- مواقف بريطانيا من القضية الفلسطينية والملف النووي الإيراني
- دور اللجنة الرباعية ومصاعب مفاوضات السلام

- وضع اللاجئين وواقع أونروا في الذكرى الستين لإنشائها


عبد الرحيم فقرا
 ديفد ميليباند
 توني بلير
 كارين أبو زيد

عبد الرحيم فقرا: مشاهدينا في كل مكان أهلا بكم إلى حلقة جديدة من برنامج من واشنطن، حلقة هذا الأسبوع من البرنامج تأتيكم من الأمم المتحدة حيث يتجمع العديد من زعماء ومسؤولي الدول في إطار الدورة الـ 64 للجمعية العامة. قضايا الشرق الأوسط كقضية فلسطين والملف النووي الإيراني بطبيعة الحال تحتل الصدارة خلال هذه الاجتماعات. وزير خارجية بريطانيا ديفد ميليباند تحدث على هامش هذه الدورة إلى الجزيرة.

مواقف بريطانيا من القضية الفلسطينية والملف النووي الإيراني

عبد الرحيم فقرا: السيد وزير الخارجية شكرا بداية على هذه المقابلة، هناك رئيس جديد في الولايات المتحدة هو باراك أوباما الذي يقول إنه يريد تسوية لمشكلة الشرق الأوسط، بالنظر إلى ذلك هل تشعر أننا على مشارف حقبة تاريخية جديدة؟

ديفد ميليباند: أعتقد أن التاريخ سيصنع عندما تولد دولة فلسطينية تعيش جنبا إلى جنب مع إسرائيل، لا أعتقد أن عملية السلام تصنع التاريخ في نهاية الأمر ما يصنع التاريخ هو التغيير الفعلي، لكننا نعيش فترة هامة فلطالما تحدث الجميع عن أن فرصة حل الدولتين فرصة ضيقة، أعتقد أن إصرار الرئيس أوباما على الدخول في عملية دبلوماسية جديدة في الشرق الأوسط يلقى ترحيبا واسعا وأعتقد أن وضوح رؤيته بخصوص أهمية ما يسمى حل الدولتين وهذا أمر أعتقد أن الجميع يريدون رؤيته بما فيه الأوروبيون والدول العربية التي تلتزم بالمبادرة العربية للسلام.

عبد الرحيم فقرا: إنما هذا التفاؤل المتحفظ الذي تعرف عنه -السيد الوزير- قد ينظر إليه في الشرق الأوسط على أنه حقيقة يعكس ليس تفاؤلك بل تشاؤمك.

ديفد ميليباند: أنا لا أتحدث عن تفاؤل لا حذر ولا غير حذر، ما أتحدث عنه هو ما يجب أن يحصل، وما يجب أن يحصل في نظر بريطانيا هو تنازل إسرائيلي في مسألة الأراضي وتنازل فلسطيني في مسألة اللاجئين وتنازل من كل الأطراف الأخرى في المسألة الشائكة ألا وهي القدس، نحن ندعم دولة فلسطينية على حدود 1967 بزيادة أو نقصان بعض الأراضي البديلة ونحن ندعم تسوية عادلة لمسألة اللاجئين، نحن ندعم القدس كعاصمة للبلدين لذا فما أقوله لك هو ما يجب أن يحصل وهذا ما يتعين على المجموعة الدولية المضي فيه، رئيس الولايات المتحدة هو أكثر الشخصيات الدولية أهمية في هذا المجال لكن في نهاية المطاف التنازلات يجب أن تحصل في المنطقة.

عبد الرحيم فقرا: الآن العديد من العرب ينظرون إلى الموقف الذي تبناه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في مسألة الاستيطان ويقولون إنه إذا تمكن بنيامين نتنياهو من تحدي حتى الرئيس باراك أوباما فما بالك في بريطانيا؟

ديفد ميليباند: نحن لا نزعم أننا قادرون على تنظيم هذا بمفردنا، ذلك ليس دورنا، كان دور بريطانيا مختلفا في المنطقة قبل ستين أو سبعين عاما أما دورنا الآن كعضو في ملجس الأمن وكعضو في الاتحاد الأوروبي هو دعم المجهودات التي تقودها الولايات المتحدة بدعم من المجتمع الدولي لتحقيق حل الدولتين، في نظرنا المستوطنات وتوسيع المستوطنات ليس خرقا للقوانين الدولية فحسب بل هي تسد الطريق نحو تحقيق السلام لا شك لدينا، لكن إسرائيل دولة ديمقراطية تنتخب حكومتها، علينا أن نتعامل مع تلك الحكومة بشكل علني وشفاف وأعتقد أن الرئيس أوباما يتعامل مع هذه القضية على ذلك الأساس.

عبد الرحيم فقرا: قبل قليل أشرت إلى ما حصل قبل حوالي ستين عاما، بالنسبة للعرب بريطانيا تقف عند جذور مشكلة فلسطين، بريطانيا تقول الآن إنها تدعم إسرائيل وإنها تدعم الفلسطينيين، ألا يمثل ذلك إمساك للعصا من الوسط؟

ديفد ميليباند: لا أعتقد أن دعم دولة فلسطينية على حدود 67 وعاصمتها القدس هو إمساك العصا من الوسط، ذلك حقيقة يعكس موقفا واضحا وقد يجادل الكثيرون إذا ما أردت المجادلة حول التاريخ أنه لو كان قرار الدولتين في خطة الأمم المتحدة لسنة 1948 قد قبل لما وجدنا أنفسنا اليوم في الموقف الذي نحن فيه، لقد أهدرت فرص عديدة خلال الستين عاما بالتالي موقفنا واضح وراسخ ومبدئي، نحن أيضا ندعم فعليا الاقتصاد الفلسطيني والمجتمع الفلسطيني فلسنا مجرد مانحين كبار بل نحن أيضا نعمل مع الاتحاد الأوروبي على تطوير القوات الأمنية الفلسطينية التي أعتقد أنها تحسنت بشكل ملحوظ ورئيس الحكومة فياض أبدى جدارة عالية وتاريخية كرئيس وزراء وأعتقد أن الرئيس عباس سيقود الشعب الفلسطيني إلى الأمام فهم انتخبوه ودورنا هو تقديم الدعم لهؤلاء والتأكد من الدخول في العملية التي من شأنها أن تحقق خطط السلام لأن الناس في نهاية المطاف يتطلعون إلى خطة وليس إلى مسار آخر.

عبد الرحيم فقرا: إنما مسألة الإمساك بالعصا من الوسط تتجلى في الوضع التالي كما يراه العرب، بريطانيا كانت قد لعبت دورا رياديا في فرض عقوبات على العراق أيام نظام الرئيس السابق صدام حسين، بريطانيا تلعب دورا رياديا في مسألة فرض مزيد من العقوبات على إيران، لكننا لا نسمع أي شيء عن دور تقوم به بريطانيا للدفع باتجاه فرض عقوبات على حكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.

ديفد ميليباند: ذلك يبرهن على أن المسائل المختلفة تقتضي مقاربات مختلفة، المسألة النووية الإيرانية هي مسألة في غاية الأهمية فهي تثير قلقا كبيرا في العالم العربي ناهيك عن الغرب وينظر إليها كعامل مقوض للاستقرار في المنطقة لأسباب بديهية، وأعتقد أن سر الدبلوماسية هو أن تكون واضحا في أهدافك وأن تكون مواقفك واحدة في السر والعلن وهكذا نحن وأن تسعى إلى تحقيق أهدافك بصرامة وهذا ما نفعله.

عبد الرحيم فقرا: لكن يبدو أن بريطانيا لا تدفع أو لا تمارس ضغوطا على حكومة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو لحملها على الإقدام على أهم خطوة تجمع تقريبا كل الأطراف باستثناء إسرائيل على أنها حيوية بالنسبة للتوصل إلى أي تسوية وتلك الخطوة هي كما تعرف السيد الوزير وقف الاستيطان.

ديفد ميليباند: لدينا عملية يقودها حاليا رئيس الولايات المتحدة تحظى بدعم الفلسطينيين وبمشاركة الإسرائيليين وهي مواصلة للعملية التي انطلقت السنة الماضية سنة 2008 قبيل نهاية رئاسة جورج بوش والتي قال عنها الكثيرون إنها انطلقت متأخرة ولم تكن شاملة بالشكل الكافي، لذلك نحن ندعم انطلاقة مبكرة مع الرئيس أوباما في عملية شاملة وهي المقاربة الإقليمية التي تحدثت عنها ويجدر بنا أن نساعد هذه العملية، ليس هذا الوقت لتحركات منفردة من بريطانيا إذ سيكون ذلك بمثابة تحنط في التاريخ، علينا أن نتعلم من التاريخ لا أن نمكث فيه لذلك أعتقد أنه من الصواب تقديم الدعم لهذا التحالف الدولي الذي يشمل ليس الأوروبيين فحسب بل أجزاء كبيرة من العالم العربي أيضا، أعتقد أن تلك هي المقاربة الصحيحة.

عبد الرحيم فقرا: الآن نهاية في هذا الموضوع -السيد الوزير- النفوذ الذي تتمتع به إسرائيل في الولايات المتحدة وفي دول أخرى، هل يرهب هذا النفوذ بريطانيا بحيث لا تستطيع الضغط على حكومة بنيامين نتنياهو لوقف الاستيطان؟

ديفد ميليباند: أنا لا أتفق مع هذا الوصف على أن إسرائيل ترهبنا، موقفنا واضح جدا، المستوطنات غير شرعية حسب القانون الدولي وهي تمثل عائقا في طريق حل الدولتين، نحن واضحون تماما في هذا، نحن نسعى لتحقيق أهدافنا بشكل صارم ومن الأهمية بمكان أن نقول إننا نريد أن نرى إسرائيل آمنة كما نريد أن نرى دولة فلسطينية قابلة للحياة تعيش جنبا إلى جنب مع إسرائيل ذلك ما نلتزم به أمام شعوب المنطقة.

عبد الرحيم فقرا: الآن بالنسبة للملف النووي الإيراني ما هي تخوفاتك- السيد الوزير- وما الذي قد يبعثك على التفاؤل في هذا الصدد؟

ديفد ميليباند: إن ما نعرضه على إيران بسيط جدا، سنتعامل معكم كما نتعامل مع أي بلد عادي حول الأمور العادية إذا ما سلكتم سلوكا عاديا حول المسألة النووية والسلوك العادي هو احترام كل متطلبات معاهدة منع الانتشار، تطالب إيران بحقوقها وفق معاهدة منع الانتشار ولكن هذه الحقوق مشروطة بالمسؤوليات وفي قلب معاهدة منع الانتشار هناك رؤية أنه بإمكانية الحصول على الطاقة النووية المدنية دون المساهمة في الانتشار النووي، تلك هي القاعدة في تعاملنا مع إيران، لا نريد الاحتيال على إيران ولكننا نقول يمكننا أن نتعامل معكم كبلد عادي ولكن عليكم أن تسلكوا سلوكا عاديا. النقطة الهامة الآن هي أن هناك خطوات ملموسة من إيران لإظهار أنهم يسعون لإنشاء برنامج نووي مدني وليس عسكريا ولكن في الوقت الراهن العالم لا يصدقهم لوجود أدلة على العكس.

عبد الرحيم فقرا: أنت تتحدث عن السلوك غير العادي لإيران، معروف أن لإسرائيل أسلحة نووية، هل تعتقد أن إسرائيل تتصرف بشكل عادي في المنطقة؟

ديفد ميليباند: لقد دعمنا شرقا أوسط خال من الأسلحة النووية وقلنا ذلك بكل وضوح، نحن لا ندعم أي انتشار نووي من طرف الموقعين على معاهدة منع الانتشار مثل إيران وغير الموقعين عليها مثل إسرائيل وقد شارك رئيس وزرائنا في جلسة مجلس الأمن التي ترأسها الرئيس أوباما هذا الأسبوع حول منع الانتشار، لقد خفضنا عدد الرؤوس النووية بنسبة 75% خلال الـ 15 عاما الأخيرة، نحن ملتزمون بتحقيق عالم خال من الأسلحة النووية بالنظر إلى المخاطر التي تمثلها وبالتالي نحن محقون اليوم في اعتبار أن خطر الانتشار يأتي من إيران وأن ذلك يمثل خطرا ليس على إسرائيل فحسب بل على كل العالم العربي.

عبد الرحيم فقرا: الفرق هنا بطبيعة الحال هو أنكم تلجؤون إلى مجلس الأمن في الملف الإيراني ولكن عندما يتعلق الموضوع بالسلاح النووي الإسرائيلي تقولون بشكل عام إننا نريد منطقة شرق أوسط خالية من الأسلحة النووية ولا أحد يذهب لمجلس الأمن لاستصدار قرارات ضد ذلك الوضع.

ديفد ميليباند: كلا، لا أقبل هذا الطرح، نحن نعالج مشكلة حقيقية واقعة وملحة، لقد قلت إن هناك خطرا حقيقيا أن البرنامج الإيراني سيطلق العنان لسباق تسلح نووي في المنطقة، إذا تحدثت إلى أي دولة عربية سترى أن تلك هي مخاوفهم لذا نحن واثقون من الرهان هنا، نحن نطلب من إيران أن تتخذ خطوات ملموسة لإثبات أنهم يسعون للحصول على برنامج نووي مدني لأنه إذا كان الأمر كذلك لن تكونوا في حالة نزاع مع باقي الأسرة الدولية.

عبد الرحيم فقرا: ولكن لماذا لا تذهبون إلى الإيرانيين وتقولون لن نسمح لكم بتطوير سلاح نووي وفي ذات الوقت تذهبون إلى الإسرائيليين وتقولون لن نسمح لكم بمواصلة حيازة أسلحة نووية؟

ديفد ميليباند: لقد قلنا بشكل واضح تماما إن التزامنا بشرق أوسط خال من الأسلحة النووية هو جزء من التزامنا بمعاهدة منع الانتشار قابلة للتطبيق، وما نواجهه الآن هو أنه بعد أربعين سنة من وجود المعاهدة هي اليوم تواجه أكبر تحد لها ولذلك فإن المراهنة كبيرة، إن البرنامج الإيراني السري وضعهم في حالة نزاع مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية وهم في نزاع مع الأمم المتحدة وبإمكانهم تجنب ذلك، لقد عرض عليهم عرض جدي في مايو/ أيار الفارط تحت رئاستي في لندن في إطار ما يسمى الخمسة زائد واحد وقدمنا عرضا واضحا لإيران، بإمكانكم أن تكونوا جزءا من شرق أوسط جديد سياسيا واقتصاديا وأمنيا ولكن يتعين عليكم أن تسلكوا سلوك دولة عادية في علاقاتكم مع جيرانكم وبخصوص ملفكم النووي وأعتقد أنه هذا هو الأسبوع الذي يتعين على إيران خلاله أن تثبت مدى جديتها في التزامها بحقها في تطوير برنامج نووي مدني، هناك اجتماع بالغ الأهمية سيعقد في غرة أكتوبر لمجموعة الخمسة زائد واحد وذلك هو الوقت.

عبد الرحيم فقرا: الفرق بين إسرائيل وإيران في أعين العديد من العرب، هؤلاء يقولون إن إيران تستعد لكي تستعرض قوتها بصورة مستفزة في منطقة الشرق الأوسط، أما إسرائيل فإنها تستعرض تلك القوة منذ زمن بعيد بصورة مستفزة والغرب يقف موقف المتفرج منها.

ديفد ميليباند: لا أظن أنهم يقولون ذلك، ما يقولونه هو إن إسرائيل تبني المستوطنات على الأرض الفلسطينية ونحن نتفق مع ذلك ونقول إن ذلك يجب أن يتوقف ولكنهم يقولون أيضا إن أكبر مخاوفهم بالنسبة إلى المنطقة ككل بغض النظر عن المسألة الفلسطينية هي زعزعة الاستقرار من قبل إيران لذلك يتعين على المجتمع الدولي مواجهة هذا الخطر، هذا أمر ملح وضروري وعلينا التعامل معه بشكل يعترف بثقافة إيران وتاريخها وحضارتها ولكن يعترف أيضا بأن كل الدول عليها أن تتحلى بسلوك يحترم النظام الدولي.

عبد الرحيم فقرا: الآن مسألة المواجهة العسكرية الممكنة بين إسرائيل وإيران، الإسرائيليون قالوا في الفترة الأخيرة إن كل الخيارات وإن الخيار العسكري يظل مطروحا لديهم في التعامل مع الملف الإيراني.

ديفد ميليباند: ما من شخص عاقل يريد أن يرى مواجهة مسلحة حول البرنامج النووي الإيراني لذلك أقول إننا ملتزمون 100% وليس 90% أو 80% نحن ملتزمون بحل سلمي للمسألة النووية الإيرانية، موقفنا واضح تماما أنه علينا أن ننجح العملية الدبلوماسية.

عبد الرحيم فقرا: هل تقولون للإسرائيليين بصورة واضحة وصريحة لا تقدموا على عمل عسكري من ذلك القبيل؟

ديفد ميليباند: نحن نعمل مع كل البلدان حول ما نحن بصدد فعله وليس ما لسنا بصدد فعله، أنا أقول دائما انظر لما أقوله ولا تنظر إلى ما لا أقوله، وما أقوله هو إننا نركز بنسبة 100% على الحل الدبلوماسي لهذه المشكلة، من الضروري أن نحرز تقدما، إيران تقول إنها تريد أن تعامل كدولة عادية ولديهم الفرصة أن يعاملوا هكذا في صورة قبولهم لمسؤولياتهم في النظام الدولي.

عبد الرحيم فقرا: نهاية -السيد الوزير- هل تشعرون أن بريطانيا مخولة بأن تذهب إلى الإسرائيليين وتقول لهم لا تقدموا على عمل عسكري ضد إيران في هذا الوقت؟

ديفد ميليباند: دور بريطانيا هو إنجاح الدبلوماسية بالعمل مع الدول الأخرى وذلك ما نحاول تحقيقه.

عبد الرحيم فقرا: وزير الخارجية البريطاني ديفد ميليباند.



دور اللجنة الرباعية ومصاعب مفاوضات السلام

عبد الرحيم فقرا: التركيز على مسألة المفاوضات بين الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي أعاد دور الرباعية إلى بؤرة الضوء، ممثل الرباعية رئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير أجرى العديد من الاتصالات على هامش هذه الدورة وتحدث هو أيضا إلى الجزيرة. السيد رئيس الوزراء شكرا على المقابلة، بداية إلى أي مدى تشعر أن الدور الذي يقوم به الرئيس الأميركي باراك أوباما في عملية السلام قد أحيا الرباعية؟

توني بلير: أعتقد أن اللجنة الرباعية تستعيد نشاطها بالنظر إلى أن الجميع يعملون معا بشكل وثيق، اجتماعات اللجنة التي عقدت في الأمم المتحدة كانت جيدة جدا أعني أن جميع الأطراف تعمل في اتجاه حل الدولتين والسؤال هو كيف نحقق ذلك وكيف نستأنف المفاوضات بأسرع وقت ممكن.

عبد الرحيم فقرا: لكن إذا كان الرئيس باراك أوباما نفسه كرئيس دولة عظمى وكرئيس دولة حليفة لإسرائيل غير قادر على الضغط -أو هكذا يُتصور- على رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو فما بالك بالرباعية؟

توني بلير: هذه العملية برمتها لا تخلو من التحديات والصعوبات في كل خطوة بطبيعة الحال ولكن ما نحتاجه الآن هو استئناف المفاوضات في إطار له مصداقية ومن ثم البدء في حل القضايا وفي الوقت نفسه تعزيز الاقتصاد والتعامل مع قضايا الأمن والتعامل مع المسائل على الأرض تتيح لنا التفاوض من أعلى إلى أسفل والبناء من أسفل إلى أعلى.

عبد الرحيم فقرا: ولكن أليس ذلك بمثابة وضع العربة أمام الحصان؟ هناك قضايا مثل وضع القدس والمستوطنات وعودة اللاجئين إلى غير ذلك من القضايا الجوهرية، تقولون لنتباحث، لنتفاوض أولا -في حديثكم على الإسرائيليين والفلسطينيين- وبعد ذلك نرى ما سيحصل في القضايا الجوهرية.

توني بلير: ما نحن بصدد قوله هنا هو التالي، دعونا ننطلق في المفاوضات أولا ونحن نعرف ما هي القضايا والمسائل التي جرى تمحيصها بعناية ألف مرة في السنوات الماضية ولكن أميركا تقود هذه المفاوضات منذ قدوم الإدارة الجديدة وأعتقد أنه سيكون هناك مهلة محددة للتفاوض وهي بالفعل بنهاية فترة الولاية الأولى للرئيس وبالتالي لدينا فرصة إذا كنا نريد أن نجلس ونحل هذه القضايا خصوصا إذا ما كنا في الوقت ذاته نهيئ الظروف الملائمة على الأرض، في هذه اللحظة الاقتصاد في الضفة الغربية ينمو بقوة، رئيس الوزراء في السلطة الفلسطينية فياض يوفر الأمن في الضفة الغربية على نحو لم يحدث لسنوات هذه هي في الواقع تطورات مهمة، لا يزال أمامنا تحديات كبيرة وما زال هناك الكثير من القيود المفروضة على الضفة الغربية وبطبيعة الحال هناك غزة ولا يمكن أن ننسى غزة، في نهاية المطاف لا بد أن يكون هناك دولة فلسطينية واحدة ولا بد أن تتوحد السياسة الفلسطينية.

عبد الرحيم فقرا: الضفة الغربية أولا قبل أن نتحدث عن غزة، هناك بعض الخلط في مسألة الاستيطان، الرئيس باراك أوباما فُهم في البداية على أنه كان يطالب بوقف لعملية الاستيطان، الآن في الأيام القليلة الماضية تحدث عن ضبط العملية الاستيطانية، بالنسبة للفلسطينيين ضبط يعني وقف شامل للاستيطان كما تنص على ذلك الرباعية، بالنسبة للإسرائيليين ذلك ليس الوضع بالضرورة، إذاً هناك فوضى حتى قبل بداية المفاوضات.

توني بلير: في الواقع إن موقف الرئيس لم يتغير على الإطلاق وهو يريد تجميدا تاما للاستيطان كما تحدد ذلك في خارطة الطريق، الآن هناك مفاوضات بين الأميركيين والإسرائيليين والفلسطينيين وأعتقد أن ما يقوله هو دعونا نستأنف هذه المفاوضات الملحة بأسرع وقت ممكن، أما بالنسبة لقضية المستوطنات أهم شيء هو ألا نفعل شيئا يعرض المفاوضات النهائية التي تتيح لنا إقامة الدولة الفلسطينية للخطر لأن تلك الدولة الفلسطينية يجب أن تكون قابلة للحياة على أرض تسمح بذلك. الرئيس يقول دعونا نتأكد أن لا يتم عمل شيء يعرض ذلك للخطر لكن علينا التوصل إلى تسوية عن طريق التفاوض يتم خلالها تحديد أراضي الدولة الفلسطينية وتحديد الحدود عندها تتراجع قضية المستوطنات. بالتالي أعتقد أنه من المهم انطلاق المفاوضات وبطبيعة الحال مع تعهدات من إسرائيل والفلسطينيين من ألا تعرض مفاوضات الوضع النهائي للخطر، ولكن دعونا نصل إلى هذه المفاوضات أولا وفي أسرع وقت ممكن.

عبد الرحيم فقرا: لكن السيد توني بلير تخيل أنك فلسطيني أو عربي، العديد من الفلسطينيين والعرب بشكل عام يقولون لقد سمعنا هذا الكلام في مناسبات عديدة في السابق، ما الذي يختلف هذه المرة عن تلك المرات السابقة؟

توني بلير: لقد تجاوزنا فكرة وضع الثقة في شخص واحد أو مجموعة من الأفراد والسؤال البسيط هو هل نحن في وضع أسوأ إذا لم تستأنف المفاوضات؟ يعني إذا لم يكن هناك أي مفاوضات ولا اتفاقات على الإطلاق فيما يتعلق بالنشاط الاستيطاني هذا موقف أسوأ بالنسبة للفلسطينيين لذلك ومن وجهة نظري أنا أقول دعونا نختبر هذا في إطار المفاوضات. ما الفرق بين هذه المفاوضات وسابقاتها؟ الفرق هو أن هذا الرئيس في بداية ولايته وهذا فرق كبير، هذا الرئيس يقول إن السلام بين إسرائيل وفلسطين مصلحة أميركية إسراتيجية وأولوية ليس فقط شيء نتمناه وليس مجرد شيء في مصلحة الشرق الأوسط وهلم جرا ولكن مصلحة إستراتيجية أميركية، هناك الكثير من الاختلافات في الواقع حول كيفية إطلاق هذه المفاوضات وما حدث مرات سابقة وبالمناسبة في تلك المرات السابقة لم يكن كل شيء دون جدوى، لقد تحقق شيء من التفاعل ودراسة بعض القضايا الرئيسية ولكن ما أقوله للفلسطينيين وآخرين في العالم العربي والذين يقولون محقين لقد مررنا بكل هذا من قبل ما الذي سوف يكون مختلفا؟ هو أنه لا بد أن ندرك أن ضرورة استئناف المفاوضات لأنه في غيابها سيكون هناك فراغ والفراغ ليس من مصلحة أحد.

عبد الرحيم فقرا: قد يكون ذلك صحيحا لكن أنت تحدثت عن فرق جوهري، هناك تشابه جوهري، لا تزال هناك حلقة ضعيفة هي الجانب الفلسطيني وحلقة أقوى هي الجانب الإسرائيلي ثم هناك حكومة في إسرائيل يتزعمها بنيامين نتنياهو الذي أنتم حتى الآن غير قادرين -أو على الأقل هذا هو الانطباع- على الضغط عليه في مسألة الاستيطان.

توني بلير: أجل نحن مستعدون للقيام بذلك ونحن أيضا مستعدون للنظر إليهم برأس مرفوعة، والواقع إن هذا ما يطلبه المجتمع الدولي مع العلم أنه لديه مشاكله الخاصة مع ائتلافه الخاص في إسرائيل ولكي نكون منصفين الصعوبات ليست حكرا على السياسة الفلسطنية الداخلية، أستطيع أن أقول لكم السياسة الداخلية الإسرائيلية يمكن أن تكون معقدة جدا. وجهة نظري بسيطة جدا، أن يدخل رئيس الوزراء نتنياهو في مفاوضات تشمل كل القضايا وبمشاركة كاملة من الأميركيين أفضل من عدمه، وإذا جمعت ذلك مع التدابير التي تؤخذ على الأرض، كما تعلمون على مدى الأشهر القليلة الماضية كان هناك رفع للقيود المفروضة على التنقل ونقاط التفتيش الرئيسية رفعت والاقتصاد الفلسطيني في الضفة الغربية ينمو بقوة في الواقع أنا كنت بالأشهر الماضية في جنين ونابلس وقلقيلية ورام الله وأريحا هناك بعض علامات التحسن، إذا قمت بضم التفاوض مع ذلك التحسن على أرض الواقع سوف نبدأ في تحقيق نتائج، كما قلت وأكرر مرة أخرى هذا لا يعالج قضية غزة ومن الضروري أن نتعامل مع قضية غزة ولكننا عند استئناف المفاوضات سنكون في وضع أفضل.

عبد الرحيم فقرا: طيب، لنتحدث عن غزة الآن، هناك حكومة في غزة وحكومة في الضفة الغربية، هناك حكومة في إسرائيل لا تزال تصر على حصار غزة، الجسم الفلسطيني منشق ومع ذلك لا تزالون تصرون على أن يتفاوض الفلسطينيون مع الإسرائيليين حتى قبل التطرق للقضايا الجوهرية، كيف ذلك، كيف يمكن ذلك أن يتم؟

توني بلير: أنت على حق أنه في نهاية المطاف دون وحدة وطنية فلسطينية وسياسة فلسطينية موحدة لا أرى كيف يمكن أن ينجح هذا ولكن مرة أخرى وجهة نظري بسيطة جدا، إذا بدأت مفاوضات حل الدولتين وبدأت في إجراء تغييرات حقيقية على أرض الواقع بما يتفق مع الحل القائم على الدولتين الجميع لديهم خيار بما في ذلك الناس في غزة بما في ذلك حماس التي تدير حاليا قطاع غزة، من الأفضل أن يكون التفاوض وحماس داخل الخيمة وليس خارجها وآمل أن نتمكن من فعل ذلك في المستقبل، ولكن في الوقت نفسه المفاوضات تتيح فرصة توضيح المسائل وطرح الخيارات الضرورية لتحقيق السلام أمام الجميع. لنر ماذا سيحدث إذا نحصل على اتفاق سلام في نهاية المطاف ودعونا نكن واضحين، أنا لست بصدد التفاوض الآن في مقابلتي معك ولكن الجميع يعلم شكل التسوية النهائية تقريبا، الناس يعرفون ذلك أعني أن هذا هو واحد من الأمور المثيرة للاهتمام في السياسة حيث يعرف الجميع ما هو الهدف ولكنهم يجدون صعوبة في الوصول إليه، إذا كنا نريد من الناس أن يمضوا نحو هذا الهدف فعلى الجميع أن يقدم تنازلات، على رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو أن يحدث تغييرات في السياسة الإسرائيلية، إنهم لا يعتقدون أن احتلال الضفة الغربية هو احتلال على الإطلاق إنهم لا يتفقون مع ذلك المفهوم لكن عليه الآن أن يواجه هؤلاء وأن يقول لهم مع الأسف علينا الآن أن نتخلى عن هذه الأراضي ونتركها لتقام عليها الدولة الفلسطينية، وبالمثل سوف يتعين على الفلسطينيين تقديم تنازلات على الأرض وعلى غيرها من القضايا، هذا النوع من المفاوضات لا ينجح إلا إذا كان الناس على استعداد للتنازل والتوصل إلى حل وسط لكن لا يمكنك حتى الدخول في الحالة النفسية التي تقبل بالتنازل إلا إذا كان لديك إطار تفاوضي.

عبد الرحيم فقرا: طيب لكن الفرق الأساسي بين الفلسطينيين والإسرائيليين هو أن للإسرائيليين موطن، بلد، أما الفلسطينيون فليس لهم بلد حتى الآن، فرق آخر هو أن مسألة الاستيطان ليس فقط بنيامين.. المسألة لا تتعلق فقط ببنيامين نتنياهو، المجتمع الدولي يقول إن الاستيطان في الضفة الغربية غير قانوني وغير شرعي.

توني بلير: صحيح، ولكن ما هي أسرع وسيلة لإعطاء وطن للفلسطينيين ووقف النشاط الاستيطاني غير المشروع؟ الجواب هو المضي قدما في التفاوض والتوصل إلى اتفاق، في نهاية الأمر علينا أن نعود إلى خيار واحد بسيط جدا، لا يمكن إطلاق هذه المفاوضات في إطار مثالي، والسؤال هو هل يمكن أن نطلق المفاوضات في إطار قويم بما فيه الكفاية وبما فيه الكفاية من المصداقية يسمح لنا بعد ذلك أن ننكب على حل هذه القضايا الوجيهة التي تسأل عنها والمتعلقة بالوطن الفلسطيني وماذا نفعل إزاء المستوطنات؟ سيتعين على إسرائيل أن تقوم باقتلاع هؤلاء المستوطنين ونقلهم إلى إسرائيل وسيكون هذا أمرا صعبا للغاية.

عبد الرحيم فقرا: لكن بالنسبة للعديد من الناس في المنطقة لا تزالون تطلبون من الجانب الفلسطيني أكثر مما تطلبونه من الجانب الإسرائيلي ولا تزلون ممتنعين عن ممارسة الضغط الكافي على بنيامين نتنياهو بما قد يحمله على تنفيذ مطالب المجتمع الدولي.

توني بلير: أجل، ولكن السؤال هو كيف يمكن تحقيق ذلك؟ وجوابي بسيط جدا، أفضل طريقة لتحقيق ذلك هي إطلاق المفاوضات، إذا انطلقت المفاوضات التي توصل إلى تسوية حول الأراضي تقوم بحل مسألة الاستيطان، أنا أتفق أنه في الوقت نفسه يجب ألا نقوم بشيء يعرض المفاوضات للخطر وأعتقد أن الأميركيين يفهمون أنهم سيحصلون على التعهدات اللازمة لذلك، لذا حتى لو كان هذا أقل مما يريده الناس هذا يسمح لنا بإطلاق مفاوضات من أجل إنشاء الدولة الفلسطينية القابلة للحياة والمستقلة والموحدة، والاختبار الحقيقي للمجتمع الدولي ليس ما نقوله الآن لنتنياهو، الاختبار الحقيقي هو عندما نصل إلى هذا التفاوض هل سننجح في إعطاء دولة للفلسطينيين أم لا.

عبد الرحيم فقرا: كان ذلك ممثل الرباعية توني بلير. بعد الفاصل موقع اللاجئين الفلسطينيين في عملية السلام، حديث مع كارين أبو زيد المفوضة العامة لوكالة الأمم المتحدة لغوث اللاجئين الفلسطينيين أونروا.



[فاصل إعلاني]

وضع اللاجئين وواقع أونروا في الذكرى الستين لإنشائها

عبد الرحيم فقرا: أهلا بكم مرة أخرى إلى برنامج من واشنطن. تحتفل وكالة الأمم المتحدة لغوث اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) بعيد إنشائها الستين فيما تستعد مفوضتها العامة كارين أبو زيد لإنهاء ولايتها على رأس الوكالة في شهر ديسمبر المقبل. إن أي تسوية لقضية الشرق الأوسط لا تنصف اللاجئين الفلسطينيين لن تتمتع بالمصداقية، هذا فحوى ما قالته أبو زيد في لقاء خاص مع الجزيرة. كارين طبعا الأونروا تحتفل بالذكرى الستين لإنشائها وقد شهدت الوكالة فترات عسر وفترات يسر خلال هذه الستين سنة، كيف تختلف الذكرى هذا العام عن سابقاتها؟

كارين أبو زيد: أعتقد لأنها فقط الذكرى الستين وهذا وقت طويل والآن لدينا لاجئون لأكثر من ستين سنة رازحون تحت الاحتلال أكثر من أربعين سنة ما يخلق الحاجة لأن نخبر العالم عنه وعن وكالة الأونروا وهذا ما نحاول فعله هذه السنة، بدأنا فعليا بالعمل سنة 1950 بالرغم من تأسس الوكالة في السنة التي قبلها لذلك سنستمر في إحياء ذكرى تأسيسها حتى شهر أيار من السنة القادمة.

عبد الرحيم فقرا: أونروا تتعرض للعديد من الانتقادات من أطراف مختلفة حقيقة بما فيها الكونغرس الأميركي، هل تعتقدين أن المنتقدين يفهمون القضايا التي تعنى بها أونروا وخطورة هذه القضايا أم أنك تعتقدين أن محرك تلك الانتقادات هو حقيقة دوافع سياسية؟

كارين أبو زيد: كنت سأقول البعض منهم لديه دوافع سياسية، يعلمون جيدا أن أقوالهم ليست دقيقة سياسيا، ثمة الكثير من الناس حقا يجهلون مهمة الوكالة، لا يرون المشاكل على حقيقتها إلا إذا زاروا المنطقة حينها يغيرون نظرتهم، يضم الكونغرس كلا التوجهين لأن العديد من أعضائه زاروا المنطقة ورؤوا اللاجئين ومخيماتنا واطلعوا على عملنا ولكنهم استمروا على انتقادهم لأن ذلك يتناسب مع هدفهم في التمكن من انتقاد مبدأ وجود لاجئين لا زالوا كذلك، لاجئون ما فتئوا يطالبون بحق العودة للديار.

عبد الرحيم فقرا: هناك طبعا رئيس جديد في الولايات المتحدة هو باراك أوباما الذي يحظى-بالمناسبة- بشعبية كبيرة حتى الآن في العالمين العربي والإسلامي بما فيه عند الفلسطينيين، هل كون الرئيس باراك أوباما يحكم الآن في البيت الأبيض سيغير بتصورك الظروف التي تعمل فيها أونروا والظروف التي يعيش فيها اللاجئون الفلسطينيون؟

كارين أبو زيد: لنقل يحذونا أمل في تغير العديد من الأمور، نعم الكثيرون في الشرق الأوسط مثلك قالوا ذلك ولكن الكثير من اللاجئين أملوا في تغيير الوضع وها نحن ننتظر ذلك التغيير، أعني كانت هناك توقعات عالية ويخشى الناس من عدم تحققها ولكننا مسرورون لأنه يبدو هناك ليس فحسب انخراط فوري ولكن بأسلوب أكثر توازنا وهذا هو المهم وبصرف النظر عمن كان في البيت الأبيض أن ينظر على جانبي القضية وهذا ما لم نشعر به في الماضي دائما.

عبد الرحيم فقرا: كارين، مشكلة اللاجئين الفلسطينيين طبعا تؤرق اللاجئين الفلسطينيين وتؤرق المنطقة بشكل عام منذ حوالي ستين عاما، هل تعتقدين أن هذه المشكلة قابلة لأن تحل؟

كارين أبو زيد: أحب أن أعتقد أنها قابلة للحل، الحل هو سياسي ويشمل كل الوضعيات، اللاجئون يظلون كذلك وأولادهم هم لاجئون وهذا ينطبق على جميع اللاجئين وليس فقط الفلسطينيين كما يقال، وحتى تأتي عملية السلام بنتيجة وتعطى خيارات للاجئين فسيظل اللاجئون لاجئين ولست متأكدة من طبيعة الحل حتى تتوضع معالم عملية السلام ويصار لعرضها على اللاجئين الذين بدورهم يقررون بأنفسم أي من الخيارات تناسبهم وهذا ما ينطبق على اللاجئين، واللاجئون الفلسطينيون لديهم نفس حقوق أي لاجئ.

عبد الرحيم فقرا: كما تعرفين هناك إجماع في العالمين العربي والإسلامي على أن يعطى اللاجئون الفلسطينيون حق أن يقرروا ما إذا كانوا يريدون العودة إلى ديارهم أم لا، ليس هناك على النقيض من ذلك إجماع في الولايات المتحدة وإسرائيل بل هناك معارضة واسعة النطاق لذلك، هل تعتقدين أنه يمكن التوصل أو يجب التوصل إلى حل وسط أم أن الإجماع العربي والإسلامي هو الذي يجب أن يسود؟

كارين أبو زيد: لا أود الخوض في ذلك على مستوى شخصي لأنني كما أسلفت بالقول يجب أن يعطى الخيار للاجئين الفلسطينيين لتقرير مصيرهم أن يظلوا حيث هم أو أن يعودوا لديارهم، المطالبة بالعودة إلى بيوتهم الأصلية، إلى أن يتمكن كل لاجئ من القول نعم أطالب بحقي في العودة وسيقولون إنهم مصرون على هذا الحق، يريدون الحصول على اعتراف بذلك الحق، يطالبون بالاعتراف بما حدث لهم في 1948 بأن يكون هناك على الأقل اعتراف ولربما حتى اعتذار.

عبد الرحيم فقرا: إنما الاختلاف في إسرائيل والولايات المتحدة حول حق اللاجئين الفلسطينيين في العودة، بتصورك أنت هل تعتقدين أن هناك ما يبرر هذا الاختلاف حول حق العودة في الولايات المتحدة وإسرائيل؟

كارين أبو زيد: من الطبيعي دائما أن يطالب الناس بحقوقهم، ما يريده اللاجئون برأيي وأكثر من كل شيء هو إعادة التوطين كما يعرف بمصطلحات اللاجئين، الخيار المفضل لدى اللاجئين هو العودة لديارهم وهذا منطبق على كل اللاجئين أينما كانوا ولا أعتقد أن على الفلسطينيين أن يفكروا بشكل مختلف إلا إذا جاءت نتيجة العملية السلمية متنافية مع ذلك.

عبد الرحيم فقرا: كارين أنت بطبيعة الحال تتعاملين مع مشكلة اللاجئين الفلسطينين بصورة يومية وقد يصعب على الناس حتى في العالم العربي معرفة كل حيثيات تلك الوضعية وضعية اللاجئين الفلسطينيين، تقولين في خطاب لك ألقيته في وارسو في الثاني من شهر تموز 2009 تقولين "يواجه الفلسطينيون سلسلة مستعصية من الإجراءات والسياسات والعراقيل المادية التي تجب رؤيتها قبل أن يصدقها المرء" ماذا تقصدين بذلك؟

كارين أبو زيد: هذا لا يخص غزة، لسنا بحاجة لذكرها لأن الأمر واضح فهي خاضعة لحصار كامل والمعابر كلها مقفولة، معبر صغير فقط يعمل بخمس الطاقة التي كانت عليها قبل الانتفاضة، هذا القول يخص الضفة الغربية وعندها نتكلم عن المستوطنات والجدار الفاصل وكلها تتفاقم وتضع عراقيل وتقضم من أرض الفلسطينيين ما يعني ليس فحسب صعوبة في التنقل وفي امتلاك الأرض وفي توسيع بيوتهم أو سعيهم للعبور إلى القدس وللذهاب إلى المسجد يوم الجمعة بل يشمل كل شيء لقضاء شؤونهم كالذهاب إلى المدرسة أو الالتحاق بالعمل وحتى فيما يخص توحد العائلات المتفرق شملها بأن أحد أفرادها يعمل في القدس والآخر في رام الله وكل المصاعب التي تنطوي على العيش في رام الله أو القدس بالنسبة لمن يريد أن يندمج بالعيش مع باقي المجتمع في الضفة الغربية.

عبد الرحيم فقرا: في نفس الخطاب في وارسو تقولين إن الوضع في غزة تحت الحصار سيء جدا، وتضيفين بالحرف الواحد "المأساة هي أن حصار غزة يلحق ضررا أكبر في المدى البعيد مما يمكن معاينته على أرض الواقع، لقد أصبح الحصار حليفا لمن يرفضون الحل الوسط وإنهاء الصراع بالطرق السلمية" من المقصود؟ هل تقصدين حماس أم أنك تقصدين أطرافا أخرى في غزة؟

كارين أبو زيد: أعني عموما سكان غزة وهذه نقطة أشرنا إليها منذ البداية عندما انتخبت حماس أنه إذا تم إقصاء وعزل مجموعة فإنها على الأرجح تتمرد وتصبح أكثر تطرفا وهذا ما لمسناه حقا في السنوات الماضية ليس فقط جنوح حماس لتطرف أكثر ولكن الشق الأكثر تطرفا فيها أصبح بشكل متزايد يمسك بزمام القرار والآن نرى هذه المجموعات الصغيرة التي بشكل أو بآخر يبدو أنها ذات صلة بالقاعدة والتي هي أكثر تعصبا ولديها نوايا مجهولة وهكذا، من الصعب أن تطلب من الناس تقديم تنازلات وتنتظر منهم أن يحبوا جيرانهم بينما يتصرف جيرانهم معهم على هذا الشكل.

عبد الرحيم فقرا: طيب ماذا عن الإسرائيليين؟ كما هو معروف هناك حكومة يمينين جديدة في إسرائيل بزعامة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، هل تشعرين في قرارة نفسك أن حكومة بنيامين نتنياهو تميل إلى الحل الوسط؟

كارين أبو زيد: لا يمكنني الإجابة، لم ألتق بالقيادات الجديدة لحد الآن، نحن نتعامل دائما مع نفس الأطراف على مستوى وزارة الخارجية وجيش الدفاع الإسرائيلي وهؤلاء يعملون معنا بشكل متعاون جدا، لنقل يعملون قصارهم، دائما يوجد لديهم سبب أمني يمنعهم من مساعدتنا بالشكل المرجو وبالقول لا لكثير من الأمور نطلبها ولكن علاقتنا مع هذه الأطراف لا زالت مستمرة، لا أعلم إذا ما تصرفت حكومات يمينية في إسرائيل على نحو أسوأ من نظيراتها اليسارية أو الوسطية في هذا الشأن بالذات، كما تعرف ستون سنة بعدها تلك الأطراف من التحارب والنزاع ولا يهم حينها أي حكومة من الجانبين تكون في السلطة وحينها لربما يهب الناس للقول هذا كافي، نحن بحاجة إلى التفكير بمستقبل أطفالنا.

عبد الرحيم فقرا: وتشعرين بالتفاؤل حتى في وجه الوضع السيء في المنطقة والوضع القابل للانفجار في أي وقت؟

كارين أبو زيد: لو أعطيت للناس فرص فلربما يغيرون رأيهم ولربما لا تكون الأمور بنفس درجة السوء لو تفتح الحدود ويتوفر النفاذ لو تمتع الناس ببعض من حرية التنقل وحرية تحقيق الذات.

عبد الرحيم فقرا: أعود إلى خطابك في وارسو قلت كذلك في هذا الخطاب وأقتبس منه "إن الهياكل والإجراءات التي تقهر حياة الفلسطينيين ليست عابرة أو تافهة بل هي ممنهجة ومستدامة" إذا لم يكن المستمع يعرف السياق الذي كنت تتحدثين فيه قد يتبادر إلى ذهنه أنك كنت تتحدثين عن جنوب أفريقيا أيام نظام التفرقة العنصرية.

كارين أبو زيد: لم أكن أقصد بكلامي الـ apartheid بجنوب أفريقيا بالرغم من أنني أفترض بأن ذلك الربط يمكن إرساؤه، كنت أتحدث عما يبدو وجود خطة متعمدة لضم مزيد من الأراضي في الضفة الغربية وبالطبع في القدس الشرقية وهذا ما يدور الآن، وهذا هو الشرح البسيط لذلك الكلام المسهب.

عبد الرحيم فقرا: طيب، لكن كيف على وجه التحديد تعقد تلك الهياكل -التي تقولين إنها تقهر حياة الفلسطينيين- عمل أونروا في الأراضي الفلسطينية التي بالمناسبة تصفينها بالمحتلة؟

كارين أبو زيد: كتعليق جانبي، اليوم فقط سمعت بالانتقاد الموجه لمصطلح الأمم المتحدة إنه تصنيف من الأمم المتحدة، الأراضي الفلسطينية المحتلة وهي وحدة ترابية واحدة، الضفة الغربية وغزة كلها واحد. وكيف أن عدم القدرة على التنقل وعلى نقل الأشخاص والموظفين يعقد حياتنا وعملنا؟ لدينا 450 موظف كلهم يعيشون في الضفة ويأتون للعمل في القدس يوميا هذا لو تمكنوا من ذلك وإن التحقوا بالعمل فربما ليس في الوقت، لذلك كل الأمور تصبح أكثر تعقيدا تحتاج إلى تفاوض وكل شيء أكثر كلفة.

عبد الرحيم فقرا: فيما يتعلق بالصعوبات التي تواجهها أونروا في مباشرة عملها في الأراضي الفلسطينية المحتلة، كيف تقارنين ذلك بالصعوبات التي تواجهها أونروا في مزاولة أعمالها في النهر البارد في لبنان مثلا؟

كارين أبو زيد: إنه وضع مختلف تماما، كثير من الأمور جارية هناك، توجد الكثير من العراقيل في النهر البارد تحول دون إنجازنا لعملنا بسرعة، أعني أن الناس هناك مر عليهم سنتان وهم يعيشون على ذلك الحال، في حاويات صغيرة ومساكن مؤقتة وهكذا، وعلينا أن نتفاوض مع الحكومة والجيش ولكن الأمور تتحلحل بالنهاية ولا نتوقع وجود عراقيل بشكل نهائي تمنعنا من المضي في مهمتنا قدما.

عبد الرحيم فقرا: فيما يتعلق بمسألة التعليم وبالنظر إلى الدمار الواسع النطاق الذي لحق بالمؤسسات التعليمية خلال الحرب الإسرائيلية على غزة، ما مدى الدمار الذي تعتقدين أنه لحق من جراء ذلك باللاجئين الفلسطينيين بشكل عام في المدى البعيد؟

كارين أبو زيد: هذا فيما يخص مدارسنا وأعتقد أن المدارس الحكومية تضررت بدورها، تعرضت 37 مدرسة لبعض الأضرار لم يمنعنا ذلك من إعادة فتحها للسنة الدراسية، كذلك الشأن بالنسبة للمدارس الحكومية، عاد الأطفال من المدارس ستة أيام بعد الحرب، عاد مائتا ألف طفل منهم إلى مدارسهم، الضرر الحقيقي هو نفسي بالأساس، قضينا أول أسبوعين بعد العودة في العمل معهم على مشاريع نفسية كي يقصوا ما رأوه عبر الرسم والموسيقا والمسرح، ولكن الطفال يتحملون. نعلم كلنا بوجود آثار على المدى البعيد وأنه علينا أن نستمر في المحاولة من أجل هؤلاء، ولكن في بعض الأحيان أشعر بالقلق من أجل الكبار، الآباء الذين تأثروا جدا لعجزهم عن توفير الحماية لأطفالهم خلال الحرب لأن ما جرى كان خارج توقعهم من حيث الطبيعة والمكان والناس كانوا باستمرار يغيرون من أماكنهم، سكرتيرتي الخاصة خلال الحرب تنقلت من مكانها خمس مرات في محاولة لترك مكان الخطر واللجوء إلى مكان أكثر أمنا، وعلينا أن نعمل جاهدين مع الكبار والآباء. في بداية الانتفاضة كانت علينا أن نعمل مع الآباء الذين عجزوا عن إعالة أسرهم وحوالي 120 ألف منهم فقدوا عملهم اليومي داخل إسرائيل، هؤلاء حالات من بين الذين يجدون صعوبة أكبر في تجاوز بعض هذه المسائل والتسليم بها.

عبد الرحيم فقرا: كارين ما مدى التعاطف الذي تلقينه من الإسرائيليين علما بأن بعض كتاب المدونات الإسرائيليين يقولون إن كارين تعمل مع حماس وتتلقى أموالا من حماس؟

كارين أبو زيد: كما أسلفت بالذكر الأطراف التي نتعامل معها تتفهم الموقف بالشكل الكافي، في بعض الأحيان يعبرون عن بعض التعاطف لو جاز لي قول ذلك ويقولون لي لا نتفق معك كارين ولكننا نتفهم ما صرحت به والأسباب وراءه، نفهم طبيعة عملك وهي مساعدة اللاجئين الفلسطينيين، هذه خلفية عملي وهذا بالضبط ما يفترض أن أقوم به وهذا ما أحاول إنجازه قصارى جهدي وفي بعض الأحيان أنجح وأحيانا أخرى أثير استياء البعض خاصة منهم المدونين.

عبد الرحيم فقرا: المفوضة العامة لأونروا كارين أبو زيد في نهاية هذه الحلقة من برنامج من واشنطن. عنواننا الإلكتروني، minwashington@aljazeera.net لكم تحياتنا من نيويورك، إلى اللقاء.