- صندوق النقد الدولي ومنظومة الدعم
- دول الربيع العربي وإصلاح نظام الدعم

- تركيا وعلاقتها بصندوق النقد الدولي

- مصر وقرض النقد الدولي

- دعم للأغنياء لا الفقراء

- الدعم الحكومي ومسألة إعادة الهيكلة الاقتصادية


عبد الرحيم فقرا
نعمت شفيق
خوسية أنطونيو غونسالس
أمية طوقان
محمد شمشيك

عبد الرحيم فقرا: مشاهدينا في كل مكان أهلا بكم إلى هذا التسجيل الخاص من مقر صندوق النقد الدولي الذي دعا الجزيرة لإدارة هذه الندوة وتكفل بدفع جزء من تكاليف تسجيلها، أرحب في البداية بالمشاركين في هذه الندوة، نعمت شفيق نائبة مديرة صندوق النقد الدولي، خوسيه أنطونيو غونساليس أنايا وكيل وزارة المالية في المكسيك، أمية طوقان وزير المالية في الأردن، ومحمت أو محمد شمشيك وزير المالية في تركيا. مرحبا بكم جميعا ومرحبا بضيوفنا في القاعة وبمشاهدينا في كل مكان، كل الثقافات والأديان تحث على الرفق بالمستضعفين وعلى دعمهم بكل الطرق المشروعة، نقاشنا اليوم ينصب على ملف الدعم الذي تقدمه الحكومات ومن بينها الحكومات العربية إلى مستضعفيها لمساعدتهم على تحمل أسعار الغذاء والوقود، إصلاح نظام هذا الدعم يحتل مكانة بارزة في فلسفة صندوق النقد الدولي في تعامله مع مختلف الدول ومن بينها على سبيل المثال لا الحصر مصر التي لا تزال تواجه صعوبات اقتصادية بموازاة تحدياتها السياسية المعقدة منذ إرغام الرئيس المصري السابق محمد حسني مبارك على ترك السلطة قبل أكثر من عام. في مقابلة خاصة مع الجزيرة قبل بضعة أسابيع تحدثت مديرة الصندوق كريستين لاغارد عن مسألة الدعم الحكومي في مصر وغيرها من البلدان.

[شريط مسجل]

كريستين لاغارد/مدير عام صندوق النقد الدولي: يمكن أن توجه جهودك إلى بنود الدعم الذي يتلقوه من هم في أمس الحاجة إليه، ولكن في بلدان كثيرة وأنا هنا لا أشير بإصبع الاتهام إلى أي منها في دول عديدة التي تقدم تلك الإعانات وخاصة في النفط ومشتقاته، فإن تلك الإعانات هي لمنفعة الجميع دون تفريق بين القادرين على شراء النفط ومشتقاته دون الدعم المالي وبين الذين هم بحاجة إلى الدعم ليس في موضوع النفط خاصة بل في سلع أخرى أساسية لذا فإن توقعاتهم تتفق تماما مع توقعاتنا، بكلمات أخرى إن إعادة تشكيل بنود الدعم ليتم توجيهها وتركيزها على أولئك الذين هم بحاجة إليها وأن يتم أخذها من أولئك الذين يستفيدون منها وليسوا بحاجة إليها.

عبد الرحيم فقرا: جهات عربية عدة تتفق مع لاغارد في أن المستفيدين من الدعم الحكومي لا يمتون بصلة في كثير من الأحيان للفقر أو الضعف بل هم أصحاب شركات غنية كما هو الشأن في مصر على سبيل المثال، لكن العديد من مستضعفي الشرق الأوسط وشمال إفريقيا لا يخفون تشككهم في مصداقية صندوق النقد الدولي في هذا الصدد مشيرين إلى أنه يعرف جيدا أن مختلف الأنظمة السياسية التي دعمها النظام العالمي سياسيا واقتصاديا في المنطقة تستخدم الدعم من باب خوفها على بقائها أكثر مما قد تهتم بإصلاح الدعم الحكومي، معنى ذلك في منظور هؤلاء المنتقدين أن ما تقوله كريستين لاغارد باسم الصندوق يمثل الوجه المالي للنفاق السياسي الذي يحكم العالم فكيف يرد الصندوق على ذلك؟

نعمت شفيق: بداية دعني أقول أن هذه لحظة تاريخية بالنسبة للمنطقة فقد كانت هناك تحولات سياسية واقتصادية هائلة في دول عديدة في المنطقة وإحدى نتائج تلك التحولات هي أن الاقتصادات تضررت إلى حد ما، فلو نظرنا إلى دخل الفرد في الدول التي تمر بتحولات لوجدناها تراوح مكانها بينما ترتفع نسبة البطالة ويرتفع العجز المالي، بالتالي فإن المنافع الاقتصادية لهذا التحول السياسي لم تظهر بعد وهذا مشكل كبير حيث أن نجاح هذه التحولات السياسية سيتوقف على تحسن الأوضاع الاقتصادية، وهذا يعيدنا إلى مسألة الدعم، لقد أنفقت المنطقة مئتي مليار دولار على دعم الطاقة والغذاء خلال السنة الماضية، ثمانون في المئة منها أي مئة وستون مليار دولار كانت دعما للطاقة وكان يمكن إنفاق ذلك المبلغ على التعليم أو لمداخيل مباشرة تصرف للفقراء أو للرعاية الصحية ولذلك يهتم صندوق النقد الدولي بموضوع الدعم.

صندوق النقد الدولي ومنظومة الدعم

عبد الرحيم فقرا: العديد من الناس سيقولون طيب نتفهم ما يقوله صندوق النقد الدولي لكن في نهاية المطاف ما مصلحة الصندوق في الضغط من أجل إلغاء الدعم الحكومي أو كما بدأنا نسمع في الآونة الأخيرة في إصلاح الدعم الحكومي ما مصلحة الصندوق؟

نعمت شفيق: الدول العربية عضوة في الصندوق الذي هو مؤسسة تعاونية تهتم بمصلحة أعضائها.

عبد الرحيم فقرا: حقا هذا كل ما في الأمر.

نعمت شفيق: لماذا إذن لماذا تعتقد أننا نهتم، أعتقد أن الدفاع عن نظام الدعم وما فعلته الأنظمة السابقة تلك كانت الطريقة التي استخدمتها الأنظمة القديمة في تهدئة شكوكها ما نقوله هو أننا يجب أن لا نساند منظومة دعم توزع المساعدات على الجميع بما فيهم الشرائح التي ليست بحاجة إلى مساعدة، فكرة أن الدعم يقدم مساعدة للفقراء هو أسطورة. نعلم أن عشرين في المئة فقط من دعم الطاقة مثلا يصل إلى الفقراء بينما تذهب الثمانون بالمئة المتبقية إلى شرائح لا يمكن تصنيفها على أنها فقيرة.

عبد الرحيم فقرا: سؤال متابعه الآن قبل أن أتحول إلى بقية المشاركين في هذه الندوة، في هذا الوقت بالذات من التاريخ السياسي لشمال إفريقيا والشرق الأوسط ألا يمكن القول أن صندوق النقد الدولي يدعو حكومات المنطقة إلى أن تنتحر سياسيا بطلبه منها أن  تصلح نظام الدعم لأن ذلك الإصلاح ينظر إليه في المنطقة كمحاولة للتخلص من الدعم.

نعمت شفيق: هناك الكثير من الشكوك، وفي بعض الأحيان هي شكوك مشروعة من بعض الفقراء الذين يتساءلون: من المستفيد من رفع الدعم لكن وكما سنستمع من بعض الحاضرين أن دولا كثيرة أقدمت على ذلك، وفي الواقع معظم البلدان قامت بهذا الإصلاح ومعظم الدعم في مجال الطاقة لا يزال موجودا فقط في المنطقة العربية بينما في سائر مناطق العالم وقع تحول إلى طرق تصل بشكل أدق إلى المستحقين وهناك طرق كثيرة أفضل.

عبد الرحيم فقرا: تقصدين أن إيران تحركت في عين إعصار العقوبات كيف يختلف ذلك عن ظروف العرب؟

نعمت شفيق: أعتقد أننا تعلمنا من تجربة البلدان الأخرى أنه عليك أن تجهز نفسك بشكل جيد، وأن تحرص على أن تكون العملية شفافة وأن تشرح للجمهور من هو المستفيد وعليك أن تتوخى منهجية منظمة وتدريجية لإصلاح منظومة الدعم وهناك طرق للنجاح في ذلك، وبإمكانك أن تدعم السلع التي يستهلكها الفقراء ويمكن أن تدعم اعتمادا على مناطق جغرافية بعلمها، ويمكن اعتماد نظام تعرفه يستند إلى نمط الحياة، يعني أن من يستهلك حدا معينا يمكن أن يحصل عليه بسعر زهيد ولكن عندما تستهلك كميات أكبر فإن السعر يرتفع أو أنك يمكنك أن تقدم المعونة نقدا للفقراء ولهم أن ينفقوها كما يرغبون أي أن الخيار يبقى بيدهم، يعني أن هناك تجارب ناجحة يمكن للمنطقة أن تستفيد منها.

عبد الرحيم فقرا: طيب إلى الأردن الآن سيدي الوزير طوقان إلى أي  مدى توافق على أن منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا سياسيا تعيش في عين الإعصار حاليا وهل بالتالي يمكن لحكومات المنطقة أن تغير أي شيء في نظام الدعم.

أمية طوقان: بكل تأكيد أنا أرجو ذلك من أجل شعوبنا وبلداننا، أعرف أن المرحلة دقيقة وحساسة لكن نظام الدعم الحالي غير مجدي إطلاقا كما قالت الدكتورة شفيق فإن شريحة محدودة فقط هي التي تستفيد من هذا الدعم وهي ليست الأقلية الفقيرة، فأغلبية المستفيدين هم ليسوا ممن يحتاجون المساعدة.

عبد الرحيم فقرا: من المسؤول عن ذلك الحكومات في المنطقة أم النظام المالي العالمي؟

أمية طوقان: كلا الخطأ يعود لمن يختار نظام التغطية الشاملة أما إذا كان الدعم موجها للشرائح المحتاجة لما كنا لنواجه هذه المشكلة ولما كنا بصدد هذا الحوار الآن، بالتالي علينا أن نصلح منظومة الدعم بشكل يجعلنا نصل إلى الشرائح الأكثر ضعفا ومن الأهمية بمكان أن ندرك أنه كلما كان سعر سلعة ما زهيدا كلما تضاعف استهلاك تلك السلعة بالتالي نحن نشجع شعوبنا على تبديل مواردهم.

دول الربيع العربي وإصلاح نظام الدعم

عبد الرحيم فقرا: دعني أذكر بأن ما يوصف بالربيع العربي بدأ في تونس وله بطبيعة الحال جذور سياسية لكن له أيضا جذور اقتصادية، الآن هل تعتقد أن أي حكومة من حكومات المنطقة بالنظر إلى ما حصل في تونس لها الجرأة على أن تبدأ في إصلاح نظام الدعم في هذه المرحلة من مراحل تاريخ المنطقة.

أمية طوقان: أعتقد بأنه ليس هناك بديل، فالوضع الحالي لا يمكن أن يستمر وصدر المزيد من الدول تواجه صعوبات مالية في موازين المدفوعات ما لم يتغير النظام، بالتالي أنا لا أرى خياراً آخر، أما ما تسأل عنه فهو يتعلق بالطريقة المثلى لتطبيق هذا الإصلاح وهذا ليس بالأمر اليسير وأنا أدرك ذلك.

عبد الرحيم فقرا: عفوا على مقاطعتك، لكن عندما تقول أنه ليس هناك بديل آخر هل تقصد أن على الحكومات في المنطقة أن تصلح نظام الدعم الحكومي حتى إن أدى ذلك إلى مشاكل سياسية قد توصل إلى إسقاط الأنظمة.

أمية طوقان: دعنا نكون أكثر دقة في تعريف المصطلحات، لا أظن أن الأنظمة ستنهار غدا إذا ما صححنا طريقتنا في مساعدة الفقراء.

عبد الرحيم فقرا: لكننا نعرف ما حصل في مصر في السبعينات من القرن الماضي عندما حاول الرئيس أنور السادات أن يعدل نظام الدعم.

أمية طوقان: نعم وهو كذلك فالاحتمال قائم والمخاطرة السياسية موجودة وهذا سيقرره السياسيون على أعلى المستويات أي في الوزارة وغير ذلك، أما عملنا فيتوقف على تقديم المشورة لصانع السياسات والوزراء حول ما يجب فعله حاليا من أجل العودة إلى نظام مالي أفضل واقتصاد منعش، فالأمر الأهم هنا أننا بحاجة إلى إصلاح اقتصادي ككل بشكل لا نحتاج فيه إلى نظام الدعم مرة أخرى، أي بشكل يضمن النمو المتواصل والمزيد من العدالة في التوزيع ودعنا لا ننسى أنه في المنطقة ككل وخصوصا في الأردن الذي هو بلدي وبوسعي أن أتحدث عنه بمعرفة أكبر نحن لدينا شبكة حماية اجتماعية مكلفة للغاية، فالأمر لا يتوقف في حدود الطاقة والغذاء بل يشمل التعليم والإسكان كل هذه القطاعات مدعومة.

عبد الرحيم فقرا: من أين تأتي الأموال لذلك ففي الحالة الأردنية بطبيعة الحال ليس هناك نفط أو  موارد طبيعية أخرى،  من أين تأتي الأموال وما الثمن الذي يدفعه الأردن من أجل ذلك؟

أمية طوقان: كثيرا إلى حد الآن كنا محظوظين بقدرتنا على تحمل هذه التكاليف، لدينا مداخل خاصة الداخلية ومنها الضرائب والمداخل الجمركية، ولدينا مداخل أخرى من المنح من إخواننا العرب ومن مؤسسات دولية، بالتالي لدينا مصدرين من المداخيل وإلى حد الآن استطعنا مساعدة الفقراء وتمويل برامج تنموية وتحقيق معدلات نمو معقولة، لكن السنة الماضية والجارية الأمور ازدادت صعوبة من وجهة النظر المالية، ومن وجهة نظري أعتقد أنه سلوك جديد في المنطقة وهو لا يسرني في الحقيقة، هذه المطالب التي لا سقف لها، الجميع يطالب بكل شيء وبشكل فوري، مطالب شعبية نعم هي مطالب غير معقولة في حين أن الوقت الآن هو وقت التقشف حيث أن موازنة السنوات ألفين واثني عشر إلى ألفين وأربعة عشر يجب أن تكون موازنة تقشف وعلينا أن نفعل ذلك.

عبد الرحيم فقرا: طيب تصريحك بأن بعض المطالب في الأردن غير معقولة  تعرف بالضبط كيف سيرد بعض الأردنيين على ذلك، عموما دعني أتحول إلى تركيا سيدي الوزير وزير المالية التركي بلدك في بلد فريد من حيث أنه قريب من عين الإعصار في شمال إفريقيا والشرق الأوسط لكن على الأقل كما تقول أنت ليست هناك، أو مشكلة الدعم الحكومي غير موجودة في تركيا، كيف وصلت تركيا إلى ذلك وما الذي يمكن لدول كالأردن ومصر والمغرب وتونس وغيرها في المنطقة أن تتعلمه من الحالة التركية؟

محمد شمشيك: دعني أقول بداية أن المنطقة أمامها آفاق اقتصادية كبيرة فمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا تنعم بديمغرافية واعدة إذا ما استطاعت الحكومات أن تجري إصلاحات هيكلية من شأنها تحسين بيئة الاستثمار واتخاذ كل الخطوات الصحيحة، أعتقد أنه على المدى البعيد الآفاق جيدة للغاية ولكن على المدى القصير هناك تحولات كبيرة ورغم أنها تحمل الكثير من الأمل لكن الطلبات أيضا كبيرة ونحن ندرك التحديات ولكن اسمح لي أن أعود قليلا لتركيا، نحن  تخلصنا من معظم الدعم الشامل في إطار تعديلات الاقتصاد الكلي، أعتقد أن الدول عليها أن تغتنم الأزمة كفرصة سانحة لإحداث تغييرات لأنه في الأوقات العادية يكون التوجه أكثر للاستجابة للطلبات الشعبية بينما في الظروف الصعبة  يمكنك أن تتخذ قرارات الراديكالية، ولكني أعتقد  أن الطريقة التي توخيناها تشبه إلى حد ما قصة روبن هود الذي يسطو على الأثرياء ويعطي للفقراء فنحن نرفع ضرائب عالية على تلك السلع مثل المحروقات وننفقها على التعليم والرعاية الصحية ونوزعها على الفقراء، بالتالي ثلاثة عشر بالمئة من مداخيلنا من الضرائب تأتي من ضريبة استهلاك المحروقات.

عبد الرحيم فقرا: لكن مرة أخرى سيقول الناس في الأردن ومصر وبلدان عربية أخرى أن الحالة التركية مختلفة عن حالاتهم لأن العديد من الحكومات العربية في وضع صعب فهي مضطرة لإصلاح نظام الدعم الحكومي لكن في نفس الوقت تعرف أن ذلك الإصلاح له ثمن سياسي قد يكون عاليا جدا.

محمد شمشيك: إذا كان التصميم محتملا وإذا كانت مشروحة بشكل جيد وإذا ما كانت هناك بدائل لمنظومات الدعم الشامل أولا يمكنك أن توجه الدعم للتعليم مثلا ولكن فقط لفائدة الفقراء، يمكن أن تدعم الرعاية الصحية لكن أؤكد للفقراء فقط بدلا من الدعم الشامل، يمكنك أن تخفض الضرائب على الأغذية وترفع الضرائب على استهلاك البنزين والعربات لأن من يستهلك البنزين هم يملكون السيارات ومن يملك السيارة ليس من الفقراء.

عبد الرحيم فقرا: إلى أي مدى يمكن اعتبار طموح تركيا للانضمام إلى الإتحاد الأوروبي قاطرة أوصلتكم إلى التخلي كليا عن الدعم الحكومي؟

محمد شمشيك: لا أعتقد أن ذلك كان عاملا هاما لأن مفاوضات الدخول إلى الإتحاد الأوروبي بدأت في عام ألفين وأربعة ولكن تخلينا عن نظام الدعم الشامل بدأ في الثمانينات وقد اكتملت العملية تقريبا في بداية الألفية بالتالي ليس لها علاقة مباشرة بالانضمام إلى الإتحاد الأوروبي رغم أن بناء المؤسسات كان مرتبطا بذلك الموضوع والانضباط المالي حقيقة انطلقت بعد أن وصلنا إلى شفا الهاوية، في عام ألفين وألفين واثنين كانت تركيا على وشك الانهيار حيث كان ما يقرب من ستة وثمانين في المئة من مداخيل الضرائب كانت مخصصة لسداد الفوائد.

تركيا وعلاقتها بصندوق النقد الدولي

عبد الرحيم فقرا: هل ساعدكم صندوق النقد الدولي آنذاك وهل لك أن تقول لنا الثمن الذي دفعته تركيا من أجل تلك المساعدة، هناك دائما ثمن مخفي ليس كذلك؟

محمد شمشيك: لقد كان صندوق النقد الدولي أداة أساسية في التخلص من منظومة الدعم الشامل ولكن الأمر الأهم من كل هذا هو أننا لم نتوقف عن تقديم المساعدة للفقراء، في الحقيقة ارتفعت نفقاتنا الاجتماعية بشكل كبير ولكن النفقات موجهة بشكل أكثر دقة وهذا هو الأمر الأساسي فنحن ننفق المزيد من المال وليس أقل ولكن ننفقه حيث يجب أن نفقه، اقتراحي هو أنك إذا ما توصلت إلى طرح مخططات بديلة مثلا بدل  تقديم الدعم الشامل أنت تعطي المال للحكومات المحلية التي بدورها تتعرف على المحتاجين وتوزع عليهم المعونة لمساعدتهم في التعليم أو المسكن أو التدفئة، أي أن توزع الفحم مثلا خلال فصل الشتاء، بالتالي نحن لا ندعم المحروقات وهكذا دواليك، هذا ممكن ففي حالة تركيا نحن نقدم المعونة لمن يحتاجها ولا نقدمها للجميع.

عبد الرحيم فقرا: آمل أن نتمكن من العودة إلى مسألة إعادة الهيكلة الاقتصادية في الحالة التركية وفي  غيرها من البلدان، لكن قبل ذلك دعني أتحول إلى المكسيك الآن، السيد الوزير من خلال ما سمعته من نظيرك التركي هل سمعت منه أي أصداء تذكرك بما حصل في بلادك أم أن بلادك مختلفة تماما وما هي الدروس التي يمكن أن يستفيد منها أو تستفيد منها منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا من الحالة المكسيكية؟

خوسيه أنطونيو غونسالس أنايا: بداية دعني أقول أنني أتفق مع الوزير التركي في أن إصلاح منظومة الدعم هو أمر لا مفر منه وهناك طرفة مفادها أنهم سألوا شخصا في عيد ميلاده التسعين عن شعوره فقال أن البديل أسوأ، بالتالي هو على حق فالبديل هو الدعم الشامل وقد تخلصت المكسيك من الدعم الشامل للمواد الغذائية وكانت عملية تدريجية امتدت على عشرين سنة ولكنا لا نزال نواجه مشكلة في دعم المحروقات، كما تعلمون نحن ننتج النفط وبعض الأمور التي تطرق إليها الزملاء هي مسألة الشفافية ومن الأمور الجيدة التي نجحنا فيها هي أنه بالرغم من أننا بلد منتج للنفط فإن الدعم مرتبط بالسعر العالمي، ونحن بلد منتج للنفط والشركة المنتجة للنفط هي ملك للحكومة ويمكن المجادلة حول سعر إنتاج ذلك النفط ولكن الجدل هنا غير وارد لأننا نعتمد السعر العالمي بالتالي عملية احتساب الدعم واضحة وشفافة والجميع يعرف قيمة الدعم ولكن في مسألة البنزين مثلا وأنا متأكد أن الحالة مماثلة في تركيا والأردن خمسون في المئة من الدعم للبنزين يذهب لعشرين في المئة من السكان وهم الأثرياء، بالتالي يجب أن تشرح هذا الأمر وأن تبين للجميع بأن الأثرياء لديهم سيارات كبيرة ويستهلكون كميات أكبر من البنزين.

عبد الرحيم فقرا: دعني آخذك في اتجاه جانبي إذا أمكن ونحاول أن نسبب لك بعض المشاكل، عندما تتحدث عن دور الاتصالات هل تقصد بذلك الثري المكسيكي من أصول عربية كارلوس سليم الذي يملك جزءاً كبيرا من قطاع الاتصالات في المكسيك.

خوسيه أنطونيو غونسالس أنايا: كارلوس سليم يعمل في الاتصالات التليفونية وليس الاتصال بمعنى الإعلام والتلفزيون.

عبد الرحيم فقرا:  لكنك تحتاج لوسائل الإعلام لنشر رسالتك.

خوسيه أنطونيو غونسالس أنايا: نعم ونحن نفعل ذلك ونحاول تدريجياً التخلص من دعم المحروقات، ولا علاقة له بهذا الموضوع إنه في قطاع مختلف تماماً.

عبد الرحيم فقرا: نعود الآن للموضوع الأصلي.

خوسيه أنطونيو غونسالس أنايا: ولكن السؤال كان حول التوقيت، فدعني أشرح المسألة التالية، نحن دخلنا في سياسة الزيادات المتدرجة في سعر المحروقات لمدة طويلة، يعني أنه عندما ارتفع سعر برميل النفط بشكل غير مسبوق كان علينا أن نرفع نسق الزيادات ولكن بشكل طفيف وتدريجي، لأن هناك فرقاً بين بأن ترفع السعر وأن تسرع في نسق الزيادات التدريجية، بالتالي أعتقد أنه ليس هناك وقت مثالي للتخلص من الدعم، ولكن يمكنك أن تبدأ بشكل تدريجي، وكتركيا  فعلنا ذلك لتحقيق استقرار الاقتصاد الكلي.

عبد الرحيم فقرا: أود أن أسألك أنت أيضاً في وقت لاحق عن مسألة إعادة الهيكلة، لكن قبل أن نأخذ استراحة أريد أن أسألك عن مسألة الترتية في المكسيك، طبعاً الترتية في بلدك تمثل ما يمثله رغيف الخبز في شمال إفريقيا والشرق الأوسط، الترتية بطبيعة الحال تعتمد على حبوب الذرة، جاركم الكبير الولايات المتحدة منذ عام 2006 بدأ يدعم المزارعين الأميركيين لإنتاج الذرة قبل إنتاج محروق الأنثالون، كيف آثر ذلك على الترتية وكيف أثر على قدرة الحكومة المكسيكية  على التعامل مع الدعم؟

خوسيه أنطونيو غونسالس أنايا: كانت فكرة اللجوء إلى الدعم الشامل مغرية جداً، ولكننا قررنا ألا نفعل ذلك لكل الأسباب التي ذكرناها أي أن الاستفادة منه تكون غالباً للطبقات التي لا تحتاج المساعدة، بالتالي فإن وجود جارٍ عملاق ينتج كميات مهولة من الذرة غير من مؤشر سعر الذرة، ولكن من حسن الحظ نوع الذرة المستخدمة لصنع الرغيف المكسيكي يختلف عن نوع الذرة الذي تنتجه أميركا، وهذا ساعدنا كثيراً، ولكن نحن عملنا على إنشاء برامج متخصصة في زيادة إنتاج الذرة، ولم نعمل على وضع سقف للسعر عن طريق الدعم، وبذلك حافظنا على استقرار الأسعار عن طريق زيادة الإنتاج من جهة وبرامج تهدف إلى مساعدة الفقراء والابتعاد عن الدعم الشامل وهي السياسة التي كانت متبعة إلى حد منتصف الثمانينات، وكلنا نعلم كم كانت تلك السياسات مكلفه.

عبد الرحيم فقرا: حسناً، أرجو أن تسمحوا لي بأن نأخذ استراحة قصيرة، عندما نعود من الاستراحة طبعاً سنواصل هذا الحديث، استراحة قصيرة ثم نعود.

[فاصل إعلاني]

مصر وقرض النقد الدولي

عبد الرحيم فقرا: أهلاً بكم مجددا في هذا الحوار الخاص من مقر صندوق النقد الدولي الذي دعا الجزيرة لإدارة الندوة فيه،أذكر بضيوفي معي نعمت شفيق نائبة مديرة صندوق النقد الدولي، خوسيه أنطونيو غونساليس أيانا وكيل وزارة المالية في المكسيك، وأميه طوقان وزير المالية في الأردن، وكذلك محمد شمشيك وزير المالية في تركيا،  الدكتورة شفيق أبدأ بك مرة أخرى، هناك مفاوضات بين صندوق النقد الدولي ومصر فيما يتعلق بقرض للمصريين تفوق قيمته ثلاثة مليارات دولار، إلى أي مدى تمثل مسألة الدعم الحكومي في مصر عائقا على طريق التوصل إلى اتفاق بينكم والمصريين؟

نعمت شفيق: إن مسألة الدعم في مصر معضلة اقتصادية كبيرة، حيث يمثل دعم المحروقات خمسة في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، وهذا رقم مرتفع جداً وحجم هائل من الموارد يمكن استخدامها بشكل أفضل، وبالتالي يجدر بنا جميعاً أن نجري هذا الحوار عندما نتحدث عن الموازنة في مصر، نحن مقتنعون أن هناك طرقا أفضل لإنفاق هذه الأموال ولإيصال المساعدات المالية إلى جيوب الفقراء بشكل مباشر وهناك دلائل صارخة على أن الفقراء لا ينتفعون من هذا الدعم وهم يشترون المحروقات في السوق السوداء.

عبد الرحيم فقرا: ولكن أليس في ذلك حلقة مفرغه، فأنتم تحاولون التوصل إلى صفقة مع المصريين لكن ليس قبل أن يتعاملوا مع مسألة الدعم الحكومي، وإلى أن يحصل ذلك لن تبرم الاتفاقية؟

نعمت شفيق: الأمر ليس بهذه البساطة، إذ يجب أن يكون في إطار حزمة كاملة من الإصلاحات، والإصلاحات لا يمكنها أن تحدث بين عشية وضحاها كما تفضل السادة الوزراء  تركيا والمكسيك، فالتخلي الدعم الشامل يتطلب وقتاً وتحضيراً جيدين لضمان نجاحهما، ولإيجاد التوافق السياسي حول التخلي عن الدعم، وهذا أمر أساسي، إضافة إلى خطة للتواصل مع الناس،وهناك  العديد من الأمثلة الناجحة ومنها إيران التي تخلصت من الدعم بشكل تدريجي ومن خلال خطة إعلامية ناجحة.

عبد الرحيم فقرا: هي في عين إعصارها المتمثل في العقوبات؟

نعمت شفيق: هذا صحيح وكانت عملية ناجحة جداً، بالتالي هناك العديد من الأمثلة الناجحة، لكن بخصوص مصر، المسألة المطروحة هي كيف يجب أن يكون المخطط المستقبلي لتحويل تلك الموارد المهدورة في دعم المحروقات والتي لا ينتفع منها الفقراء نحو استخدام أكثر نفعاً في مجالات مصر بحاجة إليها، ومنها خلق فرص عمل للشباب في ميدان التحرير، وطبعاً دعم المحروقات لن يحقق أي من ذلك.

عبد الرحيم فقرا: لكنك تقولين أيضاً انه إلى أن يحصل اتفاق رسمي في مصر حول هذا القرض فإنه لن يتم إبرام اتفاق مع المصريين، لكن عندما تنظرون إلى الوضع في مصر، هناك المجلس العسكري، هناك الأحزاب الإسلامية التي تسيطر على البرلمان، هناك الشباب في ميدان التحرير، ولكل فئة من هذه الفئات مشكلة معكم أنتم كصندوق هل تعتقدون بصدق أنكم قد تتوصلون إلى اتفاق في هذه الظروف؟

نعمت شفيق: هذه هي  الديمقراطية، وإذا كان صندوق النقد الدولي سيتعامل مع الأنظمة الديمقراطية يجب عليها أن تحقق التوافق في داخلها، فلا يمكن لوم الصندوق من أجل تواطئه مع النخب الحاكمة في الماضي والتعامل مع فئةٍ قليلةٍ من الأثرياء ثم في الوقت ذاته انتقادنا لأننا نسعى إلى الإفراط في عمليةٍ ديمقراطية للتأكد من الإصلاحات التي ننصح بها وتحظى بدعم الشعب.

عبد الرحيم فقرا: هل تقولين أنه بإمكان المصريين أن يأخذوا وقتهم لبحث مسألة إصلاح الدعم للغذاء والوقود لكن في تلك الأثناء إذا حصل إجماع سياسي في مصر سيكون الصندوق جاهزا لإبرام اتفاقية حول القرض؟

نعمت شفيق: إذا كان هناك توافقٌ سياسيٌ حول الإصلاحات نعتقد أنه سيكون ناجحاً بالطبع نحن جاهزون.

عبد الرحيم فقرا: السيد طوقان عودة إليك مرةً أخرى، لا زلت لم أستوعب تماماً ما قلته في الجزء الأول من أن هناك مطالب وبعض المطالب غير المعقولة كما وصفتها في الأردن، من غير معقولة من أي ناحية؟

أمية طوقان: من الواضح أن العالم حالياً يمر من مرحلة تقشف وهذا حال إسبانيا واليونان كل دول العالم تعاني من مشاكل مالية، وبالتالي عليك أن تعيد الموازنة إلى الطريق الصحيح، وحسب قدرات موازنتك يمكنك الاستجابة للمطالب، ما قصدته هو  انه عندما تفوق المطالب قدراتك على الاستجابة لها فلا  يمكنك تحقيقها، سمها معقولة أو غير معقولة هذا ليس هو السؤال، الأمر الهام بالنسبة إلي هو أننا نحتاج إلى الدعم السياسي لإطلاق عملية إصلاح منظومة الدعم وهذا ليس بالأمر الهين لكني أعتقد أن أحد الطرق هي شرح تكلفة عدم الإقدام على هذه الإصلاحات، يعني أن مصداقية الدولة بأكملها يمكن أن تتضرر ويمكن أيضاً للتصنيف الائتماني أن يتضرر وهذا في نهاية المطاف سيمثل المزيد من المصاعب والتكلفة في نهاية المطاف على المواطن العادي. أنا أقول أنه من غير المعقول أن نستمر في هذا النظام أي أن الدعم الشامل للسلع الاستهلاكية لا يمكن أن يستمر.

عبد الرحيم فقرا: مفهوم، الدكتورة شفيق وصندوق النقد الدولي بشكل عام يقولون أن الحكومة الإيرانية قد شرحت للإيرانيين جيداً مسألة الدعم، الوزير المكسيكي قال نفس الشيء بالنسبة لإستراتيجية الشرح والاتصال مع الشعب أنت تقول الآن نفس الشيء الناس في المنطقة سيقولون أن المسألة ليس مسألة شرح بل هي مسألة دعم مواد استهلاكية يحتاجها الشعب يحتاجها المستضعفون.

أمية طوقان: هذا هو المنطق الشعبي الذي نسمعه في وسائل الإعلام لكن ليس هناك حكومة على وجه الأرض لا تريد أن تساعد الفقراء داخل حدودها وحتى خارجها، وبالتالي في الحقيقة هذه حجة ضعيفة لا أعتقد أن أي حكومةٍ ستتردد في مساعدة الفقراء أظن أن الناس يخلطون بين الأمور هنا مع الأسف..

دعم للأغنياء لا الفقراء

عبد الرحيم فقرا: لكن المسألة هنا ليس أن الحكومات لا تريد أن تدعم الفقراء بل أنها تريد أن تدعم الفقراء ولكنها في نهاية المطاف تدعم الأغنياء؟

أمية طوقان: لهذا السبب يجب تغيير المنظومة، فمنظومة الدعم الشامل خطأٌ يجب إصلاحه، والصعوبة تكمن في السؤال التالي: هل يحتمل هذا المناخ السياسي الحساس التراجع عن منظومة الدعم في هذا الظرف؟ وبالتالي إذا ما شرحنا للناس بشكل جيد أنه من مصلحتهم أن نقدم على هذا الإصلاح بشرط أن نواصل أيضاً تقديم المساعدة للمحتاجين منهم فنحن لا يمكننا أن نتبع الأفكار الشعبية فقط من أجل كسب الشعبية.

عبد الرحيم فقرا: أريد أن أطلب منك الآن أن تتحدث ليس كأردني وحسب، بل كعربي بشكل عام وأن تتحدث عن مسألة التواصل لماذا تعتقد أن مسألة الدعم في شمال إفريقيا والشرق الأوسط لم تشرح للشعوب؟

أمية طوقان: أعتقد أن هذا خطأنا وهو خطأٌ في صنع السياسات وأنا أعترف بالمسؤولية وعلينا أن نشرح للناس تداعيات الاستمرار في مثل هذه السياسات التي من شأنها أن تفاقم الدين الخارجي هذه هي مسؤولية صانع القرار فعلينا أن نحسن من أدائنا في هذا المجال، لكن علينا أن نحشد المساندة بشكل يساعدنا على تحقيق هذا الإصلاح بشكل معقولٍ وتدريجي وأنا أدرك أن المنطقة تمر من مرحلة انتقالية لم تكتمل بعد وما زالت مفتوحةً على الكثير من الاحتمالات وعلينا أن نتفهم ذلك وأن نتعامل مع الوضع بمرونة وأن نحتوي بعض المبالغات التي تحدث هنا أو هناك.

عبد الرحيم فقرا: سيد شمشيك هل توافق على أن وجها من أوجه المشكلة يتمثل في التواصل مع الشعب لشرح مسألة الدعم الحكومي له، هل يمكن القول إن المستضعفين في تركيا كانوا يرفضون تغيير وضع الدعم الحكومي إلى أن شرحتموه للناس وعند ذلك تقبلوه، كيف جرى الوضع عندكم؟

محمد شمشيك: تواجهك مصاعب وقد لا تكون أمامك خياراتٌ غير الإصلاحات، وفي هذه الحالة الإصلاح يقتضي التخلص من الدعم الشامل الذي لا يصلح لما وضع من أجله، أعتقد أن التوعية شيء ضروري ولكن قبل التخلص من الدعم يجب أيضاً التعرف على الشرائح المحتاجة وأن توضع المخططات لمساعدتهم وهذا أمر في غاية الأهمية، الصعوبة في الأسواق الصاعدة والبلدان النامية هي أن تلك الشرائح غير معروفة، لذلك يجب أن تكون لديك القدرة المؤسسية للقيام بذلك، عليك أن تعرف إذا كان هؤلاء لديهم دخلٌ أم لا ففي حال تركيا مثلاً نحن لدينا نظام رعايةٍ صحيةٍ تام الجميع يحظى بالتغطية..

عبد الرحيم فقرا: بالمناسبة أن العديد من الأتراك يقولون أن الثمن الذي دفعته الحكومة التركية والشعب التركي من حيث الدين الخارجي هو الذي مكنكم من تغطية نفقات هذه الفوائد التي تتحدثون عنها الآن.

محمد شمشيك: هذا كان صحيحاً في التسعينات، كانت هناك سياساتٌ شعبوية، وكان هناك عجزٌ كبير ومزمن ينتج عنه طباعة المزيد من العملة والتضخم الذي يضر بالأكثر فقراً كما تعرفون وأعتقد أننا غيرنا ذلك النسق منذ عام 2002 ونتجه في المسار المعاكس تماماً، وقد تقلصت نسبة الدين من الناتج المحلي الإجمالي إلى أقل من 40% ونزل العجز إلى ما يقل الصفر في المئة وقد قدمنا مساعداتٍ أكبر للفقراء دعني أضرب لك بعض الأمثلة: مثال واحد نحن نقدم المساعدات للإسكان للفقراء ولكن كيف نفعل ذلك؟ لدينا وكالات تبني البيوت الفخمة وتبيعها وتجني من بيعها الأرباح ثم تستخدم تلك الأرباح لبناء مساكنَ للفقراء ولا يكلف ذلك مليماً واحداً للخزانة العامة، إذن كل شيء يتوقف على المنهج الذي نستخدمه أيضاً في مجالاتٍ أخرى وبالتالي هناك طرقٌ لمساعدة الفقراء.

الدعم الحكومي ومسألة إعادة الهيكلة الاقتصادية

عبد الرحيم فقرا: السيد أنطونيو غونساليس، في الحالة المكسيكية وكنا قد تحدثنا عن مسألة إعادة الهيكلة الاقتصادية في مختلف البلدان كيف تعاملتم مع مسألة إعادة الهيكلة في المكسيك؟ وهل مكنكم ذلك من التعامل بنجاح مع مسألة إصلاح الدعم الحكومي والتخلص من الدعم حتى؟

خوسيه أنطونيو غونسالس أنايا: لقد انطلقت العملية منذ وقتٍ طويل وقد استغرقت وقتا طويلاً أيضاً الجزء الأول كما تفضل بعض زملائي ليس هناك دولةٌ استمرت في النمو لمدةٍ طويلةٍ بدون الاستقرارٍ الاقتصادي الكلي يعني انه لا يمكن أن يكون عندك تسيب مالي وأن تنفق أكثر مما تجني لأنك سرعان ما تغرق وهذا ينطبق على منظومة الدعم إذا كانت لديك عشرون مليار دولار لتنفقها، وأمامك طرقٌ متعددةٌ لإنفاقها فإن اختيار الدعم الشامل ليس هو الحل الأمثل لإيصال المساعدات للطبقات الأكثر حاجة لها، بالتالي في المكسيك استغرقت عملية الإصلاح الهيكلي عدة مراحل، الأولى هي استقرار الاقتصاد الكلي، الثانية نحن الآن أحد البلدان الأكثر انفتاحا في المنطقة إن لم نقل في العالم وجيراننا هم من أكبر الأسواق في العالم وعلى مدى سنواتٍ طويلة عندما بدأت المكسيك تتفاوض من أجل الوصول إلى معاهدة التجارة الحرة لأميركا الشمالية كان الناس يعتقدون أن تلك الفكرة كانت غير جيدة، قالوا إن اتفاقات التجارة الحرة عادةً تكون إما بين الدول الغنية و بين الدول الفقيرة ولكن لا يمكن أن تكون بين دولة فقيرة ودولة غنية وقررنا أن ندخل فيها نحن الآن نصدر مليار دولارٍ في اليوم.

عبد الرحيم فقرا: وعطفاً عليه قرب المكسيك من الجارة الأكبر الولايات المتحدة هل يمثل ذلك نعمت أم نقمة بالنسبة لقدرتكم على التعامل مع هذه القضايا التي تحدثتم عنها علماً بأن الوضع الاقتصادي الصعب، الصعب في الولايات المتحدة يؤثر على الاقتصاد المكسيكي؟

خوسيه أنطونيو غونسالس أنايا: دعني أضفي بعض الدعابة على الجواب..

عبد الرحيم فقرا: أن لا تبسط أكثر من اللازم لا نريد أن تبسط أكثر من اللازم..

خوسيه أنطونيو غونسالس أنايا: هناك مقولتان مأثورتان، يحكى أن رئيس المكسيك في بداية القرن العشرين كان يقول وآسفاه على المكسيك كم هو بعيدٌ عن الله وكم هو قريبٌ من الولايات المتحدة، ولكن هناك مقولةٌ أطلقها مايكل برونو الذي كان يعمل هنا وقد كان محافظ البنك المركزي الإسرائيلي أجاب رئيس المكسيك قائلاً كلا كلا أنت مخطئ أسفي على إسرائيل كم هي قريبةٌ من الله وكم هي بعيدة عن الولايات المتحدة، بالتالي وجهه النظر تختلف فالمكسيك اليوم هو دولةٌ مصدرةٌ كبيرة بفضل اتفاق التجارة الحرة، كان الناس يسألون ما الذي سنصدره وانتهى بنا الأمر إلى تصدير السيارات لو سألت أي رجل اقتصاد قبل عشرين عاماً ليس أقل، ما هي السلعة التي ستصدرها المكسيك؟ فلا أحد كان سيقول السيارات.

عبد الرحيم فقرا: قبل أ أختم بالدكتورة شفيق أريد أن أسألك السؤال التالي أنتم طبعاً في جوار فيه دول كفنزويلا وبوليفيا وهذه الدول تتحدث بلهجة مختلفة عن الاقتصاد العالمي وتقول إنه يجب دعم الفقراء هل يمثل ذلك مشكلة بالنسبة لكم أنتم كحكومة  في المكسيك إزاء الرأي العام المكسيكي في التعامل مع مسألة الدعم ومسألة الفقر؟

خوسيه أنطونيو غونسالس أنايا: ولكننا نفعل كما قال الوزير التركي نحن ننفق موارد كبيرةً من موازنتنا على الفقراء ولكننا لا نفعل ذلك بشكل شامل كما هو واضح فإن مداخل النفط والغاز في بوليفيا وفنزويلا ليست كافية فقد نمت المكسيك بشكل مستدامٍ وسريع أكثر من فنزويلا وبوليفيا.

عبد الرحيم فقرا: دكتورة شفيق أمامنا حوالي دقيقتين حتى نهاية البرنامج أريد أن أعود إلى النقطة نقطة الانطلاق، صندوق النقد الدولي لديه صورة ليست دائماً جيدة في شمال إفريقيا والشرق الأوسط ومسألة الدعم الحكومي مسألة معقدة ولا يتوقع أن أو لا يتوقع تعاملكم معها أن يحسن صورة الصندوق في المنطقة، ما هو أهم شيء تعتقدين أن على صندوق النقد الدولي أن يقوم به في المنطقة لتحسين صورته خاصة أن  الناس يقولون نريد دعم الصندوق لكن الصندوق يشترط شروطا؟

نعمت شفيق: أعتقد أن أهم شيء يمكن فعله هو أن نكون صريحين ومباشرين وأن نجعل المنطقة تستلهم التجارب العالمية الناجحة التي سمعنا عنها اليوم، سنكون غير صادقين إذا زعمنا أن الإستراتيجيات الاقتصادية الحالية ستحقق طموحات كل أولئك الشباب الذين ضحوا من أجل هذه التحولات، بالتالي علينا أن نكون صادقين وأن نتقاسم تلك التجارب ولكن أيضاً أن نتحلى بالقدرة على تفهم أعمال المنطقة، ما يقلقني هو أننا إذا لم نعالج مسألة الدعم لن نتمكن أبداً من تحقيق أمان المنطقة، إذ  أن  الموارد المهدورة في  المنطقة جديرة أن تحقق الكثير من التقدم في مجالات حيوية، من شأنها أن تعود بالنفع الكبير على السكان والتخلص من الكثير المظالم الموجودة، وما دمنا لم نجد أساليب لتحويل تلك الأموال من الاستخدام الحالي إلى استخدام أفضل لن نتمكن أبداً من تحقيق طموحات الربيع العربي.

عبد الرحيم فقرا: أشكر جزيل الشكر الدكتورة نعمت شفيق نائبة مديرة صندوق الدولي، كذلك أشكر الوزير خوسية أنطونيو غونساليس أنايا وكيل وزارة المالية في المكسيك والوزير أميه طوقان وزير المالية في الأردن وكذلك محمد شمشيك وزير المالية في تركيا، أريد كذلك أن أشكر كل الحضور وكل المشاهدين أينما كانوا، أشكر ضيوفي جميعاً وأشكر مشاهدينا في كل مكان، إلى اللقاء.