- أسباب صدور التقرير وأثره على إدارة بوش
- الاستسلام ليس خياراً
- اتجاهات الحزب الجمهوري في السياسة الخارجية

عبد الرحيم فقرا
: مشاهدينا في كل مكان أهلاً بكم جميعاً إلى حلقة جديدة من برنامج من واشنطن. في هذه الحلقة، الاستخبارات الأمريكية تقول، إن الحكومة الإيرانية توقفت عن السعي للحصول على سلاح نووي منذ عام 2003، ولكن الجهاز التنفيذي يقول، إن الصورة الأعمّ أعقد من ذلك.

[شريط مسجل]

جورج بوش/ الرئيس الأمريكي: إيران كانت خطرة، إيران لاتزال خطرة، إيران ستظل خطرة إذا توفرت لديها المعرفة الضرورية لصنع سلاح نووي.

[نهاية الشريط المسجل]

عبد الرحيم فقرا: وإدارة الرئيس جورج بوش بين نارين، نار الملف الإيراني ونار اليمين الأمريكي. كيف يُتهم الرئيس الأمريكي بالتساهل مع إيران وبالتخلي عن قيَمه الأيديولوجية الأصلية؟

[شريط مسجل]

جون بولتن/ المندوب الأمريكي السابق لدى الأمم المتحدة: كما كان يقول الرئيس السابق هاري ترومن، المسؤولية تتوقف هنا في البيت البيضاوي. إن الرئيس بوش هو المسؤول في نهاية المطاف، إلا أنها أساس المسؤولية السياسة التي اتبعها كل من كولن باول و كوندوليزا رايس والتي تعاكس غرائز الرئيس.

[نهاية الشريط المسجل]

عبد الرحيم فقرا: أهلاً بكم مرة أخرى. أصدرت الاستخبارات الأمريكية تقريراً جديداً عن الملف النووي الإيراني جاء فيه أن إيران كانت تحاول بناء قدرات نووية عسكرية إلا أنها تخلت عن تلك المحاولات منذ عام 2003. وقد أثار التقرير جدلاً حاداً في واشنطن حول معالجة إدارة الرئيس جورج بوش للملف الإيراني، وحول ما إذا كانت الإدارة تعرف ما جاء في تقرير الاستخبارات الأمريكية أم لا، في ظل تحذيرها من أن إيران تدفع العالم إلى حرب عالمية ثالثة.

[تقرير مسجل]

المعلّق: بعد شهور طويلة من العسر جاء اليسر. أو هكذا يشعر من كانوا يعتقدون، حتى قبل بضعة أيام، أن إدارة الرئيس جورج بوش ذاهبة لامحالة في نهاية المطاف إلى مواجهة عسكرية مع إيران. فالتقرير الجديد الذي صدر عن الاستخبارات الأمريكية يشير إلى أن طهران قد توقفت عن السعي للحصول على سلاح نووي منذ عام 2003. إلا أن إدارة الرئيس جورج بوش رددت بعيد صدور التقرير رسمياً اتهامها للإيرانيين بأنهم يدفعون العالم إلى حافة حرب عالمية ثالثة، وقد جادل الرئيس جورج بوش بأن إيران كانت ولاتزال وستظل تشكل تهديداً للأمن العالمي ومن ثم خيّرها بين أمرين.

جورج بوش: إن أمام الإيرانيين خياراً استراتيجياً، فإما أن يفصحوا للمجتمع الدولي عن الحجم الحقيقي لنشاطهم النووي ويقبلوا بصورة كاملة العرض المطروح لتعليق برنامجهم لتخصيب اليورانيوم والانضمام إلى المفاوضات، أو يواصلوا نهج العزلة التي لاتخدم المصالح العليا للشعب الإيراني.

المعلّق: وكان الرئيس الأمريكي قد شدد مجدداً في وقت سابق على أن كل الخيارات، بما فيها الخيار العسكري، لاتزال مطروحة. فيما اعتبرت جهات أمريكية في الكونغرس، الذي يسيطر عليه الديموقراطيون، أن الخيار العسكري قد انتفى مع صدور التقرير الجديد. أما طهران فقرأت في التقرير تأكيداً لما دأبت على ترديده بأنها تسعى لاكتساب قدرة نووية لأهداف سلمية. وإذ لم يُقنع ذلك كل الجهات، بما فيها بعض الأوربيين الذين يعملون مع الإدارة الأمريكية من أجل تشديد العقوبات على إيران، فقد يشعر منتقدو هذا الموقف أن التقرير الجديد قد وجّه لطمة إلى جهود الإدارة وحلفاؤها في مجلس الأمن.

جوانجيا وانج/المندوب الصيني لدى الأمم المتحدة: أعتقد أن مجلس الأمن سوف يأخذ آثار التقرير في الحسبان، لأننا نفترض الآن أن الأمور تغيرت.

المعلّق: تظل الآن مسألة الموقف الأعم الذي يحرك إدارة الرئيس جورج بوش بدرجات متفاوتة منذ وصوله إلى السلطة، ولو أن ذلك الموقف قد بدا أكثر جلاء بعد هجمات الحادي عشر من أيلول. فإذا كان المشروع الأيديولوجي للإدارة كما أوحى إليها به العديد من أقطاب اليمين، وبخاصة المحافظون الجدد، قد اهتز في أعين العديد من الأمريكيين بسبب ما آل إليه الوضع في العراق، على سبيل المثال لا الحصر، فإن تلك الإدارة تجد نفسها اليوم بين نارين، نار التقرير الاستخباراتي وتداعياته المحتملة على الخيار العسكري ضد إيران، ونار مؤيديها الحاليين أو السابقين الذين كان قد أصابهم التذمر، حتى قبل صدور التقرير، مما يصفونه بتخلي الرئيس جورج بوش عن مبادئه الأصلية ووهن عزمه الأيديولوجي.

جون بولتن: المسألة الحقيقية هي كيف تُعالج قضية انتشار أسلحة الدمار الشامل، وأخشى أن يكون الرئيس بوش في هذا الصدد قد حاد عن مبادئه السابقة.

[نهاية الشريط المسجل]

أسباب صدور التقرير وأثره على إدارة بوش

عبد الرحيم فقرا: وينضم إلي الآن في الاستديو كل من ماثيو ليفيت مدير برنامج ستاين عن الإرهاب والاستخبارات والسياسة في معهد واشنطن، وكذلك البروفسور شبلي تلحمي، مقعد أنور السادات للسلام والتنمية في جامعة ماريلاند، وكذلك البروفسور أسعد أبو خليل أستاذ العلوم السياسية في جامعة كاليفورنيا. أبدأ بك ماثيو ليفيت، تقرير الاستخبارات الأمريكية، هل كان مفاجأة أم أنه فضيحة بالنسبة لإدارة الرئيس جورج بوش؟

"
القضية الحقيقية ليست أن إيران لديها برنامج ناشط في الأسلحة ولكن القضية في برنامج لإنتاج المواد المنشطرة
"
          ماثيو ليفيت

ماثيو ليفيت
: أعتقد أن تقرير الاستخبارات الوطنية كان مفاجأة عندما قال أن البرنامج النووي الإيراني توقف منذ 2003، أنا أعتقد أنه تحول مع ما نحن عليه اليوم، أولاً أعتقد أن الاختبارات الوطنية استنتجت بوجود برنامج سري، الذي دائماً أنكرته إيران. ثانياً أن القضية الحقيقية ليست أن البلد لديه برنامج ناشط في الأسلحة ولكن إذا لديهم برنامج لإنتاج المواد المنشطرة. محمد البرادعي قال أنه في أشهر قليلة إيران يمكنها أن تمتلك القنبلة إذا كان لديها مواد منشطرة. ولكن أفضل جزء في التقرير، وهو تقرير جيد، والذي أفاد أن إيران هو لاعب نشط، وهي متأثرة للضغط السياسي والمالي، وأن المسلك الذي سيأخذه المجتمع الدولي، بما فيه أمريكا، هو المسلك الصحيح.

عبد الرحيم فقرا: الرئيس جورج بوش يقول إنه لم يكن قد اطّلع على تفاصيل التقرير حتى عهد قريب جداً. إذا كنت أنت في موقع الرئيس وجاء عندك رئيس الاستخبارات الأمريكية وقال لدي تقرير فيه معلومات تتعلق بإيران، هل يعقل أنك ستقول، طيب، اذهب وارجع لي بالتفاصيل بعد شهرين، ثلاثة أشهر، أربعة أشهر دون أن تتحرك كرئيس للولايات المتحدة في هذا الملف؟

ماثيو ليفيت: الرئيس لربما لم يطّلع على النسخة النهائية للتقرير إلا منذ وقت أخير، ولكنه كان يحصل على موجز استخباراتي من الهيئات والأجهزة الاستخباراتية. الذي لم نفهمه أن هذا الأمر، أن لاتطّلع على الحيثيات النهائية لايعني أنه لم يكن واعٍ بما كان مُدرجاً في التقرير، هذا مجهود الحكومة أن تصحح الأجهزة الاستخباراتية بعد فشل العراق وأن الأجهزة الاستخباراتية فعلاً حاولت أن تنعزل عن العملية التي بها ثغرات والتي تعود إلى التحليل العميق والصحيح، والآراء من الساسة يُعتمد عليها.

عبد الرحيم فقرا: بروفسور أبو خليل أطرح عليك نفس السؤال، هل ما أثاره هذا التقرير، بتصورك، شكّل مفاجأة بالنسبة للرئيس جورج بوش، أم أنها فضيحة أخرى في سلسلة من الفضائح التي يقول منتقدو إدارة الرئيس جورج بوش أن هذه الإدارة قد تورطت فيها؟

أسعد أبو خليل: هناك عدة إشارات متناقضة في الإعلام الأمريكي حول الموضوع. يُقال لنا، إنه إما في آب أو في أيلول أُخبِر الرئيس عن موضوع استخبارات ومعلومات تتناقض مع ما كان يُقال في داخل البيت الأبيض والإدارة الأمريكية. وهناك سؤال حول ما إذا كان الرئيس عرّض هذه المعلومة لأي نوع من المساءلة. وأنا من المصدقين بأنه لم يفعل ذلك، يعني هذا الرئيس لايتمتع بأي حشرية علمية على الإطلاق، وهو مصاب بعناد مطلق، يعني العقيدة هي أهم بكثير من الوقائع والأدلة الحسية. وهذا ما وسم السياسة الأمريكية والاستخبارات التي اضطرت إلى التماشي مع أهواء الإدارة في الحرب الأمريكية على العراق، وما كان يُسمى بملف أسلحة الدمار الشامل. وفي هذا الموضوع يجب تفكيك الخطاب الرسمي الذي اتبعه الضيف بالنسبة لهذا الموضوع. يعني أنا أقول كيف يمكن لنا، من دون أن نُهين المنطق، بأن نتحدث عن إمكانية ما لدولة إيران في المباشرة بحيازة أسلحة الدمار الشامل النووية في خمس أو ست أو سبع سنوات من دون أن نشير إلى دولة تتمتع بترسانة هائلة من الأسلحة النووية والبيولوجية والكيميائية؟ وأنا أعتقد أن سياسة الإدارة والخطاب الرسمي كان هو في باب التهويل في السنتين الماضيتين، يعني كان من الواضح أن ليس بوسع هذه الإدارة، بسبب أتون الحروب الأمريكية الجارية في أفغانستان وفي العراق، بأن تُقدِم على مغامرة عسكرية جديدة، كانت تحاول أن تخدع حلفاءها من العرب بالإضافة إلى الأوروبيين من أجل تشديد العقوبات التي تصيب الشعب الإيراني كما أصابت من قبل الشعب العراقي. ونحن نقول في العربية، قطع الأرزاق من قطع الأعناق. ولكن يبدو أن المعلومات التي بحوزة الإدارة اليوم، المعلومات الرسمية، تتناقض مع الأهواء. وأنا أقول بأن التسريب المقصود من قِبل 16 من أجهزة الاستخبارات الرسمية كان الهدف منها محاولة تقويض هدف الإدارة لتطويع المعلومات لخدمة الدعاية السياسية.

عبد الرحيم فقرا: طيب، بروفسور شبلي تلحمي، سمعنا العديد من النقاط من البروفسور أبو خليل، إحدى تلك النقاط، يقول أنه بالنسبة لإدارة الرئيس جورج بوش مسألة ما وصفه بأن العقيدة أهم من الوقائع، هل توافق على هذا الوصف في سياق تقرير الاستخبارات الأمريكية عن إيران؟

شبلي تلحمي: أولاً إذا نظرنا إلى هذا التقرير نرى بأنه أحرج الإدارة، حتى ولو لم يكن له أثر مباشر على موضوع هيئة الأمم المتحدة، أحرج الإدارة سياسياً داخلياً. لأن إدارة الرئيس بوش ركّزت على الخطر الإيراني، الناتج عن برنامج الأسلحة النووية، وركّزت عليه كأنه الخطر الأهم الذي تواجهه الولايات المتحدة، فأصبح أولاً العامل الأكبر في هذا التقرير، هو الأثر على السياسة الداخلية، خاصة خلال هذه السنة الانتخابية، فأعتقد أن هذا كان شيء محرج ومفاجئ بالنسبة للرئيس بوش. لا أعتقد أن الرئيس بوش يتصرف بدون التعامل مع الوقائع، ولكن في كثير من الأحيان هناك سياسة، والخطاب السياسي هو خطاب تطبيقي وليس خطاب مبني على المعلومات لأنه تطبيقي. هناك سياسة وكل ما نسمعه هو المطلوب منه أن يحاول إقناع الرأي العام لتأييد السياسة..

عبد الرحيم فقرا: طيب..

شبلي تلحمي: ولذلك.. خليني بس أقول، لحظة واحدة، بالنسبة لهذا التقرير في هذا التوقيت، إذا نظرنا إلى المخابرات الأمريكية خاصة الـ (سي.آي.إيه) ونظرنا إلى التفسيرات عن الحرب العراقية والأخطاء في خوض الحرب العراقية، هناك مواجهة اتهامات كبيرة بالنسبة لفشل المخابرات الأمريكية قبل الحرب العراقية. جهاز المخابرات الأمريكي وخاصة الـ (سي.آي.إيه) لا يتفق مع ذلك، يقولون بأن المعلومات الموجودة كانت محدودة أكثر مما فسرته إدارة بوش، لذلك لن يعملوا نفس الخطأ بالنسبة لإيران، ولذلك بدون شك كان هناك قرار بأن يتخذوا موقف واضح قبل أن يكون هناك أي خطر بالنسبة للحرب مع إيران.

عبد الرحيم فقرا: قبل أن نواصل الحديث عن مسألة الخطر مع إيران، عندما يقول هاري ريد من مجلس الكونغرس، إن هذا التقرير قد صدر عن الاستخبارات الأمريكية بإيعاز منه هو شخصياً، ماذا تقرأ في هذا التصريح؟

شبلي تلحمي: لا أعرف، لا أريد أن أفسر ما يقوله ريد، ولكن حسب رأيي أن الاستخبارات، كما قلت، جهاز الاستخبارات يريد أن يتخذ موقف واضح لأنه لا يريد أن تتكرر الأخطاء التي كانت قبل الحرب مع العراق. هناك تخوفات كبيرة داخل الاستخبارات الأمريكية واضحة، وهناك كثير من الانتقادات الداخلية بالنسبة للموقف الذي اتخذته الاستخبارات الأمريكية والـ (سي.آي.إيه) قبل الحرب العراقية، وأعتقد أن الغالبية يريد أن يتخذ موقف واضح قبل أن يكون هناك أي خطر بالنسبة للحرب مع إيران.

عبد الرحيم فقرا: طيب، ماثيو ليفيت، أعود إليك مرة أخرى، عندما صدر التقرير، تقرير الاستخبارات الأمريكية، مباشرة تحدث ستيف هادلي من البيت الأبيض وكرر مواقف الإدارة من إيران ومن الملف النووي الإيراني، مسألة دفع إيران العالم إلى حرب عالمية ثالثة، وردت مرة أخرى على لسان هادلي ثم على لسان الرئيس جورج بوش، بعد ذلك عاد الرئيس جورج بوش وخيّر الإيرانيين، كما سمعنا في بداية البرنامج. هل تخيير الرئيس جورج بوش للإيرانيين، هل فيه تراجع أو مراجعة للموقف السابق الذي كانت قد أعربت عنه الإدارة؟

ماثيو ليفيت: سياسة الإدارة على مدى السنوات الثلاث تعلقت بشأن تجنب العقوبات، والعصا والجزرة، وعدم معاقبة الشعب، بدل ذلك تبنّي عقوبات مستهدِفة والتي تمس السلوك الغير شرعي، إذا تغير السلوك فإن العقوبات ستتغير، لاأعتقد أن دق طبول الحرب كبير، أعتقد، وأهم ما جاء في هذا التقرير للاستخبارات الوطنية، الخلاصات، وهي إقناع إيران أن تتخلى عن برنامجها النووي في 2003 وذلك راجع للضغط، وما رأيناه هو فعالية الضغط السياسي والاقتصادي، استهداف أركان النظام الضالعين في التعاملات غير الشرعية كالبنوك، لحثهم على تغيير سلوكهم وليس تغيير النظام، وهذا أمر ذو مغزى.

أسعد أبو خليل: من أي دليل أن هذا التقرير عزا التغيير في برنامج التسليح الإيراني إلى مواقف أو سياسة للإدارة الأمريكية؟ يعني هذه محاولة لنيل نوع من المصداقية لاتستحقها هذه الإدارة في هذا الموضوع. التقرير، كما سُرّب إلى الواشنطن بوست والنيويورك تايمز، تحدّث عن تنصّت توصلت إليه أجهزة الاستخبارات مما وصل بهم إلى نتيجة أن إيران توقفت، لسببٍ ما، ولم يُذكر هذا في التقرير، يعني هنا محاولة تأويل مثل بحث في أسباب النزول! يعني لانعلم ذلك. ثم هناك موضوع آخر وهو أن الموقف الأمريكي الحالي، محاولة التنصُّل من الحقائق، وهي أشياء عنيدة كما يُقال، تأتي في وقت لايتمتع فيه الرئيس الأمريكي بما يُسمى بالرصيد السياسي، يعني هناك عدة مواقف ضعف في موقع هذا الرئيس، أولاً هو في سنته الأخيرة، ثانياً نحن في سنة انتخابية رئاسية، حيث الحزب الجمهوري لا ينزع نحو زيادة التوتر في منطقة مليئة بالتوتر مما يصيب الحزب الجمهوري بالضعف الانتخابي، كما حدث في الانتخابات الأخيرة. وثالثاً حتى حلفاء أمريكا في الشرق الأوسط، باستثناء إسرائيل وحلفاء أمريكا في لبنان، لاينزعون نحو سيادة التوتر مع إيران، والقمة الخليجية الأخيرة، بالرغم من أن أنظمة الخليج تؤمَر من قِبل أمريكا فتطيع صاغرة، لكنها لاتبدو بأنها كانت متحمسة لنوع من الحرب مع إيران أو المواجهة، وهذا يفسر قدوم الرئيس الإيراني واصطحابه يداً بيد للملك السعودي في هذه القمة. ورابعاً هناك مسألة التاريخ السياسي القريب لهذه الإدارة، حيث لا تتمتع بالمصداقية في مزاعمها حول مواضيع تتعلق بالأسلحة، وقد التُسع حلفاء أمريكا في أوروبا من هذه المزاعم غير الصحيحة.

عبد الرحيم فقرا: طيب، وردت الإشارة إلى الانتخابات الأمريكية مرتين حتى الآن، بروفسور تلحمي، كنتَ الأول في إثارة هذه المسألة، مسألة الانتخابات. قرأنا في بعض الصحف الأمريكية، خاصة في بعض الأعمدة، تفسيرات معينة لما حصل، بصرف النظر عن تفسير إدارة الرئيس جورج بوش أو تفسير الحكومة الإيرانية والرئيس أحمدي نجاد للتقرير، إنما في هذه الأعمدة،مثلاً سمعنا أن هذا التقرير بنهاية المطاف سيدفع بالرئيس جورج بوش إلى التفاوض مباشرة مع الإيرانيين، وهذه الأصوات تدعو الرئيس جورج بوش بإسداء خدمة للرئيس الأمريكي المقبل بمباشرة مفاوضات مباشرة مع الإيرانيين. ما رأيك؟

"
الرأي العام الأميركي أصبح بسبب التقرير غير محضّر للحرب ضد إيران، والحزب الديمقراطي في حملة الانتخابات أعطاهم سلاحا جديدا لمواجهة حكومة بوش
"
        شبلي تلحمي

شبلي تلحمي
: لا أعتقد أن هناك أي علاقة بين التقرير أولاً وهذه التوقعات، ربما يكون هناك إحياء الحوار مع إيران، هناك حوار بالنسبة للعراق دائم، وطبعاً قبل سنة كان هناك التقرير الناتج عن بيكر هاملتون، تقرير بيكر هاملتون الذي نصح بالحوار مع إيران وربما يقوم الرئيس بوش بهذا، لا أعرف. ولكن بالنسبة لما حصل في الحوار عن البرنامج النووي الإيراني، أعتقد أن خطر الحرب مع إيران انخفض كثيراً خلال الأيام الماضية، لأن الرأي العام الأمريكي، أصبح بالنسبة لهذا التقرير، غير محضّر لهذه الحرب، وثانياً، الحزب الديموقراطي والمرشحين الديموقراطيين في حملة الانتخابات هذه، أعطاهم سلاح جديد لمواجهة حكومة بوش، وخاصة بالنسبة للمصداقية تجاه السياسة الخارجية وتجاه إيران.

عبد الرحيم فقرا: أمامنا أقل من دقيقة ونصف وبما أنني سأودّعك في نهاية هذا الجزء أعطيك الكلمة الأخيرة في هذا الجزء، هل إدارة الرئيس جورج بوش في ورطة سياسية بسبب هذا التقرير؟

ماثيو ليفيت: لا أعتقد أن أي بلد في العالم سيذهب بشكل مُتعمَّد لرفع السريّة عن بعض التقارير، وخاصة في هذه البيئة التي ستصعِّب الأمور أكثر على الرئيس. ويتعلق الأمر، يقول الكثير عن الشفافية في النظام الأمريكي وعلى الإصلاحات التي مرت بها الأجهزة الاستخباراتية. أعتقد أن، كما أشار شبلي، هذا يجري في بيئة سياسية حيث أن الإدارة تتمتع بمستوى قليل من المصداقية، وهذا سيعزز من مصداقية الأجهزة البيروقراطية الأمريكية وليس الإدارة نفسها. وأنا مسرور أنه رُفع عنه السرية، خاصة أعتقد أنه يوضّح بشكل جليّ أن الانخراط السياسي والضغط الدبلوماسي هو الطريق. وقلت أنه الذي سيحث إيران على وقف برنامجهم هو الضغط وليس أكثر.

عبد الرحيم فقرا: ماثيو ليفيت مدير برنامج ستاين عن الإرهاب والاستخبارات والسياسة في معهد واشنطن، شكراً وأودّعك في نهاية هذا الجزء، على أنني سأحتفظ بكل من البروفسور شبلي تلحمي والبروفسور أسعد أبو خليل للجزء الثاني. إلى اللقاء بعد لحظات.



[فاصل إعلاني]

الاستسلام ليس خياراً

عبد الرحيم فقرا: أهلاً بكم مرةً أخرى. كثيراً ما يشبّه الغربيون السياسة في الشرق الأوسط بأنها متقلّبة تقلّب رمال الصحراء، فماذا عن السياسة في الولايات المتحدة؟ إذا كان سفير واشنطن السابق لدى الأمم المتحدة جون بولتن قد اشتهر بولائه لليمين الأميركي كما جسّدته إدارة الرئيس جورج بوش، فإنه يشتهر حالياً بانتقاداته اللاذعة لتلك الإدارة، التي يقول بولتن في كتابه الجديد، (الاستسلام ليس خياراً)، الدفاع عن أميركا في الأمم المتحدة وفي الخارج، إنها لم تعد وفيةً لمبادئها الأصلية في مختلف الملفات بما فيها كوريا الشمالية وإيران والصراع بين العرب وإسرائيل. في لقاءٍ خاص مع الجزيرة بدأ بولتن بشرح عنوان كتابه.

جون بولتن: أساساً هذا العنوان يتكلم عن هزم بانيوارا في 1964، وحللت ما اعتقدت أنه معاملة غير سيئة لرجلٍ جيد. وتكلمت عن أسوأ هزيمة بالنسبة لتاريخ أميركا، فاستنتجتُ بالنسبة لي أن الاستسلام ليس خيار، لذلك العنوان يتعلق بتجربتي في السياسة.

عبد الرحيم فقرا: نرى أحياناً بعض التفسيرات للعنوان بالذات، على أنه يتعلق، ليس بك أنت شخصياً، ولكن بمصير الولايات المتحدة. هل هناك أي شرعية لتفسير هذا العنوان بهذه الطريقة؟

جون بولتن: نعم إنها فكرة جيدة وتمنيت لو فكرتُ فيها، ولكن أعتقد أنها تعكس أهمية توكيد الولايات المتحدة لقيمها ولمصلحتها في العالم لا أن تتخلى عن هذه القيم الأساسية.

عبد الرحيم فقرا: سيدي السفير، أريد أن أبدأ النقاش من نهاية الكتاب، من بعض الاستنتاجات التي خَلُصتَ إليها في نهاية الكتاب. تقول في إحدى هذه الاستنتاجات، "بسبب موقعها تتعرض إسرائيل للتهديد الإرهابي يومياً تقريباً، وتواجه حماس وحزب الله وجماعاتٍ إسلامية إرهابية أخرى، ناهيك عن كونها ضمن مدى الصواريخ الإيرانية. وقد استولت حماس الآن على السلطة في غزة، ما نتج عنه تشرذُم في السلطة الفلسطينية، تاركةً الإرهابيين السابقين من فتح ليحكموا الضفة الغربية. أما حزب الله فإنه قريب من الإطاحة بالحكومة الديموقراطية في لبنان. فيما تندرج سورية بصورةٍ متزايدة تحت سلطة إيران. وبالنظر إلى هذا الواقع، فليس هناك أي منطق في حمل الولايات المتحدة على دفع إسرائيل إلى اتفاقيات سلام مع جيرانها العرب المتبقين، أو للاعتقاد بأن الحوار حول هذه القضايا سيكون له أثر على الصراعات المتعددة الأخرى في الشرق الأوسط". بالنظر إلى مؤتمر أنابوليس الأخير، هل تعتقد أن ما قلتَه في هذا الاستنتاج أصبح أكثر صحة أم أن الأمور قد تغيّرت؟

جون بولتن: أعتقد أنه من غير المرجّح أن أي شيء ذو مضمون سيخرج عن ذلك المؤتمر. عادةً في الدبلوماسية تكون هناك اتفاقاتٍ ذات مضمون، تتبعها تغطية في الكاميرا والتلفزيون. هنا تغطية في التلفزيون، والآن علينا أن نتأمّل سيكون هناك مضمون يخرج من هذا المؤتمر، ولكن لإحراز تقدّم، الإسرائيليين والفلسطينيين فيما يخص في نزاعهم، عليهم أن تكون هناك الظروف الموضوعية التي تبعث الثقة في إحراز التقدّم، ولا أرى هذه الأمور متوفرة. نرى حكومة إسرائيلية ضعيفة، والكثير منها تتوقع أنها ستخسر في الانتخابات المرتقبة. ومن الناحية الفلسطينية، السلطة الفلسطينية هي الآن على وشك الانهيار، وحماس بسطت سلطتها على غزة والضفة الغربية، ولكن ما من وجود شخصٍ في موقع سلطة ليقدم التزامات أو يفي بها من الناحية الفلسطينية. في إطار هذه الظروف لا أرى البيئة السياسية التي ستؤدي إلى، فعلاً، تقدّم ذو مضمون. أعتقد، من الناحية الثانية، هناك ما يجعلنا نخشى، ليس فيما يخص تباطؤ المفاوضات الإسرائيلية والفلسطينية بتزايد نفوذ إيران في سوريا، وعبر تمويلها لحزب الله وحماس وعبر أنشطتها في العراق وأفغانستان. وأعتقد أن بعض الناس يعتقدون أنها النتيجة التي تنبثق من أنابوليس، هناك سبب لنشعر بالخوف، بأن إيران في مسار إسرائيل، وأعتقد أن هذا أمرٌ يجب أن تفكر فيه المنطقة بشكل جدّي.

عبد الرحيم فقرا: لكنك تقول في الكتاب كذلك، أنه حتى إذا قبل الإسرائيليون أنفسهم بالتفاوض بشأن اتفاقيات سلام مع العرب، فلا يتعيّن على الولايات المتحدة بالضرورة أن تخوض في غِمار تلك الاتفاقيات، بالنظر إلى هذا الواقع القائم، الذي وصفتَه في كتابك.

"
التجربة التاريخية تثبت أن أفضل طريقة لإبرام الاتفاقيات وحل القضايا، هي وضع الطرفين المتنازعين في قاعةٍ واحدة وإقفال الباب عليهما
"
         جون بولتن

جون بولتن
: أعتقد أن هناك حجة قوية مفادها أن مشاركة الولايات المتحدة لن تؤدي إلى وصول الأطراف إلى اتفاق. أذكرُ في ظل إدارة بوش 41 عندما وزير الخارجية بيكر قال، لن يمكننا أن نحصل على السلم أو نحرص على السلم أكثر من الأطراف. أعتقد أن انخراط الولايات المتحدة بشكلٍ نشط ينزع حِملاً عن الطرفين. بوجود الولايات المتحدة في الوسط، كلٌّ من الطرفين يقول أن المسؤولية في تقديم التنازلات هي تعود لشخصٍ آخر أو لطرفٍ آخر. هذا هو نوع الوضع الذي بدون شك يخلق صعوبة، وهناك قضايا صعبة بين الطرفين. وأعتقد أن التجربة التاريخية تثبت أن أفضل طريقة لإبرام الاتفاقيات وحل القضايا، هي وضع الطرفين في قاعةٍ واحدة وإقفال الباب عليهما ونرى ماذا سيحدث. لا أعتقد أن الانخراط النشط أو المتقدّم للولايات المتحدة هو يأخذ الأطراف في اتجاه اتفاق، أعتقد أن الولايات المتحدة تقدّم حلولاً لردم الهوّة ودور، ولكن الخطأ من الناحية الدبلوماسية في التفكير أننا بحاجة إلى الانخراط. الأمريكيين عليهم أن يكونوا.. من الأفضل أن الفلسطينيين والإسرائيليين أن يجلسا مع بعضهم البعض، كما قال رئيس الوزراء أولمرت والقيادات الفلسطينية، وكما قاموا في السابق وفي الأشهر الماضية.

عبد الرحيم فقرا: عندما تتحدث في الكتاب، السيد السفير، عمّا يجب أن يكون عليه الموقف الأمريكي من الصرامة إزاء العديد من القضايا، كإيران مثلاً. في القضية الإيرانية تقول إن إدارة الرئيس جورج بوش قد أضاعت كثير من الوقت على مدى السنوات الأربع الماضية في التفاوض أو محاولة التفاوض مع الإيرانيين. ماذا تقصد بذلك؟ وماذ تقترح أنه كان يتعيّن على الإدارة أن تقوم به إزاء إيران؟

جون بولتن: الولايات المتحدة، لقد فوّضت القضية لبريطانيا وفرنسا والاتحاد الأوروبي، التي نسمّيها الترويكا الأوروبية، وهم يحاولون التفاوض مع إيران وجعلها تتخلّى عن سعيها للحصول على الأسلحة النووية ببعض المطبّات. موقف إيران، قالت أنها لن تتخلى عن أنشطتها للتخصيب. ما جرى على مدى الأربع السنوات الماضية للمفاوضات أن إيران كسبت وقتاً. الوقت لا يُعوّض لا بالمال ولا بغيره، الوقت يساعد الذي يريد نشر الأسلحة كما هو حال إيران، واستخدمت تغطية المفاوضات والوقت، كما أشار إليه حسن روحاني المفاوض السابق، استخدم تغطية المفاوضات لتحسين قدرات إيران على تخصيب اليورانيوم. بالقيام بذلك المجهود الأوروبي بالمفاوضات الآن وضع حداً للخيارات التي نمتلكها لمنع إيران من الحصول على الأسلحة النووية، القدرة التي أساساً ستؤثر على توزيع السُّلَط في المنطقة وميزان القوى وتهدّد الكثير من الدول العربية في جوار إيران.

عبد الرحيم فقرا: هذا التراجع في الصرامة إزاء إيران، كما تصفه في كتابك، مَن المسؤول عن هذا التراجع في الصرامة، هنا في واشنطن؟ هل هو الرئيس جورج بوش أم نائب الرئيس ديك تشيني أم وزيرة الخارجية كوندوليزا رايس؟ من المسؤول؟

جون بولتن: كما قال الرئيس ترومان، الكلمة الأخيرة تعود للرئيس. أساساً الرئيس هو من يتحمل المسؤولية. وهذه هي أساساً السياسة المتّبعة من قِبل الوزراء، باول ورايس، والتي في كثيرٍ من جوانبها تعارض حدس الرئيس، وهذا مثالٌ تقليدي أن الدبلوماسية لا تأتي مجاناً، هناك ثمنٌ يأتي معها، ثمن مضيعة الوقت الذي استفادت منه إيران. من وجهة نظر أولئك الذين لا يودّون رؤية إيران بأسلحة نووية، فإننا أهدرنا الكثير من الوقت، ما يتركنا بخياراتٍ محدودة وغير مغرية.

عبد الرحيم فقرا: معنى ذلك، أنك كما تشير في الكتاب، لا تعتقد أن الإدارة الأمريكية بشكل عام تعتقد أنها لم تعد وفية للمبادئ التي كانت، والتي كان مسؤولون من أمثالك يعتقدون أن الإدارة الأمريكية يجب أن تتحرك بموجبها في السياسة الخارجية. هل تعتقد أن إدارة الرئيس جورج بوش قد تخلّت عن مبادئ من يُوصفون بالمحافظين الجدد؟

جون بولتن: لا أقول أنهم تخلّوا عن صف أو مبادئ المحافظين الجدد. أعتقد أن المحافظين الجدد هم مجموعة ليست منسجمة، أنا لست منهم داخل الإدارة ولكنني أحترم آراءهم. ولكن ما انعطف عليه الرئيس وعن مبدأ الذي سبقه هو في بعض الأمور التي بنى حملته عليها وفي مواجهة خطر انتشار الأسلحة والتي عبّر عنها في الحملة الانتخابية الأولى والتي تُسمّى الاستراتيجية القومية. وما يعني أنه يترك أصدقاءه وحلفاءه لخطر الدول المارقة وخطر الأسلحة النووية أو مسألة أن هذه الأسلحة تقع في أيدي الإرهابيين التي يمكن أن ستحصل لو أن مجموعات راديكالية وصلت إلى الحكم في باكستان، أو أن إيران أعطت أسلحتها للقاعدة أو حزب الله أو إرهابيين آخرين.

عبد الرحيم فقرا: هل يمكن أن نستنتج من هذا الكلام، ومن العديد من الأمثلة التي سردتها في كتابك، (الاستسلام ليس خياراً)، أن ما يُسمى بإيديولوجية المحافظين الجدد قد انتُكست انتكاسة شبيهة بالانتكاسة التي كان قد مُنِيَ بها اليمين في الولايات المتحدة قبل رونالد ريغان، كما تصف ذلك في كتابك؟

جون بولتن: أعتقد أن المحافظين الجدد لديهم رأي خاص ورؤيا خاصة عن أهمية نشر الديموقراطية حول العالم. هناك نكتة تُقال هنا أن المحافظين الجدد هم ليبراليون غيّرهم الواقع، بينما محافظون آخرون يتمسكون بالمصلحة القومية وأنا أقع في تلك المجموعة والخانة، أؤمن بالديموقراطية ولكن اعتقادي أقل بأن الديموقراطية ستنجح بمسألة، فقط، الانحسار في إجراء انتخابات والقبول بذلك. أعتقد أن هذا كان مصدر جدل داخل الجمهوريين والرئيس ما زال محافظاً جديداً، والقضية هي كيفية التعاطي مع انتشار الأسلحة، أسلحة الدمار الشامل، وهنا أخشى أن الرئيس انعطف أو حاز عن مبادئه في الأول.

عبد الرحيم فقرا: هل تعتقد، بناءاً على ذلك، أن المحافظين الجدد قادرون على إعادة صياغة الرسالة الإيديولوجية لهذه المجموعة، في المستقبل، ليس بالضرورة فيما تبقى من إدارة الرئيس جورج بوش؟

جون بولتن: أعتقد السنة القادمة ستكون انتخاباتٌ حاسمة بالنسبة للولايات المتحدة ولباقي العالم. أعتقد أن الأمن القومي يجب أن يكون على رأس الأولويات بالنسبة للمنتَخِبين، كما هو حال أو رغبة المرشحين، كما حال صياغة الجدال في الانتخابات الأولية في مؤتمر كوكس، وسنرى بعد أن يختار الحزبان الرئيسان المرشح الرئيسي وهذا سنراه بتقدّم الانتخابات واقترابها، سنرى هذه الأمور تتوضّح لنا.

عبد الرحيم فقرا: سيد السفير لدي سؤال أخير. في كتابك، (الاستسلام ليس خياراً)، تقتبس من العديد من الشخصيات والمفكّرين والزعماء والدبلوماسيين. أحد هؤلاء هو الماريشال فيرديناند فوش الفرنسي في نهاية الحرب العالمية الأولى. تقتبس كلامه، mon sene trop séde,ma droit trop cule, situation excellent; j'' attaque وسطي يتنازل، يميني يتراجع، وضع رائع، أهاجم. ما معنى ذلك؟

جون بولتن: يبدي وضعاً بالنسبة للماريشال فوش وهي توزيع قواته التي كانت مبعثرة ولقد تحرّك بشجاعة وبتقدّم بدلاً من التنازل والتخاذل والانحدار والانهزام، وهذا أفضل طريقة في الدفاع عن أميركا في مصلحتها. واخترتُ اقتباساً من فوش لأبدي أن هذه الروحانية ليست فقط روح أميركية.

عبد الرحيم فقرا: وليست هناك أي مفارقة في أن يقتبس شخص مثلك من الفرنسيين في هذه الظروف؟

جون بولتن: لا. أعتقد كانت لي علاقة طيبة جداً مع فرنسا في ظل رئاسة بوك وأنا سأحاول تعزيزها بصفتي مواطن خاص.

عبد الرحيم فقرا: السيد السفير شكراً جزيلاً.

جون بولتن: Thank you very much

عبد الرحيم فقرا: السفير الأمريكي السابق لدى الأمم المتحدة جون بولتن. بعد الاستراحة نعود إلى المقابلة وإلى مسألة المحافظين الجدد.



[فاصل إعلاني]

اتجاهات الحزب الجمهوري في السياسة الخارجية

عبد الرحيم فقرا: أهلاً بكم إلى الجزء الثالث والأخير من هذا البرنامج، في ظل مختلف التطورات السياسية والأيديولوجية التي شهدتها الولايات المتحدة في السنوات القليلة الماضية، متمثلةً في صعود المحافظين الجدد وهبوطهم، وكذلك في ظل الانتقادات التي سمعناها في المقابلة السابقة مع السفير جون بولتن، أين تقف أيديولوجية المحافظين الجدد؟ يسعدني أن أرحب مجدداً بالبروفيسور أسعد أبو خليل أستاذ العلوم السياسية في جامعة كاليفورنيا، وبالبروفيسور شبلي تلحمي من جامعة ميريلاند. بروفيسور أسعد أبو خليل، جون بولتن تحدث عن الكثير من القضايا، بالنسبة لعملية السلام قال إنه لا يرى أيّ جدوى في تدخل الولايات المتحدة في عملية السلام، حتى وإن قبل الإسرائيليون، لأسباب تخصّهم، التفاوض مع العرب ، ما رأيك بذلك؟

أسعد أبو خليل: يعني هذا ليس موقف جديد ، هناك نحو ثلاث اتجاهات داخل الحزب الجمهوري بالنسبة للسياسة الخارجية، ويخطئ الإعلام العربي عندما يختزل هذه الاتجاهات باتجاه واحد هو المحافظين الجدد. هناك اتجاه المحافظين الجدد، وهو معروف للرأي العام العربي وقد كُتِب عنه الكثير. وهناك اتجاه آخر وهو الأصولية المسيحية والتي تتمتع بنفوذ هائل في ظل هذه الإدارة وفي ظل من يأتي من الحزب الجمهوري إذا ما أتى رئيس جمهوري، وهو طبعاً شديد المُناصرة بالنسبة لموضوع إسرائيل ولا يختلف مع كلام جون بولتن بالنسبة للّجوء إلى خيار الحروب الإسرائيلية والأمريكية ضد، ليس فقط الفلسطينيين، وإنما ضدّ لبنان وسورية أو بعض لبنان وسورية وإيران. الاتجاه الثالث، هو الاتجاه المحافظ التقليدي والذي كان ينزع تاريخياً نحو ما يُسمى بالانعزالية في السياسة الخارجية الأمريكية. من المبكر.. نفوذ المحافظين الجدد فهم لا يزالون يتمتعون بشيء من النفوذ في داخل هذه الإدارة ، ومن الخطأ أن نقول بأن كائناً من يأتي في الرئاسة الأمريكية سيقضي على نفوذ المحافظين الجدد، فهم، يجب على الرأي العام العربي أن يعرف، موجودون بقوة في داخل، مثلاً الحملة الانتخابية لرودي جولياني، وبعض آراءهم تصبّ في داخل الحملة الانتخابية لجون مَكين في الحزب الجمهوري، كما أن الحزب الديمقراطي يعني.. يتفق مع بعض آراء المحافظين الجدد بالنسبة للموضوع الإسرائيلي ، أما بالنسبة لما قاله، فهناك أكثر من مفارقة ، المفارقة الأولى أن هذه المقابلة تمّت قبل صدور تقرير الاستخبارات الأمريكية..

عبد الرحيم فقرا: بالفعل.

"
ما قالته الاستخبارات الأميركية حول أسلحة الدمار الشامل في العراق كتب في صحيفة واشنطن بوست داعياً لنا بألا نصدق ما تقوله الاستخبارات عما يُسمى الأسلحة النووية في إيران
"
        أسعد أبو خليل

أسعد أبو خليل
(متابعاً): الذي دحض كل ما قاله في سياق المقابلة. وهذا الرجل الذي أرادنا أن نصدق في عام 2003 ما قالته الاستخبارات الأمريكية حول أسلحة الدمار الشامل في العراق التي لم تكن موجودة، كتب اليوم في صحيفة واشنطن بوست داعياً لنا بأن لا نصدق ما تقوله أجهزة الاستخبارات عن ما يُسمى بالأسلحة النووية في داخل إيران.

عبد الرحيم فقرا: طيب ، بروفيسور شبلي تلحمي، في ظل التقرير الذي صدر عن الاستخبارات الأمريكية، إلى أيّ مدى، بالنظر إلى أنهم دفعوا إلى حرب العراق وكانوا يدفعون إلى حرب إيران ، إلى أي مدى يُعتبر التقرير انتكاسة للمحافظين الجدد؟

شبلي تلحمي: التقرير لن يؤثر على المحافظين الجدد بشكل عام، المحافظين الجدد خسروا بعد الفشل الأمريكي في العراق، هذا العامل الأهم، وحتى إذا نظرت إلى.. وسمعت ما قاله جون بولتن، قال أنا لست من المحافظين الجدد، يعني لا يريد أن يكون من بين الفاشلين، يعني لا يركّز مثلاً على نشر الديموقراطية كما يركّز عليه المحافظين الجدد، بولتن بالذات يركّز على استعمال القوة في السياسة الخارجية. أعتقد أن هناك تيارات أخرى ، هناك تيار رابع في الحزب الجمهوري، هو تيار المحافظين الواقعيين ليسوا المحافظين الجدد، وهذا يمثله الرئيس نكسون والرئيس بوش الأول الأب..

أسعد أبو خليل: التقليدي.

شبلي تلحمي: التقليدي، وهؤلاء يركّزون على مصالح الولايات المتحدة كما يفسرونها، ونرى أن هذا التيار هو التيار القوي حالياً في الحزب الجمهوري، على الرغم من الوضع الانتخابي على المستوى الشعبي، ولكن على مستوى التيار الموجود في الكونغرس والتيار الموجود في الحزب الجمهوري هناك تركيز على الواقعية، رجوع إلى المحافظيين التقليديين. المحافظين الجدد فشلوا، فشلوا ليس فقط بالنسبة لفشل الديموقراطية ونشر الديموقراطية كما هو واضح في الشرق الأوسط، ولكن بالنسبة لاستعمال القوة، يركّزون على استعمال القوة، نرى أن اسم ..عنوان الكتاب، لا للاستسلام، والاستسلام ليس هو حل، معنى ذلك _ لا أحد يقبل الاستسلام إن كان أمريكياً أو عربياً، يعني هذا مشروع _ ولكن الربط بين الدبلوماسية والاستسلام، المفاوضات والاستسلام، الأخذ والعطاء والاستسلام، التنازلات والاستسلام، طبعاً هذا غير معقول، يعني التركيز كأن الخيار بين الاستسلام واستعمال القوة. و أرى بأن الوضع في الرأي العام الأمريكي، والوضع على مستوى الكونغرس الأمريكي، جمهورياً وديموقراطياً، هو أن الولايات المتحدة لا زالت دولة قويّة بإمكانها أن تفعل الكثير، ولكنها لن تتمكن من النجاح إذا استعملت القوة في كل المواضيع. هناك رجوع إلى تفهّم الحاجة إلى الدبلوماسية، الحاجة إلى المفاوضات، الحاجة إلى التعاون مع الآخرين، الحاجة إلى المنظمات الدولية، الحاجة إلى الحلفاء، لا أعتقد أن هذا سيتغير. في هذا الموضوع فشل البرنامج، برنامج المحافظين الجدد، لا أقول أن ليس من رجوع في هذا الموضوع في المستقبل، ولكن على المدى القصير لا أرى في ذلك رجوع. أقول، بالنسبة لاستعمال القوة، هناك خطر، مثلاً، هناك تركيز دبلوماسي تركّز عليه وزيرة الخارجية الأمريكية كونداليزا رايس، وأعتقد أنها تعني ما تقول، مهتمّة في هذا الموضع، إذا فشل موضوع الدبلوماسية، وربما الكثير يقولون أن احتمال الفشل أكبر من احتمالات النجاح، سوف يكون هناك، كما سيكون في الشرق الأوسط، التركيز على الاحتمالات العسكرية، والاحتمالات المتشددة، سوف يكون هناك رجوع إلى حدٍ ما إلى التركيز على سياسة لا تعتمد على الدبلوماسية في حل النزاعات في الشرق الأوسط.

عبد الرحيم فقرا: طيب أريد أن أعود إلى نقطة ألمحَ إليها البروفيسور أبوخليل، وهي مسألة المحافظين الجدد في أفق ما بعد الانتخابات، وعلاقة الأيديولوجية، أيديولوجية المحافظين الجدد، ليس بالجمهوريين ولكن بالديموقراطيين كذلك. هل ترى أي فرق في علاقة المحافظين الجدد بالجمهوريين وبالديموقراطيين؟

أسعد أبو خليل: يعني هناك بعض الفروقات، وطبعاً هناك عوامل سياسية، يعني ليس هناك من سياسي جمهوري أم ديموقراطي يودّ أن يرتبط اسمه أو اسمها بالفشل الذريع، كما هو حاصل اليوم في المشروع الأميركي في العراق وفي العالم العربي. وأنا لست من المصدقين أو المصدقات بأن المحافظين الجدد كان في نيّتهم الصادقة نشر ما يُسمى بالديموقراطية في العالم العربي، كانت الحسابات حسابات سياسية، بأنه لو أتيح للشعب الفلسطيني أن يختار فهو سيختار من تلقاء نفسه من يرغب به بوش، كما كانت رغبتهم في ذلك في العراق، كانوا يتوقعون بأن الشعب العراقي من تلقاء نفسه سيختار هؤلاء الوافدين مع جحافل الجيش الأميركي مثل أحمد الشلبي وغيرهم الكثيرين، ولكن هناك بعض الآراء والأفكار التي مرغوب بها من قِبل المحافظين الجدد التي لن تختفي من الواجهة السياسية في التعاطي الأميركي مع الشرق الأوسط..

عبد الرحيم فقرا (مقاطعاً): سواء كانوا جمهورين أو ديموقراطيين.

أسعد أبو خليل: جمهوريين كانوا أو ديموقراطيين، الأول هو ما يُسمى بمسيرة السلام، ولو كان عمرو موسى صادقاً مع نفسه لالتزم بما قاله قبل سنة، بأنها ماتت وطُمرت بالتراب. واحد، إن ما تودّ الولايات المتحدة أن تقوم به في ما يُسمى بمسعى السلام، هو دائماً يعتمد على أولويّة مصالح إسرائيل عسكرياً واقتصادياً. ثانيأً، أن أميركا تولّي مصلحة حلفائها والأنظمة العربية الموالية لأمريكا على أيّ من المبادئ الأخرى، ديموقراطية كانت أو غير ديموقراطية. وثالثاً، أن الإدارة الأمريكية لن تلغي من الحسبان الخيار العسكري في التعاطي مع الأنظمة المختلفة مع مشيئتها.

عبد الرحيم فقرا: وبه ننهي هذه الحلقة من برنامج من واشنطن، شكراً للبروفيسور أسعد أبو خليل أستاذ العلوم السياسية في جامعة كاليفورنيا، وللبروفيسور شبلي تلحمي، مقعد أنور السادات للسلام والتنمية في جامعة ميريلاند. إلى اللقاء.