- رحلة في الشعر والصحافة من الوطن إلى المهجر
- تركة الشاعر الفكرية وعلاقته بالسياسة

- تفاعل الشاعر مع المحيط الثقافي والأدبي

[مقطع من أغنية]

عبد الرحيم فقرا
بوب أبو ماضي- الحفيد
بوب أبو ماضي- الابن
أحمد عيساوي
جورج سليم
عبد الرحيم فقرا: القس ناجي يوسف خلال حفل كانت قد أقامته مدينة نيويورك وجاليتها العربية عام 2008 تخليدا ل
ذكرى الشاعر العربي المهجري إيليا أبو ماضي. الحنين إلى مكان أو زمان ما غريزة إنسانية تنتاب الفرد والجماعة على حد سواء وإذا كان الحنين الفردي فرصة للغوص في مسرات الماضي وأحزانه فإن الحنين الجماعي فرصة لتسليط الضوء على ماضي الشعوب بما قد يوفر بصيصا من النور في سماء مستقبلها، من هنا جاء اختيار موضوع إيليا أبو ماضي لحلقة هذا الأسبوع من برنامج من واشنطن، أهلا بكم جميعا.

[شريط مسجل]

رحلة في الشعر والصحافة من الوطن إلى المهجر

القس ناجي يوسف:

قال العدا حولي علت صيحاتهم

أتسرّ والأعداء حولي في الحمى؟

قلت ابتسم لم يطلبوك بذمهم

لو لم تكن منهم أجل وأعظما

[نهاية الشريط المسجل]

عبد الرحيم فقرا: عوامل كثيرة صاغت وجدان إيليا أبو ماضي الذي ولد فيما يعرف حاليا بلبنان حوالي عام 1890 وقد تضافر الفقر مع قبضة التدخل الأجنبي العثماني والغربي في المنطقة العربية آنذاك لإرغام الشاعر على تركها بحثا عن لقمة العيش والحرية فجاء في نهاية المطاف إلى الولايات المتحدة حيث كان العرب يسمون أتراكا وحيث أقام إلى أن رحل عن الدنيا عام 1957، ولكن بعد مرور حوالي أربعين عاما على وفاته لا يزال بعض العرب الأميركيين يردد شعره بما يحمله من ذكريات فردية وجماعية لديه.

[شريط مسجل]

مواطن عربي أميركي:

جئت لا أعلم من أين ولكني أتيت

ولقد أبصرت أمامي طريقا فمشيت

وسأبقى سائرا شئت هذا أم أبيت

[نهاية الشريط المسجل]

عبد الرحيم فقرا: تمثل وفاة إيليا أبو ماضي في مهجره الأميركي شاهدا على تداخل مصائر الشعوب وجسرا يقرب الهوة بين واقع المهجر الأميركي وذاكرة الموطن الأصلي عند العديد من العرب الأميركيين.

[شريط مسجل]

بوب أبو ماضي/ حفيد إيليا أبو ماضي: في الوقت الراهن تشد أعمال إيليا أبو ماضي الاهتمام ليس بالماضي فحسب بل بالحاضر كذلك وتوفر صوتا بديلا وتاريخا بديلا جديرا بأن ينظر إليه وبأن يسمع. إننا نعمل حاليا على إنجاز مشاريع تتمثل في أفلام وترجمات قصيرة ونبحث عن شركاء في الشرق الأوسط في إنجازها لنترجم بصورة عملية مفهوم الجسر الذي يمثله إيليا أبو ماضي بين الماضي والحاضر والشرق والغرب.

[نهاية الشريط المسجل]

عبد الرحيم فقرا: على مدى الأشهر القليلة الماضية ترددت عدسة الجزيرة على بعض المواقع ذات الصلة بحياة إيليا أبو ماضي ومماته، من بين تلك المواقع بيت ابنه بوب الذي ينضم إلي الآن في الأستوديو، كما ينضم إلي حفيد إيليا أبو ماضي، كما يسعدني أن أستضيف جورج سليم المتخصص سابقا في الشؤون العربية والإسلامية في مكتبة الكونغرس، ومن نيويورك ينضم إلينا أحمد العيساوي المدير التنفيذي لمركز ألوان للفنون، قبل أن نبدأ الحديث أدعوكم لمصاحبتي في رحلة إلى نيويورك نقتفي خلالها أثر إيليا أبو ماضي.

[تقرير مسجل]

عبد الرحيم فقرا: إذا كان الزمن قد محا أثر قدمي إيليا أبو ماضي على هذه الأرض فقد كان القدر أكثر رأفة إذ أودع ذاكرة الرجل لدى ابنه وحفيده وبقية ذريته التي تجمعت في هذا البيت في منطقة غير بعيدة عن مدينة نيويورك.

بوب أبو ماضي/ ابن إيليا أبو ماضي: كنت مصمما على الحفاظ على أي شيء كان يمثل جزءا من حياته وتحديدا ما كان يكتبه أو يصوره، أي بعض الأمور التي لم أتعرف عليها قبل مماته.

عبد الرحيم فقرا: في شارع واشنطن المطل على المياه التي كانت توصل المهاجرين العرب وغيرهم إلى نيويورك أقام أبو ماضي مكتبه ومطبعته حيث كانت تصدر منشورته الشهيرة "السمير" وقد لعبت "السمير" دورا في صياغة الوعي العربي في ذلك الوقت.

بوب أبو ماضي: لقد أنشئت "السمير" عام 1929 وكانت في البداية مجلة نصف شهرية كما ترى وقد تواصل نشرها حتى عام 1936 عندما حولها إلى صحيفة يومية، كانت عملية الطبع في البداية تتم في شارع واشنطن قبل أن ينقل مكتبه والمطبعة إلى شارع أتلانتيك آفنيو في قلب الجالية العربية في منطقة بروكلين.

عبد الرحيم فقرا: ملكية المحل ووظيفته تغيرت منذئذ ولكن واجهته ورقمه لا يزالان على حالهما وكأن الزمن توقف عن الحركة خلال حوالي أربعين عاما. في موقع غير بعيد تقع مخبزة دمشق وقد لا يعرف كل أبناء الجالية العربية الكثير عن إيليا أبو ماضي لكن ذكراه لا تزال عالقة بذهن صاحب المخبزة كرائحة خبز أمه، كما ظلت الثقافة العربية عالقة بذهن الشاعر حتى آخر رمق.

غسان مطلي/ صاحب مخبز دمشق: اشتغل وعمل جريدة وكتب شعر ونحن جئنا لنكمل الهجرة اللي هو هاجرها لنفس الأسباب اللي هو تركها وإجا نحن كمان جئنا وعايشين هون ومنتذكره وكان مثل عم أقول لك إنه جسر لإلنا حتى نحن نيجي على هالبلاد كمان.

[مقطع من أغنية لست أدري]

عبد الرحيم فقرا: إذا كان إيليا أبو ماضي لا يعرف من أين جاء بالمعنى الفلسفي فقد ظلت ذكريات الشرق الأوسط عموما ولبنان تحديدا توفر له بوصلة حقيقية ترشده إلى شاطئ الأمان في مهجر جاء إليه بحثا عن الحرية فوجد فيه ما يغذي الروح ويؤرقها في ذات الوقت. في عام 1949 زار أبو ماضي لبنان حيث مثل شعراء المهجر في مؤتمر لمنظمة يونيسكو هناك، كانت تلك أول زيارة له لمسقط رأسه خلال عقود وخلال الزيارة كتب قصيدة "وطن النجوم".

[مقطع من أغنية]

بوب أبو ماضي: لقد كان يكتب باللغة العربية مما حال دون أن يحصل الجمهور الأميركي على شعره ويستمتع به في حد ذاته لكن والدي كان يمثل نموذجا جيدا لما أنتجه الشرق الأوسط فبكل صراحة الصورة النمطية التي كان ينظر بها الأميركيون إلى العرب آنذاك لم تكن منصفة فجاء أناس كوالدي وبقية أعضاء الرابطة القلمية ليردموا الهوة من خلال أعمالهم وكتاباتهم.

دورا أبو ماضي/ زوجة إيليا أبو ماضي: الرابطة القلمية أي أن القلم كان يربط أعضاءها كانت مكونة من 12 عضوا كانوا جميعهم أصدقاء وكانوا بين الفينة والأخرى يجتمعون في منزلي ويقرؤون الشعر، لم أكن أفهم ما كانوا يقرؤون لأنه كان باللغة العربية وأنا لا أفهمها ولكنهم كانوا يرغبون في ألا تموت في المهجر.

عبد الرحيم فقرا: ذاكرة إيليا أبو ماضي لا تزال محفوظة في مكان آخر، عندما كان هنري مراد في الرابعة عشرة من عمره استأجره إيليا أبو ماضي في مطبعة السمير فكانت تلك فرصة ذهبية لهنري لكي يحتك بكتاب وشعراء مهجريين آخرين كخليل جبران وغيره برغم أن هنري آنذاك لم يكن يعرف أنهم من ذوي الشأن.

هنري مراد/ عامل سابق في مطبعة السمير: عندما كنت أدخل إلى مكتب أبي ماضي أجده مليئا بدخان السجائر فقد كان أبو ماضي يدخن وكان توفيق فخر لا يتوقف عن التدخين ويولع سيجارة جديدة بسيجارة منقضية بين شفتيه وكانت المنفضة تفيض ببقايا السجائر، وقد كانت حولهم صحف وكتب أدبية يلجؤون إليها كمراجع وكانوا يكتبون على قصاصات طويلة بنفس الحجم الذي يستخدم في طباعة الصحف... إنني أشعر بالبكاء أحيانا عندما أتذكر أنني كنت أعمل عند رجل كان له أثر كبير على الجالية العربية خصوصا في الوقت الحالي حيث ننعت بالإرهاب وغير ذلك من الأوصاف، لقد كان هذا الرجل يمثل الثقافة والشهامة وبعد النظر، وقد كان يعطيني انطباعا بأنه كان مشاكسا فقد كانت دائما على وجهه ابتسامة مشاكسة.

عبد الرحيم فقرا: لا غرابة إذاً أن إيليا أبو ماضي كان يرفض التجهم كما في قصيدته "ابتسم" ربما أشهر ما كتبه من شعر.

[مقطع من أغنية]

عبد الرحيم فقرا: إصرار إيليا أبو ماضي على التفاؤل له عدة جذور من بينها -وياللمفارقة- فواجع الموت التي عاشتها أسرته بالإضافة إلى إقامته في مصر عندما كان شابا حيث يعتقد أنه أحب شعر عمر الخيام الذي كان يحث على اغتنام فرصة الحاضر، وإذا كانت أم كلثوم قد غنت للخيام رباعياته فإنها أكملت الحلقة فغنت لإيليا أبو ماضي أيضا ومن ثم لعرب المهجر.

مواطن عربي أميركي: هذه موسيقى أم كلثوم وهي تغني للشاعر أبو ماضي، إنني أستمع لهذه الموسيقى دائما، إنها موسيقى قديمة عمر كلماتها ما يقارب ستين عاما إنها جميلة ولم يعد هناك من ينتج مثلها فذلك أمر مستحيل، إنها جزء من تخت التراث إذ تتكون الفرقة العازفة من ستين عازفا... ما بين 55 و60 عازفا أما اليوم فإن الفرق لا تتجاوز عازفين أو ثلاثة، إنها موسيقى ترتقي بالإنسان وتجعله يشعر بالارتياح فإن كنت متعبا ستشعر بالسعادة، أبو ماضي إنني أعشقه.

عبد الرحيم فقرا: عندما توفي أبو ماضي عام 1957 توالت على أسرته برقيات التعازي من مختلف ساسة وزعماء العالم ومن بينهم الرئيس الراحل جمال عبد الناصر ومساعد وزير الخارجية الأميركي آنذاك وليام راونتري الذي قال في برقيته

بوب أبو ماضي: "علمنا بحزن نبأ وفاة الشاعر العربي إيليا أبو ماضي، لقد كان يتحدث بلباقة وبلاغة عن العالم العربي وأسهم بصورة كبيرة في توسيع فهم الأميركيين للشعوب العربية وسينعى وفاته كل من يحترم الثقافة العربية".

عبد الرحيم فقرا: نفس المدينة التي احتضنته في حياته إذاً لا تزال تحتضنه في مماته وتنقل ذكراه عبر الأجيال.

بوب أبو ماضي/ حفيد إيليا أبو ماضي: إنني ما زلت أحاول فهم معاني شعره، إنها رحلة بدأت الإقدام عليها لأفك ألغازه كما يقدم علماء الآثار على فك ألغاز المواقع الأثرية، أريد أن أجمع حلقات حياته وما تعنيه بالنسبة لحياتي، ليس حياته وحسب بل كذلك ما كتبه وما جاء به إلى هذا البلد من حيث أتى وكيف تنطبق تلك الفلسفة ليس علي وحدي بل كذلك على أجدادي وعلى الماضي الذي أنحدر منه.

 [نهاية التقرير المسجل]

عبد الرحيم فقرا: استراحة قصيرة نمضي بعدها إلى حديث ضيوفنا.



[فاصل إعلاني]

تركة الشاعر الفكرية وعلاقته بالسياسة

عبد الرحيم فقرا: أهلا بكم وبضيوفي مجددا في هذه الحلقة الخاصة عن الشاعر إيليا أبو ماضي، أبدأ بك بوب ماضي الابن، أنت طبعا ابن إيليا أبو ماضي، بالنسبة لإيليا أبو ماضي، إيليا أبو ماضي طبعا هو والدك لكن هل تفصل بين إيليا أبو ماضي الوالد وإيليا أبو ماضي الشاعر بشكل عام؟

بوب أبو ماضي: لقد كنت صغير السن وكنت أجهل موقع والدي في عالم الأدب فقد عرفته على أنه والدي والمؤشر الوحيد على أهميته في مجتمعنا كان عدد الزائرين الذين كانوا يرتادون بيتنا، بعد وفاته فقد بدأت أعي وأفهم أكثر دوره في الشعر العربي وموقعه في عالم الأدب وأنا لا زلت أمضي في رحلة الاستكشاف ولا أزال أكتشف أشياء جديدة عنه.

عبد الرحيم فقرا: هذا الاكتشاف إن صح التعبير بالنسبة لك اكتشاف والدك وتركة والدك الفكرية كيف تعتقد أنه غير منظورك للأمور منظورك لنفسك كأميركي من أصول عربية؟

بوب أبو ماضي: لم يكن هناك من تغيير في نظرتي لذاتي كعربي أميركي بقدر ما كان هناك اقتراب من نظرته وإحساسه بالحياة عامة ورؤيته للطبيعة والجمال وفلسفته بشكل عام، أما الوجه السياسي فيبقى بعيدا عني نوعا ما ولكن يبقى جزءا مما اكتشفته ولا أزال أكتشفه بمرور الزمن وبعد قراءة ترجمات لقصائده وكتاباته.

عبد الرحيم فقرا: بوب الحفيد، ماذا يعني إيليا أبو ماضي بالنسبة لك أنت كحفيده؟

بوب أبو ماضي: ما زلت بصدد القيام بذلك وبشكل ربما أكبر من والدي أنا أفتقر إلى الكثير من المؤشرات حيث ترعرعت في ضواحي نيويورك بعيدا عن المكان الذي قدم إليه جدي وعن البيئة التي أحضرها معه، فهذه هي رحلة بالنسبة إلي أيضا وأنا أتقدم بخطى بطيئة وواثقة نحو تعلم المزيد مما يتعلق بأثر جدي، وكمهاجر من الجيل الثاني أنا لا أتكلم ولا أقرأ اللغة العربية فهذه نافذة تفتح لي ببعض المشقة، والرحلة طويلة ولكنها ممتعة لكلينا.

عبد الرحيم فقرا: على ذكر السفر أنت سافرت في أوقات مختلفة في منطقة الشرق الأوسط، بعض الناس عرفوا أنك ابن إيليا أبو ماضي بعضهم لم يعرف، كيف وجدت ذاكرة إيليا أبو ماضي أو إيليّا كما يقولون في لبنان؟ كيف وجدت ذاكرة إيليّا أبو ماضي عند الناس في الشرق الأوسط؟

بوب أبو ماضي/ الحفيد: في كل مكان ذهبت إليه في الشرق الأوسط قابلت أناسا يعرفون من هو إيليا أبو ماضي ويحفظون من شعره ودرسوه، وبكل تأكيد كان ظله يرافقني خلال رحلاتي وفي بعض الأحيان عندما وجدت نفسي في مواقف صعبة، كان يكفي أن أذكر اسمه وأعماله لتختفي العراقيل، وبلا شك أن ذلك أتاح لي فرصة الاستمتاع بأجدادي وبالرحلات التي قمت بها مؤخرا. التقيت العديد من الناس الذين استضافوني في بيوتهم وأشركوني في حياتهم من أجله.

عبد الرحيم فقرا: بالنظر إلى أنك لا تتكلم اللغة العربية، عندما سافرت في منطقة الشرق الأوسط ووجدت كل هذا الاهتمام كما تقول بشخص وشعر إيليا أبو ماضي، هل حفزك ذلك بأي شكل من الأشكال على الاقتراب أكثر من تراثك وأنت أميركي من أصول عربية؟

بوب أبو ماضي: نعم إن الرحلة هي جزء من عملية الاقتراب وليست المحفز فالمحفز كان دائما موجودا لأنني لطالما كنت تحت وطأة شخصية جدي، ولكن أيضا لكوني عربي أمريكي فأنا أشعر بالدافع للتعرف على المزيد من عناصر هويتي كما أشعر بالرغبة في فهم تلك العناصر المكونة للهوية في زمن إيليا أبو ماضي وكيف ساهم هو في تحديد ملامح تلك الهوية في وقته والمعاني التي اتخذتها على مدى السنين، فما من شك أن الكثير قد تغير في المجال السياسي والاجتماعي والثقافي عبر الزمان والمكان، فهذه هوية ذات ملامح دائمة التطور بشكل عام وبشكل شخصي أيضا.

عبد الرحيم فقرا: أحمد عيساوي في نيويورك قبل أن أتحول إلى الأستاذ جورج سليم معي هنا في الأستوديو، بالنسبة للعرب الأميركيين في نيويورك وفي بروكلين ماذا تعني ذاكرة إيليا أبو ماضي لكم أنتم كعرب أميركيين في هذا الوقت بالذات من تاريخ العلاقات بين الولايات المتحدة ومنطقة الشرق الأوسط الذي هو الموطن الأصلي للجالية بطبيعة الحال؟

أحمد عيساوي: صعب الواحد يقدّر من مقام شاعر أو أهمية شاعر غناه العالم العربي غنته أم كلثوم وغناه عبد الحليم حافظ ولحن له عبد الوهاب فده طبعا بيدي لإيليا أبو ماضي جذورا في الفكر العربي وفي الثقافة العربية وبالتالي في المجتمع العربي إن إحنا بنسمع غناء إيليا أبو ماضي وبالتالي إيليا أبو ماضي بيمثل لنا جذورا في أميركا وفي نفس الوقت جذور في العالم العربي وده بيدي مثل مهم جدا في السياق السياسي الحالي أن في شيء قوي وثقافي وزائد عن النطاق السياسي اللي هو لا مريح للأميركان ولا مريح للعرب، في حاجة ثانية ممكن نبص لها وهو ده مثل إيليا أبو ماضي.

عبد الرحيم فقرا: طيب أستاذ جورج سليم الآن معي في الأستوديو، عام 1956 كانت طبعا هناك أزمة قناة السويس وموقف الإدارة الأميركية آنذاك من أزمة قناة السويس كان إيجابيا من وجهة النظر العربية عارض الهجوم على مصر آنذاك، إيليا أبو ماضي قضى فترة مهمة من حياته في مصر، حدّثنا عن هذا التلاقي كما تنظر أنت بين حياة إيليا أبو ماضي في هذا المحيط الإسلامي الذي هو مصر وعلاقة الولايات المتحدة التي كانت إيجابية إلى حد بعيد آنذاك مع منطقة الشرق الأوسط؟

جورج سليم: من الصعب مقارنة الشرق الأوسط أو بالذات مصر والشرق الأوسط مصر ولبنان بوقتها اهتمام أبو ماضي موطنه ومولده الثاني، ما نقدرش نقارن الوضع عام 1909 بالوضع الحالي 2009 فأفتكر كانت أميركا غير أميركا الآن وكان الوضع مش متأزم كالحال فالمقارنة ما نقدرش نقارنها ما فيش مقارنة بالذات يعني.

عبد الرحيم فقرا: دعني أطرح عليك نفس السؤال من ركن مختلف من زاوية مختلفة، إيليا أبو ماضي خلال الفترة التي قضاها في مصر كانت هناك حركة وطنية قوية في مصر، كيف تعتقد أن المحيط ما كان يدور في مصر المحيط السياسي حول شخصية إيليا أبو ماضي آنذاك، أثّر على منظور إيليا أبو ماضي للأمور وعلى علاقة منطقة الشرق الأوسط مع الغرب بشكل عام.

جورج سليم: اللي نفهمه من قراءتنا لأشعار إيليا أبو ماضي ومن حياته هناك، إيليا أبو ماضي كان نشيطا نشاطا سياسيا لمدة ثلاث أو أربع سنوات في مصر بداية عمره 18 إلى 21 في الوقت أول ما ظهر نشاطه السياسي عندما رثى مصطفى كامل باشا رئيس الحزب الوطني، يظهر أن خلال هذه المدة لاقى مشقات صعبة وفي هذا المجال السياسي بدليل أنه رغم أن ما كتبه من أشعار نشر في جرائدنا المصرية "اللواء" و"الشعب" و"الوطن" وجد أن الحياة السياسية لا تلائمه، عنده قصيدتان كتب فيهما شعوره بالنسبة للسياسة ووصف السياسيين بهذا الأمر، ومنذ ذلك الوقت عندما ترك مصر وبعدها لبنان بعدها بعدة أشهر وجاء إلى أميركا يظهر أنه قال هذه نهايتي، هذه نهايتي في الساحة السياسية وعلي التركيز على الناحية الأدبية.

عبد الرحيم فقرا: دعني أعد الآن إلى نيويورك، أستاذ أحمد عيساوي علاقة إيليا أبو ماضي بالسياسة هنا في الولايات المتحدة معروف أن الرجل كان يكتب باللغة العربية ولم يكتب باللغة الإنجليزية، هل في ذلك مؤشر إلى أنه كان يحاول أن يبتعد بشكل ما عن الساحة السياسية هنا في الولايات المتحدة؟ وإلى أي مدى تعتقد أنه تمكن ونجح في الابتعاد عن الساحة السياسية في الولايات المتحدة؟

أحمد عيساوي: أي واحد يقرأ مقالات إيليا أبو ماضي في "السمير" حيلاقي أن هو متعلق أو عنده تعلق ما تعلق شاعر تعلق كاتب بالسياسة، وما ننساش أن دي فترة كانت مهمة جدا في الفترة اللي كان فيها في أميركا في العشرينيات وفي الثلاثينيات وفي الأربعينيات كانت فترة مهمة جدا في ظهور القومية العربية وحتى إحنا منسمي الفترة الأدبية دي فترة النهضة إلى حد ما، وإيليا أبو ماضي كان على دراية كبيرة جدا بالفترة دي وكان جزء منها بكتابته كشاعر يعني في حاجة خاصة بإيليا أبو ماضي على عكس مثلا خليل جبران بنلاقيه أن هو في نوع من الفلسفة اللي هي أنا مش عارف الكلمة بس الـ in depth  يعني فيها نوع..

عبد الرحيم فقرا: فيها عمق.

أحمد عيساوي: فيها عمق، على عكس مثلا نوع من الصوفية والبساطة بنلاقيها عند جبران ودي إدته نوعا من الازدواجية أن هو في عمق فلسفي في الشعر وفي نفس الوقت في فلسفة في الفكر السياسي أو الفكر الاجتماعي فهو كان عنده تعلق شديد جدا بالسياسة وفي نفس الوقت إحنا كمان ما ننساش أن دي كانت فترة وجوده في أميركا دي كانت فترة قبل الكساد أو حوالي فترة الكساد في الثلاثينيات وأي واحد عنده نوع من الثقافة ونوع من التعليم طبعا كان على دراية كبيرة جدا بالنطاق السياسي والنطاق الاجتماعي.



تفاعل الشاعر مع المحيط الثقافي والأدبي

عبد الرحيم فقرا: بوب أبو ماضي عودة إليك، ما معلوماتك عن علاقة والدك بالمحيط الثقافي والأدبي آنذاك هنا في الولايات المتحدة؟

بوب أبو ماضي/ الابن: أذكر الأشخاص العديدين الذين كانوا يرتادون بيتنا آنذاك ولكن ما أذكره بشكل خاص أو دعني أقل إنني كنت دائما أحاول المواءمة بين نظرتي لوالدي كأب وكشخص مع نظرتي إليه كشاعر وكصحفي، فاكتشافي لدوره الصحفي أتى في وقت متأخر لكن العديد من الأسماء التي طرحت هنا هم أشخاص أتذكرهم منذ كنت طفلا، وقد كنت لا أزال صبيا عندما توفي والدي فذاكرتي من حيث سؤالك ليست واضحة تماما عندي فمعظم ما اكتشفته حوله اكتشفته في وقت لاحق.

عبد الرحيم فقرا: طبعا مصدر آخر من مصادر المعلومات حول إيليا أبو ماضي هو كان زوجته دورا.

بوب أبو ماضي/ الابن: كانت أمي تنحدر من أصول لبنانية ولكنها ولدت في مدينة نيويورك فهي لا تجيد قراءة اللغة العربية وكتابتها ولكنها كانت تدعم والدي بشكل كامل، فخلال الحرب العالمية الثانية اقترحت أن تضاف صفحة الإنجليزية لجريدة "السمير" وأشرفت هي على تحريرها وقيادة نشاط تلك الصفحة، أعتقد أنها ساعدت في إعطائه وجهة نظر الثقافة الأميركية لأنها كانت باستطاعتها تجاوز حدود الطرفين الثقافة الأميركية والثقافة الشرق أوسطية لأنها ولدت وكبرت في كلتا الثقافتين.

بوب أبو ماضي/ الحفيد: أعتقد أن ما نتج عن كل تلك المرحلة هو أنه ومن عاصره حددوا ملامح هوية العربي الأميركي وكانوا في طليعة من عرف بهذه المجموعة الإثنية وماهيتها وهو تعريف لا يتوقف عن التحول، كما سبق الذكر أعتقد أن تأثير جدتي مهما كان قدره ظاهر في كتابات جدي.

عبد الرحيم فقرا: على ذكر هذه الأمور وعلى ذكر جدتك دورا أريد أن نستمع لمقطع منها تتحدث عن جانب آخر من جوانب حياة إيليا أبو ماضي، ثم نعود إلى الأستوديو وسأعود إليك أستاذ جورج سليم للتعليق.

[شريط مسجل]

دورا أبو ماضي/ زوجة إيليا أبو ماضي: لم يكن متدينا بمعنى أنه كان يتردد على الكنيسة كل يوم فهو لم يكن يقوم بذلك، لقد كان متدينا بمعنى أنه كان يساعد كل من ضاقت به ضائقة.

[نهاية الشريط المسجل]

عبد الرحيم فقرا: أستاذ جورج سليم طبعا قيل الكثير عن الجانب الديني عند الشاعر إيليا أبو ماضي من بين ما قيل، قيل إنه -من بعض منتقديه- قيل إنه كان ملحدا، هل تعتقد أنه كان كذلك؟

جورج سليم: الشيء الوحيد الذي يمكن أن أثبته أن له قصيدة مصرية مجهولة كتب فيها عن الله وأنت عندما تقرؤها وعندما يقرؤها القراء يستطيعون بها أن يعرفوا أن هذا الرجل ليس ملحدا يعني بشكل من الأشكال، طبعا كان عنده شكوك والشكوك التي نشأت في نفسه ما كانش مرجعها أن الإيمان بالله أو عدم الإيمان به، الشكوك هناك فواجع دفعته إلى هذه الشكوك وظهر أثرها في بعض أشعاره الشك بحيث أن بعض الناس قال هذا رجل لا يؤمن، وإذا أحببت أو سمحت لي أستطيع أن أقرأ لك القصيدة

"أنكرت ربك هازئا هبلتك أمك جئت نكرا

وزعمت أن الله وهم مر في الأذهان مرا

نما مع الأجيال حتى صار رب الناس طرا

فعلام ذهنك ما به أثر له أفكنت صخرا
من الذي أرخى الظلام وأطلع القمر الأغر

ومن الذي نظم الكواكب في السماء بدرا فبدرا

ومن الذي أرسى الجبال وصير الأمواه بحرا

ومن الذي نشر الغمام وساقه للأرض قطرا"

فعندما يقرأ هالقصيدة ما فيهاش أي شيء يدل على الكفر يعني.

عبد الرحيم فقرا: أستاذ أحمد عيساوي في نيويورك، على ذكر الجانب الديني عند إيليا أبو ماضي معروف -وعطفا على ما قاله الأستاذ جورج سليم حتى الآن- إنه كانت لإيليا أبو ماضي مثلا قصيدة في رثاء الإمام محمد عبده في مصر ومحمد عبده طبعا له موقعه في الفكر الإسلامي، في هنا في الولايات المتحدة طبعا هناك مهاجرون عرب مسيحيون ومهاجرون عرب مسلمون، ما الذي يجده المسلمون والمسيحيون من المهاجرين في فكر وحياة إيليا أبو ماضي؟

أحمد عيساوي: بيجدوا فيه يعني من كل الكلام اللي اتقال إحنا منشوف نوعا من الازدواجية في شخصية إيليا أبو ماضي، هو شاعر بس في نفس الوقت هو صحفي فعنده الاستطراد بتاع الشاعر بس عنده في نفس الوقت الاهتمام بالحياة اليومية بتاعة الصحفي، هو الشاعر بيكتب بالعربية لكن متزوج سيدة لا تقرأ العربية فهو في نوع من الازدواجية اللي موجودة الحقيقة في أي مهاجر عنده حنين للوطن اللي هرب منه، فبيدي إحساسا لكل مهاجر إحساس بالانتماء بغض النظر عن إن كان مسيحيا أو مسلما فبيدي نوع من العالمية اللي هي فيها رقة وشعر وعمق والتماس للأحساسيس بتاعة كل بني آدم.

عبد الرحيم فقرا: بوب أبو ماضي بدأت بك وأنتهي عندك، هل تعتقد أن هناك أشياء معينة يمكن أن يستفيدها الأميركيون أو عبر معينة يمكن أن يستفيدها الأميركيون والعرب من حياة وفكر إيليا أبو ماضي؟

بوب أبو ماضي/ الابن: أعتقد أن المواضيع التي يتطرق إليها في شعره والتي قال عنها الكثيرون إنها حقائق مثل الجمال والحب أعتقد أنه لو تتاح للجمهور الأميركي فرصة أن يقرأ الترجمات لاكتشف فلسفة رائعة للحياة فلسفة متفائلة ووجهة نظر مختلفة عن بعض الشعراء الآخرين، وأعتقد أنه يمثل مجموعة من الناس الذين تجمعوا مع بعضهم وأسسوا "الرابطة" وحققوا شيئا لم تحققه مجموعة غيرهم من قبلهم ولا من بعدهم فساندوا بعضهم بعضا ونجحوا في إحياء والمحافظة على لغة وثقافة العالم العربي هنا في أميركا. ونحن نشهد الآن نموا غير مسبوق في الاهتمام بالثقافة واللغة العربية وذلك واضح إذا نظرنا إلى أعداد الطلاب في الجامعات الذين يتعلمون اللغة العربية، لقد تطلب ذلك وقتا طويلا منذ وفاة والدي لكنه يحدث الآن وهناك اعتراف بهؤلاء.

عبد الرحيم فقرا: شكرا لك بوب أبو ماضي الابن، وشكرا لك بوب أبو ماضي الحفيد، أيضا شكرا كذلك على المادة الأرشيفية التي حصلنا عليها منكما سواء تعلق الأمر بالوثائق أو الصور، شكرا كذلك لجورج سليم معي في الأستوديو ولأحمد عيساوي في نيويورك. انتهت الحلقة، عنواننا الإلكتروني minwashington@aljazeera.net

إلى اللقاء.