- جذور المشاكل الأميركية والاختلاف في نظرتي المرشحين
- نظرة الدبلوماسية العامة الأميركية وأهدافها
- السياسة الخارجية بين نداء المصالح ومفهوم الحرية

 عبد الرحيم فقرا
 أندرو بايسيفيتش
 جيمس غلاسمان
عبد الرحيم فقرا: مشاهدينا في كل مكان أهلا بكم جميعا في حلقة جديدة من برنامج من واشنطن. سواء أفاز جون ماكين أم باراك أوباما في انتخابات نوفمبر المقبل يجمع الأميركيون في اليسار واليمين والوسط على أن الرئيس الأميركي المقبل سيواجه تحديات فريدة ومصيرية في رسم معالم مستقبل البلاد ومكانتها في العالم بعد ثماني سنوات من حكم الرئيس جورج بوش، ما لا يتفق عليه الأميركيون هو ما إذا كانت جذور التحديات العاتية التي تواجه بلادهم تكمن في الداخل أو في الخارج.

[شريط مسجل]

أندرو بايسيفيتش: الأولوية بالنسبة لنا هي ترتيب بيتنا، علينا أن نوازن حساباتنا علينا أن ندفع فواتيرنا، هذا العام مثلا سيصل عجز الموازنة الفيدرالية إلى أعلى نسبة له في تاريخ أميركا.

[نهاية الشريط المسجل]

عبد الرحيم فقرا: في كتابه الجديد تحت عنوان "حدود القوة الأميركية، نهاية الاستثنائية الأميركية" يجادل البروفسور أندرو بايسيفيتش كذلك بأن مواقع الخلل الحقيقية ترتبط بالنخب السياسية الأميركية وبتأويلاتها لنصوص الدستور الأميركي كما توارثه الأميركيون عن آبائهم المؤسسين، هذا المنظور لا يجد أصداء عند كل الأميركيين. في لقاء خاص مع الجزيرة نبثه في هذه الحلقة يجادل وكيل وزارة الخارجية الأميركية للدبلوماسية العامة جيمس غلاسمان بأن التحديات الخارجية هي التي تفرض على الولايات المتحدة أنماطا معينة من السلوك السياسي والأيديولوجي وسيظل الأمر كذلك بصرف النظر عن من سيفوز في انتخابات نوفمبر المقبل.

[شريط مسجل]

جيمس غلاسمان: جاءت هجمات الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر نتيجة لأحداث تجري خارج الولايات المتحدة وأيضا نتيجة لصراع دائر بين عدة مجتمعات داخل العالم الإسلامي وصل إلى أميركا، هذا رأيي ورأي الكثيرين، لا يمكننا أن نتجاهل ما يجري حول العالم.

[نهاية الشريط المسجل]

جذور المشاكل الأميركية والاختلاف في نظرتي المرشحين

عبد الرحيم فقرا: أهلا بكم مرة أخرى. في روايته الساخرة أسفار غوليفر تحدث الأيرلندي جوناثان سويفت في بداية القرن الثامن عشر عن وقوع العملاق غوليفر في أسر أقزام يسكنون جزيرة ليليبوت، هذه الصورة تلخص ما يذهب إليه كتاب البروفسور أندرو بايسيفيتش من جامعة بوسطن في تشخيص الوضع الحالي للعملاق الأميركي في العالم خاصة في ظل حربي العراق وأفغانستان، ويعتقد بايسيفيتش أن غزو روسيا لجورجيا قد كشف مدى الانجراف في القوة الأميركية في مواجهة ذلك الغزو. بايسيفيتش الذي خدم في الجيش الأميركي في فييتنام وقتل ابنه في الحرب العراقية في مايو 2007 عارض غزو العراق منذ البداية. سألته أولا أن يضع مسألة ما إذا كان العالم مسؤولا عن مشاكل الولايات المتحدة أو العكس في سياق الحملة الانتخابية الحالية.

أندرو بايسيفيتش: كل من أوباما وماكين يتبنيان فكرة أن قوة أميركا لا متناهية، كلا المرشحان يعتقدان أن عبر الزعامة العالمية بوسع الولايات المتحدة أن تشكل النظام العالمي حسب رغبتها. بهذا المعنى ورغم أني لا أقول إن أوباما وماكين لديهما رؤى متطابقة إلا أنهما متقاربان في الآراء أكثر مما يوحي به الإعلام، هنا في الولايات المتحدة الرؤية السائدة هي أن أوباما وماكين يختلفان عن بعضهما بشكل كامل، في الحقيقة هما يتفقان على عدد من المسائل يفوق عدد المسائل التي يختلفان حولها. أما رأيي الشخصي فهو أننا رفضنا ولوقت طويل أن نعيش في مستوى إمكانياتنا، لقد تكون لدى الأميركيين وعلى كثير من الأصعدة فهم خاطئ وسطحي لمعنى الحرية يركز على الاستهلاك المفرط واقتناء السلع بنهم ويركز على التسامح مع الذات، ووصل هذا المشروع إلى كلفة لا تطاق ففي يومنا هذا مثلا رغم أن اقتصاد الولايات المتحدة هو الأقوى في العالم بناتج داخلي خام يصل إلى 14 ترليون دولار لدينا عجز قومي يصل إلى عشرة ترليون دولار والعجز لا يزال يتنامى بسرعة من جهة لأننا نستورد أكثر مما نصدر ومن جهة أخرى لأننا متورطون في حربين مكلفتين للغاية، لذا علينا أن نغير في طريقة تعاملنا في الداخل علينا أن نتعلم أن نعيش في حدود إمكانياتنا علينا أن ندرك أهمية أن ندفع الفواتير وليس الإمعان في التداين، بعبارة أخرى الحل لمشاكل أميركا علينا أن نجده داخل أميركا وليس في أصقاع بعيدة مثل العراق وأفغانستان.

عبد الرحيم فقرا: ارتسم انطباع بأن باراك أوباما يعتقد أن المشكلات التي تواجهها الولايات المتحدة جذورها داخل الحدود الأميركية وأن ماكين يعتقد أن المشكلات التي تواجهها الولايات المتحدة جذورها خارج حدود الولايات المتحدة.

أندرو بايسيفيتش: كنت قد أتفق معك قبل ستة أشهر من الآن وأعتقد أنه حينها ما كان يقوله السناتور أوباما كان يختلف بحدة مع السيناتور ماكين أما اليوم فلقد وصلت إلى قناعة بأن الفوارق بين الاثنين ليست إستراتيجية بقدر ما هي فوارق تخص أولويات عملية، دعني أضرب لك مثلا عن ما أقصد، يختلف المرشحان حول مسائل تتعلق بالحرب على الإرهاب، يصر السناتور ماكين على أن العراق هي الجبهة المركزية للحرب على الإرهاب ويصر على أنه سيبقي الولايات المتحدة في العراق المدة اللازمة حتى تحقيق النصر، السناتور أوباما لا يوافق ويقول إن الجبهة المركزية للحرب العالمية على الإرهاب هي أفغانستان ويريد أن يخفض عدد القوات الأميركية في العراق ليرسل أعدادا أكبر إلى أفغانستان، ذلك فرق في الرؤية لكن النقطة التي أريد أن أركز عليها هي أن كلا المرشحان يتبنيان فكرة أن الحرب العالمية على الإرهاب هي أفضل طريقة للتعامل مع مشكلة التطرف الإسلامي العنيف. في نظري مفهوم الحرب العالمية كرد على التطرف الإسلامي العنيف هو مفهوم غير سليم، ما نحتاجه في هذا البلد وما يجدر بنا أن نرى في هذه الحملة الرئاسية هو حوار إستراتيجي بين مرشحين يقول فيه أحدهما -ماكين غالبا- إن الحرب العالمية على الإرهاب هي مبررة وصحيحة ومعقولة ويقول الثاني -وأنا أود أن يكون أوباما- إن الحرب على الإرهاب هي فكرة بلهاء وعلينا أن نتخلى عنها لصالح إستراتيجية مختلفة.

عبد الرحيم فقرا: بروفسور بايسيفيتش، بالنسبة للحملة الانتخابية مرة أخرى، ما هي الخطوات التي تعتقد أن باراك أوباما أو جون ماكين يجب أن يقدم عليها ليوقف هذا الانجراف كما تصفه في القوة الأميركية في العالم خاصة وأن آراءك مقبولة لدى اليمين ولدى اليسار وحتى مجلس الكونغرس طلب آراءك في هذا الشأن.

أندرو بايسيفيتش: إن الأولوية الأهم بالنسبة إلينا هي أن نرتب بيتنا، علينا أن نوازن حساباتنا علينا أن ندفع فواتيرنا، هذا العام مثلا سيصل عجز الموازنة الفيدرالية إلى أعلى نسبة له في تاريخ الولايات المتحدة. من غير الممكن أن نواصل هكذا فبالتالي أهم شيء يجب على الولايات المتحدة أن تنجزه هو أن ترتب بيتها الداخلي وطبعا من السهل علي أن أقول ذلك، علي أن أعترف لك أن هذا مشروع جبار وسيستدعي إرادة للتغيير وللتضحية ربما ليست موجودة عند الشعب الأميركي. أما الأمر المطلوب الثاني فهو إعادة تقييم إستراتيجية الأمن القومي الأميركي بصفة جذرية وهذا يعني طرح سؤال ما إذا كانت هذه الحرب العالمية على الإرهاب والتي توصف الآن بالحرب الطويلة مقدور عليها أم لا؟ وما إذا كان لها محل من الإعراب؟ لا أعتقد أن مواصلتها ممكنة، لا أعتقد أن لها معنى، أعتقد أننا بحاجة إلى مقاربة مختلفة تماما لمشكلة التطرف الإسلامي العنيف، أعتقد أن هذه المقاربة يجب أن تتضمن تعريفا واقعيا للتهديد وأن تعتبر الإرهابيين من ضمن مؤامرة إجرامية عالمية والرد الصحيح على مؤامرة إجرامية عالمية لا يكون بغزو واحتلال الدول بل بتنظيم مجهود بوليسي عالمي لاستئصال المتآمرين وتدمير الشبكات، هذه مقاربة مختلفة عن تلك التي توختها إدارة بوش.

عبد الرحيم فقرا: مفهوم الحرية كما تمارسه إدارة الرئيس جورج بوش هو بالمعنى السياسي إنشاء أنظمة ديمقراطية كما تقول هذه الإدارة في الشرق الأوسط، وعلى ذكر ذلك أريد أن أقرأ لك بروفسور مقتطفا مما قاله جيمس غلاسمان المسؤول عن الدبلوماسية العامة في وزارة الخارجية، يقول: "الأهداف الأساسية اليوم تتمثل في خفض التهديد الذي يواجهه الأميركيون وبقية العالم من قبل المتطرفين العنيفين وأسلحة الدمار الشامل وفي مساعدة الناس حول العالم على تحقيق الحرية، إن هذين الهدفين مترابطان فمناصرة الحرية تخدم مصالحنا لأن بقاء الحرية في الداخل يعتمد بصورة متزايدة على نجاح الحرية في الخارج".

إدارة بوش التزمت باسم الولايات المتحدة بإستراتيجية ترمي إلى إحداث تغيير جذري في الشرق الأوسط وباستعمال قوة أميركا الصلبة لخلق نظام جديد يتبنى الديمقراطية وحكم القانون

أندرو بايسيفيتش:
ما من شك في ذلك، إن فهمي لإستراتيجية إدارة بوش مثلما وضعت غداة الهجمات الإرهابية في 11 سبتمبر هي أن الإدارة التزمت باسم الولايات المتحدة بإستراتيجية ترمي إلى إجداث تغيير جذري في الشرق الأوسط الكبير وباستعمال قوة الولايات المتحدة الصلبة لخلق نظام جديد يتبنى الديمقراطية وحكم القانون، نظام ليست فيه الظروف التي قد تؤدي إلى هجمات إرهابية ضد أميركا حسب زعمهم. مشكلة تلك الإستراتيجية أو على الأقل أحد مشاكل الإستراتيجية هو أن الولايات المتحدة لا تملك ما يكفي من القوة الصلبة لإحداث مثل ذلك التغيير، والعراق خير مثال لهذا الفشل، أميركا في العراق منذ خمس سنوات ونصف يقول البعض إن الظروف تتحسن هناك لكن الحقيقة هي أننا أهدرنا ثمانمائة بليون أو ما يقارب الترليون دولار، خسرنا ما يزيد على أربعة آلاف جندي أميركي، أحدثنا ضررا فادحا بسمعتنا في العالم ولم نستطع أن نحدث التغيير في بلد واحد مثل العراق. إذاً ففكرة أن الولايات المتحدة تستطيع بقوتها أن تحدث تغييرا في أماكن أخرى من الشرق الأوسط هي ببساطة فكرة جنونية، ليست لدينا الإمكانيات الكافية لتحقيق الأهداف التي اختارتها إدارة بوش فبالتالي علينا أن نغير إستراتيجيتنا.

عبد الرحيم فقرا: على ذكر التغيير، تغيير الإستراتيجية، ضع لنا هذه الانتقادات التي وجهتها إلى السياسة الخارجية الأميركية في سياق التنافس بين باراك أوباما وجون ماكين.

أندرو بايسيفيتش: الحزبان الكبيران وجميع خبراء الأمن القومي على الساحة السياسية الأميركية السائدة كلهم ملتزمون بمبدأ أن تبقى الولايات المتحدة القوة العسكرية العظمى الوحيدة في العالم، مرة أخرى ما أقوله هو أن التغيير الذي سيحدق بعد 20 يناير لن يكون بالحجم الذي يتوقعه الكثيرون حتى في صورة فوز أوباما.

عبد الرحيم فقرا: وكيف تشخص أسباب هذه المشكلة بروفسور بايسيفيتش؟ هل أصل هذه المشكلة في النخب الأميركية أم أنها في النظام الأميركي كما توارثه الأميركيون عن الآباء المؤسسين؟

أندرو بايسيفيتش: هذا سؤال جيد لكن الإجابة عليه ليست هينة، أنت تضع إصبعك على جزء من الجواب وهو أن هذا الأمر يعود إلى تأسيس أميركا إلى مفهوم الاستثنائية الأميركية الذي أتحدث عنه في العنوان الجزئي لكتابي. منذ تأسيس المستعمرات الإنجليزية في أميركا الشمالية في القرن السابع عشر نشأ لدى الأميركيين إحساس بالخصوصية إحساس بأن لديهم مهمة ربانية حملهم إياها الرب ومالوا إلى المطالبة بصلاحيات خاصة لإتمام تلك المهمة، إذا نظرت إلى الخطابات التي ألقاها الرئيس بوش غداة هجمات 11 سبتمبر فإنك سترى بوضوح إعادة بعث تلك الأفكار وذلك جزء من مبررات سلوكنا مع العالم. لكن هناك تفسير آخر على الأقل وهو يتعلق بمدى الأهمية التي نوليها للقوة العسكرية، إذا ما رجعت إلى تأسيس أميركا ستجد أن المؤسسين كانوا محترزين على القوة العسكرية محترزين على ما إذا كان من الممكن أن يكون لديك جيش قوي وأن تحافظ على حريتك في الآن نفسه. تغير ذلك بالطبع خلال الحرب الباردة وتغير بالخصوص عند انتهاء الحرب الباردة عندما أصبح الأميركيون مغرمون بالقوة العسكرية وأصبحوا يؤمنون أن التكنولوجيا العسكرية الأميركية والمهنية العسكرية الأميركية أعطت للولايات المتحدة أداة بوسعها أن تستعملها لإحداث تغييرات سياسية بشكل فعال وبثمن زهيد، حرب الخليج في عام 1990 و1991 عملية عاصفة الصحراء كانت بشكل ما الحدث الذي رسخ الإيمان بالقوة العسكرية لكن الإيمان كان خاطئا وما شهدناه منذ 11 سبتمبر في العراق وفي أفغانستان هو أن الآلة العسكرية قد تكون محدودة النفع وأن استعمالها قد يكون مكلفا للغاية وقد يؤدي إلى عدد من النتائج غير المتوقعة.

عبد الرحيم فقرا: إذاً بروفسور بايسيفيتش أنت، كما سبقت الإشارة، تنتقد العمل الأميركي في العراق تنتقد العمل الأميركي في أفغانستان تنتقد مشروع الديمقراطية في الشرق الأوسط الكبير كما تتحدث عنه إدارة الرئيس جورج بوش، تقول كذلك بأن ديباجة الدستور الأميركي لا تتحدث عن غزو دول أخرى وتغيير أنظمة ولكنها تتحدث عن تحقيق الرفاهية للمواطن الأميركي داخل حدوده، كل هذا الكلام قد يفسر على أنك تدعو إلى العودة إلى أيام الانعزال في تاريخ الولايات المتحدة.

أندرو بايسيفيتش: كلا أنا لا أقول ذلك، لم تكن الولايات المتحدة منذ 1776 لم تكن أبدا انعزالية، في أوقات معينة فضلت الولايات المتحدة أن لا تتدخل عسكريا في أماكن عدة من العالم لكن الولايات المتحدة كانت دائما مشتركة خصوصا على مستوى التجارة والاقتصاد، كلا أنا لا أنصح بالانعزال بل أنصح بالواقعية، الواقعية من حيث نظرتنا إلى العالم الواقعية من حيث نظرتنا إلى أنفسنا وإلى مقاييس القوة.

عبد الرحيم فقرا: وفي نفس السياق دعني أقرأ لك مرة أخرى مقتطفا مما قاله جيمس غلاسمان فيما يتعلق بما يوصف بحرب الأفكار هنا في الولايات المتحدة، يقول: "في حرب الأفكار صلب مهمتنا لا يتمثل في إصلاح تصورات الأجانب عن الولايات المتحدة، إن تلك التصورات هامة لكن صورة أميركا بل أن أميركا ذاتها ليست مركز حرب الأفكار وبدل ذلك يجب أن نعترف بأن هناك معركة معقدة ومتعددة الجوانب تدور رحاها في المجتمعات الإسلامية من أجل السلطة ولا يمكن للولايات المتحدة أن تقف موقف المتفرج إزاء تلك المعركة حتى وإن كانت تريد ذلك، إن المعركة من أجل السلطة في العالم الإسلامي تؤثر على الولايات المتحدة تأثيرا مباشرا كما أنها كانت مسؤولة عن مقتل ثلاثة آلاف شخص قبل سبعة أعوام" وفي ذلك إشارة طبعا إلى أحداث 11 أيلول/ سبتمبر. صعب جدا بروفسور بايسيفيتش أن تجادل في وجه ما يقوله جيمس غلاسمان في منظور العديد من الأميركيين الذين يعتقدون أن مشاكل الولايات المتحدة تبدأ في الخارج وليس في الداخل، ما رأيك؟

أندرو بايسيفيتش: أعتقد فعلا أن التطرف الإسلامي العنيف يشكل تهديدا على الولايات المتحدة ومن الواضح أن 11 سبتمبر كان هجمة مريعة على الولايات المتحدة ويتوجب علينا أن نفعل ما بوسعنا كي لا نتعرض لمثل تلك الضربة مجددا. أما بعد أعتقد أنه من الخطأ ومن غير الوجيه أن نصور تهديد الطرف الإسلامي العنيف على أنه تهديد وجودي بالنسبة لنا، لقد وازى بعض مسؤولي إدارة بوش بين تنظيم القاعدة وألمانيا النازية، أعتقد أن ذلك تصوير مفرط لقدرات وطول يد الإرهابيين، أعتقد أن الحوار حول مستقبل الإسلام يجب أن يدور بصفة رئيسية داخل العالم الإسلامي، على الشعوب الإسلامية أن تقرر مصير دينها وثقافتها وحضارتها أما أن نعتبر نحن أننا قادرون على فعل ذلك بالنيابة عن الشعوب الإسلامية فذلك ضرب من ضروب الغطرسة وقد يؤذي مصالحنا.

عبد الرحيم فقرا: بالنسبة لما ذكرته عن الخطر الوجودي كما تقول، إدارة الرئيس جورج بوش تقول إن ما تصفه بالإرهاب وإن القاعدة تمثل خطرا وجوديا بالنسبة للولايات المتحدة وتقول ماذا لو تمكنت هذه الشبكات من الحصول على أسلحة للدمار الشامل واستخدامها في مدن أميركية؟ وهو ما ينقض قولك بأن مسألة ما يوصف بالإرهاب لا تشكل خطرا وجوديا للولايات المتحدة.

أندرو بايسيفيتش: لا يملك تنظيم القاعدة أسلحة نووية ولا أسلحة دمار شامل، بكل تأكيد يجب على الولايات المتحدة أن تجعل ضمن أولوياتها الأساسية التأكد من أن تنظيم القاعدة لن يحصل على أسلحة دمار شامل والجميع يتفق على هذا وأعتقد أن السؤال يصبح حينئذ كيف نحقق مثل هذا الهدف؟ مرة أخرى كان تركيز إدارة بوش ينصب حول استعمال القوة الصلبة القوة العسكرية الأميركية لفرض قوانين اللعبة، أعتقد أن ذلك لن ينجح. في عديد من الأحيان ولو أخذنا المثال الإيراني فإن اللجوء إلى القوة الأميركية الصلبة قد أعطى للإيرانيين مزيدا من التشجيع لمواصلة برنامجهم النووي لذلك يبدو لي أننا جميعا نتفق على الهدف، دعونا نمنع انتشار أسلحة الدمار الشامل. يبدو لي أن المقاربة التي توختها إدارة بوش هي مقاربة غير عاقلة.

عبد الرحيم فقرا: البروفسور أندرو بايسيسفيتش صاحب كتاب "حدود القوة الأميركية، نهاية الاستثنائية الأميركية". بعد الفاصل لقاء خاص مع القائد الأعلى لتحالف حرب الأفكار كما يوصف أحيانا، جيمس غلاسمان وكيل وزارة الخارجية للدبلوماسية العامة.



[فاصل إعلاني]

نظرة الدبلوماسية العامة الأميركية وأهدافها

عبد الرحيم فقرا: أهلا بكم جميعا في الجزء الثاني من برنامج من واشنطن. في الثقافة الأميركية تقليد متجذر يتمثل في تفكيك الصور والآراء الثابتة عند الناس، "عندما وصل الغلاة المتدينون إلى صخرة شاطئ بليميث انهالوا على الأرض بالشكر وعلى السكان الأصليين بالضرب" هكذا سخر الكاتب الأميركي مارك توين في القرن التاسع عشر من وصول أول فوج من المهاجرين الأوربيين إلى أميركا بعيد اكتشافها. يمكن اعتبار جيمس غلاسمان بمثابة مارك توين معاصر، غلاسمان يصف دور الدبلوماسية العامة بأنه يتمثل في المساعدة على تحقيق المصلحة القومية بإخبار الناس ومحاورتهم والتأثير فيهم حول العالم، كما يقول إن الدبلوماسية العامة التي يصفها بترسانة الإقناع غاية في الحيوية لمواجهة وهزم المتطرفين العنيفين الذي يهددون أميركا والحرية والشعوب حول العالم، على حد تعبيره. إحدى أدوات هذه الترسانة حسب غلاسمان تتمثل في إعطاء العالم صورة حقيقية عن تنوع المجتمع الأميركي وأفكاره كما يعكس ذلك التنافس بين جون ماكين وباراك أوباما في الحملة الانتخابية الحالية.

جيمس غلاسمان: هذه انتخابات مثيرة وأعتقد أنها تذكر العالم بالمبادئ التي ترتكز عليها الولايات المتحدة الأميركية وتذكر بالمفاجآت التي تحصل في النظام الديمقراطي فلدينا من الجانب الديمقراطي أول مرشح للرئاسة من أصل أفريقي ومن الجانب الجمهوري لدينا رجل كان أسير حرب لمدة خمس سنوات ونصف ولم يراهن على ترشحه أحد في بداية الانتخابات الأولية وهو يدخل الآن بقوة وقد اختار لمنصب نائب الرئيس امرأة ستكون أول امرأة تشغل ذلك المنصب في حال فوزهما، وأعتقد أن الجدال سيكون حادا فالأحزاب في الولايات المتحدة ليست مختلفة جدا خصوصا فيما يتعلق بالسياسة الخارجية وهذا أمر معروف. لكن هناك فروق على مستوى السياسات الاقتصادية ومن وجهة نظر الدبلوماسية العامة هذا أمر عظيم لأننا ساهمنا في جلب أعداد كبيرة من الناس إلى الولايات المتحدة لمراقبة الانتخابات الأولية والنهائية وسنجلب مائة شخص من مائة دولة مختلفة لمراقبة الانتخابات، وفي اعتقادي أن الأهم هنا هو ما تعنيه الولايات المتحدة الأميركية أي الديمقراطية والتنافس حول القيم.

عبد الرحيم فقرا: أنت طبعا تخدم إدارة جمهورية يترأسها الرئيس جورج بوش، تكون انطباع لدى العديد من الناس في الشرق الأوسط بأن باراك أوباما يميل إلى الدبلوماسية، جون ماكين يميل إلى العمل العسكري أكثر من أي شيء آخر. كيف تنظر الدبلوماسية العامة وأنت شخصيا إلى هذه المسألة؟

جيمس غلاسمان: كلا هذه ليست مشكلة، بداية نحن في وزارة الخارجية وليس أنا فحسب نصر على عدم التدخل في هذه الانتخابات فأنا لا أساند مرشحا بعينه في هذه الانتخابات حتى وإن كان منصبي سياسيا فأنا لا أحكم على أي من المرشحين المتنافسين في هذه الانتخابات. أعتقد أنه بوسعنا أن نقول وبثبات إنه خلال تاريخ الولايات المتحدة كانت هناك حالات معدودة تغيرت فيها سياستنا الخارجية بشكل حاد على إثر انتخابات، أعتقد أنه من الخطأ أن يظن الناس أنهم سيرون تحولا جذريا في سياستنا الخارجية في صورة انتخاب هذا المرشح أو ذاك، وأضيف أيضا أن باراك أوباما قد أوضح أنه على الرغم من عدم مساندته للحرب في العراق واعتزامه تخفيض الوجود الأميركي هناك أنه يشعر أن الولايات المتحدة عليها أن تضاعف عملها في أفغانستان لذا أنا لست متأكدا أن الفلسفة العامة أو الإستراتيجية العامة ستتغير بشكل كبير.

عبد الرحيم فقرا: أوباما يتحدث عن المشاكل التي تواجهها الولايات المتحدة ويقول إنه يجب البحث عن جذور تلك المشاكل في العديد من الأحيان داخل حدود الولايات المتحدة نفسها وهو بذلك يقترب من الرأي الذي يعرب عنه البروفسور بايسيفيتش. أريد أن نستمع إلى ما يقوله بايسيفيتش في هذا الصدد.

أندرو بايسيفيتش: علينا أن نحافظ على قوة أميركا بدلا من أهدارها على مشاريع صبيانية مثل حرب العراق، نعم علينا أن نهتم أولا وبالذات برفاهية الشعب الأميركي لهذا الغرض تأسست الولايات المتحدة، ذلك هو هدف واضع الدستور الأميركي، لم يكن هدفهم أن نصبح بلدا يجول حول العالم ليجلب الحرية للشعوب كان هدفهم أن نعمل من خلال هذه الجمهورية كي ينعم شعبنا بالحرية.

عبد الرحيم فقرا: ما رأيك؟

جيمس غلاسمان: دعني أتحدث عن منطق السيد بايسيفيتش، لطالما كان هناك توتر دائم في الولايات المتحدة على مدى التاريخ بين أولئك الذين يريدون لنا أن ننطوي على أنفسنا ونقول دعونا نهتم بأنفسنا بلدنا كبير بما فيه الكفاية فلماذا نكترث لما يجري حول العالم؟ وبالتأكيد في خطاب الوداع الشهير لجورج واشنطن حذرنا من أن نعلق في شراك الأزمات الخارجية، لكن تاريخ الولايات المتحدة اتسم بالتطلع إلى الخارج وبالعمل في الخارج خصوصا منذ نهايات القرن التاسع عشر لذا فإن التوتر كان موجودا لكن الولايات المتحدة انتهجت النهجين في واقع الأمر أعني أن الولايات المتحدة اهتمت بالشرق الأوسط في الأساس منذ أن تأسست في نهاية القرن الثامن عشر عندما تعاطت مع شمال أفريقيا، فأن نقول إنه علينا أن نهتم فقط بما يجري داخل بلدنا لا أعتقد أن تلك سياسة جيدة ولا أعتقد أن ذلك من تقاليد الولايات المتحدة. أما أين يقف باراك أوباما من كل هذا؟ لا أعتقد أنه يختلف جدا عن سياسات جورج بوش أو بيل كلينتون. رغم كل ما يقال من وجوب الاهتمام بأنفسنا ومعالجة مشاكلنا الداخلية فإننا دون شك تعاملنا مع العالم الخارجي وسنواصل ذلك خصوصا في الوقت الحاضر أعني أنه يمكن لأحد ما أن يقول إنه علينا أن لا نتورط في الخارج على الأقل من وجهة نظر أمنية إلى حد حدوث هجمات الحادي عشر من سبتمبر حيث قتل ثلاثة آلاف شخص من أميركا ومن ثمانين دولة في يوم واحد وقد جاءت هذه الهجمات نتيجة لأحداث كانت تجري خارج الولايات المتحدة وأيضا كنتيجة لصراع دائر بين مجتمعات من العالم الإسلامي، هذا على الأقل هو رأيي ورأي الكثيرين، لذا لا يمكننا أن نتجاهل ما يجري حول العالم.

عبد الرحيم فقرا: لنتحدث الآن عن ما يدور داخل الولايات المتحدة. أنت طبعا قبلت بهذا المنصب أن تكون وجه الدبلوماسية العامة في الولايات المتحدة في الأشهر الأخيرة من إدارة الرئيس جورج بوش وقد يقال إن على الدبلوماسية العامة أن تتجاوز الإدارات وأن تتحدث إلى العالم الخارجي بصرف النظر عن ما إذا كان الرئيس في البيت الأبيض جمهوري أو ديمقراطي، هل يمكن بأي شكل من الأشكال أن تخدم في إدارة يقودها باراك أوباما مثلا؟

جيمس غلاسمان: لن أشعر بأي حرج من أن أعمل مع إدارة أوباما أو إدارة ماكين، بداية أعتقد أن الاسترسال مهم جدا في ميدان عملي، لقد كانت هناك انقطاعات خطيرة في هذا العمل أنا الشخص الخامس الذي يشغل هذا المنصب منذ إحداثه سنة 1999 وقد ظل شاغرا 40% من الوقت، لا أظن أن ذلك أمر جيد، هل هذا منصب حزبي؟ كلا بالتأكيد هذا منصب غير حزبي تماما مثل المنصب الذي كنت أشغله قبل هذا على رأس أمناء البث الإذاعي والتلفزيوني، أعتقد أن الدبلوماسية العامة ترتكز على قيم أميركية وعالمية مشتركة وبوسعي أن أعمل في أية إدارة كانت بكل أريحية.

عبد الرحيم فقرا: عودة الآن إلى ما يقوله أندرو بايسيفيتش عن مسألة ضرورة البحث عن جذور المشاكل الأميركية داخل حدود الولايات المتحدة نفسها، كيف تنظر أنت إلى المسألة؟ هل تعتقد أن الجذور تكمن داخل الولايات المتحدة أم خارج الولايات المتحدة أم ربما الأمرين معا؟

جيمس غلاسمان: أعتقد أن بعض المشاكل هي خارجية دون شك، نحن نواجه تهديدات خارجية لقد كان هناك تفجير في سفارتنا في اليمن مؤخرا، لا يمكننا أن ننكر أن هذه الأمور تحدث وأن علينا أن نواجهها. أما بخصوص النفط فقد كان الناس يقولون قبل حرب العراق إن الولايات المتحدة ستستولي على نفط العراق ومن الواضح أن ذلك لم يحدث، الشعب العراقي هو الذي يملك نفط العراق، إن تدفق النفط أمر مهم جدا للاقتصاد العالمي ليس مهما فقط في الولايات المتحدة وبالأحرى الولايات المتحدة تمتلك مواردها الذاتية على الأقل أكثر من دول أخرى مثل اليابان مثلا فنحن نساند توفر كل الموارد بشكل حر، أعتقد أن فكرة ولايات متحدة منعزلة هي غير واقعية في اقتصاد معولم. ولكني أتفق معه ومع ما يقوله من أن هناك مشاكل داخلية في الولايات المتحدة تحتاج إلى حلول، عندما نتحدث عن أميركا كبريق أمل وحرية وديمقراطية كثيرون حول العالم يقولون حسن أنتم تقولون ذلك ولكن لديكم نظاما تعليميا يقصي الناس من أفضل فرص التعليم لديكم الكثير من الفقر إلى غير ذلك، وذلك صحيح تماما وعلينا أن نعالج تلك المشاكل ولكن ليس على حساب تعاطينا مع بقية العالم.



السياسة الخارجية بين نداء المصالح ومفهوم الحرية

عبد الرحيم فقرا: لنتحدث عن مسألة النفط الآن، بايسيفيتش يقول إن الرئيس السابق جيمي كارتر حاول أن يتعامل مع هذه المشكلة وأن ينبه الأميركيين عام 1979 إلى أن الاعتماد على النفط سيكون مشكلة في المدى البعيد بالنسبة لأمن واستقرار الولايات المتحدة لكن خسر في الانتخابات لأن الأميركيين لم يرغبوا في سماع ذلك الكلام وانتخبوا رونالد ريغن بدلا من جيمي كارتر عام 1980. لنستمع إلى ما قاله بايسيفيتش.

أندرو بايسيفيتش: لقد خاطب كارتر الشعب الأميركي عبر التلفزيون وقال انظروا لدينا مشكلة كبيرة إن اعتمادنا المتزايد على النفط الخارجي ليس جيدا لهذا البلد. كان ذلك يعكس فهما مغلوطا لفكرة الحرية، لقد تحدى كارتر الشعب الأميركي كي يعيد التفكير في معنى الحرية وتحدى بذلك الشعب الأميركي كي ينطلق في مسار جديد يأخذ الشعب الأميركي إلى التحرر من الاعتماد على الآخرين في مجال الطاقة.

عبد الرحيم فقرا: ما رأيك فيما يقوله بايسيفيتش وفي ما يقوله تحديدا عن مفهوم الحرية عند جيمي كارتر وكيف يختلف ذلك عن مفهومك أنت للحرية؟

من الحكمة أن تنوع الولايات المتحدة مواردها ووسائل التوليد خصوصا توليد الكهرباء، فحل مسألة الطاقة هو أن نركز اهتمامنا على توليد الكهرباء وأن نعمل أكثر في مجال السيارات الكهربائية

جيمس غلاسمان:
أنا لا أتفق مع هذا مطلقا، ويبدو أننا نتجاوز منصبي كعامل في الدبلوماسية العامة ونعود بعض الشيء إلى عملي السابق وفيه جانب اقتصادي أكبر، أولا لقد كان ريتشارد نيكسون أول رئيس ينادي بتقليص اعتمادنا على النفط الخارجي لقد كان ذلك سنة 1973 على ما أعتقد ولم يتحقق ذلك، ذلك لم يتحقق سنة 1999. الكثير قد قيل في هذا الأمر لا أعتقد أنه من الواقعية في شيء أن نقول إن الولايات المتحدة عليها أن تعزل نفسها عن بقية العالم وأن لا تتبادل التجارة مع بقية العالم وأن لا تشتري النفط من العالم أو أي سلعة أخرى، هذا هراء في اقتصاد العولمة، من الحكمة أن تنوع الولايات المتحدة مواردها ووسائل التوليد خصوصا توليد الكهرباء، أرى أن حل مسألة الطاقة هو أن نركز اهتمامنا على توليد الكهرباء وأن نعمل أكثر في مجال السيارات الكهربائية وما شابه وأعتقد أن الحكومة بوسعها أن تلعب دورا في هذا المجال، لكن توليد الكهرباء يكون بالنفط بالغاز بالفحم بالريح باليورانيوم، هناك العديد من الموارد بعضها متوفر في الولايات المتحدة وبعضها متوفر في بلدان أخرى لكنني أعتقد أن فكرة أن تصبح مستقلا تماما في هذا الميدان هي سراب ولا أعتقد أن هذا هو العالم الذي نريد أن نعيش فيه.

عبد الرحيم فقرا: أركز هنا على مسألة النفط لأن العديد من الناس في الشرق الأوسط يقولون أحيانا إن الولايات المتحدة تهتم بمنطقة الشرق الأوسط والخليج فقط لأنها مصدر من مصادر النفط وأنه لو لم يكن فيها النفط لما اهتمت بها الولايات المتحدة. كيف تنظر أنت كوجه الدبلوماسية العامة إلى هذه المسألة؟

جيمس غلاسمان: هذا ليس صحيحا، عندما تنظر إلى أفريقيا مثلا فإن الولايات المتحدة تنشط في أفريقيا وهي قارة تكن المودة تجاه الولايات المتحدة، لقد صرفنا 15 بليون دولار على الإيدز على السل والملاريا ولقد التزم الكونغرس بتخصيص 48 بليون إضافية وهو أكثر مما خصصه أي بلد لمكافحة أي مرض والدافع هنا ليس النفط رغم أن هناك دولا في أفريقيا فيها نفط كثير، من مصلحتنا أن يتم أمران أولهما أن تكون البلدان حرة وأن تتبنى أنظمة ديمقراطية والثاني أن تهنأ بالرخاء وهذا ينطبق على الشرق الأوسط وأفريقيا وأميركا اللاتينية وآسيا، هذا يصب في مصلحتنا. عندما ننظر نحن هنا في وزارة الخارجية أو الحكومة بصفة عامة إلى ما هي المصالح التي نريد تحقيقها نرى أنها في الحقيقة شيئان الأول أن نعزز أمننا والثاني أن ننشر الحرية حول العالم وهما شيئان متلازمان وتلك هي أهدافنا، هدفنا ليس السيطرة على أكثر مصادر للنفط، اعتقد أن ذلك سيحصل لا محالة وكما ترى هناك تجاوب سياسي جيد مع الارتفاع الحالي لأسعار النفط وهو أن الولايات المتحدة ستنقب أكثر عن النفط لكن النفط لن يكون مصدر الطاقة الأكثر شيوعا بعد خمسين سنة من الآن، لن يكون كذلك بكل تأكيد وأعتقد أن الناس هنا يدركون ذلك وهاهم يبحثون عن طاقات بديلة.

عبد الرحيم فقرا: في الانتخابات الحالية واضح أن هناك تركيز أكبر بكثير على انتخابات الرئاسة من التركيز على انتخابات الكونغرس وقد تكون تفسيرات عديدة لذلك، أحد تلك التفسيرات حسب أندرو بايسيفيتش هو أن الولايات المتحدة قد تحولت إلى نظام رئاسي إمبراطوري. وبالنظر إلى أنك كوجه للدبلوماسية العامة تريد أن تعرّف الناس خارج الولايات المتحدة بمزايا الديمقراطية، كيف تنظر أنت إلى مسألة التركيز على انتخابات الرئاسة أكثر من التركيز على انتخابات الكونغرس؟

جيمس غلاسمان: ما من شك أنه على مدى الزمن تنامت أهمية الرئيس في الولايات المتحدة، لقد كان ويدرو ويلسون يتحدث عن الحكومة البرلمانية وقد كان الأمر كذلك في بداية القرن العشرين لكن ذلك تغير مع فرانكلين روزفلت وربما تغير حتى مع تيدي روزفلت قبل ذلك فتجمعت سلطات أكثر في يد الرئيس. وبالمناسبة دعني أهنئك وأهنئ الجزيرة على هذا المستوى الرائع من الأسئلة لأن الكثير من التغطية المحلية لم يرق إلى هذا المستوى من الحوار فشكرا لكم على ذلك. كما تعلم الكونغرس يملك سلطة كبيرة في نظامنا ولديه سلطة التحكم في كيس النقود وما شهدناه في العقدين الماضيين هو كونغرس منقسم لا يمكنه أن يفعل ما كان يفعله في الماضي فهناك تنام لسلطة الرئيس أضيف عليها كونغرس منقسم إلى شقين يصعب عليه القيام بأي شيء، وقد لا يكون الأمر كذلك في المستقبل، قد تجد أن أحد الحزبين يتفوق بشكل كبير في الكونغرس. أعتقد أن الكثير من التناحر داخل الكونغرس دوافعه شخصية وذلك سبب آخر وراء عدم تمكن الكونغرس من إنجاز ما كان يقدر أن ينجزه في الماضي فلا أظن أن هناك تغييرا جذريا يحدث في الولايات المتحدة على مستوى النظام، أظن أن التغيرات تراكمية وسنرى صعودا وهبوطا فيما يتعلق بالكونغرس، لا أدري إن كنت تعلم ذلك فأنا كنت في الماضي رئيس تحرير مجلة الكونغرس رولكول وأنا أهتم كثيرا بما يحدث في الكونغرس وأنا من مساندي الكونغرس كسلطة أولى في الحكومة، هي السلطة الأولى الموصوفة في الدستور ومن المهم بمكان الانتباه إلى ما يحدث هناك. أمر آخر في هذا المجال، كما تعلم يتحدث الناس عن مدى شعبية الرئيس بوش وأعتقد أنها حاليا في 30% أحيانا أعلى وأحيانا أقل من 30% لكن شعبية الكونغرس بين 10% و 20% فالكونغرس غير محبوب ورغم أن الأميركيين يحبون أعضاء الكونغرس الذين يمثلونهم هم لا يحبون المؤسسة بحد ذاتها في هذه الأيام.

عبد الرحيم فقرا: قد يكون أحد الأسباب هو أن الديمقراطيين كانوا قد وعدوا الناخبين الأميركيين بأنهم إن دخلوا إلى مجلس الكونغرس وحصلوا على الأغلبية فيه أنهم سينهون حرب العراق، ما حصل هو العكس لم يتمكنوا من إنهاء حرب العراق بل إنهم مولوا ويمولون ويوافقون على تمويل الجهد الحربي هناك. هل تعتقد أنه سواء إذا فاز باراك أوباما أو جون ماكين ستعود إلى مجلس الكونغرس هالته الدستورية كما كانت تعرف في السابق؟

جيمس غلاسمان: أعتقد أن الصورة ستكون معقدة أعني أن سبب فشل الكونغرس في إتمام ما كان يريد فعله وهو إنهاء الحرب بشكل فجائي بوقف تمويل الحرب هو أن الشعب الأميركي آنذاك منذ سنتين لم يكن واضحا في مواقفه أما الآن وبالنظر إلى نجاح عملية زيادة عدد الجنود وما آلت إليه حرب الأفكار في العراق أي صحوة الأنبار وإلى ما هناك، تحولت العراق إلى قصة نجاح ولا أعتقد أن الكونغرس يريد الانسحاب الفوري. لا تزال هناك تحديات بكل تأكيد ولكن الكونغرس سينظر إلى تحديات أخرى مثل أفغانستان أو باكستان لا أظن أننا سنرى الكونغرس يقول الآن لا نريد أن نشترك في أي من هذا دعونا نختفي في القوقعة الأميركية، فأعتقد أن الصورة ستكون معقدة كما يقال والكثير يتوقف على الزعامة الجديدة ولكننا لن نرى تغيرا فجائيا في السياسات الخارجية الأميركية إذا ما صدقت دلالات التاريخ.

عبد الرحيم فقرا: جيمس غلاسمان وكيل وزارة الخارجية الأميركية للدبلوماسية العامة. انتهت حلقة هذا الأسبوع من برنامج من واشنطن، نقدر آراءكم ومقترحاتكم، عنوانا الإلكترونيminwashington@aljazeera.net إلى اللقاء.