- مستقبل القوة العسكرية الأميركية
- أوجه الشبه بين القوة الأميركية وقوى إمبراطورية سابقة
- مستقبل قوة الولايات المتحدة الاقتصادية

عبد الرحيم فقرا
 مايكل مالين
فيليب بوبيت
إيفان إيلاند
عصام دسوقي
عبد الرحيم فقرا: مشاهدينا في كل مكان أهلا بكم جميعا في حلقة جديدة من حلقات برنامج من واشنطن. في هذه الحلقة، هل يقدر أقوى جيش في التاريخ على مواجهة تحديات العصر؟ نسمع الجواب من فم الأسد الأميرال مايكل مالين رئيس هيئة الأركان المشتركة الأميركية.

[شريط مسجل]

مايكل مالين/ رئيس هيئة الأركان الأميركية المشتركة: أشعر أنني أقود أفضل جيش، وقد شهدنا مراحل صعود وهبوط وواجهنا تحديات كبيرة لكن الجيش الأميركي غير قادر على مواجهة تلك التحديات بمفرده، أميركا غير قادرة على مواجهة التحديات بمفردها، نحن بحاجة إلى شركاء وحلفاء وأصدقاء لمواجهة تلك التحديات في هذا القرن.

[نهاية الشريط المسجل]

عبد الرحيم فقرا: ..الإمبراطوريات تتقوى ويبزغ نجمها ثم ينتابها الوهن وتؤول إلى الانحطاط، قد لا يعرف الأميركيون من هو عبد الرحمن بن خلدون لكن ظله حاضر في جدلهم حول وضع القوة الأميركية بين القاعدة والاستثناء.

[شريط مسجل]

ستيفن غروفز/ مدير برنامج الحرية - مؤسسة هيريتج: لا أرى أي دولة أو مجموعة من الدول ترقى إلى الوضع الذي وصلت إليه الولايات المتحدة في القرن الماضي ولا أرى الاتحاد الأوروبي أو الصين يمثلان في القرن الحادي والعشرين ما مثلته الولايات المتحدة في القرن العشرين، إذاً إذا لم يكن القرن الحالي قرنا أميركيا فلست أدري أي قرن سيكون.

[نهاية الشريط المسجل]

عبد الرحيم فقرا: أهلا بكم مرة أخرى. هل الولايات المتحدة إمبراطورية كأخواتها السابقات الرومانية والعثمانية والبريطانية مثلا؟ أم أنها شيء آخر؟ وإذا كانت كذلك هل معنى ذلك أنها كأخواتها السابقات ستؤول إلى الزوال؟ هذه وغيرها أسئلة يطرحها الأميركيون في إطار نقاشاتهم حول ماضي ومستقبل بلادهم في عالم يشهد تغيرات عميقة تم التحضير لها في كثير من الأحيان في المراكز الفكرية الأميركية.

[تقرير مسجل]

المعلق: منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في نهاية القرن الماضي أصبحت الولايات المتحدة القوة العظمى الوحيدة في العالم بل ربما أكبر قوة عسكرية وسياسية واقتصادية على الإطلاق في تاريخ البشرية، وبينما يختلف الأميركيون حول ما إذا كانت الولايات المتحدة إمبراطورية أم لا، يسود الاعتقاد لديهم جميعا بأن قوتها اليوم قد تجاوزت إلى حد بعيد ما كانت عليه قوة الإمبراطورية البريطانية قبل أن تغيب عنها الشمس بصورة نهائية عند منتصف القرن الماضي، كما أن العديد من مفكريهم يرفضون نظرية ابن خلدون بأن الدول تصعد وترتقي ثم تهبط وتنحط.

ستيفن غروفز: ليس لدينا إمبراطورية حتى تنهار، إن أميركا تتحدى التاريخ بتلك الطريقة، إنها ليست كالإمبراطوريات الأوروبية السابقة التي كان تسيطر على دول يمكن أن تنهار وتنطوي، لقد أظهرت أميركا في القرن الماضي أنها تتطور وتتأقلم، إنها تملي مستقبلها الخاص بها، بل إنها خلال الخمسين عاما المقبلة أو أكثر ستملي مستقبل العالم بأسره.

المعلق: في الثاني والشعرين من يونيو/ حزيران عام 1897 احتفلت عاهلة بريطانيا الملكة فيكتوريا بالذكرى الستين لاعتلائها التاج البريطاني على رأس إمبراطورية كانت تمارس سيطرة عالمية شبه كاملة على الطرق البحرية. "أذكر أجواء ذلك الاحتفال لقد كنا فوق العالم ووصلنا إلى قمته لنبقى هناك إلى الأبد، إن هناك شيئا اسمه التاريخ لكن التاريخ شيء كريه يقع للناس الآخرين أما نحن البريطانيون فأنا متأكد أننا نعيش خارجه"، هكذا كتب يقول المؤرخ البريطاني أرنولد تويمبي الذي كان في الثامنة من عمره في تلك الذكرى. وبرغم أن الولايات المتحدة متورطة عسكريا في بلدين أسهما إلى حد كبير في تقهقر الإمبراطورية البريطانية في نهاية المطاف هما العراق وأفغانستان إلا أن ذلك لا يقلق الأميركي ستيفن غروفز.

ستيفن غروفز: كلا، لأن المؤرخين وعلماء الاجتماع وغيرهم من الأكاديميين قالوا إن الإمبراطورية الأميركية أو القوة الأميركية تتراجع بسبب حروب أخرى كفيتنام وكوريا ولم يحصل ذلك، وكون أميركا قادرة على خوض حربين في الوقت نفسه في كل من العراق وأفغانستان بينما تحافظ على وجود عالمي قوي في اقتصادها وجيشها أعتقد أنها تتحدى ما يقوله كثير من المؤرخين وعلماء الاجتماع عن القوة الأميركية.

المعلق: في مقالة جديدة تحت عنوان مستقبل القوة الأميركية يجادل المفكر الأميركي من أصول هندية فريد زكريا بأن أحد الاختلافات الرئيسية بين الإمبراطورية البريطانية والولايات المتحدة يكمن في أن الاقتصاد البريطاني آنذاك لم يكن في مستوى الطموح الإمبراطوري من حين استدامة نموه ودينامية تطوره التكنولوجي، وبينما تتمتع الولايات المتحدة بتفوق عسكري واقتصادي كاسح برغم كل المتاعب التي يشهدها القطاعان يقول زكريا إن المشكلة الأساسية التي تواجهها الولايات المتحدة هي أن نظامها السياسي تعوزه القدرة الكافية على التأقلم بالسرعة المطلوبة مع المتغيرات في عالم بدأ يشهد بزوغ نجوم أخرى كالصين والاتحاد الأوروبي وروسيا على سبيل المثال لا الحصر. وتبقى أيضا مسألة الجدل الأميركي الأميركي حول ما إذا كانت القدرة العسكرية هي حجر الزاوية في استمرار القوة الأميركية أم أنها ضلع واحد من جملة أضلع متعددة يجب تحقيق توازن بينها.

[نهاية التقرير المسجل]

مستقبل القوة العسكرية الأميركية

عبد الرحيم فقرا: إذاً لكل قوة اقتصادية وثقافية بعد عسكري تتغذى منه ويتغذى منها، فكيف تنظر القوة العسكرية الأميركية إلى مستقبل الولايات المتحدة في العالم؟ رئيس هيئة الأركان المشتركة الأميركية مايكل مالين في لقاء خاص مع قناة الجزيرة.

مايكل مالين: أشعر أنني أقود أفضل جيش وقد شهدنا مراحل صعود وهبوط وواجهنا تحديات كبيرة، لكن الجيش الأميركي غير قادر على مواجهة تلك التحديات بمفرده، أميركا غير قادرة على مواجهة التحديات بمفردها نحن بحاجة إلى شركاء وحلفاء وأصدقاء لمواجهة تلك التحديات في هذا القرن، أشعر أنني محظوظ لارتباطي بالقوة الأميركية وقدرتي على الخدمة فيها وبقدرتها على التأثير.

عبد الرحيم فقرا: عندما تتحدث بعض الأوساط عن إمبراطوريات سابقة مثلا كالإمبراطورية البريطانية التي بزغت ثم أفل نجمها في بلد كالعراق أو أفغانستان حيث توجد الولايات المتحدة حاليا، هل ينتابك الخوف أو القلق من وضع القوة العسكرية الأميركية في هذا الوقت من تاريخ الإنسان؟

"
لا يوجد خوف إزاء مستقبل أميركا العسكري لأن قواتها العسكرية حاليا هي أفضل قوات توفرت في الأربعين عاما الماضية بل إنها أقوى جيش في التاريخ الأميركي بل وحتى في تاريخ العالم
"
مايكل مالين

مايكل مالين: إن ثقتي في القوة الأميركية عالية وكما أشرت فإنها تواجه ضغوطا كبيرة، لدينا بحرية وسلاح جو بقدرة عالية وهما ينشطان حول العالم بوتيرة مكثفة رغم أنها لا ترقى إلى وتيرة القوة البرية إضافة لذلك فإن تلك القوات جزء مما أسميه القوات الاحتياطية الإستراتيجية، كثيرا ما أسأل عما إن كنا قادرين على الرد إذا ما واجهنا تحديا ما في منطقة أخرى غير العراق، لدي ثقة كبيرة في قدرتنا على الرد، يمكننا استخدام قوتنا البحرية أو سلاح الجو على وجه الخصوص في الرد. فيما يتعلق بالضغوط التي تتعرض لها قوتنا البرية نحن نحاول زيادة حجم تلك القوات ونحاول توسيع قوة المارينز وسيتحقق ذلك خلال العامين أو الثلاثة أعوام المقبلة، هذا توازن دقيق ولا أشعر بالخوف إزاء المستقبل، إن قواتنا العسكرية حاليا هي أفضل قوات توفرت لدينا خلال الأربعين عاما الماضية أجادل بأنها أقوى جيش في التاريخ الأميركي بل وحتى في تاريخ العالم. من هذا المنطلق لدي ثقة كبير في هذا الجيش رغم ذلك فإن للقوة العسكرية حدودا يتعين على الحكومات أن تستخدم كل مظاهر قوتها بما في ذلك النفوذ الاقتصادي والسياسي والدبلوماسي لكي يكون لها فعل مؤثر في المدى البعيد. لذلك الجانب العسكري هام جدا بل أقول إنه ضروري من أجل تحقيق الأمن والتأثير بصورة إيجابية في المستقبل ولكنه ليس دائما كافيا.

عبد الرحيم فقرا: الآن إذا أمكن أن أعود إلى مسألة الإمبراطورية البريطانية، عندما تنظر إلى ما آلت إليه الإمبراطورية البريطانية في العراق أو ما آلت إليه الإمبراطورية السوفياتية في أفغانستان، هل تشعر بنفس الثقة التي تشعر بها الآن فيما يتعلق بمستقبل القوة الأميركية كقوة عظمى وحيدة حاليا في العالم؟

مايكل مالين: لدي ثقة كبيرة في مستقبل القوة الأميركية ولكن حجمها تقلص بنسبة 40% عما كان عليه الأمر قبل عشرين عاما في أعقاب الحرب الباردة. إذا كانت هناك رسالة ما اتضحت لي من ذلك فهي أن القوات العسكرية الأميركية لا تقدر على فعل كل شيء وحدها إننا بحاجة إلى شركاء وعلاقات حول العالم. هناك اهتمام كبير في الوقت الراهن بقضايا الأمن في الشرق الأوسط الذي ينعدم فيه الاستقرار، ولكن هناك مناطق أخرى في العالم لا تقل أهمية كمنطقة المحيط الهادئ حيث يتمركز جزء كبير من الاقتصاد العالمي، إن اهتمامنا يشمل أيضا أفريقيا وأميركا اللاتينية حيث لدينا مصالح وعلاقات ترتبط مباشرة بالمصلحة القومية الأميركية. إذاً اهتمامنا أوسع من منطقة الشرق الأوسط، يتعين علينا بناء قوات مسلحة قادرة عدة وعددا على توفير الأمن، ولكنني أشعر أيضا أن ذلك متوفر لدينا ولكن يجب أيضا أن نعمل مع شركائنا.

عبد الرحيم فقرا: الآن عطفا على ما قلتموه الآن عن مناطق أخرى في العالم عدا منطقة الشرق الأوسط، هناك طبعا قوى صاعدة الآن على الساحة العالمية كالصين مثلا أو الاتحاد الأوروبي أو روسيا. كيف، في حالة الصين تحديدا، بأي عين تنظرون إلى تصاعد نفوذ الصين في العالم؟

مايكل مالين: أعتقد أن الصين بلد مهم جدا في هذا العالم وأنها محرك اقتصادي جبار كما أن الصين بلد يشهد تحولات كبيرة ويواجه تحديات داخلية ضخمة،آمل أن يتمكن الصينيون من أن يصبحوا مساهمين كبارا ومسؤولين حول العالم، إن لهم دورا حول العالم إن لم يكن بالطرق العسكرية فإذاً بالوسائل الاقتصادية، ذلك عامل مهم. أشعر بالقلق إزاء توسيع حجم القوات العسكرية الصينية وإزاء حجم استثمار الصين في التكنولوجيا التي يركز جزء منها على الولايات المتحدة تحديدا. أعتقد أنه يتعين علينا من وجهة نظر الحكومة والقوات المسلحة في الولايات المتحدة أن نواصل حوارنا مع الصينيين لكي نحقق تفاهمنا أفضل. إن أكبر قلق لدي إزاء الصين هو أنني غير قادر على تبين نواياها الإستراتيجية، إن الصين بلد يتوسع نفوذه الاقتصادي حاليا ويقطنه نحو مليار وثلاثمائة مليون نسمة ويسعى لخلق ظروف حياة أفضل ومن ثم يجب أن نواصل الحوار مع الصين، الاستقرار في ذلك الجزء من العالم أمر حيوي للعالم برمته بسبب الاقتصاد، لدينا علاقات مع دول عديدة تشاطرنا هذا المنظور.

عبد الرحيم فقرا: الآن بناء على ما قلتموه حتى الآن، كان الحديث ولا يزال الحديث يدور عما يوصف بالقرن الأميركي، القرن الحادي والعشرين فيه نفوذ مطلق للقوة الأميركية، وبالمناسبة ما دمنا نتحدث عن العراق كان رئيس أو نائب رئيس الوزراء العراقي السابق قبل الغزو طارق عزيز قد قال إنه إذا تمكنت الولايات المتحدة من السيطرة على النفط العراقي فسيصبح القرن قرنا أميركيا بلا منازع. أولا هل تؤمنون بنظرية القرن الأميركي؟ وثانيا أين تقف جهود الولايات المتحدة لتحقيق هذا القرن بتصوركم؟

مايكل مالين: أعتقد أنني سأترك للمؤرخين هنا مهمة تحديد ما إذا كان هذا القرن قرنا أميركيا وأعتقد أن تقويما من ذلك النوع سيستغرق وقتا طويلا ولكنني أشعر الآن أن الحافز الوحيد للولايات المتحدة هو عراق مستقر يوفر العيش لأهله وبالتأكيد فإن موارده النفطية تدعم قاعدته الاقتصادية وأن الطريق التي توفر بها تلك الموارد للعالم تدعم احتياجاته، وفي الحقيقة ليست هناك أي نية أميركية لاحتكار احتياطي النفط العراقي.

عبد الرحيم فقرا: الأميرال مايكل مالين رئيس هيئة الأركان المشتركة الأميركية شكرا جزيلا لك.

مايكل مالين: Thank you, it was great to be here with you.

عبد الرحيم فقرا: رئيس هيئة الأركان المشتركة الأميركية مايكل مالين. سنتوسع في بعض هذه المحاور في الجزء الثاني من البرنامج حيث سأستضيف البروفسور فيليب بوبيت الذي عمل في ثلاث إدارات أميركية سابقة بزعامة الرؤساء جيمي كارتر وجورج بوش الأب وبيل كلينتون، كما سأستضيف إيفان إيلاند الذي تقلب في مناصب تابعة لمجلس الكونغرس، ومن مكتب الجزيرة في القاهرة سينضم إلينا المؤرخ عصام دسوقي من جامعة حلوان المصرية، بعد الفاصل.

[فاصل إعلاني]

أوجه الشبه بين القوة الأميركية وقوى إمبراطورية سابقة

عبد الرحيم فقرا: أهلا بكم إلى الجزء الثاني والأخير من هذا البرنامج. إذا كانت الإمبراطورية البريطانية قد تحكمت بالأمس في الطرق البحرية بتحكمها في مفاتيح خمسة معابر هي سنغافوره في آسيا ورأس الرجاء الصالح في جنوب أفريقيا والإسكندرية وجبل طارق في شمالها ودوفر في أوروبا، فإن الولايات المتحدة اليوم تتحكم في الطرق البحرية والبرية والجوية كما لم تتحكم فيها أي دولة أو إمبراطوية سابقة، فما أوجه الشبه بين القوة الأميركية في عالم اليوم وقوة إمبراطورية حكمت وتحكمت ثم زالت؟ ينضم إلي في الأستوديو كل من البروفسور فيليب بوبيت أستاذ فلسفة القانون بجامعة كولومبيا وصاحب كتاب "الإرهاب والإجماع حروب القرن الحادي والعشرين" وقد شغل بوبيت عدة مناصب في إدارات أميركية سابقة، كما ينضم إلي الدكتور آيفن إيلاند مدير مركز السلم والحرية وصاحب كتاب "الإمبراطورية عارية، كيف تعرت السياسة الخارجية الأميركية" إيلاند شغل عدة مناصب تابعة للكونغرس، وأخيرا وليس بآخر الدكتور عصام دسوقي أستاذ التاريخ بجامعة حلوان في مصر، أبدا بك بروفسور بوبيت. مسألة التسمية أو وصف الولايات المتحدة بإمبراطورية، هل توافق أولا؟

فيليب بوبيت: لا، أعتقد أن هذا يبين فقر لغتنا، الدولة الإمبراطورية صعدت في شكلها العصري في الجزء الأخير من القرن الماضي وسحقت في الحرب العالمية الأولى وأعتقد أنها كأمر دستوري لم تعد تبقى، الدولة الإمبراطورية هي التي تسيطر على الدولة بالسيطرة على قوانينها، كل شيء من التعليم إلى الدين إلى الصحة طبعا بالإضافة إلى السياسة الخارجية، والولايات المتحدة ربما تتحول نحو بوتوريكو ولكن هذا كل شيء.

عبد الرحيم فقرا: دكتور إيلاند أنت طبعا حسب عنوان كتابك تعتقد أن الولايات المتحدة إمبراطورية إن لم أكن مخطئا، لماذا تعتقد أن الولايات المتحدة إمبراطورية؟

"
الولايات المتحدة ربما هي إمبراطورية ولكن ليست كالإمبراطورية البريطانية أو الرومانية وإنما هي إمبراطورية غير رسمية بقواعد وتحالفات عسكرية وتدخلات مربحة في شؤون الدول الأخرى
"
إيفان إيلاند

إيفان إيلاند: في كتابي أناقش الأدبيات الأكاديمية حول تعريف الإمبراطورية وهي متعددة وهو ليس الوحيد وأعتقد أن الولايات المتحدة ربما هي إمبراطورية ولكن ليس كالبريطانية أو الرومانية حيث توجد أراضي تضمها وإنما هي إمبراطورية غير رسمية بقواعد وتحالفات عسكرية وتدخلات مربحة في شؤون الدول الأخرى وأعتقد أنها إمبراطورية أكثر كفاءة بشكل ما، فليس لديها الكلفة المرتفعة للإمبراطوية البريطانية مثلا هي عالية الكلفة وفي نهاية الأمر سيكون على الولايات المتحدة مع أننا اشترينا نحو.. إنفاق 43% و 20% فقط من الإنفاق العسكري وإجمالي الناتج القومي أي القوة الاقتصادية وهي مشكلة كبيرة.

عبد الرحيم فقرا: دكتور دسوقي في القاهرة، من موقعك في الشرق الأوسط وهي طبعا كما هو معروف منطقة خضعت لحكم العديد من الدول والإمبراطوريات في السابق. هل تعتقد أن الولايات المتحدة سواء أوصفت كإمبراطورية أو سميت باسم غير ذلك تنصاع لنظريات ابن خلدون فيما يتعلق بصعود الدولة وصعود الإمبراطورية ثم انحطاطها؟

عصام دسوقي: يعني هي الولايات المتحدة إمبراطورية بصرف النظر عن الاسم الذي يستخدم لأن كلمة إمبراطورية معناها التوسع خارج الحدود، هذا هو معنى الكلمة في جذرها اللاتيني. الولايات المتحدة تهيمن على أجزاء كثيرة من العالم ليس شأن الاستعمار القديم اللي هو عرفناه من بريطانيا أو فرنسا أو البرتغال أو بلجيكا أو هولندا في سائر دول آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية ولكن لا تستخدم السلاح الاقتصادي والإرهاب النووي حيث أنها تمنع دخول دول جديدة وخاصة من العالم الثالث إلى هذا النادي، ينطبق عليها المنحنى الحضاري الذي قال به ابن خلدون والذي نعبر عنه في اللغة العربية ما طار طير وارتفع إلا كما طار وقع، وهي تعرف هذا والانهيار يأتي أساسا من الداخل وليس من الخارج ولأن الساسة الأميركيين يعلمون هذه الحقيقة وهو أن انهيار أي إمبراطورية يأتي من الداخل وقد تأتي عوامل خارجية للمساعدة فهي تسعى للمحافظة على هذا الداخل في ظل توازن اجتماعي وسلام معروف  للمحافظة على السلام الاجتماعي تسعى للمحافظة على السوق الخارجية، هذه هي قضيتها الرئيسية السوق الخارجية مهم جدا بالنسبة للولايات المتحدة الأميركية..

عبد الرحيم فقرا (مقاطعا): طيب دكتور دسوقي لو سمحت لي سأعود إلى مسألة السوق بعد قليل لو سمحت لي. أعود إليك بروفسور بوبيت، ما تحدث عنه الدكتور دسوقي الآن عن ما وصفه بانهيار الولايات المتحدة لأسباب داخلية أين تختلف معه وأين تتقاطع معه؟ علما بأنك تكتب في كتاباتك بأن هناك مخاطر دستورية داخلية في الولايات المتحدة خاصة بعد أحداث الحادي عشر من أيلول سبتمبر.

فيليب بوبيت: يمكن القول إنه على الأقل إذا نظرنا من وجهة نظر تاريخية للعصور القليلة الماضية فمن الصعب القول إن الولايات المتحدة تنهار داخليا، لا أعتقد أننا كنا ناجحين في سياساتنا خلال السنوات الست أو السبع الماضية ولكن الانهيار قد يكون مبالغة ولا أعتقد أننا حاولنا أن نبقي هذا التأثير الاقتصادي بأن نشارك في فوائده مع بقية العالم، خلال السنوات الماضية نحو نصف الناس الذين يعيشون على أقل من دولار واحد في اليوم ارتفعوا فوق ذلك ولا شيء يقارن بأي فترة في التاريخ وكان هذا بسبب نظام تجاري مفتوح وعملة مستقرة نسبيا، ليست منفتحة بقدر ما أريد وليست العملة مستقرة بقدر ما أريد ولكن هذا ما أدى إلى نمونا الكبير وخاصة في الهند والصين الدول التي لا نعتبرها عادة على أنها أكثر الدول نموا.

عبد الرحيم فقرا: أريد الآن أن أقتبس لك بروفسور بوبيت مقطعا من المقالة التي كتبها فريد زكريا والتي سبقت الإشارة إليها تحت عنوان "مستقبل القوة الأميركية" وقد نشرت في مجلة Foreign Affairs للشهر المقبل شهر أيار/ مايو، طبعا يتحدث عن دخول الإمبراطورية البريطانية في حرب ضد البورز في جنوب أفريقيا وأذكر بأن البورز هم طبعا أحفاد الهولنديين الذين استوطنوا بالمنطقة ابتداء من نهاية القرن السادس عشر، بريطانيا حققت النصر في نهاية المطاف ولكن تكلفة تلك المعركة ضد المزارعين البورز كما يقول فريد زكريا كانت مرتفعة جدا، يقول في هذه المقالة "إن التشابه واضح، أميركا هي بريطانيا وحرب العراق هي حرب البورز. ومن ثم فإن مستقبل أميركا يبدو قاتما وبصرف النظر عن المحصلة في العراق فإن التكاليف ضخمة وتستغل دول مارقة كإيران وفنزويلا وقوى عظمى كالصين وروسيا تشتت اهتمام الولايات المتحدة وسوء حظها ومرة أخرى يعود الحديث عن انحطاط الإمبراطورية، لقد أعاد التاريخ نفسه". ما رأيك؟

فيليب بوبيت: يبدو غير مرجح بالنسبة لي وبالتأكيد من الصحيح أن العديد من الدول بدأت تصعد والصين ولكن ربما روسيا ليس بهذه السرعة الكبيرة، ولكن الولايات المتحدة كانت قادرة لفترة طويلة جدا وخاصة خلال العشرين عاما الماضية أن تحافظ على مستوى مرتفع من المعيشة، مستوى متدني من البطالة والتضخم وكما قلت أن تقوي نظام تجارة عالمي جلب ثروة أكبر لعشرات وربما مئات الملايين من الناس، لذلك لا أرى قصة الهبوط الإمبراطوري، لا أرى أننا إمبراطورية ولا أن هناك انحدارا ولا.. بالتأكيد مغامراتنا في العراق وأفغانستان سواء كانت حكيمة أو غير حكيمة وإن كانت ستدمر مجتمعا مثل من مجتمعنا، لا أرى ذلك.

عبد الرحيم فقرا: دكتور إيلاند، مسألة هذا الشبه الذي تحدث عنه فريد زكريا بين ما قامت به الإمبراطورية البريطانية ضد البورز في جنوب أفريقيا وما تقوم به الولايات المتحدة حاليا في العراق في مجال الحرب. إلى أي مدى تصح هذه المقارنة بتصورك؟

إيفان إيلاند: أعتقد أن هناك بعض التشابه فبريطانيا في نحو عام 1900 أو نهاية القرن الماضي كانت في ذروة قوتها ولو كنت سألت أي بريطاني لقالوا بالطبع لن يكون هناك تراجع، كل إمبراطورية وجدت قالت ذلك لا، لا يمكن أن يحدث هذا لنا، لكن بالطبع يمكن أن يحدث. عادة إن لم تهزم الإمبراطورية في حرب مباشرة كما كان الحال مع اليابان أو مع ألمانيا ثم يصبح هنا انحدار كما كان الحال مع السوفياتيين حتى البريطانيين والفرنسيين فازوا في الحرب العالمية الأولى والثانية ولكن الحروب استنزفت مواردهم وكان هناك هبوط وسقوط فيها فليس هناك مقارنة مع أميركا لأن لديها اقتصاد ضخم، المشكلة إن حاولت أن تعمل دور الشرطي في العالم كما نفعل فيمكنك أن تقع في حروب صغيرة مكلفة، لا أقول إن الحرب في العراق أو أفغانستان صغيرة ولكن الكلفة كبيرة جدا فالحرب في العراق حتى الآن كلفت أكثر من فييتنام وإن كان السؤال أن أميركا لا يمكن أن تتراجع ذكرت الإنفاق العسكري ونسبته والمقارنة فيه فالولايات المتحدة ليست قوة عظمى اقتصاديا وإنما عسكريا وهذه مشكلة كبيرة هي واحدة من عدة قوى وتجد طوال التاريخ أن الاختلافات الصغيرة في معدلات النمو الاقتصادية التي تبلغ 1 أو 2% والصين والهند تفوق ذلك يمكن أن تغير عبر فترة من الوقت موقع كل قوة، والصين تعلمت من انهيار الاتحاد السوفياتي وتطبق سياسة أكثر ذكاء لأن موازنة الدفاع تزيد لكن اقتصادها يزيد أكثر فهي ليست تستنزف مواردها، لذلك أعتقد أن من الممكن جدا أن تنهار وتتراجع الولايات المتحدة كقوة عظمى بالمقارنة مع تلك الدول.

مستقبل قوة الولايات المتحدة الاقتصادية

عبد الرحيم فقرا: دكتور دسوقي في القاهرة، أنت بادرت إلى الإشارة إلى مسألة السوق والاقتصاد وكما سمعنا الآن من الدكتور إيلاند، الولايات المتحدة قوة اقتصادية ربما أكبر قوة.. أكثر قوة مما كانت عليه الإمبراطورية البريطانية في عز أو في أوجها. الآن بالنسبة لفريد زكريا في هذه المقالة يقول إن الولايات المتحدة كقوة اقتصادية هذه القوة متواصلة منذ أكثر من مائة عام وبالتالي يتوقع، علما بأن مثلا مسألة البحث العلمي متقدمة جدا في الولايات المتحدة، أن تظل الولايات المتحدة تقود العالم على الأقل خلال الخمسين عاما المقبلة. ما رأيك؟

"
القوة الاقتصادية الضخمة للولايات المتحدة الأميركية معروفة ولكن جزءا من هذه القوة قائم على السيطرة على السوق الخارجية
"
عصام دسوقي

عصام دسوقي: ما هي القوة الاقتصادية الضخمة للولايات المتحدة الأميركية معروفة ولكن جزء من هذه القوة قائم على السيطرة على السوق الخارجية، هذه حقيقة وإلا لما تدخلت الولايات المتحدة الأميركية في جميع السياسات الخاصة بالعالم الثالث لكي تحتفظ بهذه البلاد سوقا. أنا أحب أن أؤكد أن الولايات المتحدة لا يهمها في كثير أو قليل نظم الحكم في العالم الثالث ولا يهمها الحاكم يكون ملكا أم رئيس جمهورية هي أهم شيء هل السوق مفتوح للتصدير وللحصول على المادة الخام من العالم الثالث خصوصا أن هذا العالم يقع في مناطق مدارية متنوعة الغلات أم لا، إذا ظل السوق مفتوحا فهذه البلد تعرف بأنها Loving Peace Country أما إذا أرادت أي بلد من هذه البلاد أن تغلق السوق وتحاول أن تقوم بعملية تنمية داخلية للاستغناء عن الخارج تشهر أمامها أسلحة من نوع الإصلاح الديمقراطي أو حقوق الإنسان، هذه حقيقة معروفة وإلا لما دخلت الولايات المتحدة إلى العراق ومن قبله إلى أفغانستان وتسعى الآن لوضع الخطط لإضعاف الصين وتستخدم في هذا أسلوب التفكيك القومي الذي بدأ بعد انهيار الاتحاد السوفياتي. المعروف أنه إحنا عندنا هنا دلوقت الصين على سبيل المثال فيها 55 عرقية وأحداث التيبت الأخيرة بتبين أن بداية التدخل حيكون من خلال تفكيك الصين بإثارة القوميات على بعضها أو كما قالت كوندليزا رايس من قبل، إثارة الفوضى الخلاقة. هذا هو المنهج الأميركي الجديد في السيطرة على السوق الخارجية للمحافظة على القوة الاقتصادية.

عبد الرحيم فقرا: الآن أعود إلى الأستوديو أعود إلى بروفسور بوبيت، بالإضافة إلى أي تعليق تريد أن تقوم به على ما سمعناه من الدكتور دسوقي، أنت لديك نظرية وهي أن الدولة الوطنية سيتم استبدالها بما تصفه أنت بالدولة السوق، معناه أن الشركات الكبرى تقوم أو تحل محل، في كثير من الوظائف، محل الدولة سواء في الولايات المتحدة أو في العلاقة بين الولايات المتحدة ودول العالم الأخرى. هل دولة السوق ستخدم الولايات المتحدة وتظل تعزز موقعها كقوة عظمى في العالم أم أنها بالعكس ستنقلب على الولايات المتحدة وتقوض موقعها في العالم في مواجهة دول كالصين مثلا أو الاتحاد الأوروبي؟

فيليب بوبيت: سأتناول كل نقطة على حدى، أولا سأتحدث عن الاتهام بأن الولايات المتحدة تحاول تفكيك الصين، أعتقد أن هذا يأتي كمفاجأة كبيرة للناس في واشنطن وكما ذكرت سابقا أن نمو الصين النمو الكبير خلال العقود الثلاثة الماضية كان يعود لنظام أميركي مفتوح الأسواق. زميلنا المصري يبدو أنه يعتقد أن فتح الأسواق طريقة لجعل الدول أكثر فقرا أو للسيطرة عليها ولكنها لا، يزعم أننا نسيطر على الصين مثلا والسوق الأميركي المفتوح جعل الصين أكثر ثرا. أما بالنسبة إن كانت الدولة السوق تفضل الأميركيين أو أي مجتمع آخر أعتقد من المبكر القول. ما كنت أود أن تخرجوا بنتيجة أن الدولة السوق تسلم سيطرتها عليها إلى الشركات الكبرى ليس هذا ما كان بذهني، من وجهة نظري الأمر الدستوري الذي يعرف النظام الدستوري بالأحرى الذي يعرف ما شكل الشرعية من لينكون وحتى الرئيس الآن لا زال موجودا وفي أوروبا من بسمارك وحتى الوقت الحالي هذه الدول هي دول تقول نحن سنحسن رفاهكم المادي مقابل القوة، وقال هذا ويلسون وروزفلت في هذا البلد ولكن هتلر أيضا قاله وقاله ماو وقاله ستالين لأنهم كلهم يعودون للنظام الدستوري الواحد ولكن ربما الدول ستصعد وتقول أعطنا القوة والسلطة ونحن سنعظم الفرص أمامكم، هذا ليس مساويا لتسليم السلطة إلى الشركات الكبرى، استخدام طرق أكثر كفاءة لتعظيم الخيارات الفردية المتوفرة للمواطنين.

عبد الرحيم فقرا: قبل أن نتحول إلى الدكتور إيلاند، عطفا على هذه النقطة في ظل وجود جيش أميركي الآن تطوعي وفي الحالة العراقية هناك متعاقدون أمنيون يمكن القول بأن السلطة قد نقلت إلى، فيما يتعلق بالقضايا الأمنية والجيش، قد نقلت إلى القطاع الخاص في الحالة الأميركية وربما في حالة بعض الدول الأخرى؟ ما هي تداعيات هذا الانتقال بالنسبة للدولة الأميركية كما تسميها أنت أو الإمبراطورية الأميركية كما يسميها كل من الدكتور إيلاند والدكتور دسوقي؟

فيليب بوبيت: هذا مثال جيد جدا. عندما تتحول من جيش تجنيد إجباري فيه إلى جيش تطوعي فأنت لا تسلم السلطة للمتعاقدين الذين توظفهم وتدفع أجورهم، فقط تجد طرقا أكثر كفاءة وأقل كلفة وقد لا تكون أكثر كفاءة في تسيير القطارات في وضع شبكات الكهرباء القيام بهذه الأمور التي قامت بها الدول في القرن الماضي والتي لن نفعلها بهذا الشكل في المستقبل، وهذا لا يعني أن الشركات هي التي ستوظف مثلا لإدارة سجن أن لديها سلطة إدارته وإنما الدولة التي توظفهم فهؤلاء مجرد موظفين.

عبد الرحيم فقرا: دكتور إيلاند أريد أن أقرأ لك الآن مقتطفا مما قاله ريتشارد هاس في مجلة Foreign Affairs التي ستنشر الشهر المقبل، فيما يتعلق بمسألة الإجراءات التصحيحية يقول "ساهمت الحرب في العراق في إضعاف موقع الولايات المتحدة في العالم وقد أثبتت حرب العراق أنها كانت اختيارية ومكلفة عسكريا واقتصاديا ودبلوماسيا وكذلك على صعيد الأرواح. قبل عدة سنوات رسم المؤرخ البريطاني بول كنيدي معالم نظريته حول الإجهاد الإمبراطوري قائلا إن الولايات المتحدة ستتعرض لانحطاط في نهاية المطاف بسبب المغالاة في توسيع نفوذها كما كان الشأن مع إمبراطوريات سابقة وبينما صدقت نظرية كنيدي أكثر على الاتحاد السوفياتي إلا أن الولايات المتحدة برغم كل الإجراءات التصحيحية التي اتخذتها وبرغم حيويتها لم تنج من تلك الأعراض". الآن فريد زكريا يقول إن مشكلة الإمبراطورية البريطانية كانت مشكلة اقتصادية، مشكلة الإمبراطورية الأميركية كما يقول هي مشكلة سياسية من حيث أن النظام السياسي الأميركي برغم كل إجراءاته التصحيحية غير قادر على التأقلم بسرعة مع التطورات على الساحة الدولية. ما رأيك؟

إيفان إيلاند: أعتقد أن الولايات المتحدة قد تواجه مشاكل اقتصادية أيضا، صحيح اقتصادنا كبير جدا ومن شكل ما إمبراطورية أكثر كفاءة عن البريطانية وبطرق أخرى ليس أكثر كفاءة، أنا لا أتوقع انهيارا سريعا للإمبراطورية الأميركية ولكن عبر الوقت سنرى تراجعا فكل الإمبراطوريات تتراجع والولايات المتحدة لن تكون استثناء على الأرجح. المشكلة هي أن الإمبراطورية التي تفرط في عسكريتها وإمبراطورية مفرطة في عسكريتها بالمقارنة مع 1800 ومؤسسي هذه الدولة أرادوا جيشا صغيرا أن يكون هناك تفاعل تجاري واقتصادي مع الدول الأخرى ولكن البقاء خارج الشؤون الخارجية ونحن لم تتبع السياسة باستثناءات معينة طبعا باستثناء الحرب العالمية الثانية وهناك الحرب الكورية حيث أقمنا الولايات المتحدة وهذه السياسة الخارجية التدخلية وهذا النوع من الأمور يؤدي إلى عسكرة وفي حدها الأقصى المتطرف، العسكرة أدت إلى انهيار الإمبراطورية الرومانية عندما أصبح الجيش عامل زعزعة استقرار في الوطن والجمهورية الرومانية تنخرت وبعدها تنخرت الإمبراطورية، والأمر الوحيد الذي يمكننا قوله منذ الحرب الكورية هو زيادة تراجع في الكونغرس ونظومات الضبط فيها وأعتقد أنه أروع نظام في العالم ونرى أيضا نخرا في الحريات المدنية ليس تحت إدارة بوش فقط وإنما تحت الإدارات الديمقراطية والجمهورية منذ الخمسينيات. إذاً أعتقد المسألة الجوهرية هي التراجع من الداخل سياسيا وأيضا مسألة اقتصادية مشكلة وسيحدث ببطء وهناك قوى أخرى ستصعد والولايات المتحدة ستتراجع لأنها تنفق أكثر من إجمالي ناتجها القومي على القوة العسكرية بالمقارنة مع دول أخرى.

فيليب بوبيت: أريد إضافة نقطة أخرى. لا شك أنك تعرف كما أعرف أننا ننفق تقريبا نصف ما أنفقناه في الحرب الباردة على جيشنا، صحيح لدينا جيش قوي جدا ولكننا ننفق أمرا بنحو 4% من إجمالي الناتج القومي..

إيفان إيلاند (مقاطعا): نحن ننفق 2 إلى 3% من إجمالي الناتج القومي كنسبة مئوية من منافسينا مثل الصين ومع ذلك نحن ننمو بسرعة أكبر منهم، اقتصادنا لا ينمو أسرع من اقتصاد الصين بالتأكيد أكثر من 3% والصين 10%..

فيليب بوبيت (مقاطعا): لأنهم هناك ثمن، هل تختلف معي بأننا ننمو بسرعة أكبر من الأوروبيين؟

إيفان إيلاند: هناك عوامل أخرى لدينا سوق منافسينا لديهم مشاكل، أعتقد أن لدينا قوة اقتصادية ولكن أيضا لدينا ضعف اقتصادي، أيضا لدينا تدخل حكومي مفرط في اقتصادنا وليس للحد الذي يوجد في الهند والصين ولكنهم أيضا يحررون اقتصاداتهم، إذاً يجب أن نقيس الأمور بشكل نسبي ما ننفقه على الدفاع على فكرة ما ننفقه على الأمن هو نحو ضعف موازنة الدفاع إن أخذت المساعدات الخارجية والطاقة والأسلحة النووية وفوائد الدين، نحن ننفق أكثر بكثير مما ينفقه منافسون اقتصاديون وحلفاؤنا كنسبة مئوية من إجمالي الناتج القومي.

فيليب بوبيت: أضيف نقطة أخرى...

عبد الرحيم فقرا (مقاطعا): لو سمحت لي فقط أذكر إذاً أن أدعوكما إلى عدم مقاطعة الواحد للآخر لأنه عندنا مشكلة ترجمة، تفضل.

فيليب بوبيت: عفوا أعتذر. إن كنت قلقا من نظام تجارة عالمي وإن أردت على سبيل المثال العالم الثالث أن يزدهر ويتطور وينمو فإن الإبقاء على النظام التجاري الحالي قائما والإبقاء على الأسواق مفتوحة والطرق الجوية أو الأرضية أو غيرها قد يكون هذا علامات الإمبراطورية، ربما تبدو مثل الإمبراطورية الرومانية أو البريطانية ولكن لا تبدو لي كذلك على الإطلاق عوض أن تأخذ ثروة تلك الدول وتعيدها إلى المدينة إلى مركز الإمبراطورية عوضا عن ذلك نحن نخلق ثروة ضخمة في الهند وفي الصين، هذا يكلف الكثير من المال بالتأكيد ولكن العالم استفاد منه ونحن استفدنا منه. الاثنان على الصواب أن تشيروا إلى كتاب عظيم للسيد كنيدي "صعود وهبوط القوى العظمى" وأنا واثق أنك على وعي بأن بول كنيدي قال خلال العقد الماضي فقط إنه لا يعتقد إن هذه النظرية تنطبق على الولايات المتحدة، لقد غير رأيه.

إيفان إيلاند: تحدثت إليه في كتابي وهو لم يغير رأيه، الناس يعتقدون أنه فعل ذلك. أيضا أريد أن أقدم نقطة أخرى، فكرة أن نظام التجارة الحر لن يوجد في وجود هذه القوة العسكرية، كان لدينا نظام تجارة حر مفتوح قبل الحرب العالمية الأولى والتجارة مفيدة للدول وللشعوب وهي ستوجد، المشكلة برأيي الكثير من الدول النامية عندما تنظر إلى الولايات المتحدة يرون الرأسمالية والسوق المفتوحة لكنهم يربطونها بالقوة العسكرية الأميركية ولا يجب أن تكون بهذا الشكل، فنظام التجارة العالمي يفيد الجميع ولكن أن الخطأ أنه ليس هناك حاجة لوجود قوة عسكرية لضمان ذلك.

عبد الرحيم فقرا: دكتور دسوقي، لو سمحت لي ومعذرة عن التأخر في العودة إليك، طبعا حمي النقاش هنا في الأستوديو. أريد أن أقرأ لك مقتطفا مما كتبه فريد زكريا عطفا على مسألة الاقتصاد في نفس المقالة في مجلة Foreign Affairs، يقول "خلال العشرين سنة الماضية توسعت العولمة وتعمقت أكثر، هناك عدد متزايد من الدول التي تصنع المنتجات وقد ساهمت تكنولوجيا الاتصالات في تعديل الكفة بين الدول كما تدفق رأس المال بين الدول حول العالم وقد استفادت الولايات المتحدة استفادة ضخمة من هذه التحولات فقد تلقى اقتصادها استثمارات بمئات المليارات من الدولارات، كما اخترقت شركاتها بنجاح باهر دولا وصناعات جديدة، وبرغم عقدين من غلاء الدولار احتفظت الصادرات الأميركية بموقعها وقد صنفها المنتدى الاقتصادي العالمي بأكثر الاقتصاديات قدرة على المنافسة".هذا الجدل الدائر عندي هنا في الأستوديو حول ما إذا كانت الولايات المتحدة إمبراطورية بالصورة التقليدية أم غير ذلك، كيف سينعكس وضع الولايات المتحدة سواء أتراجعت قوتها في العالم أم تعززت بتصورك؟

عصام دسوقي: شوف يا سيدي، هذا المقتطف من هذا المقال يؤكد ما ذهبت إليه من أهمية السوق الخارجية للاقتصاد الأميركي من أجل السلام الاجتماعي في الداخل حتى لا تنهار الولايات المتحدة من الداخل. أولا أود بس أن أعلق على ما قاله الدكتور فيليب من حيث عدم أهمية السوق الخارجية وأنه هي الولايات المتحدة قوية اقتصاديا، طيب إذا كانت الولايات المتحدة قوية اقتصاديا وأقوى الأقوياء اقتصاديا لماذا لا تبقى في داخل حدودها وتترك العالم حرا يعيش كما يريد؟ أفهم لماذا؟ إذا كانت هي قوية وتكتفي بنفسها دون اللجوء إلى السوق الخارجي وإلى النفط وإلى آخر هذه الأمور تبقى حدودها ويستريح العالم من كثير من المشاكل، هذه هي القضية الرئيسية، لماذا تستخدم سلاح المساعدات للضغط على وفود الدول في الأمم المتحدة لكي تأخذ رأيها في المشكلات السياسية التي تتعلق بالنفوذ الخارجي..

عبد الرحيم فقرا (مقاطعا): طيب، دكتور دسوقي لم يعد أمامنا سوق دقيقتين، ما هو تقييمك الآن للقوة الأميركية على منطقة الشرق الأوسط سواء تراجعت هذه القوة كما سمعنا بعض التنبؤات تقول أم تعززت؟

عصام دسوقي: هي قوة مهيمنة ويساعدها في الهيمنة الأنظمة الموجودة في الشرق الأوسط ويساعدها أيضا شركاؤها في الاتحاد الأوروبي، طالما هذه الثنائية موجودة تبقى الولايات المتحدة أقوى الأقوياء.

عبد الرحيم فقرا: بروفسور بوبيت لماذا لا تبقى الولايات المتحدة داخل حدودها كما تساءل دكتور دسوقي؟

فيليب بوبيت: أنا لم أقل الولايات المتحدة مكتفية ذاتيا، في الواقع النقطة التي أثرتها كانت عكس ذلك تماما، أقول بالمحافظة على عملة مستقرة جدا ونظام تجارة مفتوح، الذي زميلي يعتقد أنه سيحدث على أي حال، بالمحافظة على هذا أدينا إلى ثراء العالم كله وأثرينا أنفسنا أيضا، أعتقد أننا تعلمنا درسا مريرا أن عزل الولايات المتحدة لم يكن مفيدا لنا ولا للعالم كان يؤدي إلى صعود الفاشية والشيوعية الذي أخذ أكثر سنوات العزلة لدينا.

عبد الرحيم فقرا: ما زال أمامي دقيقة بالضبط. ما يقوله فريد زكريا من أن المشكلة في القوة الأميركية ليست الاقتصاد ولكن عدم قدرة النظام السياسي على التأقلم مع التطورات الخارجية. ما رأيك؟

إيفان إيلاند: زميلي على صواب في قوله إن السوق الحر هو الطريق الجيدة للمضي وقد نختلف عن حاجتنا للقوة العسكرية، أما بالنسبة لفريد زكريا ونقطته أعتقد أنه على صواب بشأن ذلك لكن الولايات المتحدة ضعيفة سياسيا الآن كما أنها ضعيفة اقتصاديا فإذا نظرت إلى الموقف المتراجع بالمقارنة مع القوى الأخرى.

عبد الرحيم فقرا: شكرا لك دكتور إيفان أو آيفن إيلاند مدير مركز السلم والحرية وصاحب كتاب "الإمبراطورية عارية، كيف تعرت السياسة الخارجية الأميركية" إيلاند شغل عدة مناصب تابعة للكونغرس، شكرا كذلك للدكتور عصام دسوقي أستاذ التاريخ بجامعة حلوان في مصر وشكرا لك أنت أيضا البروفسور فيليب بوبيت أستاذ فلسفة القانون بجامعة كولومبيا وصاحب كتاب "الإرهاب والإجماع، حروب القرن الحادي والعشرين" شغلت عدة مناصب في إدارات أميركية سابقة كما أنك قريب للرئيس الأسبق على ما أفهم ليندون جونسون. شكرا لكم جميعا أينما كنتم مع تحيات طاقمي البرنامج في الدوحة وواشنطن، إلى اللقاء.