- تضارب المصالح الغربية
- تركيا والدور المحوري للمصالح الغربية في الشرق

- ازدواجية المعايير الإسرائيلية في المنحى الديمقراطي

- الانكماش الاقتصادي الأميركي المبرمج

- تسارع وتائر نمو القوى الشبابية في روسيا

- القوى الصاعدة في الشرق الأوسط

عبد الرحيم فقرا
تشارلز كابشن

عبد الرحيم فقرا: مشاهدينا في كل مكان أهلاً بكم جميعاً إلى حلقة جديدة من برنامج من واشنطن، منذ نهاية الحرب الباردة كثر الحديث في الولايات المتحدة عن مستقبل القوة الأميركية في العالم، فبعد أن ساد اعتقاد واسع النطاق في أعقاب انهيار الإمبراطورية السوفيتية بأن القرن الحادي والعشرين سيكون قرناً أميركياً بامتياز، برزت قوى أخرى كالصين والهند والبرازيل وتركيا وجنوب إفريقيا وغيرها غيرت تلك الحسابات ثم جاءت أحداث كالحادي عشر من أيلول سبتمبر وما تلاها من غزو لأفغانستان والعراق والأزمة المالية العالمية ثم الثورات العربية المتواصلة لتترك هي أيضاً بصمتها على الجدل الأميركي بين مشكك في مستقبل القوة الأميركية ومتفائل باستمرارها وكل فريق طبعاً يأتي إلى ذلك الجدل معززاً بأرقامه ومعطياته وحججه، ضيفنا في هذه الحلقة صوت يعرف في الأوساط الأميركية بعمقه وهدوئه الفكري الدكتور تشارلز كابشن هو أحد كبار الباحثين في مجلس العلاقات الخارجية الأميركية الذي يحظى بدعم ديمقراطي مشترك، وكان كابشن قد تقلد في عدة مناصب رسمية من بينها عضوية مجلس الأمن القومي في إدارة الرئيس السابق بيل كلينتون نستضيفه في هذه الحلقة بمناسبة صدور كتابه الجديد "عالم لا يتحكم فيه أحد" الذي أيضاً يحمل عنواناً فرعياً يقول: الغرب والبقية الصاعدة والتحول العالمي، أهلاً بك دكتور كابشن.

تشارلز كابشن: My Pleasure.

عبد الرحيم فقرا: بدايةً الغرب، كيف تعرف الغرب؟

تشارلز كابشن: أنا أعرف الغرب بالمعنى الجغرافي بداية ثم كمنظومة قيم تبلورت على امتداد مدة زمنية طويلة بدأت مع بداية القرن السادس عشر وواصلت إلى ذروتها مع بداية القرن التاسع عشر وهي تمثل منطقة أميركا الشمالية وأوروبا الغربية وتتمحور حول ثلاث سمات جوهرية وهي: الديمقراطية الليبرالية ورأس المال الصناعي والقومية العلمانية، وأعتقد هذه هي الصفات المميزة للغرب ونحن نعيش منذ منتصف القرن التاسع عشر أي منذ نهاية حقبة نابليون في عالم كان الغرب فيه مسيطراً أي أنه تقدم على الإمبراطوريات العثمانية والمغولية وغيرهم من المتنافسين على السلطة وبعد ذلك تعولمت أي أنها أي أن الحضارة الغربية انتشرت لتصل إلى كافة أرجاء المعمورة وما أطرحه في كتابي هذا هو أن تلك الفترة التي امتدت لـ 200 سنة تشرف على الانتهاء ونحن نتحول إلى عالم جديد نشهد فيه نهاية النفوذ المادي والأيديولوجي للغرب. 

تضارب المصالح الغربية

عبد الرحيم فقرا: سنعود إلى هذه النقطة بعد قليل لكن عودة إلى ما قلته عن نابليون مثلاً في مسألة تعريف ماهية الغرب معروف أن هذه المنطقة أو هذا الحيز الذي تصفه بالغرب قد تحارب وتقاتل وتقاتلت عناصره فيما بينها في السابق سواء في أوروبا أو حرب الاستقلال هنا في الولايات المتحدة ضد بريطانيا، تخاصمت الولايات المتحدة وفرنسا في الملف العراقي قبل غزو العراق في 2003 في ظل هذه التناقضات هل فعلاً هناك شيء يسمى غرب؟

تشارلز كابشن: أنت تطرح نقطة في غاية الأهمية حيث أن الغرب ينظر إليه اليوم كمنطقة تنعم بالسلام في ظل الديمقراطية الليبرالية ولكن علينا أن لا ننسى أن الغرب أصبح غرباً من خلال فترة طويلة من عدم الاستقرار وسفك الدماء إلى حد ما يمكن اعتبار أن قوة أوروبا تكمن في نقاط ضعفها لقد كانت الإمبراطورية الرومانية المسيحية متشرذمة وكان النبلاء في صراع مع الملوك، والملوك في صراع مع الباباوات وقد اقتحمت طبقة التجار الصاعدة آنذاك تلك الثغرات ودفعت حركة التبادل التجاري إلى الأمام ومعها الليبرالية السياسية ولكن ذلك أدى إلى قدر كبير من سفك الدماء بدأ بدءا بركة الإصلاح الديني عندما تناحر الكاثوليك والبروتستانت على امتداد عقود وصولاً إلى النزاعات الجيوسياسية التي برزت في الحقبة الصناعية عندما تناحر الفرنسيون والإنجليز ثم الإنجليز ضد الأميركيين وصعود الألمان واقتحامهم مجال التصنيع ثم في النهاية سنة 1945 برز الغرب كفضاء  متسق ينعم بالسلام ولكن العملية استغرقت بضع مئات من السنوات وعلينا أن نتذكر أنه في حالة بريطانيا والتي قد تعتبر قاطرة التحول الديمقراطي، بريطانيا تحولت إلى ملكية دستورية سنة 1668 عندما تصدى البرلمان إلى الملك وانتصر عليه لكن الأمر استغرق 200 عام لتصبح بريطانيا ديمقراطية ليبرالية يعني أن هذه المسارات تستغرق وقتاً طويلاً.

عبد الرحيم فقرا: قبل أن نعود إلى الحاضر أريد أن نتوقف قليلاً في الماضي في العالم الإسلامي هناك اعتقاد واسع النطاق بما أنه ما حصل في الأندلس على مدى 800 عام خلال الحكم الإسلامي في الأندلس، الأندلس وفرت حلقة وصل لا يمكن تجاهلها بينما هو شرقي وما هو غربي وبالتالي يجادل إن تعريف الغرب بهذه الطريقة سواء من حيث السياسة أو القيم أو أو أو إذا تجاهل حلقة الوصل تلك فبالتالي تعريفه غير دقيق ولا يصح وفيه مغالطة.

تشارلز كابشن: أعتقد أن الهيكلية السياسية والهيكلية الدينية التي برزت في العصر الحديث عبر الساحة الإسلامية الواسعة أي الإمبراطورية العثمانية بالمعنى العريض والعالم الغربي من جهة أخرى انفصلتا عن بعضهما في عدد من الاعتبارات الهامة، الأول هو أن تشرذم الإمبراطورية الرومانية المسيحية فتح المجال أمام خلق برجوازية تجارية مبادرة في حين أن الإمبراطورية العثمانية حافظت على حكم رأسي أي من الأعلى إلى الأسفل أي حكما مركزيا يجسده الخليفة وإدارة إمبريالية حافظت بشكل كامل على حكم عامودي وهو ما منع ظهور مركز قوى بديلة، الثاني هو أن في القرن السادس عشر انفصلت الكنيستان الكاثوليكية والبروتستانتية عن بعضهما مما خلق حداً معيناً من التعددية الدينية في أوروبا لم يحدث مثلها في الإمبراطورية العثمانية، كانت هناك توترات بين السنة والشيعة خصوصاً بين الحروب بعد العثمانيين والفرس ولكن لم يحدث هناك مد إصلاحي كذلك الذي حدث في الغرب وأعتقد أن العامل النهائي ربما هو غياب الثورة التجارية فلو نظرنا إلى الإمبراطورية العثمانية في القرن الثامن عشر والتاسع عشر تجد أن النشاط المصري كان في يد الأوروبيين وكذلك كانت الطباعة ونشر الكتب في يد الأوروبيين وبشكل من الأشكال منع هيكلية الحكم الرأسية نمو المبادرة التجارة والتفتح الفكري الذي سمح للغرب بالتقدم على غيره من المنافسين.

تركيا والدور المحوري للمصالح الغربية في الشرق

عبد الرحيم فقرا: ماذا تمثل تركيا اليوم بالنسبة لك وبالنسبة للولايات المتحدة؟ يبدو من تحالفها مع الولايات المتحدة أن واشنطن تعتبرها جزءا من الحيز الغربي في العالم برغم أنها تعتبرها جسر إلى الشرق؟

تشارلز كابشن: أعتقد أن تركيا تمر من مرحلة انتقالية مثيرة للانتباه وهي تبرز بشكل ما دور الجسر بين الشرق الأوسط وما يسمى العالم الغربي ولكن أيضاً الأنماط المختلفة من الحداثة، الغرب يقرن دائماً بين الحداثة والعلمانية وأن الديمقراطية الليبرالية تفترض الفصل بين الدين والسياسة، ولكني أعتقد أن ما نراه في تركيا ربما هو العكس فقد مرت تركيا بمرحلة طويلة من العلمانية بدأت مع أتاتورك بعد الحرب العالمية الأولى ولكن كلما ازدادت تركيا حداثة وكلما زاد تمكن الطبقة الوسطى فيها نرى أن الإسلام يعود بشكل أكبر إلى المجال السياسي وليس العكس، وأعتقد أن هذا يزيد في أهمية تركيا لأنه يجعل منها نمط أفضل وجسر أفضل من حيث أنها دولة تجمع بين الديمقراطية والإسلام بشكل يجعلها جذابة في الشرق الأوسط خصوصاً في خضم ما يسمى بالربيع العربي.

عبد الرحيم فقرا: إنما من حيث الاتفاق على ما هو الغرب طبعاً واضح في الحالة التركية هناك اختلاف بين الولايات المتحدة وأوروبا، الأوروبيون أو على الأقل العديد من الأوروبيين يقولون لا مجال لأن تنضم تركيا إلى عضوية الاتحاد الأوروبي، الولايات المتحدة قالت بصورة متسقة بأن تركيا يجب أن تنضم إلى عضوية الإتحاد الأوروبي وبالتالي الولايات المتحدة وأوروبا تعرفان الغرب بأشكال مختلفة.

تشارلز كابشن: كل من الولايات المتحدة وأوروبا تعرفان المواطنة والانتماء الإثني بشكل مختلفة، الولايات المتحدة هي في مقدمة البلدان التي تستقطب المهاجرين وتدمجهم دون استيعابهم أي أنهم يحتفظون بهويتهم وبعقيدتهم وبطقوسهم في حين أن أوروبا تعرف المواطنة بشكل أقرب إلى الانتماء الإثني حتى في بلد مثل فرنسا الذي يعتمد على تعريف مدني للمواطنة تقنيا على الأقل، من الصعب أن يصبح المهاجر فرنسياً حقيقياً إذا كان قد ولد هو أو حتى والداه في شمال إفريقيا وأعتقد أن هذه من ضمن الأسباب التي أفشلت عملية اندماج المسلمين، لا أظن أن تركيا تخلت تماماً عن فكرة الترشح لعضوية الاتحاد الأوروبي أعتقد أن الإتحاد يمر من مرحلة إعادة تشكيل قومية ومسألة الهجرة تمثل نقطة ساخنة، ولكنني أعتقد أنه إذا ما استعادت أوروبا توازنها أو تجاوزت أزمة منطقة اليورو وشرعت في التوسع مجدداً فإنهم سيعيدون النظر في مسألة عضوية تركيا لأن تركيا ستكون قادرة على إطفاء قدر كبير من الحركة الاقتصادية وعدد هام من السكان والاتحاد الأوروبي بحاجة لكليهما.

ازدواجية المعايير الإسرائيلية في المنحى الديمقراطي

عبد الرحيم فقرا: إذا اعتمدنا المعايير التي ترتكز إليها أنت في تعريف الغرب هل ترى تناقض في الحالة الإسرائيلية مثلاً، الإسرائيليون يقولون إن قيمنا والقيم الأميركية والقيم الغربية هي واحدة وفي نفس الوقت يقولون نحن نريد أن نكون جزء من الشرق الأوسط، والشرق الأوسط هذا تحصيل حاصل دول عربية دول إسلامية محيط عربي إسلامي هل ترى تناقض في ذلك؟

تشارلز كابشن: أعتقد أن إسرائيل تعبر على هذا التوتر بالذات بين الثقافة والسياسة في الشرق الأوسط والثقافة والسياسة في العالم الغربي بالطريقة التالية: تأسست إسرائيل كدولة ديمقراطية ليبرالية أي كدولة متعددة الأديان والأعراق ولكنها في الآن نفسه تواجه هذا التوتر بين الدين والسياسة الذي تواجهه البلدان المسلمة وهذا يعود لنقطة هي في الحقيقة تجمع بين الديانتين اليهودية والإسلامية من حيث أنها ديانات عقيدة وشريعة في حين أن المسيحية هي في الأساس هي عقيدة فقط وهذا ما يفسر أنه في الماضي كانت هناك بوتقة علمانية يحكمها الملك وبوتقة دينية يحكمها البابا وجمعت بينهما تحالفات مصلحية ولكن في العالمين اليهودي والإسلامي ليس هناك فصل حقيقي بين المجال العلماني والمجال الديني، ولذلك تواجه إسرائيل اليوم جدلاً عميقاً داخلياً حول الجمع بين المجالين خصوصاً مع تنامي أعداد اليهود الأرثوذكس الذين يطالبون بحضور أقوى للدين في السياسة وليس العكس مما يجعل هذه المسألة غاية في الأهمية.

عبد الرحيم فقرا: بالتأكيد سنتعرض لمسألة الإسلام والديمقراطية خلال هذا الحديث إنما عطفاً على الموضوع الإسرائيلي هل تعتقد أن أحد القواسم المشتركة بين إسرائيل والغرب هو الحديث عن القيم الديمقراطية في الداخل وممارسة الاحتلال على شعوب أخرى في العديد من الحالات سواء في الحالة الأميركية أو في الحالة الفرنسية أو في الحالة البريطانية أو في الحالة الإسرائيلية بطبيعة الحال علماً بأن الإسرائيليين لهم مشكلة وهي مشكلة العرب الذين يعيشون في الداخل الإسرائيلي ويقولون إنهم مواطنون من الدرجة الثانية؟

تشارلز كابشن: أعتقد أن التزام إسرائيل بالديمقراطية العلمانية بالتزامن مع استمرار الاحتلال يضع البلاد في معضلة لا هروب منها وهو أنه في نهاية المطاف يجب على الإسرائيليين أن تفصل نفسها عن الضفة الغربية وتسمح للفلسطينيين بأن يحكموا أنفسهم بأنفسهم وإلا فهي ستواجه احتمال أن تتحول إلى دولة فيها أغلبية فلسطينية بالتالي فإنه من مصلحة إسرائيل السعي إلى تحقيق تسوية تؤدي إلى حل الدولتين والسؤال هو كيف سيتحقق ذلك؟ ولكني أعتقد أن الكثير من الإسرائيليين يدركون مدى الورطة الجوهرية بين المحافظة على الديمقراطية العلمانية بالتزامن مع الاحتلال وهذا ما يجعلنا نأمل في الوصول إلى تسوية.

عبد الرحيم فقرا: إنما سؤالي وأرجو أن يكون جوابك باقتضاب حتى نمر إلى محور آخر سؤالي هل ما يوحد إسرائيل بالغرب كما تصفه أنت أحياناً يكون السلبي وليس الإيجابي مسألة الاحتلال، مسألة اعتبار أقليات في الداخل الإسرائيلي مواطنين من الدرجة الثانية في الحالة الإسرائيلية مثلاً؟

تشارلز كابشن: كلا أعتقد أن هناك في إسرائيل التزام بالقيم الغربية من ناحية التعددية السياسية والديمقراطية الليبرالية والاقتصاد الحر والعلاقة السلمية بين الدين والسياسة، ولكنهم عليهم أن يواجهوا المشكلة الأساسية وهي الاحتلال وإيجاد طريقة لمنح الحكم الذاتي للفلسطينيين كي لا يعود ذلك ليهدد الديمقراطية الليبرالية الإسرائيلية ثم تبقى مسألة التأكد من أن الفلسطينيين الذين يعيشون في إسرائيل يعاملون كمواطنين في الدرجة الأولى ويحصلون على نفس الفرص ونفس الحقوق التي يتمتع يها المواطنون اليهود، هذه مشكلة عليهم أن يجدوا لها حلا ولكنها مشكلة لا توجد في غير إسرائيل، هناك أقليات في الولايات المتحدة أو كندا وفرنسا وبريطانيا وكل هؤلاء يواجهون هذا النوع من القضايا أي أن أقلية ما لا تلحق بركب الأغلبية.

عبد الرحيم فقرا: وعليه نعود إلى كتابك تقول في كتابك من ضمن ما تقوله:" في أعقاب سقوط جدار برلين وانهيار الاتحاد السوفييتي اتسعت رقعة الديمقراطية والرأسمالية، وقد بدا النظام الدولي الذي تمت صياغته من قبل الولايات المتحدة وحلفائها مع نهاية الحرب العالمية الثانية جاهزاً لاحتضان الكون، وبرغم أن الصين وروسيا وكوبا ومعظم دول الشرق الأوسط ظلت خارج تلك الرقعة كان من المتوقع أن تستسلم لبريق النمط الغربي في نهاية المطاف"، أن تستسلم معظم دول الشرق الأوسط لبريق النمط الغربي في نهاية المطاف ماذا تعني بذلك؟

تشارلز كابشن: عندما سقط جدار برلين وتحولت معظم دول أوروبا الوسطى نحو الديمقراطية الليبرالية ورأينا موجة من التحولات الديمقراطية في أميركا اللاتينية وموجة مماثلة في أفريقيا في التسعينيات كان هناك إحساس باقتراب نهاية التاريخ، وأن العالم كان يصل إلى نقطة نهائية يكون فيها الجميع ديمقراطيات ليبرالية بشكل أو بآخر ورأسمالية وأعتقد أنه خلال العقد الأخير تزعزع ذلك التفاؤل من خلال عدد من الأحداث: رأينا مثلاً تراجعات عن المسار الديمقراطي خصوصاً في أفريقيا ولكن في أوروبا أيضاً في الفضاء السوفييتي سابقاً حيث رأينا دولاً تنتقل نحو توجهات استبدادية أكثر منها ديمقراطية ولكننا رأينا أيضاً تدفقاً حثيثاً للقوة من العالم الغربي نحو العالم غير الغربي وحتى وإذا احتفظت الولايات المتحدة بنسبة 25% من الناتج الخام العالمي على مدى العقود الماضية فإننا نشهد بروز دول مثل الصين والهند والبرازيل واندونيسيا وتركيا وغيرها على حساب التفوق المادي للعالم الغربي، بالتالي أنا أعتقد أن العالم الذي سنعيش فيه خلال العقد القادم سيكون عالماً يتواصل فيه  التفوق الأميركي والأوروبي ولكن العالم في العقد الذي يلي ذلك أي في الـ 2030 سيشهد توزيعاً أكثر تساوِ للقوة، وعالماً لن يكن فيه مفهوم الحداثة متوقفاً على المفهوم الغربي حصرياً، ونحن نشهد الآن نجاح رأسمالية استبدادية كالصين وروسيا مثلاً وربما في الشرق الأوسط نوعاً من الإسلام السياسي الذي يتماشى مع الديمقراطية بشكل لا يتوقعه الكثيرون وفي بلدان مثل الهند والبرازيل وهي بلاد ديمقراطيات ولكنها تمشي في مسارات خاصة بها وهي لا تقلد النموذج الأميركي بالتالي العالم الذي أستشرفه هو عالم متنوع وتعددي والنموذج الغربي سيتنافس في السوق مع غيره من النماذج.

عبد الرحيم فقرا: كما تعرف لك أو لنظرياتك في هذا المجال بعض المنتقدين هنا في الولايات المتحدة البروفيسور روبرت ليبر من جامعة جورج تاون تعرفه جيداً، تعرف بانتقاداته عطفاً عما قلته عن دول ما يسمى بالبريك هي جنوب إفريقيا والبرازيل وتركيا ودول أخرى، أريد أن نسمع من روبرت ليبر ما يقوله في هذا الصدد.

[شريط مسجل]

روبرت ليبر/ أستاذ الشؤون الدولية- جامعة جورج تاون: إذا نظرتم إلى التعاون حول المشاكل المشتركة مثل انتشار الأسلحة النووية وحقوق الإنسان والبيئة والقانون الدولي والتجارة إنها غالباً ما تكون في الأمم المتحدة أو في غيرها من المؤسسات بما يسمى بلدان بريكس وهي لم تكن تتعاون مع الدول الصناعية المتقدمة وأحياناً حتى مع روسيا يكون الأمر مثيرا للاهتمام والآن يمكن أن يتغير ذلك مع الزمن إذا رأت هذه الدول أن مصلحتها الذاتية المستنيرة في التعاون لكن حتى الآن فإن القضية هي دول بريكس ليست داعمة في توافق دولي بشأن التدخل الإنساني في ليبيا أو سوريا أو انتشار الأسلحة النووية فيما يخص إيران أو حول العقوبات أو البيئة إلى آخره، ونأمل أن يتغير ذلك كله لكن لا دليل بشأن ذلك حتى الآن.

عبد الرحيم فقرا: صعب أن تقارع ليبر في هذا الباب ما رأيك؟

تشارلز كابشن: لا أعتقد أن دول البريكس لها موقف موحد حول معظم القضايا، الأستاذ ليبر على حق حول قضايا مثل التغيير المناخي والانتشار النووي هذه الدول لها مواقف مختلفة ولكن هذا هو السبب بالذات الذي يجعلها نتقدم نحو عالم لا يتحكم فيه أحد لا دول البريكس ولا الصين لأنهم يعرفون ما لا يريدون وهو عالم يستمر تحت سيطرة الغرب ولكنهم لا يعرفون ما الذي يريدونه عوضاً عن ذلك، ولكن أذكر الجميع أن هذه دولاً لديها نفوذ، لو نظرنا إلى الصين، الصين ستلتحق بالولايات المتحدة بحدود العام 2027 أو 2028 البنك الدولي يعتقد أنه بحلول 2025 سيكون هناك 3 عملات احتياطية: اليوان الصيني واليورو والدولار وبحلول 2050 الخمس دول الأقوى اقتصادياً واحدة منها فقط ستأتي العالم المتقدم وهي الولايات المتحدة وستكون وراء الصين بالتالي موقف الصين مهم وشكل الحكم في الصين الذي هو مختلف عن شكل الحكم هنا هو أيضاً أمر مهم ولهذا السبب أنا أعتقد أننا سائرون نحو عالم لن يسيطر عليه طرف واحد بمفرده بل سيكون هناك تعددية واسعة وتنوع واسع.

عبد الرحيم فقرا: مرة أخرى حتى في هذا الباب باب، في باب مستقبل القوة الأميركية في مقابل القوى الصاعدة الأخرى التي تتحدث عنها وحتى في مقابل القوى الصينية لنسمع ما يقوله ليبر في هذا الباب.

[شريط مسجل]

روبرت ليبر/ أستاذ الشؤون الدولية- جامعة جورج تاون: أعتقد أن الخطأ الذي وقع فيه تشارلز كابشن هو أنه قلل من قوة أميركا ومرونتها، لدى أميركا مشاكل دائماً كانت لدينا مشاكل إنها مشاكل جدية لكن جرى تضخيمها من قبل من يقولون بانحدار أميركا، إنهم يميلون إلى المبالغة في المشاكل المادية للولايات المتحدة ولكن الولايات المتحدة تأتي في المرتبة الثالثة في عدد السكان في العالم إنها مواتية جداً من الناحية الديمغرافية مقارنة مع الصين وأوروبا واليابان ولديها تكنولوجيا فريدة من نوعها ومؤسسات وعلوم وأبحاث وجامعات عظيمة إنها جذابة للأشخاص الذين يرغبون في الهجرة والفكرة الأميركية أمر بالغ الأهمية ولكن وقبل كل شيء فإن الولايات المتحدة تاريخياً بلد يتسم بالمرونة والقدرة على التكيف مراراً وتكراراً عندما كانت الولايات المتحدة تواجه أزمة أو مشكلة فإن تلك المرونة أتاحت لنا التغلب على أي مشكلة نواجهها.

عبد الرحيم فقرا: هذا الكلام كما تعرف يقتنع به العديد من الأميركيين ما رأيك؟

تشارلز كابشن: ربما من المفاجئ أنني لا أختلف معه أعتقد أن الولايات المتحدة مرنة وأنها ستكون في حالة جيدة خلال القرن الحادي والعشرين وأنها ستحتفظ بقدرة عسكرية لا نظير لها على مدى عقود ولكن السؤال يتعلق بالاتجاهات العامة وحتى وإن تواصلت قوة الولايات المتحدة كما أعتقد أنا ويعتقد الأستاذ ليبر فإن العالم يتجه نحو تمدد للقوى ونحو المزيد من تكافؤ الفرص لنستخدم قياساً تاريخياً في سنة 1870 وفي أوج النفوذ البريطاني كانت الإمبراطورية البريطانية تبدو حصينة ضد أي احتمال للزعزعة ولم يكن لأحد أن ينافسها على السيطرة المطلقة ولكن الصورة تغيرت تماماً بعد عقدين فقط حيث بدأت الولايات المتحدة في الصعود وكذلك اليابان وألمانيا وأمرت بريطانيا ذلك العقد الأخير من القرن في التأقلم مع عالم جديد لأنها أجبرت على ذلك، أعتقد أن الولايات المتحدة أمامها بعض العقود قبل أن تواجه منافسة جدية من أحد نظرائها ولكن بحلول سنة 2030 في عالم سنكون في عالم تكون فيه الصين نظيراً ندياً على المستوى الاقتصادي ثم تترجم ذلك النفوذ الاقتصادي إلى طموحات جيوسياسية، ما أقوله هو أنه يتعين علينا أن نبدأ في التفكير في ذلك العالم الجديد لأنه إذا انتظرنا حتى حلول عام 2030 لنستيقظ عندها ونفاجأ بأن العالم قد تغير عندها الوقت سيكون قد فات.

عبد الرحيم فقرا: قبل أن نذهب للاستراحة سؤال متابعة عما قلته بالنسبة للإمبراطورية البريطانية يجادل وأنا أسمع هذه المجادلة كثيراً سواء في الولايات المتحدة أو في بريطانيا الفرق بين الإمبراطورية البريطانية والقوى الأميركية اليوم هو أن البريطانيين في ذلك الوقت كانوا يسيطرون على الطرق البحرية، الولايات المتحدة اليوم تسيطر على الطرق البحرية والطرق البرية والطرق الجوية والطرق الفضائية وبالتالي يجادل لا مجال للمقارنة بين الولايات المتحدة وبريطانيا.

تشارلز كابشن: هذه نقطة بالغة الأهمية وربما السبب الجزئي لسيطرة الولايات المتحدة على كل المجالات هو أننا نتمتع بانعزال جغرافي بالتالي لسنا بحاجة للاحتفاظ بقوات عسكرية برية كبيرة هنا لمواجهة كندا والمكسيك لأنهما جاران طيبان بالتالي لدينا قوات في أوروبا واليابان والخليج الفارسي، لكني أعتقد أن الولايات المتحدة ستمر من مرحلة انكماش حيث هناك امتعاض داخلي خلفته حرب العراق وأفغانستان وهناك نقاش حول تخفيض ميزانية الدفاع وبالتالي لا أعتقد أن الولايات المتحدة ستنسحب بل هي ستبقى قوة عسكرية عالمية ولكنها ستحاول تخفيف بعض الأعباء وتقسيم بعض المسؤوليات مع آخرين وستجد طرقاً للادخار بالتالي نحن ندخل الآن في مرحلة أسميها سياسة خارجية تقشفية أو اقتصاد في إنفاق الموارد يجتمع هذا العالم مع تمدد العوامل الأخرى ليؤدي إلى هذا العالم الأكثر توازناً من الذي أستشرفه.

عبد الرحيم فقرا: لو سمحت لي أريد أن نأخذ استراحة قصيرة ثم نواصل بعدها النقاش، استراحة قصيرة إذن.

[فاصل إعلاني]

الانكماش الاقتصادي الأميركي المبرمج

عبد الرحيم فقرا: أهلاً بكم في الجزء الثاني من هذه الحلقة من برنامج واشنطن ضيفنا فيها هو الدكتور تشارلز كابشن أحد كبار الباحثين في مجلس العلاقات الخارجية الأميركية وكان قد عمل في مجلس الأمن القومي إبان إدارة الرئيس السابق بيل كلينتون، دكتور كابشن عطفاً على ما قلته في نهاية الجزء الأول من هذه الحلقة تقول في كتابك: " إن ما تحتاج الولايات المتحدة للقيام به لاستعادة قدرتها على تسديد ديونها وتحقيق الإجماع الداخلي هو نفسه ما تحتاج إليه لكي تفسح المجال أمام القوى الصاعدة في العالم، فالجهود الأميركية الرامية إلى الحفاظ على هيمنة الولايات المتحدة في معظم أنحاء العالم ستجرف بصورة أكبر الدعم المحلي للسياسة الخارجية الأميركية مفاقمة بذلك الاستقطاب وانعدام الاتساق"، كما تقوله أنت وأن الولايات المتحدة في نهاية المطاف لن تخسر لكنها تنكمش وتفوض صلاحياتها لقوى صاعدة مثلما نرى في الحالة التركية في منطقة الشرق الأوسط والعالم الإسلامي بشكل عام هل هذا ما تقوله أنت؟

تشارلز كابشن: كما تفضلت أعتقد أن ما يتعين على الولايات المتحدة أن تفعله هو إعادة ترتيب بيتها الداخلي والتعامل مع هذا التعدد للقوى، فعلان متطابقان لحسن الحظ فالولايات المتحدة تجد نفسها في حالة تمدد يفوق طاقتها مع تعثر الحروب في العراق وأفغانستان التي كانت فاتورتها باهظة جداً من حيث الأموال والأرواح وفي الداخل أدت العولمة إلى تدني دعم دخل الطبقة الوسطى وهذا بدوره ساهم في الاستقطاب بالتالي التركيز على الجبهة الداخلية مع وقف النزف الخارجي من شأنه أن يعيد الصحة للجسم الداخلي وهذا ما يجب أن نفعله أيضاً لفتح المجال أمام القوى الصاعدة من آسيا ومن الشرق الأوسط ومن إفريقيا ومن أميركا اللاتينية وأعتقد أن هذا سيتطلب بعض الخطوات أولها: هو أن نعمل على أن تصبح المؤسسات الدولية أكثر تمثيلية وهذا يحدث كما في حالة توسيع مجموعة  الثمانية إلى مجموعة العشرين وتوسيع مجلس الأمن ولكن الخطوة الأكثر خطورة وهي بالتالي الخطوة الأصعب هي إعادة كتابة قواعد النظام العالمي وهذا يعني إيجاد مفاهيم جديدة للشرعية بدلاً من اعتماد الديمقراطية الليبرالية كمقياس وحيد للشرعية والتوافق حول مفهوم جديد للسيادة وترويض العولمة واعتماد الخاصية الإقليمية بدلاً عن الحكم العالمي، لقد علمنا التاريخ أنه عندما يحصل تغير في توزيع القوى، القوى الصاعدة تطلب دوراً أكبر، النظرة السائدة في أميركا أن القوى الصاعدة ستأتي لتجلس إلى طاولتنا وستتبع أوامرنا ولكن هذه نظرة ساذجة أعتقد أن هذه القوى ستقول لننتقل إلى غرفة أخرى، اجلسوا أنتم إلى طاولتنا وأعتقد أنه من الأهمية بمكان أن لا نقول عليكم أن تتشبهوا بنا بل يجب أن يكون النقاش حول التعامل مع عالم متنوع.

عبد الرحيم فقرا: كيف تفرق في هذه الحالة بين ما تصفه أنت بالانكماش shrunken  والانعزالية؟

تشارلز كابشن: الانعزالية تعني الانسحاب يعني أن نقول اليابان ولكوريا وتايوان مع السلامة، يعني الانسحاب من خليج فارس وإبلاغ السعودية  والكويت وغيرهم تعاملوا أنتم مع إيران ولكني أعتقد أن ما يتعين على الولايات المتحدة أن تفعله هو التركيز على التهديدات الأساسية وأن تكون الالتزامات على قدر المصالح  لأن ما حصل في العراق وأفغانستان هو أن التزاماتنا فاقت مستوى مصالحنا مما أدى ببعض الأميركيين إلى التساؤل لماذا ننفق كل هذه الأموال؟ بالتالي يجب علينا أن نقلص من حجم الالتزام وأن نركز على الأولويات الكبيرة وأن لا ننجر إلى مشاريع مثل إصلاح أفغانستان لأن ذلك هناك ثقب أسود وقوى عظمى عديدة حاولت إصلاح أفغانستان وفشلت كلها وعندما نفعل هذا نستعيد التوافق الداخلي هنا وهذا أمر بالغ الأهمية حيث علمنا التاريخ أنه عندما يكون الشعب الأميركي منقسما في الداخل نكون ضعفاء في الخارج وعندما يكون الشعب على كلمة واحدة وهنالك توافق بين الحزبين تكون سياستنا الخارجية أكثر فعالية وأكثر نجاحاً، في الوقت الحاضر نحن بلد مستقطب ومنقسم على نفسه والانكماش من شأنه أن يعيد تقوية المركز.

عبد الرحيم فقرا: هناك من يجادل كروبرت ليبر مثلا بأن وسمعنا منه هذا الكلام في السابق مرات ومرات بأن المشاكل الداخلية التي تواجهها الولايات المتحدة ليست جديدة واجهت الولايات المتحدة مشاكل داخلية في السابق وكانت قد صدرت تنبؤات بتقهقر القوة الأميركية آنذاك و مع ذلك لم يحصل شيء من ذلك لكن على النقيض من ذلك قد يجادل بأن المشاكل الداخلية التي تعانيها الولايات المتحدة هذه المرة مختلفة عن سالفاتها هذا الانقسام حتى في الجسم السياسي بين الجمهوريين والديمقراطيين باسيفيتش من جامعة بوسطن يقول: إن الساسة الأميركيين الآن لم يعودوا يخدموا الأهداف الأميركية بقدر ما يخدموا الأهداف الذاتية لهم هل ترى أنت مقام للصحة في هذا الكلام؟

تشارلز كابشن: نعم لقد مرت الولايات المتحدة بأوقات صعبة في الماضي لكنها تجاوزتها بسلام لكن هذه المرة هناك ثلاث عوامل جديدة وأنت أشرت إلى إحداها وهي أننا نعيش انقساما داخليا شديدا وسياستنا مسممة إلى حد إذا أردنا أن يصل الكونغرس إلى اتفاق لحل مشكلة ما تصبح العملية شبه مستحيلة! نحن نعرف أنه علينا أن نعالج مسألة الرعاية الصحية ومسألة منح التقاعد واستعادة التصنيع ولكن الحزب الجمهوري والحزب الديمقراطي لا يتفقان حول سبل المعالجة وبالتالي ليس هناك حلول هذا أمر جديد، ثانيا: أعتقد أن المشاكل الاقتصادية التي تواجه الولايات المتحدة وكذلك أوروبا واليابان أيضاً ليست ظواهر عابرة وكأنها ناتجة عن الدورة الاقتصادية بل هي متجذرة بعمق في العولمة لأن أكثر من ألفي مليون من العمال دخلوا في الاقتصاد العالمي مما يعني أن العمال في الصف الأول أصابتهم الضربة الأقوى، لذلك رأينا كيف اختفى أكثر من نصف الوظائف الصناعية خلال العقد الماضي، وهو سبب معاناة أوروبا واليابان وبالتالي علينا أن نجد نموذجا جديداً فالأمر ليس كالمعتاد في محاولة إنعاش النمو الاقتصادي أعتقد أن اوباما يدرك ذلك وهو ما يجعل حملته الانتخابية تركز على مداخيل الطبقة الوسطى واستعادة البلاد من أيدي أصحاب المصالح الخاصة وأخيرا أعتقد أن العالم يتغير بشكل أسرع مما كان يتغير في الماضي نحن نعيش الحقبة الرقمية والقوة تنتقل من الغرب نحو آسيا نحو القوة الصاعدة بسرعة أكبر مما كانت تتنقل في الحقبات الماضية لذلك أنا أقول أن الولايات المتحدة ستستعيد عافيتها ومرتبتها الأولى ولكنها ستكتشف أيضا أن آخرون يقتربون منها بسرعة أيضا.

عبد الرحيم فقرا: بالمناسبة على ذكر التكنولوجيا العامل التكنولوجي الذي تحدثت عنه في مجال الاتصالات أريد أن تسمع ما يقوله مستشار الأمن القومي السابق أيام إدارة جيمي كارتر زبيغني بريجنسكي في الملف الروسي تحديدا وفي باب التكنولوجيا وما تلعبه في تغيير موازين القوى في العالم بالنسبة للقوى الصاعدة.

[شريط مسجل]

زبيغني بريجنسكي/ مستشار الأمن القومي الأميركي السابق: أعتقد أن ما يجري في روسيا اليوم يختلف عما نراه في الشرق الأوسط وهو ظهور مجتمع مدني حقيقي في المراكز الحضرية الرئيسية من روسيا وبخاصة في أوساط الطبقات الوسطى وفي صورة أكثر تحديدا في أوساط الشباب في الطبقة الوسطى الذين سافروا إلى الغرب بالملايين ودرسوا هناك بالآلاف وهم يعيشون الآن بفضل شبكة الانترنت ووسائل التواصل الاجتماعي بما فيها وسائل التواصل الاجتماعي الروسية لقد تابعت الشؤون الروسية لسنوات طويلة وشاركت بصورة فعلية في تفكيك النظام الروسي ومع ذلك فإن التغيير الذي تشهده روسيا حاليا يمثل مفاجأة لي لأن وتيرته أسرع مما كنت أتوقع.

تسارع وتائر نمو القوى الشبابية في روسيا

عبد الرحيم فقرا: رجل مسن لكن هل أفكاره في الملف الروسي هل تجد فيها مصداقية؟ وماذا تقول لك هذه الأفكار بالنسبة لمستقبل روسيا في العالم مقارنة بالقوة الأميركية؟

تشارلز كابشن: أنا أتقبل نظرة السيد بريجنسكي حول روسيا إلى حد ما بأن روسيا تمضي في الاتجاه الصحيح وقد تتماهى مصالحها مع الاتحاد الأوروبي لأن الأسواق موجودة هناك، وهناك المستثمرون وفي نهاية الأمر تاريخها يمضي في ذلك الاتجاه ولكني أعتقد أن المسيرة ستكون بطيئة لأن الطبقة الوسطى التي يتحدث عنها سيد بريجنسكي موجودة إلى حد كبير داخل الدولة أي أنهم يعملون في البيروقراطية أو الشركات المملوكة للدولة والسؤال ما هو نسبة الباعثين الاقتصاديين؟ كم عدد أصحاب الشركات الصغرى؟ الجواب هو أقل من 10% أي بعدد أصابع اليدين وما دمنا نرى بروز طبقة روسية واسعة أعتقد أن روسيا ستبقى في ممر مسدود أي في المنطقة الرمادية بين نظام استبدادي ونظام ديمقراطي أما جيوسياسيا فستتموقع بين القوى الغربية وقوى البريكس وفعلا ستحاول أن تكون جسرا بين الموقعين.

عبد الرحيم فقرا: الآن بالنسبة لروسيا هل الدور الذي تحاول أن تلعبه في بلد كسوريا حاليا هل تنظر أنت من موقعك الأميركي إلى الدور الروسي هناك كمرحلة فائتة بالنسبة للروس مصلحة في وقت وزمن معين أم أن استراتيجيهم في سوريا تهدف شيء أكبر من ذلك وشيء له علاقة بصعودهم كقوة جديدة في العالم قد تنافس بشكل أو بآخر أو تكمل القوة الأميركية؟

تشارلز كابشن: بصراحة أن روسيا ارتكبت هفوة إستراتيجية أظن أن الروس استنكروا ما حصل في ليبيا حيث شعروا وأنهم وافقوا على قرار من مجلس الأمن لإدخال قوة اتضح أنها قوة الناتو لحماية المدنيين ثم تحولت المهمة إلى تغيير النظام وإسقاط نظام العقيد القذافي وأظن أن الروس قالوا لن نسمح بتكرار هذا الأمر فقد وقع التحايل علينا وبالتالي نحن سنستخدم حق النقض مع الصين لمنع قرار أممي ولكني أعتقد أن هذا الأمر وضع روسيا في الجانب الخاطئ هذا أعطى صورة لروسيا على أنها تدعم وتساعد اعتداء الحكومة السورية على شعبها لذلك نشهد بعض التحول في الموقف الروسي خلال الأيام القليلة الماضية وروسيا الآن تدعم بيانا رئاسيا من مجلس الأمن وهم يتراجعون عن دعمهم لبشار الأسد وهم يحاولون الآن أن يتموقعوا في منزلة أكثر وسطية لأنه من الصعب أن يتمسك أيا كان بدعم  ما تقوم به الحكومة السورية.

عبد الرحيم فقرا: لكن هل تخلي إذا حصل تخلي، هل تخلي روسيا عن موقفها الحالي كما عرفناه خلال الأسابيع القليلة الماضية إزاء نظام بشار الأسد هل من شأنه أن يؤدي إلى تخلي روسيا عن موقعها في سوريا وفي الشرق الأوسط وبالتالي ما دلالة ذلك وعواقبه بالنسبة لصعود روسيا كقوة عالمية في هذا العالم الذي تتحدث عنه أنت عالم بدون مركز في المستقبل وبدون محيط؟

تشارلز كابشن: بعض ما قام به الرئيس بوتين بنجاح فيما يتعلق بالدبلوماسية وبالسياسة الداخلية هو تمكين روسيا من استعادة بعض نفوذها وأعتقد أن مواقف روسيا في السياسة الخارجية عادة ما تنبع من رغبة الكريملين في التظاهر بالقوى من حيث لا توجد لأنك لو نظرت إلى حجم الناتج المحلي الخام أو القوى العسكرية تجد أن القوة ليست كما كانت عليه في السابق ولذلك عندما يتعلق الأمر بالدرع الصاروخية أو جمهورية جورجيا أو كوسوفو أو ليبيا أو سوريا وإيران أيضا أعتقد أن روسيا تحاول إقحام نفسها في هذه الألعاب بغرض تضخيم نفوذها  لا اعتقد أن هذا سيتغير ولكني أعتقد أيضا أن روسيا تريد أن تكون لاعبا ايجابيا ولا تريد أن تجد نفسها في الجانب الخاسر لذلك أعتقد أن بوتين يعيد تموقعه شيئا فشيئا بخصوص سوريا لأنه لا يريد أن يكون الداعم الأخير لنظام فقد شرعيته في أعين العالم.

القوى الصاعدة في الشرق الأوسط

عبد الرحيم فقرا: محور أخير في هذه الحلقة دكتور كابشن وله علاقة بروسيا وبمنطقة الشرق الأوسط ما تقوله في كتابك يوحي بأنه في عالم متعدد الأقطاب كما تقول في عنوان الكتاب: الغرب والقوى الأخرى في العالم، لست متفائلا بأن منطقة الشرق الأوسط خاصة المنطقة العربية ستحتل مكانتها على الطاولة كما وصفتها سابقا في هذا البرنامج تقول مثلا من ضمن ما تقوله في كتابك: "حتى إذا انقلب المد وانتشرت الديمقراطية انتشارا سريعا عبر الشرق الأوسط فأن المنطقة لن تتربع على المكان الذي يقدمه لها الغرب في النظام العالمي فكلما اتسعت الديمقراطية في المنطقة تعزز فيها دور الإسلام حتى بحلته المعتدلة في حياة الناس، هذه النتيجة لن تكون سيئة أو جيدة بل مجرد واقع سائد في تلك الرقعة من العالم حيث يتداخل الدين مع السياسة، طبعا هناك العديد من المحاور في هذا المقتطف إنما بالنسبة لك هل هناك قوى عدا إسرائيل وتركيا وإيران أي قوى عربية في دول الربيع العربي قادرة على أن تحتل ذلك المقعد الذي تتحدث عنه أنت في المستقبل؟

تشارلز كابشن: أعتقد أن الشرق الأوسط كمجموعة وبعض القوى في الشرق الأوسط ستتبوأ مقعدا على الطاولة ولكنها لن تكون الطاولة التي أعدها الغرب لهم ما أعنيه أن الغرب له تصوره الخاص للحداثة أنه في نهاية المطاف الديمقراطية الليبرالية العلمانية هي النتيجة الحتمية، ولكني لا أرى أن ذلك هو ما سيحصل في الشرق الأوسط ففي المدى القصير أرى أن الربيع العربي الذي علينا جميعا أن نعترف انه أمر يدفع على التفاؤل من حيث أنه يؤكد على رغبة الإنسان في نيل الكرامة هذا المسار سيكون محفوفا بالعثرات وسيؤدي إلى دخول دول في تنازعات أثنية وعقائدية وسيؤدي إلى تطاحن بين العلمانيين والإسلاميين وهو ما نراه على امتداد المنطقة، أنا أعتقد في الحقيقة أنه في المستقبل غير البعيد وأنا اعني جيلا أو جيلين سنرى بروز ديمقراطيات ليبرالية مستقرة في الشرق الأوسط ولكني أعتقد أنها ستحوي تيارات إسلامية قوية في داخلها وأنهم ستكون لديهم نظرة مختلفة عن الغرب حول علاقة الدين بالسياسة والأسواق والعمالة إذن الرسالة التي أسوقها للسياسيين في واشنطن أن مناطق العالم المختلفة يفترض أن تكون لها مفاهيم مختلفة وعلينا أن نقبل بها ونحتفي بذلك التنوع ونستغله وليس أن نعتبر أن الجميع عليهم أن ينتهجوا نفس  الطريق وأعتقد أن ذلك النوع من القبول بالآخر هام جدا لأن التاريخ علمنا أننا عندما ندخل في هذه المراحل الانتقالية نجد صعوبة في التعامل معها، دعني أقول هنا أننا بصدد عالم جديد لسبب الهام التالي: في مراحل سابقة من التاريخ كانت هناك مراكز نفوذ متعددة لكل واحدة منها نظرتها السياسية ولكن تلك الحلقات لم تتداخل فيما بينها، أما اليوم فنحن نعيش في عالم معولم بحيث ما يحدث في عمان أو القاهرة أو بروكسل أو القاهرة أو بكين له تداعيات في كل مكان لذلك أرى أنه في عالم معولم هو أيضاً متعدد الأقطاب ومتنوع سياسياً من الأهمية بمكان أن نفكر في الحوكمة العالمية وكيف نجد طريقة جديدة لإدارة منظومة لا يكون فيها الغرب هو الحارس وصاحب الأمر الأخير.

عبد الرحيم فقرا: وجهة نظر من ضمن وجهات نظر متعددة مطروحة هنا في الولايات المتحدة بالنسبة لمستقبل العالم تشارلز شكراً جزيلاً، الدكتور تشارلز كابشن أحد كبار الباحثين في مجلس العلاقات الخارجية الأميركية وكان قد شغل منصب عضو مجلس الأمن القومي في إدارة الرئيس السابق بيل كلينتون وقد تحاورنا معه بخصوص كتابه الجديد: " عالم لا يتحكم فيه أحد" الذي يحمل أيضاً عنواناً فرعياً يقول: " الغرب والبقية الصاعدة والتحول العالمي" انتهت الحلقة إلى اللقاء.