عبد الرحيم فقرا
مالك جندلي

عبد الرحيم فقرا: كان ذلك الموسيقار السوري مالك جندلي مشاهدينا في كل مكان أهلاً بكم في حلقة جديدة في برنامج من واشنطن تأتيكم هذا الأسبوع من نيويورك، وتحديداً من هذا الموقع القريب من المنطقة التي تعرف بسوريا الصغيرة، في هذه الحلقة سنكتشف بعض جوانب العلاقة بين الفن والسياسة، الفن والثورة، سنستعرض بعض جوانب الوضع السوري مع الموسيقار مالك جندلي.

[مقطع موسيقي]

ألحان لا تخلو من الحنين إلى الوطن

عبد الرحيم فقرا: حتى وهو يتحدث عن المستقبل أو يغني له لا تكاد كلمات مالك جندلي أو ألحانه تخلو من أصداء الماضي فلا غرابة في ذلك، يقول الملحن وعازف البيانو السوري بأن تاريخ الحضارة الإنسانية في موطنه سوريا يمتد على مدى آلاف السنين، جندلي عالم تلتقي فيه عدة عوالم فألحانه تعانق الشرق والغرب، وإذا كانت سوريا أرض حضارة موغلة في التاريخ فإن الولايات المتحدة كما اكتشف أجداد جندلي ممن توافدوا على نيويورك هرباً من بطش العثمانيين قبل أكثر من قرن بمثابة بوصلة إلى مستقبل أفضل يغذي حبهم وحنينهم لموطنهم الأصلي. بعد مئة وثلاثين سنة من وصول العديد من أسلافك مما كان يسمى بسوريا الكبرى لبنان وسوريا، أنت الآن موجود في نفس الحي الذي استقروا فيه آنذاك في ظرف تاريخي مختلف طبعاً، كيف تشعر؟

مالك جندلي: أشعر بمزيج من المشاعر، أول شيء أشعر كيف كان أسلافي يقدرون معنى المؤسسات، يعني عندما جاءوا أمين الريحاني و خليل جبران وكل هالمفكرين حرروا العقل العربي السوري وقاموا بإنشاء الرابطة القلمية، كانوا يعملون مثل المناظرات مع إخوانهم الأميركان في الثقافة و الأدب، في السياسة،  ما أشعر به  أين نحن الآن من هذا؟ أين المؤسسات أين سوريا الكبرى أو سوريا الصغرى حتى ؟ هذا هو شعوري، يجب أن نحتضن هذه الأفكار العربية في الوقت الراهن في اللحظة التاريخية اليوم.

عبد الرحيم فقرا: في هذا الحي، حي سوريا الصغيرة حيث دك المستقبل بناطحات سحابه أثر أقدام من وفدوا من سوريا الكبرى قبل أكثر من قرن، عاشت أعلام شهيرة كخليل جبران الذي رفض أي دور سياسي للفن، و أمين الريحاني الذي رفض الفصل بين الفن و السياسة، و بعد عقود طويلة جاء مالك جندلي ليعرب بالموسيقى عما يصفه بتعطش السوريين للحرية حتى و إن كلفهم عطشهم ذلك الموت كما يقول، كما حصل لإبراهيم القاشوش الذي وجد مقتولاُ وبلا حنجرة بعد أن غنى شعارات ضد الرئيس السوري بشار الأسد، أستاذ جندلي شكراً بدايةً على استضافة الجزيرة في بيتك في نيويورك، كما سبقت الإشارة نيويورك و مدن  أميركية أخرى كانت محج لأسلافك من السوريين منذ أكثر من مئة عام، كيف تنظر إلى الوضع في بلدك الأصلي سوريا من موقعك في هذا البلد في الولايات المتحدة؟

مالك جندلي: في البداية السلام عليكم، مثلما تفضلت أخي الكريم السوريين كانوا في نيويورك من 1888 في سوريا الصغيرة، الآن نحن نشهد لحظات تاريخية في سوريا ستكون سوريا كبيرة بكل معنى الكلمة، ديمقراطية، حرة، ثورة تاريخية بكل معنى الكلمة نحن من ابتكرنا الأبجدية، نحن من ابتكرنا السلم الموسيقي، مهد الديانات، موطن الأنبياء هذه بلادنا، يجيني واحد لأربعين سنة ويقول لنا هذه سوريا، هذا شيء مرفوض جداً، أرى الأمل و أرى الحرية في عيون أطفال سوريا اللي الذين هم بدؤوا المسيرة التاريخية هاي.

عبد الرحيم فقرا: هل استعادة التاريخ نعمة أم نقمة بتصورك؟

مالك جندلي: سؤال وجيه جداً استعادة التاريخ سلاح ذو حدين دائماً نحن نتكلم بالماضي لأنه لا يوجد حاضر، لم يكن يوجد حاضر الآن عندنا حاضر تاريخي أهم من الماضي الغابر و التاريخ العريق الموجود عندنا، نحن نتحدث اليوم يوجد أطفال، يوجد أبطال شجعان يضحون بحياتهم لأنهم استطعموا وتلذذوا بطعم الحرية، عندما قاموا بذلك عشقوها لدرجة الموت.

عبد الرحيم فقرا: هناك من يستذكر قول محمود درويش أهلي كلما بنوا قلعة دمروها، يعني فلسطين راحت دمر العراق، الآن سوريا تدمر و مع ذلك نسمع أصوات الأمل من بينها صوتك أنت من أين جاء هذا الأمل؟

مالك جندلي: جاء من تضحيات هذا الشعب العظيم، يعني نحن اليوم فوق المئة ألف سوري ضحى بحياته اليوم إذا نحن أضفنا مجزرة حماة في 1982 ماذا يوجد غير الأمل؟ بهذه البطولات التي نشاهدها كل يوم، الأمل يأتي من الماضي، يأتي من الحاضر، من تضحيات الأطفال، ويأتي من فخري أنا يعني أنا الأنظمة الاستبدادية التي منعت التفكير، يعني أجبرت أكثر من نصف الشعب أن يهجر أو يهّجر إلى أين إلى الغربة الجميلة أنا أسمي أميركا الغربة الجميلة، أعطتني حق المواطنة، أعطتني حق التفكير، أعطتني حقوق الملكية كفنان، أكثر من نصف الشعب السوري خارج سوريا وبعد سقوط النظام سيكون عندنا ثورة علمية صراحة لإنشاء الإنسان  السوري الإنسان العربي بشكل عام.

[مقطع موسيقي]

الدور الأميركي في الثورة السورية

عبد الرحيم فقرا: كيف تنظر إلى الدور الذي لعبته الولايات المتحدة أو الذي لم تلعبه حسب منظورك في المسألة السورية حتى الآن؟

مالك جندلي: يعني لا يوجد كلمة غير العار من منطلق الإنسانية، أنا دائماَ أقلب المعايير هل تتخيل أن الجيش الأميركي يقصف مدينة نيويورك ؟ يقصف Harvard University ؟ يقصف المعالم الأميركية، أو الجيش الفرنسي يقصف باريس، لن تدوم هذا لـ 19 ثانية، إحنا صار لنا 19 شهر  الجيش الأسدي الذي يدعي أنه الجيش السوري يقصف بلادي ويقصف أهلي ويقصف تاريخي و قلاعي و المآذن و الكنائس و كل شيء والمجتمع الدولي يتفرج.

عبد الرحيم فقرا: لكن عطفا على انتقادك للولايات المتحدة الآن هناك أيضاً من ينظر إلى هذه الأحداث و يقول هل يعقل أن الثورة تسمي نفسها ثورة إذا كانت محتاجة للعناصر التي كانت تدعم في السابق هذه الأنظمة للتخلص من هذه الأنظمة؟

مالك جندلي: نحن فقط بحاجة إلى الأدوات، نحن لسنا بحاجة إلى أحد، نحن الشعب السوري شعب أعزل ليس عندنا سلاح، صار لنا أربعين خمسين سنة ممنوعين عن التفكير، يعني أنا أنظر إلى الشعوب العربية، لا أري مواطنين أري مستهلكين أو مستهلَكَين، أين المواطن؟ أين التفاعل في العملية الانتخابية أين المؤسسات؟ لا يوجد مؤسسة عربية قادرة على تقييم المشاريع الموسيقية.

عبد الرحيم فقرا: هناك من يقول أن التاريخ يقف الآن مع الشعب السوري وأنه في نهاية المطاف هذا هو أهم وأفتك سلاح إذا ما كنت في قرارة نفسك تعتقد أن التاريخ يكفي حتى وإن كان مع الشعب السوري في تمكينه من تجاوز محنته.

مالك جندلي: أعطيك مثالا بسيطا، إبراهيم القاشوش ماذا كانت أدواته؟ لحن موسيقي كسر حاجز الخوف، كان الموسيقي الحقيقي، الفنان العربي الحقيقي أخذ بنبض الشارع ونهض بفن سوري أصيل مع رسالة واضحة لإسقاط الظلم وللحرية، أدرك النظام والأنظمة الاستبدادية مدى تأثير الموسيقي، ولكن للأسف الشديد وضعت المفكرين والأحرار في السجون وقلبت مكارم الأخلاق، صار الكذاب هو الرئيس وصار الصادق الشريف في السجن أو في الخارج.

عبد الرحيم فقرا: ما الذي يمكن للعرب وللسوريين تحديدا، للسوريين من أمثالك خصوصا في هذا الوقت بالذات أن يستفيدوا منه من ما هو متاح في المجتمعات الغربية وهم يشاركون في المستقبل، وأنت تشارك في مستقبل سوريا؟

مالك جندلي: المطلوب ليس من المغتربين العرب ولكن من الشعوب العربية كافة وهو الارتقاء إلى مستوى الثورات التاريخية التي نشهدها اليوم، الارتقاء الفكري، أنا في رأيي أن المشكلة في الوطن العربي بشكل عام هي الجهل وهذا أدى إلى حالة خطيرة جدا وهي أن مستوى الإدراك عند الإنسان العربي دون المستوى المطروح، تعطيه القرآن الكريم لا يدركه لا يفهمه، تعطيه الموسيقى لا يدركها، تعطيه الحرية يسئ فهمها مطلوب منا نحن..

عبد الرحيم فقرا: ما معنى ذلك؟

مالك جندلي: قصدي أنه لا يدرك أهميته لان نحن تعودنا على عدم المشاركة والتفاعل مع البيئة، مع الواقع، دائماً نحن منفصلون عن الواقع، نحن في مكان والواقع في مكان، وهذه ليست مسؤوليتي، الشعور بحق المواطنة، أنا كسوري العلم السوري لم يعني لي شيئا، الجيش السوري فقط أريد الهروب منه، قارني مع مواطن حر بغض النظر عن جنسيته، يمجد بالجيش، يمجد بعلمه، يجد قوانين لاستعراض العلم، الأنظمة، عدم وجود الحرية والأنظمة الاستبدادية سلبت الإنسانية، سلبت الأخلاق سلبت معنى الوطنية من الإنسان العربي.

عبد الرحيم فقرا: هل الثورة خاصةً في سوريا كما تصفها أنت لكن في مناطق أخرى من المنطقة، هل تعتقد أن فكرت في مختلف جوانب الحياة بالنسبة للمستقبل، الدستور العلاقات بين الأقليات، المساواة في المجتمع، أم أنها ثورات منصبة أساساً على ما تسميه بإسقاط النظام، وأي شيء آخر يأتي بكره كما يقال بالمنطقة.

مالك جندلي: لنقارن أخي الكريم ما بين الثورة السورية التاريخية السلمية وثورات أخرى حصلت في التاريخ الحديث، الثورة الأميركية مثلاً، مائتي سنة أجاهم حرب أهلية ذبحوا بعضهم البعض دموية، أجاهم العبودية للأفارقة، ومشاكل أخذتهم من مئتي سنة لحتى صاروا شبه ديمقراطيين اليوم، يعني في تونس كان عندنا بطل أحرق نفسه، لكن في سوريا كان عندنا امرأة تومي الملوحي أنا برأيي هي من أشعلت في سوريا، قبل أطفال درعا، والمرأة والأطفال هم من سينهون هذه الثورة، ولكن ووجهت يعني جرائم ضد الإنسانية، بوحشية غير مسبوقة، لم يتح لهذا الشعب لهذه المرأة  للأطفال التفكير تحت القصف تحت الدمار، بدون أي مجال للتفكير يعني، للدستور شي وبيجي المجتمع الدولي يعني اعملوا لنا دستورا اعملوا لنا مجلسا. العالم كلها نازحين في خيم، يعني أنا لما دخلت على سوريا قبل كم يوم، العالم في الحقول ليس لديهم حتى خيم، مشردين بكل معنى الكلمة، آلاف مؤلفة، الإنسان السوري يحترم الحريات، يحترم الأديان والطوائف، لم يكن لدينا أي مشكلة طائفية في الماضي، كل ما نحن بحاجة إليه هو المناخ المناسب، وقف حمام الدم والجرائم ضد البشرية، وثم سوف نعيد بناء دولتنا كما كانت قبل هذا النظام الإجرامي دولة وطنية متعددة، ما في أجمل من تنوع الشعب السوري.

الفن في عهد الثورة

عبد الرحيم فقرا: نسمع الكثير عن الحرب الأهلية، أن هناك حربا أهلية تدور رحاها في سوريا وأن النسيج المجتمعي السوري قد تمزق، هل تعتقد أن هناك حربا أهلية في سوريا، وإذا لم تكن هذه حرب أهلية في سوريا كيف يمكن للسوري في المستقبل بتصورك أن يستخدم إرثه من الماضي لإعادة بناء هذا النسيج المجتمعي؟

مالك جندلي: جوابي مية في المية لا يوجد أي حرب أهلية في سوريا هذه بدعة، وهذا بالنسبة اللي استهبال ويعني قليل من.. أنا أوصفه أنا بقلة الاحترام للشعب السوري بصراحة، لا يوجد أي نوع من الحرب الأهلية، هذه وصفة لتشويه هذه الثورة التاريخية، وتغيير مطالبها لأنها تخيف البشرية، تخيف المصالح الأجنبية تخيف بعض الدول المجاورة، ما هي مطالب هذا الشعب العظيم؟ الحرية والديمقراطية والعدالة التي ينادي بها كل الشعوب، للمستقبل ما نحن بحاجة إليه من ناحية التاريخ طبعاً التاريخ سيكون مهم جداً ولكن يجب علينا إدراك هذا التاريخ وفهمه بالشكل الصحيح وتطبيق ما نحن.. يعني أنا برأيي على الجالية السورية المغتربة والعربية بشكل عام مسؤولية كبيرة جداً في تطبيق ما ورثته من علم، من مواطنة، من تفاعل سياسي، أنا مثلاً كمواطن عربي أميركي شاركت في الانتخابات أحلم في اليوم الذي سوف أنتخب فيه في وطني في سوريا، المؤهلات العلمية، التجارة الحرة، المساواة في المعاملة، يعني يجب أن نكافئ الكفاءات وليس العلاقات الشخصية.

عبد الرحيم فقرا: صوتت في الانتخابات الأميركية، يعني هل لك أن تصف لنا شعورك وأنت تدلي بصوتك في هذه الانتخابات، علماً بأن الوضع هو ما عليه في بلدك الأصلي في سوريا.

مالك جندلي: سؤال يعني يؤجج المشاعر بصراحة أنا عندما اكتسبت الجنسية الأميركية، كان يوم مفصلي في تاريخي الشخصي عندما تجد أنك أنت مواطن مثلك مثل المواطن اللي خلق في هالبلد يعني ابن هالبلد هذه، لا يوجد أي تمييز شعور يعني بغاية الأهمية كانسان، كحقوق إنسان، كحقوق ملكية، كفنان، كمواطن، وهذا ما نهض به الشعب السوري، يريد الحرية كي يصدق معنى المواطنة لأنه شافها عن طريق وسائل النقل عن طريق وسائل المواصلات، عن طريق المغتربين السوريين، وآن الأوان لكي تنهض الثورة السورية وتطبق حقوق البشرية على هالشعب العظيم هذا..

عبد الرحيم فقرا: يعني مسالة تنوع في المجتمع السوري تذكرنا بالتنوع في المجتمع الأميركي، هذا المجتمع اللي عمره تقريبا كولايات متحدة 250 عام أو ما يناهز ذلك مجتمع أخلاط، كيف بتصورك تمكن هذا المجتمع الحديث من ضمان استمرارية هذه الأخلاط في الوقت الذي نرى هذا التنوع في بلدان قديمة وعريقة يتلاشي في فترة من الفترات..

مالك جندلي: أنا برأيي الشخصي أن هالمجتمع الأميركي أو الحكومة الأميركية درست تاريخنا اللي يمتد مثل ما تفضلت 10000 سنة، ودرست أيضا الكتب السماوية، درست القران الكريم، وبرأيي الشخصي أنا طبقوه وأدركوه، أول شي أدركوه وفهموه بعدين طبقوه بإطاره الصحيح، ليس بابتكارات أو فتوات، وطبقوا هالتاريخ وهالمنهج اللي كان نحنا عنا في منطقتنا العربية وقاموا بإمبراطورية، وهذا ما نشهده اليوم نهوض فعلا بكل معنى الكلمة، نهوض أو انبعاث الجمال والحقيقة في العالم العربي..

عبد الرحيم فقرا: استراحة قصيرة ثم نعود.

[فاصل إعلاني]

عبد الرحيم فقرا: أهلا بكم إلى الجزء الثاني من هذه الحلقة من برنامج من واشنطن تأتيكم من نيويورك وضيفنا في هذه الحلقة هو الفنان السوري الأصل مالك جندلي، كيف غيرت الأوضاع في سوريا بلدك منذ اندلاعها، كيف غيرت الطريقة التي تنظر بها إلى الفن وإلى الموسيقى؟

مالك جندلي: الثورة السورية التاريخية التي نشهدها اليوم ما غيرت فقط تفكيري كفنان أو تأثيري الموسيقي، ولكن غيرتني كانسان، أول شي أدركت لأول مرة في حياتي مدى أهمية الحرية، لأول مرة في حياتي أدركت أهمية الموسيقى ك soft power كقوة ناعمة ولكن فعالة في الحراك السلمي، وعندها أدركت أهمية إعمال موسيقية كبيرة في التاريخ الغربي وفي التاريخ العربي، ما هو الفن؟ إذا الواحد بييجي على الفن وليس فقط الموسيقى الفن هو عبارة عن البحث عن الحقيقة والجمال، وهذا ما فشل به الفنان العربي بشكل عام لعدم وجود الحرية، كيف لنا أن نبحث عن الحقيقة عندما نفتقد للحرية..

عبد الرحيم فقرا: هل هناك حرية وهل هناك جمال في الوضع الحالي في المنطقة وخاصة في سوريا بتصورك؟

مالك جندلي: الآن يوجد حقيقة وهي ثورة سلمية تاريخية، الجمال هو في شجاعة هذا الوطن يعني أنا ضمن زيارتي القصيرة لسوريا شهدت جمال..

عبد الرحيم فقرا: حديثا..

مالك جندلي: حديثا قضيت أيام العيد في سوريا، كان لي الفخر والشرف، لمس أطفال، لمس أيادي أطفال سورية وأناملهم، رأيت الجمال في شجاعتهم وتكاتفهم وفي إدراكهم للحرية وللمستقبل، رأيت الأمل فيهم، يعني في قصة صغيرة لطفل القناص أصابه والطبيب سأله قبل التخدير: قول جملة قبل ما نحطك على التخدير، قال سوف نسقط هذا النظام، تصور طفل 5 سنين يعني صار عندك وعي متسارع بشكل مخيف للطفل السوري، إذا حكينا عن الثورة الأميركية 200 سنة نحنا سنعمل قفزات نوعية لنيل واستحقاق حريتنا، لأننا ندفع الثمن بصراحة، ثمن باهظ جدا، عودة إلى الفن.. الجمال والحقيقة هو مغزى الفن، موسيقيا الموسيقى هي ذروة الحرية، أنا برأيي لا يوجد كلمة تقيدها، لا يوجد فراغ أو فضاء يحصرها، تدخل لقلوب الناس، أنا بعمل واجبي هذا هو سلاحي، هذه هي أدواتي، وهذا هو مناخي في دعم ومساندة هذا الشعب العظيم..

عبد الرحيم فقرا: هل يصح القول بأن منظورك للموسيقى التي تنتجها أنت حاليا هو أنها أصبحت هناك ضرورة لتسخير هذه الموسيقى في قضية الحرية والثورة والحقيقة والجمال وغير ذلك من المفاهيم..

مالك جندلي: هي مسؤوليتي كإنسان وكمواطن سوري يتآخي مع هذا الشعب العظيم لنيل حريته ولنيل استحقاقه للديمقراطية وللعدالة ماذا املك؟ لا املك سوى الموسيقى وهذا واجبي، أتمنى أن استطيع أن ارتقي لمستوى الثورة هذه فنيا وإنسانيا، يعني أنا برأيي المشكلة أن الإنسان العربي وخاصة الفنانين وخاصة السوريين لم يرتقوا إلى مستوى إبراهيم القاشوش بعد، حتى الكثير منهم التزم الصمت المخزي، لم يرتقوا بمستوى التفكير والإدراك، لم يدركوا أهمية هذه الثورة، أنها مرحلة انتقالية ومرحلة عابرة سنعود كما كنا لأن المادة هي رقم واحد، المادة، المصالح الشخصية والأنانية، وكل هذه مثلما قلت قلب مكارم الأخلاق، الآن الشعب السوري والأطفال وبطلات سورية يعيدون ترتيب مكارم الأخلاق، الأدب، الاحترام اللي هي من شيم العرب وهذا ما يجب ننهض به فنيا وموسيقيا، أستذكر مثلا الشيخ علي درويش في حلب، شيخ أمام ماذا درس؟ درس الموسيقى ليجود القرآن وليرتقي بالآذان إلى تكبيرات، تكبيرات الخالق لتكون بمستوى الخالق، وثق التراث السوري موسيقيا، ماذا يفعل النظام الاستبدادي اللي هو ضد الحرية وضد الموسيقى وضد التفكير، يدمر سوق حلب يدمر دمشق يدمر حمص يدمر الموسيقى. من واجبنا نحنا كفنانين وكسوريين توثيق واستذكار هؤلاء الموسيقيين السوريين لتوثيق تراثنا والنهوض به من جديد ليس لنستذكره فقط ولكن نطرحه بقالب جديد يرتقي بمستوى الثورة اليوم للنهوض إلى مستقبل بثورة موسيقية فنية.

[شريط مسجل]

مالك جندلي: هذه قطعة من التراث السوري خصيصا لمدينة حلب للشيخ علي الدرويش رحمه الله..

[مقطع موسيقي]

عبد الرحيم فقرا: أين تلتقي مع التراث السوري مجسدا مثلا في محمد علي درويش؟

مالك جندلي: التقي به بسوريتي، التقي به بمناخي التقي به بحمص في نهر العاصي في أغاريت التي ابتكرت الموسيقى، يعني أنا كلي فخر أن أجدادنا هم ابتكروا السلم الموسيقي قبل النهضة الأوروبية وقبل.. زرياب الموسيقي العربي العراقي عندما اضطر إلى الرحيل إلى قرطبة ماذا أنشا في أوروبا؟ أنشا أول معهد موسيقي أكاديمي في أوروبا، انشأ مدرسة موسيقية، ما والله سماعي أو تقاسيم، يوجد علم في موسيقى علم في إلقاء الخطبة علم في السياسية علم في الدين، علماء يدرسون اختصاصات، هذا ما افتقدنا إليه، في المناهج التدريسية في الوطن العربي وخاصة في سوريا إذا كنت افشل الفاشلين بتروح على الفن أو بتروح إلى كلية الديانة أو الفقه وكلها مبنية على الحفظ وليس على التفكير، تحفظ الكتاب تأخذ علامة متفوقة تصبح طبيبا..

عبد الرحيم فقرا: العديد من الناس في المنطقة العربية الآن يفتخرون بأن.. من غير السوريين بأن سوريا حتى في ظل من حكم سوريا خلال الـ40 سنة الماضية قد أنتجت من الفكر، أنتجت من السينما أنتجت من التلفزيون أنتجت من المسرح أنتجت من الغناء الشيء الكثير، فهل مسألة القمع بنظرك مرتبطة بتدني المستوى الثقافي أم العكس؟

مالك جندلي: في سوريا عندك نهضة الدراما مثلا أو في نهضة الإنتاج السينمائي، السينمائي ما في موجود عنا مثلا بس نهضة الدراما اللي كانت موجهة مثلا لخدمة النظام، تفتقد للحقيقة، تفتقد للحقيقة اللي هي ركائز الفن، تفتقد للجمالية أنت ما أنك صادق أو ما أنك عم تعكس الواقع، يعني ما هو الفن؟ هو عكس مرآة، هو مرآة لعكس الواقع، الواقع ثورة لازم أنا اعمل موسيقى ثورة، الواقع فساد استبداد لازم أنا اعمل عملا فنيا يظهر الاستبداد..

عبد الرحيم فقرا: هذه المنطقة شهدت ثورات في السابق أو ما وصف بالثورات، وكان مصاحب لتلك الثورات فن يتغنى بأمجاد تلك الثورات ويشجع الناس على أن يقوموا بالمزيد، هل أنت كفنان ترى أن ذلك هو دورك التغني بأمجاد الثورة أم أن أنك فنان ترى أن هدفك الأول هو إشعار الناس بالحقيقة وتلك الحقيقة قد لا تكون بالضرورة سياسية أو ثورية؟

مالك جندلي: 100% يجب أن تكون صادق مع نفسك أول شيء التغني وبين قوسين الزعبرة يعني نحنا اجتزنا هذا الشيء يجب أن نرتقي إلى مستوى الثورة، الثورة هي أكثر ما هنالك هي حقيقية جميلة جدا بكل معنى الكلمة يعني تصور أخي الكريم أن إنسان عم يقلك سوف أضحي بحياتي يعني أعطنا الحرية أو أعطنا الموت أنشدها الشعب الفرنسي أنشدها الشعب الأميركي، أنشدتها شعوب العالم خلال ثوراتها الآن آن الأوان للشعب السوري لكي ينشدها ويعيشها ويدفع ثمنها..

عبد الرحيم فقرا: ما هو الجانب المشرق بالنسبة لك أنت كفنان كموسيقي فيما يحصل من مآسي في بلدك..

مالك جندلي: الجانب المشرق أخي الكريم هو انه كلنا نسعى إلى عدم هجرة هذه العقول هذه حرب ضروس على العقول العربية هُجرت مثلما تفضلت هجر زرياب هجر ستيف جوبز، هجر المفكرين العرب الشعراء الموسيقيين خونوا أو قالوا أن هاي ضد الدين ضد العرب ضد السوريين، ما نسعى إليه هو احتضان عقولنا احتضان مواهبنا احتضان حضارتنا من خلال الناس وهذا ما فعلته أميركا مثلا احتضنت الناس نحن يجب أن نحتضن أنفسنا وأن نقدر أهمية عقولنا البشرية كأفراد وكجماعات.

[شريط مسجل]

 مالك جندلي: مقطوعة يافا من البوم إصدار من أغاريت دائما أهديها للشعب الفلسطيني ولكن اليوم أهديها للشعب السوري.   

[مقطع موسيقي]

عبد الرحيم فقرا:  الثورة السورية كما توصف بدأت قبل حوالي عامين بصورة سلمية الآن نرى تدخلات العديد من الأطراف الروس الأميركان الأوروبيين دول الجوار، هل اضطرت أو ستضطر في نهاية المطاف هذه الثورة إلى مساومة كل هذه الأطراف وهل سيؤثر ذلك على محصلتها النهائية بتصورك؟

مالك جندلي: أخي الكريم في الثورة لا يوجد مساومات، لذلك عندنا ثورة، الثورة ليست بمعارضة دائما يوجد معارضة  اليوم في أميركا في أي بلدان من العالم يوجد معارضة ولكن لا يوجد ثورة نحنا عندنا اليوم ثورة تاريخية بسوريا بكل معنا الكلمة سلمية نعم لن تساوم بعد دفع ثمن باهظ بصراحة اللي دفعه الشعب السوري العظيم بتضحياته من أطفال ونساء وأبطال وشباب، المساومة يعني حتى لو فرضت عليه لن يقبل بها مطالبها بسيطة جدا هي المطالب البشرية مطالب إنسانية: الحرية، حقوق الإنسان، العدالة، المواطنة للأسف في المجتمع الدولي والبلدان الغربية عندها مطامع من مئات السنين كلهم ينظرون إلى المنطقة العربية لأنها منطقة إستراتيجية عريقة غنية بكل معنى الكلمة عقليا فكريا مصادر طبيعية طبعا يحاولون جاهدين بإجهاض هذه الثورة بتغيير مسارها بتجييشها بانحراف مسارها ولكن أنا رأيي الحضارة عمرها 10000 سنة من ابتكر الأبجدية ومن ابتكر السلم الموسيقي ومن ابتكر الكمبيوتر ستيف جوبز جندلي ومن ابتكر يعني أعرق حراك سلمي في التاريخ الحديث أنا لم أشاهد حراك سلمي في حياتي مثل الحراك السلمي اللي أدهش الناس الشعب السوري من خلاله..

انحراف الثورة السورية عن مسارها السلمي

عبد الرحيم فقرا: طيب ما هو الثمن الذي قد تدفعه الثورة السورية نتيجة تجييشها كما سبقت بالإشارة بدأت سلميا لكن بعد ذلك رأينا أسلحة تتدفق رأينا انشقاقات من الجيش والتجييش في كل الثورات يؤثر على مسار الثورات ونتائجها، لماذا تعتقد أن الثورة السورية ستكون استثناء؟

مالك جندلي: لنكون واقعيين الثورة السلمية بدأت بالأطفال وطلة ملوحي جوبهت بالدبابات بالطائرات بما يدعي به الجيش العربي السوري إلي هو جيش موجه لخدمة فرعون طاغية قاتل أطفال سفاح هذا ما يقوم به الجيش الوطني لأي دولة يجب من واجبه حماية الشعب، ما نشهده اليوم مثلما إحنا عم بنعيد بناء الإنسان بالقيم ونعيد بناء تاريخنا وحضارتنا ومكانتنا في التاريخ الحديث نعيد أيضا إعادة بناء الجيش السوري بمعناه الحقيقي نحن الآن من انشقاقات في الجيش السوري..

عبد الرحيم فقرا: جيش نظامي..

مالك جندلي: جيش النظام نعيد كل شريف انشق عاد إلى إنسانيته ووطنيته يقيم ببناء إعادة بناء الجيش العربي السوري الحقيقي وليس المزيف، هذا ما نقوم به يعني لا يوجد جيش يوجد شعب ينهض من جيش ومؤسسات مفكرين طلاب أساتذة إعلاميين الجيش لم يكن استثناء..

عبد الرحيم فقرا: كيف بتصورك يختلف منطق السياسة عن منطق الفن؟

مالك جندلي: الفن رسالة أممية إنسانية عالمية ليست بسياسية، والسياسة هي عبارة عن برامج أو تنظيمات معينة لدول أو لمجموعات أو لإفراد، ما نشهده اليوم بكل معنى الكلمة هي ثورات تاريخية وكفنان عربي وكفنان سوري يجب التفاعل مع الواقع ونكون حقيقيين وصادقين مع أنفسنا في عكس هذا الواقع اللي هو الثورة من ناحية السياسة لا يمكن فصل الفن عن السياسة وعن الأشياء الموجودة في الواقع، في الواقع يوجد سياسة ويوجد اقتصاد ويوجد جرائم ضد البشرية ويوجد مجازر اليوم ونحن نتكلم ويوجد مجازر ترتكب في سوريا ضد البشرية الكلمة المهمة هي الحقيقة المصداقية والجمال وعندها فقط سوف ندرك معنى الحرية ومعنى الإنسانية للنهوض بمجتمعاتنا العربية..

عبد الرحيم فقرا: أستاذ مالك جندلي شكرا على وقتك وشكرا أيضا على استضافة الجزيرة في بيتك هنا في نيويورك..

مالك جندلي: شكرا إلك أوجه الدعوة إلك وللمشاهد الكريم في حفلة كبيرة في سوريا في حمص في ساحات الحرية في سيمفونية الحرية على النبض السوري في سوريا الحرية قريبا جدا إن شاء لله..

[مقطع موسيقي]

عبد الرحيم فقرا: انتهت الحلقة يمكنكم التواصل معنا كالمعتاد عبر بريدنا الالكتروني وفيسبوك وتويتر مع غروب شمس يوم نيويوركي إلى اللقاء.