- عن سوء الفهم بين العالمين الإسلامي والمسيحي
- تصحيح المفاهيم وفرص الدين في بناء الجسور

- مبادئ الإدارة السليمة في الموروث الإسلامي

 
عبد الرحيم فقرا
مارك سلجاندر
مقبولة حمودة

عبد الرحيم فقرا: مشاهدينا في كل مكان أهلا بكم جميعا في حلقة جديدة من برنامج من واشنطن.

[شريط مسجل]

مارك سلجاندر: اليمين المسيحي المحافظ يحب إسرائيل بالرجوع إلى نبوءة إنجيلية هناك اعتقاد مسيحي بأن نهاية العالم ستشهد قدوم اليهود إلى المسيح ليظهر المسيح من جديد، المفارقة هي أن كل من المسيحيين والمسلمين يعتقدون أن يسوع هو المسيح بينما ينفي ذلك معظم اليهود.

[نهاية الشريط المسجل]

عبد الرحيم فقرا: عضو مجلس الكونغرس السابق مارك سلجاندر شخصية كانت تجسد التداخل الوثيق بين أجندة اليمين المسيحي المتدين في الولايات المتحدة ونظرته للعالم مع أجندة المحافظين الجدد ونظرتهم إلى السياسة الخارجية الأميركية في عالم كان يسيطر عليه آنذاك الصراع بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي. في الثمانينيات من القرن الماضي أي خلال إدارة الرئيس الجمهوري السابق رونالد ريغن أصبح سلجاندر عضوا في مجلس النواب ضمن جيل جديد من الساسة الأميركيين آنذاك كنيوت كينغرتش وتوم ديلاي وغيرهما من الوجوه التي بزغ نجمها في سماء السياسة الأميركية منذئذ فكان لها بالغ التأثير في صياغة مسار السياسة الخارجية الأميركية وإيصالها إلى قرارات ساهمت بشكل من الأشكال في خلق مزيد من التأزم في العلاقات بين العالمين المسيحي الغربي والإسلامي كغزو العراق مثلا.

[شريط مسجل]

مارك سلجاندر: إن فكر المحافظين الجدد غير مبني على الروحانية على الأقل لدى معظمهم لذلك فإن النبوءة الإنجيلية ستلعب دورا هامشيا في تشكيل وجهة النظر الأيديولوجية التي يحملها المحافظ الجديد خصوصا باتجاه إسرائيل فهي في معظمها سياسية وإستراتيجية وفكرة نشر الديمقراطية، ولكن الدور الهام الذي تلعبه هو أن المقاربة السياسية جربت مرارا وتكرارا، لقد قمنا بلعبة السياسة بإسرائيل وفلسطين والمنطقة على مدى أجيال بل لنقل مئات السنين.



[نهاية الشريط المسجل]

عن سوء الفهم بين العالمين الإسلامي والمسيحي

عبد الرحيم فقرا: لكن حادثة عابرة غيرت بصورة أكثر اصطداما مجرى المعتقد الديني والسياسي لدى مارك سلجاندر فقد تحدته شخصية مسيحية أن يجد في الإنجيل ما يؤكد اعتقاد اليمين الديني الأميركي بأن مهمة المسيحيين تتمثل في تمسيح غيرهم لينقذوهم من اللعنة الأبدية، فماذا وجد؟ يسعدني أن أرحب بمارك سلجاندر الذي ينضم إلي من ولاية فلوريدا، مارك سلجاندر مرحبا بك، أوجز لنا ما كتبته عن هذه القضية في كتابك "سوء فهم قاتل، بحث عضو سابق في الكونغرس عن جسر للهوة بين الإسلام والمسيحية"؟

مارك سلجاندر: على المستوى اللاهوتي أنا لا أزال أحب ربي وأعتقد أننا مدعوون إلى حب الله وحب الجار وحب الأنبياء وأحب عيسى المسيحي الذي يسميه القرآن الصراط المستقيم وهو الحق وهو روح الله، فعندما يقول المسيحيون إن المسلمون لا يؤمنون بأن مسيح حق وصراط مستقيم ونور في حين أن تلك الصفات الثلاث مذكورة في القرآن حرفيا. أما عن سؤالك فقد غير ذلك الاكتشاف نظرتي الإستراتيجية لأنني كنت أعتقد طوال حياتي أنه يتعين علينا تمسيح الجميع مسلمين وبوذيين وغيرهم ثم بحثت في الإنجيل عما إذا كان المسيح قد طلب إدخال أي كان في أي دين كان، بداية هو لم ينطق كلمة دين ولو مرة واحدة، ثانيا هو لم يتحدث أبدا عن المسيحية أو المسيحيين، أريد أن أوضح أنني لست ضد المسيحية فقد أقول إن المسيح لم يذكر الصليب الأحمر ولا الحزب الجمهوري ولا الديمقراطي ولا الولايات المتحدة الأميركية، أنا أحب بلادي دون شك ولكن المسيح لم يذكره أبدا، لذا فما أحاول أن أفعله كشخص يؤمن بالمسيح هو أن أتبع ما علمنا إياه وهو لم يقل أبدا أدخلوا الناس في الدين، لقد ذكر في عدد من المرات مفهوم كلمة المهتدي أو المعتنق وعندما أقول لأصدقائي المسيحيين كيف يقال ذلك باللغة الآرامية يصابون بالصدمة لأن الكلمة بالآرامية هي قريبة جدا من كلمة مسلم بمعنى ذلك الشخص الذي يستسلم أو يتوجه للإله الأوحد، هي لا تعني إنكار الأصل وإنكار الثقافة إنكار العقيدة وإنكار الوالدين والالتحاق بدين جديد فيسوع لم يبدأ دينا جديدا بل دعا إلى حركة تصبو بها النفس إلى الإله الواحد.

عبد الرحيم فقرا: أنت تتحدث في عنوان الكتاب عن سوء الفهم بين العالمين الإسلامي والمسيحي، هل المسألة تتعلق بسوء فهم بين الثقافتين أم أنها معروف تاريخيا تتعلق بالتنافس بين العالمين الإسلامي والعالم المسيحي الغربي؟

مارك سلجاندر: هذا سؤال وجيه جدا، وسوء التفاهم القاتل هو -كما تقول- ثقافي في مجمله لأنه عندما يقرأ أحد لنقل النصوص الأكثر إثارة للجدل في القرآن بالنسبة إلى المسيحيين فلو نظرنا إليها من وجهة النظر الثقافية والتاريخية العربية ثم فعلنا الشيء نفسه بخصوص النص الآرامي أي من وجهة نظر اللغة التي تحدث بها عيسى المسيح من المثير أن تكتشف أن أمورا لطالما اعتبرناها هرطقة هي في الحقيقة محل اتفاق بين الديانتين، أمور تثير جدلا كبيرا بيننا وما فتئت تنشر الانقسام بيننا ودفعت بنا إلى حد التقاتل والتخاصم الحاد بين المسلمين والمسيحيين.

عبد الرحيم فقرا: الآن قبل أن نواصل الحديث في هذه النقطة، في الثمانينيات من القرن الماضي تروي في كتابك كنت تتحدث إلى جماعة من المبشرين من اليمين المسيحي هنا في الولايات المتحدة وقلت لهم في بداية كلامك أريد أن أقرأ لكم من الكتاب المقدس وبطبيعة الحال لم يعرفوا أي كتاب مقدس افترضوا أن الكتاب المقدس الذي كنت تتحدث عنه هو الإنجيل ثم قرأت لهم {إِذْ قَالَتِ الْمَلآئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهاً فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ، وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَمِنَ الصَّالِحِينَ، قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ}[آل عمران:45، 46، 47]، أنت طبعا كنت تقرأ لهم من القرآن، كيف كان رد فعلهم عندما كشفت لهم عن أنك كنت تقرأ من القرآن وليس من الإنجيل؟

مارك سلجاندر: هذه أيضا نقطة وجيهة، لقد حدث هذا سنة 2000 تقريبا كنت عندها قد أنهيت مدتي في الكونغرس وكنت قد بدأت في دراسة القرآن وكنت أقف أمام هذا الجمع المتكون من 250 من المبشرين والقساوسة الإنجيليين وكانوا متحمسين جدا بعدما سمعوا النص الذي قرأته لتوك، بالطبع كانوا يعتقدون أنني كنت أقرأ من الإنجيل لأن ما قرأته علينا الآن موجود في الإنجيل كما هو موجود في القرآن، فعندما كنت أتلو عليهم الآيات بأن عيسى هو كلمة الله وأن خلقه كان معجزة إلهية وأنه كان يشفي المرضى ويعيد البصر لفاقديه ويحيي الموتى كانت حماستهم ترتفع ويهللون ويشكرون الرب، وعندما أعلمتهم أن هذه الآيات التي تلوتها هي من القرآن خيم صمت رهيب انتقلت القاعة من هتاف صاخب بالتهليل والتكبير إلى صمت تام لأن العالم المسيحي لا يفهم كما كنت أنا سابقا لا أفهم وأنا الآن لا أزال في بداية طلب العلم أحاول فهم ما يقوله القرآن فعلا عن عيسى المسيح.

عبد الرحيم فقرا: طيب في هذه الحالة يعني ما مغزى ما حصل مع هذه الجماعة من المبشرين وكان يفترض بما أنهم من المبشرين أن يعرفوا بالحرف الواحد ماذا يقول الإنجيل، ما دلالة ما حصل مع هؤلاء مع هذه الجماعة؟

مارك سلجاندر: طيب معنى ما حدث هو أنه مثلما حدث لي ذلك التحول في النظرة بشكل تدريجي وصل إلى حد تغيير تام لنظرتي إلى المسيح ونظرتي إلى المسلمين ونظرتي للإنجيل ونظرتي لثقافة الشرق ونظرتي للقرآن، كان أملي أن أبث ذلك التحول الذي حدث في قلبي إلى أخوتي المسيحيين، أعتقد أن الكثيرين منهم صدموا في طريقة تفكيرهم ونظرتهم إلى الواقع، وبعد صدور الكتاب كانت هناك كثير من المقالات والتعليقات السلبية خصوصا من المحيط المسيحي ولكن ذلك بدأ يتغير لأن هذا الكتاب ليس كتابا معتادا وهو ليس تقديما معتادا وهو كتاب لا يدعو المسلمين إلى اعتناق المسيحية ولا يدعو المسيحيين إلى اعتناق الإسلام بل هو يدعو الجميع إلى النظر إلى أنفسنا بشكل مختلف وإلى النظر بشكل مختلف إلى بعضنا البعض.

عبد الرحيم فقرا: السيد سلجاندر مسألة العنف هنا في الولايات المتحدة العديد من الأوساط خاصة الأوساط اليمينية وفي أوساط اليمين المتدين تربط مسألة العنف بالإسلام خاصة بعد أحداث 11 أيلول/ سبتمبر، نسمع في وسائل الإعلام الأميركية بشكل اعتدنا عليه أن مثلا الإسلام يحث على العنف ويستشهدون بصورة التوبة من القرآن {فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ...}[التوبة:5] وطبعا دون أن يقرؤوا بقية الآية وهي {..فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}[التوبة:5].

مارك سلجاندر: فعلا فعندما يذكر أصدقائي المسيحيين ذلك النص بالذات وغيره من السور التي يعتبرونها تحث على العنف أسألهم عن النصوص المماثلة العديدة في العهد القديم وحتى في العهد الجديد وجوابهم هو أن تلك النصوص وردت في سياق تاريخي منذ آلاف السنين أو يقولون إنها سور بلاغية لا تعني القتل تحديدا، فهي إما في سياق تاريخي محدد أو هي سور بلاغية فأقول لهم طيب لماذا لا ننظر إلى نص القرآن بنفس المقاربة إذاً؟ لأن السورة التي تلوتها لتوك وردت في سياق تاريخي محدد منذ 2400 سنة لا علاقة لها باليوم تماما مثل السفر الذي يقول فيه الله إلى يشوع اذهب إلى قرية كنعان واقتل الرجال والنساء والأطفال وحتى الحيوانات، بالطبع المسيحيون اليوم لن يعتمدوا مثل تلك الدعوة تماما مثل 99% من المسلمين، لقد بحثت في معنى كلمة جهاد وهي كلمة من أصل آرامي استعملت في سفر دانييل بمعنى جهاد النفس لحثها على الأفضل فهي تعني المجهود الباطني والسعي القوي لكبح جماح النفس وقد استعلمت بشكل محدود للغاية في سياق عنيف وغالبا في إطار دفاعي، أعتقد أن هناك تفسيرا خاطئا في المفهوم ولكن مرة أخرى أقول إنني لست سوى طالب علم وأنظر إليها من وجهة نظري ولكني لا أعتقد أن القرآن عنيف بالشكل الذي يزعمه المتطرفون المسيحيون منهم والمسلمون.

عبد الرحيم فقرا: الآن عندما تقول هذا الكلام لليمين المتدين هنا في الولايات المتحدة عندما تتحدث مثلا عن سفر صموئيل في العهد القديم حيث يقول بشكل واضح، فالآن اذهب واضرب عماليق -قوم عماليق- وحرموا كل ما له ولا تعف عنهم بل اقتل رجلا وامرأة طفلا ورضيعا بقرا وغنما جملا وحمارا. إلى غير ذلك من الكلام الذي له علاقة مباشرة بالعنف، هل تتهم من قبل المبشرين مثلا من اليمين المتدين هنا في الولايات المتحدة بأنك تدافع عن الإسلام أو تعتذر على لسان الإسلام؟

مارك سلجاندر: لقد اعتبرت بأنني اعتذر باسم الإسلام وبصراحة أنا لا أعتذر إلا باسم المسيح فذلك هو النبي الذي أتبعه، أنا أتبع المسيح وجميع الأنبياء وأنا أحاول ألا أكون معتذرا بل أحاول أن أعبر عن حقائق ووقائع على الأقل كما أفهمها أنا، تذكر أنا احتجيت عندما قرئ القرآن في العاصمة واشنطن خلال فطور الصلاة السنوي ثم بعد ذلك اقتنعت أن القرآن ليس بالصورة التي كنت أراها من حيث أنه يدعو إلى الكراهية والعنف ومعاداة المسيح، القرآن بالنسبة لي -ولا أقصد الإساءة- هو إعادة للعهد القديم والعهد الجديد في سياق شبه الجزيرة العربية، وهذا يجب أن يحسب لمحمد كما تقول لي زوجتي دائما وهي من خلفية كاثوليكية أنه واجه ثقافة وثنية وأدخلها إلى التوحيد وإلى حب الأنبياء بما فيهم عيسى الذي يسميه القرآن 11 مرة بالمسيح.

عبد الرحيم فقرا: سيد سلجاندر العديد منا نحن المسلمين ونحن نسمع هذا الكلام قد نتساءل لماذا لم يسلم سلجاندر؟

مارك سلجاندر: ذهبت ذات مرة إلى مدرسة لاهوت مسيحية في بنسلفانيا وكانت مدرسة محافظة جدا وسألتهم كم مسلمون هناك، فظنوا كلهم أنني مجنون وقالوا أتبحث عن مسلمين في مدرسة لاهوت مسيحية؟ فقلت لهم أتعرفون كلمة مسلم؟ فرفع أحدهم يده وأجاب مسلم يعني ذلك الذي يستسلم لله، فقلت هل تعرفون أن القرآن ينعت المسيح بالمسلم وكذلك موسى وإبراهيم ونوح فهم كانوا مسلمين قبل نزول القرآن وظهور الدين الإسلامي وظهور السنة والحديث، السبب هو أن كلمة مسلم تعني ذلك الذي يستسلم لله، ثم سألت هؤلاء  الطلاب من منكم يريد أن يستسلم لله؟ فرفعوا أياديهم كلهم بدون استثناء بما في ذلك أساتذتهم.لذلك فمن وجهة نظر تقنية كلنا مسلمون بمعنى أننا نريد أن نسلم لله الأوحد وأن نؤمن بالأنبياء واليوم الآخر ذلك ما أحاول أن أقوله، لا أعتقد أننا مختلفون فلو حاول المسيحيون إعادة قراءة الإنجيل وقارنوه بالقرآن مثلما أفعل أنا في كتابي فسترى ملايين المسيحيين يقولون إنه نفس الدين، والدين لا يتعلق بالمؤسسات بقدر ما يتعلق بالعقيدة التي نحملها شخصيا وأعتقد أن عقيدة المسلم وعقيدة المسيح تتقاربان بشكل قد يحدث صدمة لدى الكثيرين.

عبد الرحيم فقرا: سيد سلجاندر سنواصل الحديث بعد قليل لكن قبل ذلك سنأخذ استراحة قصيرة.



[فاصل إعلاني]

تصحيح المفاهيم وفرص الدين في بناء الجسور

عبد الرحيم فقرا: نرحب مرة أخرى في هذا البرنامج بعضو مجلس النواب الأميركي سابقا مارك سلجاندر. سيد سلجاندر في الجزء الأول من البرنامج كنت قد تحدثت عن علاقة السياسة ممثلة في شخصيات كنيوت كينغرتش وتوم ديلاي بالتيار أو اليمين المتدين هنا في الولايات المتحدة، كيف يمكن لك أن توجز لنا هذا التداخل الآن بعد أن أخذت الخطوة ولم تعد من المحافظين الجدد ولم تعد ترى أو تنظر إلى العلاقات بين الإسلام والمسيحية من المنظور السابق منظور اليمين الأميركي المتدين؟

مارك سلجاندر: أريد أن أؤكد على أمر مهم حتى لا يخفى على أحد أنا لا زلت مؤمنا وأحب الرب وحياتي ملتزمة تماما بالله وبالسيد المسيح، أما من وجهة نظر إستراتيجية لقد كان نيوت كينغرتش صديقا مقربا وأيضا توم ديلاي خصوصا في الثمانينات عندما كنا في أوج نشاطنا وكنا نلقب بالأتراك الشبان -مع احترامي للأتراك- وكان هدفنا هو نشر الديمقراطية في العالم مهما كلف ذلك وأيضا الانتصار على الإمبراطورية السوفياتية، لقد شعرنا أن الإمبراطورية السوفياتية قد هزمت وما إذا كان عملنا قد ساهم في ذلك أم لا هذه مسألة أخرى ولكن هذه النظرة إلى العالم أي نشر الديمقراطية مهما كان الثمن فأنا لم أعد أحمل تلك النظرة السياسية والإستراتيجية. أعتقد أن الديمقراطية هي شيء جيد وحسبما رأينا في سبر للآراء الكبير الذي أجرته مؤسسة غالوب على مدى ست سنوات في 32 دولة مسلمة أن المسلمين يؤمنون بأن الديمقراطية هي أفضل شيء يرغبون في نقله عن الغرب وحرية المعتقد وحقوق المرأة كل هذا ظهر جليا في هذا السبر الذي نشرته غالوب السنة الماضية، وبإيجاز أقول إن توم ديلاي ونيوت كينغرتش هما صديقان أما نظرتي إلى العالم الآن فهي تتعلق أكثر ببناء الجسور دون استخدام الأسلحة، أعتقد أننا ربما كان يجدر بنا أن نفعل أمرا مختلفا في العراق ولقد كنت الشخص الوحيد -حتى وإن كنت قد أنهيت عملي في الكونغرس- الذي سافر إلى العراق وتقابل مع الرئيس صدام حسين سنة 2002 قبل الحرب ثم عدت وتحدثت بأعلى صوتي قائلا إلى الإدارة أن الحرب على العراق ستكون خطأ فادحا ولكن بالطبع احتقروني وكانوا يقولون لنا إن صدام لديه أسلحة دمار شامل وهو يتعاون مع القاعدة وإلى آخره وهو ما تبين للجميع لاحقا أنه خطأ لسوء حظ أميركا.

عبد الرحيم فقرا: الآن على ذكر مسألة أحداث 11 أيلول/ سبتمبر عودة أخرى إلى فترة الثمانينات من القرن الماضي، كتبت آنذاك رسالة غاضبة إلى منظمي فطور الصلاة السنوي annual pray breakfast بعدما سمحوا -كما تقول في كتابك- لشخصية لبنانية بأن تقرأ القرآن خلال فطور ذلك العام، وتستطرد في كتابك قائلا "بعد ذلك بسنوات عديدة وفي أعقاب هجمات الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر على مركز التجارة العالمية والبنتاغون عندما بدأ زعماء مسيحيون ينددون بالإسلام والقرآن من كنائسهم وعلى أمواج الإذاعة عبر الأراضي الأميركية كان جام غضبهم مرعبا وفي الوقت نفسه كان في نبرة كلامهم شيء مألوف لدي، تذكرت رسالتي لقيادة فطور الصلاة السنوي، لقد سمعت صوتي في تلك التصريحات" ما الذي غير موقفك من كل هذه الأمور تحديدا؟

مارك سلجاندر: كل من القرآن والإنجيل يقولان إن يسوع هو البشرى وغالبية المسيحيين في نظري عندما ينظرون إلى الإسلام كثيرون منهم يرون الخبر السيء فهم يحاولون التركيز على الأمور التي يعتبرونها سلبية أو الأمور التي لا نتفق حولها وبصراحة أي رجل سياسة يعرف أنه لن يحصل على أصوات الناخبين إذا ما ذكر لهم مساوئهم بل أنت تحاول أن تجد الأرضية المشتركة وعندما تجدها مع شخص يختلف عنك وتتقاسم الخبز معه وتصل إلى حد الصلاة معه فجأة تصبحان أصدقاء وتبنيان جسور الثقة وعندما تتمتن تلك الثقة يمكنكما الحديث حول قضايا تعتقدان أنكما تختلفان حولها، وكما اكتشفت بعد دراسة القرآن والإنجيل حتى هذه المسائل التي طالما اعتقدنا أنها خلافية وتقاتلنا من أجلها خلال التاريخ ولا زلنا ننعت بعضنا البعض بالكفر والزندقة هي في الحقيقة سوء فهم للنصوص من خلال الترجمات إلى العربية والإنجليزية والآرامية، فعندما نقارن الإنجيل والقرآن من خلال الترجمات نجد فيها تصادما ولكن عندما نقارن الإنجيل والقرآن في اللغات الأصلية أي العربية والآرامية -وهي لغة المسيح- اكتشفت ألا صدام بينهما تقريبا.

عبد الرحيم فقرا: إنما من حيث تصحيح المفاهيم بين العالم الإسلامي والعالم المسيحي تاريخيا من أين يجب بدء بناء الجسور، هل مثلا نبدأ بالحروب الصليبية؟ هل نبدأ بفتح الأندلس؟ هل نبدأ بسقوط الأندلس؟ هل نبدأ بالتوسع العثماني؟ هل نبدأ بالاستعمار الأوروبي لمناطق شاسعة من العالم الإسلامي في القرن التاسع عشر والعشرين؟ هل نبدأ بقضية فلسطين، بغزو العراق؟ أين تقترح أن يبدأ بناء الجسور؟

مارك سلجاندر: سيبدو الأمر مضحكا بالنسبة إليك ولكنك تتحدث كما لو كنت قرأت رسالة خاصة أنوي الانتهاء من كتابتها خلال اليومين القادمين وأنوي إرسال 25 ألف نسخة منها لنفس العدد من رجال الدين المسيحيين الأميركيين أحدثهم فيها عن البشرى التي يمثلها الإسلام وأدعوهم إلى إعادة التفكير في الإسلام وأتحدث فيها عن العهود المظلمة التي مرت بها المسيحية مثل الحروب الصليبية ومحاكم التفتيش ومعتقلات اليهود في أوروبا والاستعمار وحتى عن العبودية فأنا أذهب إلى أبعد مما تقول، هناك أمور في الماضي علينا أن نندم عليها ونطلب الغفران. وأنت تسأل من أين نبدأ؟ نبدأ منا أنا وأنت معا من هذا البرنامج التلفزيوني نبدأ بمد الأيدي إلى المسلم والمسيحي الذي يعترضنا ونسأل بعضنا البعض أن نجلس معا ونتحاور وحتى لنصلي معا. أنا قابلت زعماء من دول إسلامية تعتبرهم الحكومة الأميركية حكاما مستبدين، أنا سافرت إلى العديد من هذه البلدان في خطوة مثيرة للجدل أحيانا وحاولت إيجاد الأرضية المشتركة مع هؤلاء الزعماء من خلال الإنجيل والقرآن والأنبياء وتقاسمت الطعام معهم والصلاة معهم ومن خلال ذلك بدأت أمور كثيرة في التحول، وعندما تقرأ كتابي تكتشف قصصا عديدة عن بناء هذه الجسور والتعرف إلى نقاط التلاقي والبشائر وترك المقاربات السلبية جانبا وتقديم المقاربات الإيجابية وبذلك تصل إلى نتائج أكثر إيجابية.

عبد الرحيم فقرا: لكن عندما تتحدث إلى بعض ليس فقط الأميركيين بعض الغربيين بشكل عام وتسألهم ما الذي يزعجكم في العالم الإسلامي والمسلمين؟ يتحدثون عن قضايا كغياب الديمقراطية وأمور من ذلك القبيل، عندما تسأل المسلمين ما الذي يزعجكم في الغرب؟ يذكرون من ضمن ما يذكرون وجود قوات غربية في أراض إسلامية، أين يبدأ بناء الجسور في مثل هذه القضايا التي لا تمس التاريخ البعيد بل تمس الحاضر والمستقبل؟

مارك سلجاندر: شكرا لك على أسئلتك الوجيهة فأنت محاور جيد. في القضية الفلسطينية الإسرائيلية مثلا التي ذكرتها آنفا دائما نعتمد على المقاربة السياسية فكلما تقابل الطرفان أو أرغما على الجلوس معا هناك دائما شروط سياسية مسبقة أو إذا كان هناك حوار حول دارفور في السودان أو عملية سلمية أو تقارب مع القذافي دائما تكون العملية عملية سياسية، أنا لا أعتقد أن الانطلاق يجب أن يكون من العملية السياسية لأن ذلك غير مجد إطلاقا، السبيل البديل هو بناء الجسور الروحانية وأعرف أن الكثيرين يعتبرون هذا الكلام غريبا ولكني تأكدت من فاعلية مثل هذه المقاربة وعندما تقرأ كتابي تجد أن هذه المصادفة تحدث باستمرار فعندما تجمع القادة ولا تتحدث في السياسة في البداية سنصل إلى السياسة لاحقا وسنصل إلى الحلول وسنصل إلى القدس وسنصل إلى الضفة الغربية وسنصل إلى المستوطنات ولكن في البداية علينا أن نبني العلاقة الروحانية فنحن ننظر إلى بعض على أننا مهرطقين لذلك لم نتمكن أبدا من إيجاد أرضية مشتركة وما أقوله أنا هو أننا قد وجدنا الأرضية الروحانية المشتركة وبشكل عميق وتوصلنا إلى حالة من الصداقة حتى مع ألد أعدائنا وأشد منافسينا ثم انطلاقا من تلك العلاقة الروحانية يمكننا أن نصل إلى كل الحلول السياسية.

عبد الرحيم فقرا: أنت أشرت في سياق حديثك الآن إلى ليبيا وإلى الزعيم الليبي العقيد معمر القذافي، تتحدث ضمن ما تتحدث عنه في كتابك عن زيارة لليبيا عندما كانت ليبيا لا تزال تحت العقوبات، هذه الزيارة زيارة لك ساعد في ترتيبها صديق العقيد معمر القذافي رئيس بنين السابق ماثيو كيريكو، طبعا تقول في كتابك وزارة الخارجية علمت بالزيارة فمارست ضغوطا على كيريكو حتى لا يذهب معك إلى ليبيا وبالتالي انزعج الزعيم الليبي فقرر أن يوفد وزير خارجيته آنذاك الدكتور عمر المنتصر أمين اللجنة الشعبية العامة للاتصال الخارجي للقائك بدله، وأقتبس لك بعض ما قلته في الكتاب بعد أن قابلت عمر المنتصر، الراحل عمر المنتصر الذي أصيب بغضب شديد إلى أن قلت له إنك قد جئت للاعتذار عما دار بين الغرب وليبيا في قضية لوكربي، قلت "في نهاية جلسة الاستقبال صاحبنا الدكتور المنتصر إلى الباب فانحنى نحوي وقال بصوت خافت ستسمع أخبارا سارة خلال عشرة أيام، بعد ذلك بعشرة أيام سُلم المشتبه فيهما في قضية لوكربي عبد الباسط علي محمد المقرحي والأمين خليفة فحيمة لينقلا إلى هولندا بهدف محاكمتهما هناك وقد بدأت المحاكمة في شهر مايو من العام التالي وانتهت في فبراير عام 2001 بإدانة المقرحي الذي لا يزال يقضي محكوميته بالمؤبد، وبإخلاء ساحة فحيمة" طبعا هذا الكلام كتب قبل أن يعود المقرحي إلى ليبيا في الآونة الأخيرة، ماذا تقول في هذا الصدد إذا أمكن أن تقرأ لنا بين السطور في قضية لوكربي وفي الحوار بين الإسلام والمسيحية في قضية لوكربي؟

مارك سلجاندر: أريد أن أوضح أمرا ما سمعته في الترجمة فأنا لم أقدم أي اعتذار عندما تحدثت عن مسألة لوكربي فالاعتذار الذي قدمته للقذافي عبر وزير خارجيته هو لقتل ابنته سنة 1984 بالصاروخ الأميركي الذي أطلق على مقر إقامته وتسبب في قتل ابنته، أعتقد أن أميركا أكثر نبلا من أن تطلق الصواريخ لقتل أطفال الزعماء، بالطبع الصاروخ كان موجها ضد القذافي ولكنه أصاب ابنته ولذلك قدمت الاعتذار وطلبت الصفح وسرعان ما تغير جو المقابلة وبدأنا نتحدث عن نقاط التلاقي وكنت لا أزال في بداية بحثي آنذاك في القرآن والإنجيل وبسرعة تحول الجو من جو عدائي إلى جو أكثر ارتياحا وثقة وصلينا مع بعضنا في نهاية المقابلة، وبعد ذلك قررنا عدم مواصلة السفر إلى طرابلس لأن الأمر كان صعبا للغاية إذ كان علينا أن ندخل ليبيا بدون جوازات السفر ولم نحصل على تأشيرة ولم نستطع شراء تذاكر إلى ليبيا أو من ليبيا فكان الأمر في غاية الصعوبة ولم يكن ممكنا أن نقوم بذلك بشكل قانوني فقررنا أن نتقابل مع أحد ممثلي القذافي من خلال الأمم المتحدة وتقابلنا معه مرارا وتكرارا في نيويورك وحصلنا لاحقا على تأشيرة لهذا الشخص ليحضر إلى واشنطن إذ كما تعلم لم يكن يسمح للدبلوماسيين الليبيين مغادرة نيويورك نظرا للحظر على ليبيا، وأعتقد أن قراءة الكتب المقدسة مع بعضنا البعض والصلاة الجماعية وكثير من الناس يستغربون ذلك ويقولون ما علاقة ذلك بأي شيء؟ معظمهم يعتقد أننا لأننا غزونا العراق خاف القذافي فأقول لهم إذ لم تخف بعد سقوط صاروخ على بيتك وقتل ابنتك فلن تخيفك حرب في بلد آخر. أعتقد أن هناك عنصر روحاني وهي الأمور التي لا ترى كما يتحدث عنها القرآن والإنجيل، أنا أؤمن حتى وأؤمن بذلك فعندما نصلي معا ونتقارب ونحترم بعضنا البعض حتى وإن كانت بيننا عداوة سياسية ولكن الصداقة الروحانية موجودة يصبح كل شيء ممكنا، رأيت ذلك في هذه الواقعة وقال بعضهم كانت تلك مصادفة وأقول اقرؤوا واقعة أخرى ويقولون تلك أيضا مصادفة، أقول طيب دعونا نعيش مصادفة تلو الأخرى!

عبد الرحيم فقرا: لكن بالتأكيد أنت لا تقول إن الدين هو الذي لعب دورا في إنهاء قضية لوكربي، كانت هناك اتصالات سياسية بين الطرفين الليبي والغربي.

مارك سلجاندر: أجل وباستمرار وهذا بالطبع ما يقوله أولئك الذين يعارضونني يقولون هذه مصادفة وكانت هناك عوامل أخرى، طبعا دائما هناك عوامل أخرى ولكن لماذا نرى كل هذه الطرق المسدودة؟ مثلا في قضية السودان وقضية إرسال قوات حفظ السلام الدولية هناك طريق مسدود وأنا أعتقد أنه من خلال بناء صداقات والصلاة معا بالإضافة إلى المحادثات السياسية هناك الآن قوات حفظ سلام في دارفور، وأنا لا أزعم أن الحدث كان خارقا بل كان هناك تدخل لعامل أسميه أنا المسار الخامس، يعني الدبلوماسية والاقتصاد والقوى العسكرية والسياسة هذه المسارات الأربعة الأولى والمسار الخامس هو الروحاني الذي يكمل العوامل الأخرى ويجمع بينها وأعتقد أن الجانب الروحاني هو ما ينقص الدبلوماسية.

عبد الرحيم فقرا: سيد سلجاندر في النهاية أولا أريد أن أعتذر لك كان الخطأ في سؤالي بالنسبة لاعتذارك لليبيين وليس في ترجمة المترجم، عموما نشكرك في نهاية هذا اللقاء عضو مجلس النواب الأميركي السابق مارك سلجاندر صاحب كتاب "سوء فهم قاتل، بحث عضو سابق في الكونغرس عن جسر للهوة بين الإسلام والمسيحية". بعد الفاصل دراسة جديدة عن أهمية الجودة تستند إلى الحديث الشريف "إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه".



[فاصل إعلاني]

مبادئ الإدارة السليمة في الموروث الإسلامي

عبد الرحيم فقرا: أهلا بكم في الجزء الثالث والأخير من البرنامج. كثيرا ما نسمع عبارة الإسلام دين ودنيا أو عبارة تخصص تسيير الإدارة أو الأعمال الذي يفد الطلاب المسلمون بالمئات على الجامعات الأميركية لتعلمه لكننا لا نسمع كثيرا عبارة النموذج الإسلامي في تسيير الإدارة. الدكتورة مقبولة حمودة التي تقلبت في العديد من المناصب الإدارية في الأردن أجرت بحثا أكاديميا في الملف، فحوى البحث أن العديد من مبادئ الإدارة الغربية الحديثة ليست غريبة على الموروث الإسلامي.

مقبولة حمودة: وجدت أن هناك أسسا هامة موجودة في هذه العقيدة وهذا الإيمان لا بد من الاستفادة منه وتحويله إلى systems أو ما نسميه بالنظم الإدارية المختلفة سواء على مستوى الموارد البشرية أو على مستوى التطوير المؤسسي أو على مستوى الجودة أو ما يسمى بالإتقان انطلاقا من حديث الرسول صلى الله عليه وسلم "إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه".

عبد الرحيم فقرا: طيب دعيني أسألك سؤالا هنا، هذا القول وهذه الفلسفة موجودة في الإسلام منذ 14 قرنا، لماذا بتصورك يضطر أناس مثلك أنت للعودة لتذكير الناس بوجود هذه الفلسفة، 14 قرنا بعد أن جاء الإسلام؟

مقبولة حمودة: للأسف لأن مؤسساتنا في عالمنا العربي وأينما نذهب نجد أنها تعتمد كل ما يأتينا من الغرب، نظم غربية فلسفة غربية تطبيقات غربية وفي آخر حوالي عشرين عاما ونحن في بلادنا العربية نطبق ما يسمى بنظم إدارة الجودة المأخوذة من مؤسسة المقاييس الدولية الـ ISO، هذه المقاييس لو رجعنا لها وفهمنا أصلها وفصلها لنجد أن ما وجد في هذه المعايير هو موجود لدينا فلماذا نأخذ من الغرب وهو موجود لدينا الدواوين ونظم التوثيق ونظم التدقيق ونظم المحتسب وما إلى ذلك؟ هناك ثلاثة قيم أساسية إذا اتبعها أي مدير في أية مؤسسة يستطيع أن يحقق الإنجاز الذي يستطيع أن يضعه في خطته الإستراتيجية ويحقق أهدافه، أول قيمة من هذه القيم ما يسمى بالتقوى، علينا جميعا ونحن نعمل ونحن نؤدي أعمالنا أن نتقي الله في كل أعمالنا بمعنى "أن تعمل عملك كأنك ترى الله فإن لم تكن تراه فإنه يراك" في هذه الحالة لست بحاجة لرقيب بوليسي، الموضوع الآخر هو العدالة، علينا أن نبني نظما داخل مؤسساتنا تبنى على العدالة والعدالة هي قيمة جمعية إسلامية، لا أستطيع أن أقول إن هناك أية قيمة يمكن أن تحل محل قيمة العدالة في البناء الإنساني في البناء المؤسسي والبناء السلوكي.

عبد الرحيم فقرا: طيب واضح أن العدالة تساعد على تحسين الأداء، الأداء الفردي والأداء المجتمعي، الآن مفهوم العدالة في الإسلام بطبيعة الحال يختلف عن مفهوم العدالة في الغرب، مفهوم العدالة في الإسلام يسعى لتحقيق نوع من التوازن بين مصالح الفرد ومصالح الجماعة، مفهوم العدالة في الغرب يسعى لتحقيق مصالح الفرد في المقام الأول، ما انعكاسات هذا الفرق في الثقافة وفي مفهوم العدالة بيننا وبين الغرب؟

مقبولة حمودة: انعكاس كبير طبعا لأنه حسب الثقافة أنت تتحرك وحسب الموروث الاجتماعي أيضا تتحرك، فلا بد من عندما نقوم بعملية البناء المؤسسي لا بد أن نعمل على ما يسمى بتوحيد الأهداف بين أهداف العاملين من جهة أو الموظفين وبين أهداف الإدارة أو المالكين من جهة أخرى وكليهما يجب أن يتوحد ليصب في أهداف المجتمع لأننا أية منظمة ليست معزولة عن هذا المجتمع الذي تعمل من خلاله فإذا استطاعت الإدارة من خلال نظمها أن تحمل هم العاملين باستمرار فإنها ستحصل على أعلى كفاءة ممكنة من إنتاجية العاملين بحيث يحققون أعلى ربح ممكن لهذه الإدارة في الوقت الذي يجب أن ينعكس جزء منه على العاملين، هذا التوحيد ما يسمى توحيد الأهداف بين الإدارة والعاملين يجعل كل منهما يسير معا في سبيل تحقيق أهداف المنشأة.

عبد الرحيم فقرا: دكتورة مقبولة لدي سؤال أخير، الآن كل هذه الفلسفة فلسفة العمل وقيم العمل التي تتحدثين عنها، يتحدث عنها -خاصة في جانبها المتعلق بالقول "إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه"- يتحدث عنها أئمة المساجد والوعاظ والمرشدون منذ قرون، لماذا تعتقدين أنه إذا جاء الباحثون المعاصرون من أمثالك سيستمع الناس لما يقولونه في الوقت الذي لا يستمعون منذ قرون لما يقوله الأئمة والوعاظ والمرشدون؟

مقبولة حمودة: دورنا حقيقة أن نحول هذا القول إلى ما يسمى بالنظم، العالم الآن هو عالم نظام، نحن لا نسعى إلى الكلام الإنشائي، هذا كلام رائع على عيني ورأسي وأنا أحاول في كل خطوة أخطوها أن أتبعه لكن عندما أدخل إلى مؤسسة سيسألني نفس السؤال، كيف؟ أنا أقول له كيف، في بناء النظم، ولنبدأ في النظم واحدة تلو الأخرى وما يسمى في نظم الموارد البشرية والتي هي أهم مورد لدى أية مؤسسة، ليس المال وليس الماكينات وليس أي شيء آخر يمكن أن تفكر به، الإنسان، الإنسان هو العنصر الرئيسي الذي يجب أن تنطبق عليه القوانين التي تؤكد هذه المقولات، فعندما نقول سنبني نظام الاختيار والتعيين، كيف نعين الأفراد في هذه المنشأة حتى يكون عملنا ذو جودة؟ إذاً علينا أن نعين الأفراد بناء على معايير، ما هي هذه المعايير؟ هناك أساس لهذه المعايير. يقول الله تعالى {..إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ}[القصص:26] صدق الله العظيم، فلذلك هنالك معايير، ما هي معايير القوة؟ نضعها، واحد اثنين ثلاثة، معايير القوة العلمية القوة البدنية القوة الذهنية. ما هي معايير الأمانة؟ أيضا واحد اثنين ثلاثة، هذه المعايير عندما نضعها بأرقام وأوزان تستطيع المنشأة كإدارة أن تعين الأشخاص الذين ينطبق عليهم العمل الجيد وليس لأنه ابن عمي وابن خالي أو ما يسمى بالفساد القائم، هذه واحدة من النظم، عندما أقول تقييم أداء العاملين كذلك هنالك نظام، الحوافز هناك نظام، فكلها تخدم المقولة للحصول على الجودة.

عبد الرحيم فقرا: شكرا جزيلا وكل عام وأنت والمشاهدين جميعا بألف خير.

مقبولة حمودة:  شكرا لك، شكرا للجزيرة أيضا.

عبد الرحيم فقرا: الدكتورة مقبولة حمودة في نهاية هذه الحلقة من برنامج من واشنطن، عنواننا الإلكتروني minwashington@aljazeera.net إلى اللقاء.