطاب الديمقراطية في عالم الغرب والتي تتجذر الآن في العالميين العربي والإسلامي، وأعتقد أن ذلك جزءاً من التراث والميراث اللذين أورثنا إياهما الأندلس وألهمتنا بهما.

العلاقة بين الإسلام واليهودية من منظور سينمائي

عبد الرحيم فقرا: يعقوب، بطبيعة الحال نريد أن نتحدث عن العلاقة بين ابن رشد وابن ميمون، وماذا قد تعني بالنسبة لزمننا المُعاصر، لكن قبل ذلك أعود إلى الأستوديو، دكتور محمد السنوسي، محمد بالنسبة لدعم إتحادكم لفيلم جيكوب بيندر لماذا دعمتم هذا الفيلم؟

محمد السنوسي: بدايةً شكراً أخي عبد الرحيم على إتاحة هذه الفرصة والإتاحة للمشاهد العربي حتى يتعرف على هذا الفيلم: في إطار المواطنة، خاصة أن العالم العربي يعيش فترة الربيع العربي، لكن عودة إلى سؤالك فيما يتعلق بدعمنا لهذا الفيلم بالذات، كما تعلم أن عقب أحداث 11 سبتمبر، الجالية الإسلامية هنا في الولايات المتحدة الأميركية عاشت فترة عصيبة خاصةً أن تزعزعت الثقة بين الجالية الإسلامية والمجتمع الأميركي بمختلف توجهات ودياناته، فكنا نحن في الإتحاد الإسلامي في أميركا الجنوبية نتلمس ونبحث عن حلول من شأنها أن تُقرب وجهات النظر ومن شأنها أيضاً أن تعمق الثقة بين الجالية والمجتمع الأميركي، ففي إطار ذلك عندما جاء الحاخام جيكوب بيندر أو كما يحلو له أن يدعى جيكوب بيندر بهذه الفكرة لإبراز دور ابن رشد وابن ميمون في الأندلس، وكيف أنهم ابن رشد المسلم وابن ميمون اليهودي عاشوا في وئامٍ وسلام لنفع البشرية، فلذلك يعني تلقفنا هذه الفكرة بسرعة وقلنا أن نخرج هذا التعايش في إطار فيلم، فلذلك قدمنا جيكوب إلى مؤسسات في العالم العربي خاصةً مؤسسة الوليد بن طلال ومركز الدوحة الدولي لحوار الأديان وأرسلناه إلى العالم العربي حتى يتكلم مع المسلمين ويجد الدعم، وهنا أيضاً في الولايات المتحدة الأميركية أيضاً وجد دعما من الجالية الإسلامية.

عبد الرحيم فقرا: واضح لكن وجد كذلك انتقادا وامتعاضا سواء من قِبل اليهود أو بعض شرائح اليهود وبعض شرائح المُسلمين، بالنسبة لشرائح اليهود طبعاً تركيز الفيلم وتركيز جيكوب بيندر على مسألة الاحتلال الإسرائيلي ومسألة الجدار العازل..

محمد السنوسي: صحيح.

عبد الرحيم فقرا: أغضب العديد من الجهات اليهودية ولكن بالنسبة للجهات المسلمة أيضاً..

محمد السنوسي: صحيح.

عبد الرحيم فقرا: سمعنا بعض الأصوات التي تقول أن المشكلة ليست مشكلة بين الإسلام واليهودية، ليست مشكلة بين المسلمين واليهود في فلسطين بل هي مشكلة أرض احتلت، والفيلم يحاول أن يصور في أعين هؤلاء المشكلة على أساس أنها مشكلة علاقة بين اليهودية والإسلام.

محمد السنوسي: هذا صحيح، طبعاً الفيلم وجد انتقادا كما ذكرت، الانتقاد الأكبر حقيقةً من قسم كبير من اليهود في أميركا، يعني حتى نحن كنا نطمع في اليهود الإصلاحيين في أميركا، اللي هُم أقرب لنا في مسائل التعايش وفي حوار الأديان وكذا، كنا نطمع في أنهم يدعموا الفيلم ويقدموا الفيلم إلى معابدهم اليهودية حتى يقربوا من وجهات النظر، ولكنهم أحجموا، عدد كبير منهم أحجموا عن دعم هذا الفيلم، لأن الفيلم يصور المعاناة التي يُعانيها الشعب الفلسطيني والجدار العازل وكل الاضطهاد، وخاصةً أن الفيلم يُظهر أن هناك منظمات يهودية داخل إسرائيل كمنظمة حاخامات من أجل حقوق الإنسان مثلاً وتتحدث ضد دولة إسرائيل وتدعم الفلسطينيين، لكن عددا كبيرا من المسلمين أيضاً رأى أن هذا الفيلم صحيح يتحدث عن التعايش لكن القضية كيف نصل إلى أن المسلمين يستمتعون ويستحوذون ويأخذون أراضيهم، هذه طبعاً قضية أيضاً نوقشت خاصةً نحن رأيناها في كثير من العروض التي يعني، مثلاً جيكوب نفسه الآن قبل ثلاثة أسابيع نحن قدمناه للجالية الإسلامية في دالاس في ولاية تكساس، عدد كبير من المسلمين حضر أيضاً أثاروا هذه النقطة.

عبد الرحيم فقرا: طيب جيكوب، عودة إلى مسألة المواطنة ومسألة المعاني المعاصرة للعلاقة بين ابن رُشد وابن ميمون كما أثرتها في فيلمك: الخروج من قرطبة، ابن رشد بطبيعة الحال كما هو معروف عانى محنا سواء في الأندلس آنذاك، أو في بعض مناطق العالم الإسلامي الأخرى كشمال إفريقيا، لكن يعاد النظر فيه حالياً كما أشرت في فيلمك، ما الذي يُمكن للسجالات الدائرة حالياً سواء في الولايات المتحدة حول المواطنة أو في العالمين العربي والإسلامي ما الذي يُمكن أن يستفيده الأميركيون والعرب والمسلمون من العلاقة بين ابن رشد وابن ميمون؟ 

جيكوب بيندر: إن أحد الدروس التاريخية المستفادة من حياة ابن رشد وابن ميمون أن كليهما واجها الانتقاد من مجتمعه وليس من خارجه ولم يتراجعا وبقيا على موقفهما في الجمع بين العقل والوحي، إن هذا الميراث هو درسٌ في حرية التعبير وإن حرية التعبير يجب أن تكون أحد أسس المفهوم الحديث للمواطنة، ورغم أن كثيراً من اليهود الأميركيين يعتبرون ابن ميمون أحد أهم الشخصيات اليهودية في الألفي عام الماضية، وقد نسوا أن حاخامات الآخرين أحرقوا كتبه في حياته، ومع ذلك فإن تراث ابن ميمون وهو تراث حرية التعبير، تراث قول الحقيقة التي رآها نابعةً من خارج التقاليد اليهودية، ولذا أعتقد أن ما يجب أن نذكره من حيث ابن رشد وابن ميمون ومحاولة قول الحقيقة كما رأياها مهما كانت النتائج وكانا بذلك يرفعان لواء حرية الضمير.

عبد الرحيم فقرا: بالنسبة لابن ميمون، ابن ميمون بطبيعة الحال كابن رشد كتب في العديد من المجالات، لكنه يعرف عند اليهود بأنه كتب في جوانب دقيقة تتعلق بالقوانين التي يجب أن تحكم المجتمع، ويجب أن تحكم العلاقة بين أفراد المجتمع وبين الدين والمجتمع إلى غير ذلك، ما الذي تعتقد أن اليهود الأميركيين يعرفونه عن ابن ميمون خاصةً في سجالاتهم حول الدستور وتطبيقات الدستور في الولايات المتحدة؟

جيكوب بيندر: علينا أن نتذكر أن من أهم قرارات المحكمة العُليا الأميركية ما عُرف باسم قرار ميرندا الذي ينص على وجوب إعلام المقبوض عليه بما له من حقوق وأن له الحق في أن يكون له محام يدافع عنه، وأن لا يُجرم نفسه، وقد شهدنا ذلك مراراً وتكراراً في أفلام وبرامج تلفزيونية، وقد أشارت المحكمة العليا الأميركية في قرارها المذكور بما كتبه ابن ميمون قبل 800 عام بأن اعتراف المتهم لا يكفي لإدانته، وأن هناك ضرورة وجود شهودٍ لإثبات وقوع الجريمة، إن ذلك يحمي الذين يتم اعتقالهم دون مُبررٍ ويجري تعذيبهم، وهذا التراث لا يعلمهُ كثيرٌ من اليهود الأميركيين وكثيرٌ من الأميركيين أيضاً، إن فكرة حرية التعبير ومعارضة السلطة قد وصل إلينا من هذين الرجُلين العظيمين: ابن رشد وابن ميمون، وهو أمرٌ خبرته بنفسي في العشرين عاماً الماضية عندما نجدُ يهوداً أميركيين أمثالي يتم انتقادهم في مجتمعهم لأنهم يحتجون على الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية، نحن مُستمرون في ذلك لأننا نؤمن أن علينا التعبير عما في ضمائرنا لأن الاحتلال انتهاك لحقوق العرب والمسلمين في فلسطين.

عبد الرحيم فقرا: دكتور السنوسي، جيكوب تحدث كيهودي عن ابن ميمون والتطبيقات المعاصرة الممكنة لابن ميمون، ماذا عن ابن رشد، معروف أن ابن رشد كان له توجه مُعين في النظرة إلى العلاقة بين الدين والمجتمع، المجتمعات العربية حالياً في هذه الفترة وصلت حركات إسلامية إلى سُدة الحكم بدرجات متفاوتة، هل ابن رشد بالضرورة مصدر وئام أم أن السجال حول ابن رشد في المنطقة العربية وعند المسلمين في الولايات المتحدة يُمكن أن يخلق نوعا من البلبلة ويوسع هوة الخلاف؟

محمد السنوسي: هو أحسب.. أن طبعاً العالم العربي والعالم الإسلامي حقيقةً الآن يعيش فترة الربيع العربي وأفتكر أن هذه فرصة جوهرية للعالم العربي، دول جديدة تكتب دساتير جديدة، فلا بد أن تستصحب عما فعله ابن رشد وابن ميمون خاصةً في قضية التعايش والتسامح، فهذه قضايا مهمة جداً، قضية المواطنة التي ذكرتها في بداية الحديث أنها قضية مهمة أن العالم العربي لا بد يستصحب هذه القضية، المواطنة اللي هي موافقة تامة وعدالة في الحقوق والواجبات، فأفتكر أن ابن ميمون وخاصةً ابن رشد يكون ليس مصدرا للمُشاكسة، وإنما يكون مصدرا يُغني هذه الدساتير الجديدة بروح التعايش والتسامح التي من شأنها أن تضمن سواء كان في العالم العربي والإسلامي، لأن ما يحدث في العالم العربي سواء كان من اتهام لأقليات دينية أو عدم مُشاركة الأقليات في المجتمع ينعكس بشكل أو آخر على المسلمين في الولايات المتحدة الأميركية، مثلاً نحن الآن نعيش في فترة الإسلاموفوبيا والحقوق المدنية للمسلمين الأميركيين انتهكت، لذلك فكثير من أصحاب الديانات الأخرى ورجالات الدين الذين نتحدث معهم يقولون: أنظر للمسيحيين مثلاً في العالم الإسلامي يعانون من كثير أشياء، من يتحدث عنهم في هذه المرحلة، فلذلك يعني فرصة ذهبية أن للعالم الإسلامية أن ينظر لهذا.

عبد الرحيم فقرا: جيكوب لم يبق من وقت هذا التسجيل سوى حوالي دقيقة، بالنسبة لابن رشد وابن ميمون في ظل المُتغيرات في المنطقة العربية بالنسبة لك، هل تنظر إلى ابن رشد وابن ميمون كشخصيات أو كعلماء دين أم أنك تجرد مسألة الدين وتنظر إليهم كناس كانت لهم رؤية معينة للدين والمجتمع؟

جيكوب بيندر: إن بعض ما قاما به تحديداً هو الجمع والموازنة بين العقل والوحي، والتوازن بين الدين والمجتمع، وأعتقد أن أحد دروس الربيع العربي هو ظهور الحركات الإسلامية في العالم العربي والذي يُمكن للمرء أن يلتزم بالديمقراطية وأن يكون في الوقت نفسه مؤمناً مُتديناً، إن هذه قضايا مطروحة للجدل الذي نأمل أن يكون سلمياً في العالم العربي، وأعتقد أن كُلاً من ابن رشد وابن ميمون يمكن أن يكونا عاملاً ملهماً في ذلك كُله، وهنالك اليوم عددٌ من منظمات حقوق الإنسان في مصر والعالم العربي وأوروبا تستلهم ابن رشد، هناك معهد القاهرة لدراسات حقوق الإنسان ومؤسسة أخرى هي صندوق ابن رشد في ألمانيا الذي يعمل على الحفاظ على تراث ابن رشد كرمزٍ للديمقراطية في الإسلام وحرية التعبير في العالم العربي، وأن يبقى ابن ميمون أيضاً رمزاً لليهود المكافحين ضد الاحتلال الإسرائيلي، ويعملون على التفاهم بين اليهود والمسلمين من أجل مستقبلٍ آمنٍ لجميع أبناء إبراهيم.

عبد الرحيم فقرا: شكراً لك جيكوب بيندر صاحب فيلم: الخروج من قرطبة، وقد انضم إلينا من نيويورك، شكراً كذلك للدكتور محمد السنوسي مدير مكتب الإتحاد الإسلامي في أميركا الشمالية المعروفة اختصارا بإسنا، انتهت الحلقة يُمكنكم التواصل معنا كالمعتاد عبر بريدنا الإلكتروني وفيسبوك وتويتر، إلى اللقاء.