- الشرق الأوسط الجديد وملامح الحقبة الجديدة
- حرب العراق وأثرها على السياسة الأميركية
- مستقبل السياسة الأميركية بعد فوز الديمقراطيين

حافظ المرازي: مرحباً بكم معنا في هذه الحلقة من برامج من واشنطن، ماذا بعد فوز الديمقراطيين في انتخابات الكونغرس الأميركي وما تبقى من رئاسة جورج دبليو بوش للولايات المتحدة ومجموعته خصوصاً بعد خروج أحد أضلاعها الرئيسيين دونالد رامسفيلد؟ فقد كان فوز الديمقراطيين بغالبية مجلس النواب كان شيئا متوقعا حسب استطلاعات الرأي العام الأميركية وكما ناقشناها في حلقة الأسبوع الماضي، لكن فوز الديمقراطيين أيضا بمجلس الشيوخ ولو بغالبية بسيطة هي عضو واحد كان أمرا غير متوقع وكان أيضا رسالة سمعها البيت الأبيض في استفتاء.. اُعتبرت هذه الانتخابات بأنها استفتاء على سياسة الرئيس بوش وإدارته في العراق رغم أن الانتخابات النيابية غالبا ما تركز على القضايا الداخلية لم يكن الأمر كذلك، الرسالة التي تلقاها الرئيس بوش تجاوب معها فورا بإعلان استقالة وزير دفاعه دونالد رامسفيلد ولتعينيه لروبرت غيتس وزيرا للدفاع والذي شغل من قبل منصبين في حكم رئاسة والده جورج بوش الأب كنائب لمدير أو لمستشار الأمن القومي ومديرا لوكالة المخابرات المركزية الأميركية (CIA)، بالطبع روبرت غيتس هو عضو في مجموعة دراسة العراق ولكنه استقال منها حتى لا يكون هناك تعارض في المصلحة، سنتحدث بالطبع في هذه الحلقة عن عدة موضوعات لكن التركيز هو عن هل هناك شرق أوسط جديد أيضا مثلما هناك فعاليات وآليات جديدة في السياسة الأميركية بعد فوز الديمقراطيين؟ هل بالفعل حرب العراق والإخفاق الأميركي في حرب العراق يمكن أن يعني متغيرات جديدة في المنطقة؟ الرئيس بوش التقى اليوم الاثنين برئيس الوزراء الإسرائيلي الزائر إيهود أولمرت الذي كان أول زوار واشنطن بعد هذه الانتخابات والذي تحدث في لقاءه مع الرئيس بوش عن عدة موضوعات أبرزها كان إيران واللغة لم تتغير من الزعيمين بشأن إيران والمطالب الأميركية منها وعدم السماح بأن تكون قوة نووية، الحديث عن سوريا ولا يوجد أي جديد مثل انفتاح أو مفاوضات واستئناف لمفاوضات سورية إسرائيلية كما كان يعتقد البعض بأن واشنطن ربما تكون حجر عثرة في أن تقبل إسرائيل بذلك، أولمرت من جانبه قال بأنه غير مستعد لذلك في الوقت الحالي وعلى الجانب الفلسطيني ترديد لعبارات سابقة، فهل من جديد بالفعل؟ أيضا البيت الأبيض والرئيس بوش التقى بمجموعة دراسة العراق التي يترأسها وزير الخارجية الأميركي الأسبق في عهد والده وهو جيمس بيكر ومعه لي هاملتون الزعيم الديمقراطي السابق في الكونغرس الأميركي، لكن الرئيس بوش لم يشأ أن يفصح كثيرا عن توصيات هذه المجموعة وهذه اللجنة والتي تمت في اجتماع مغلق لكنه أثنى على ما سمعه خلال الاجتماع في انتظار أن تعلَن التوصيات فيما بعد، سنتحدث في هذه الحلقة مع مستشار الأمن القومي الأميركي الأسبق في عهد الرئيس كارتر الديمقراطي سبيغيو برجينسكي الذي كنت قد تحدثت معه في مكتبه من قبل حول العديد من الموضوعات خصوصا أنه يرى بأن هناك تفاعلات جديدة في المنطقة بالمثل، إنه يشبّه حرب العراق الأخيرة بحرب السويس عام 1956، الأولى أخرجت بريطانيا وفرنسا بنفوذهما من المنطقة هذه المرة ربما النفوذ الأميركي، هذه التعبيرات قد لا تكون غريبة على الأسماع خصوصا لمَن قرؤوا العدد الأخير من مجلة فورين أفيرز الدورية الأميركية المعنية بالشؤون الخارجية، هناك مقال مهم لريتشارد هاس رئيس مجلس العلاقات الخارجية الأميركية وهو ضيفنا في بداية هذه الحلقة بعنوان الشرق الأوسط الجديد، سنتعرف منه عن هذا الشرق الأوسط الجديد كما ستكون لنا فرصة لنستمع إلى وجهة نظر عربية في تلك الأحداث مع الدكتور عماد الدين شاهين أستاذ العلوم السياسية بجامعة هارفرد الذي سينضم إلينا من هناك، دكتور هاس دعني أرحب بك معنا في البرنامج، بالطبع دكتور هاس كان له من قبل معرفة رئاستي بوش الأب وبوش الابن مدير لبرنامج والشرق الأوسط في مجلس الأمن القومي الأميركي لدى بوش الأب في الفترة الحاسمة لحرب الخليج الأولى وأيضا أنت كنت مدير التخطيط السياسي لوزارة الخارجية الأميركية في الفترة الأولى للرئيس الحالي بوش وكنت أول ربما من خرجوا من هذه الإدارة في عام 2003، لا أعتقد أنك نادم على خروجك المبكر؟


الشرق الأوسط الجديد وملامح الحقبة الجديدة

ريتشارد هاس – رئيس المجلس الأميركي للعلاقات الخارجية: لن أجيب على هذا السؤال.

حافظ المرازي: إذاً لننتقل إلى سؤال آخر ربما تستطيع أن تجيب عليه، أولمرت التقى مع الرئيس بوش اليوم، البعض كان لديه آمال كثيرة، البعض كتب في الواشنطن بوست جاكسون ديل وغيرهم يتمنون أشياء لكن لم نسمع أي جديد، هل هذا يتفق مع رؤيتك التي ربما أقول متشائمة لأي تحرك على جبهة عملية السلام وأنت من مهندسي مؤتمر مدريد بعد حرب العراق الأولى؟

ريتشارد هاس: لا أعتقد أنه واقعي أن نتوقع أنه بالضرورة كنا لنسمع عن شيء جديد اليوم لأن هذا ببساطة كان اللقاء الأول بين الرئيس بوش ورئيس الوزراء أولمرت بعد أن عانا كلا الرئيسين تراجع، أولمرت بسبب ما حدث في لبنان وبوش بسبب ما حدث هنا الأسبوع الماضي في الولايات المتحدة، إذاً من السابق لأوانه أن نسبق، هناك الكثير من النقاش عن إمكانية وأركز على كلمة إمكانية أن يكون هناك عملا دبلوماسيا بين سوريا وإسرائيل، هذا ممكن والإسرائيليون يتطلعون إلى إمكانية بينهم وبين الفلسطينيين أيضا وهم يأملون أنه ربما يكون هناك نوع من حكومة فلسطينية موحدة يمكن لهم من خلالها أن يعملوا مع أبي مازن بدلا من أن يعملوا مباشرة أو غير مباشرة مع حماس، هذا أنا يدهشني كلمة الإمكانية ولا أريد أن أكون متفائلا عن شيء يحدث بين إسرائيل وسوريا.

حافظ المرازي: إذاً رغم حديث رئيس الوزراء أولمرت بأنه المطلوب كثير من سوريا والقول بأن هناك مجموعة في البيت الأبيض تعارض أي عودة لإسرائيل للمفاوضات مع سوريا.. رغم ذلك أنت لا تأخذ كثيرا بالحديث العلني، هناك إمكانية انفتاح على المسار السوري الإسرائيلي.

ريتشارد هاس: الإمكانية أعتقد أنها موجودة وحكومة أولمرت مرة أخرى لديها مشاكل مع الفلسطينيين وهي أن أبو مازن ربما يريد صنع السلام وليس واضحا أنه لديه القدرة وحماس ربما لديها القدرة ولكنها غير واضحة على الإطلاق أن لديها الرغبة، إذاً فأنا لست متفائلا على المدى القصير بالنسبة للإسرائيليين والفلسطينيين أن يصلوا إلى تطور دبلوماسي، لكن إسرائيل وسوريا لديهما خبرة في المفاوضات واقتربا المرة الآخرة من مفاوضات ولأسباب مختلفة يمكن لي أن أتخيل لماذا ممكن أنه ربما أن يكون هناك تطور، أنا لا أتنبأ أنه سيكون هناك تطور ولكني أقول ببساطة إن هناك إمكانية وموجودة وأيضا هناك تواصل مع الولايات المتحدة في العراق، سوف يساعد الأمر إن الولايات المتحدة توافق على مساعدة العمل الإقليمي ومجموعة إقليمية تشمل جيران العراق بمن فيهم إيران وسوريا وإن الولايات المتحدة كانت لتوافق على هيكلية كهذه وتشارك فيها أعتقد أن هذا أيضا ربما يساعد أن يجلب حوارا سوريا إسرائيليا.

حافظ المرازي: هل ننتظر كثيرا أو نتوقع الكثير وهناك مبالغة في التوقعات من بيكر هاملتون ومجموعة دراسة العراق؟ يذكرنا التوقع لبيكر ربما وكأننا ننتظر لقاء بيكر لطارق عزيز في جنيف إبان حرب الخليج الأولى 1991؟

ريتشارد هاس: نأمل أن هذا سيكون له نهاية أسعد من تلك، أعتقد أنك أثرت سؤالا منصفا، هناك توقعات وتنبؤات عالية وهذا ما يخبرنا به أن هناك إجماع في السياسة الحالية الأميركية أنها ليست ناجحة وأيضا أعتقد أنه صحيح أيضا أن معظم الأميركان يعارضون أي نوع من انسحاب أميركي سريع، إذا فهناك اهتمام كبير وهائل بإيجاد خيار وبديل ثالث تسوي وهناك فرصة أن لجنة بيكر وهاملتون سوف تشير أو تقترح بخيارات عسكرية متسلسلة وبدائل دبلوماسية وأن الإدارة أعتقد أنها ربما تختار على الأقل بعضا من هذه التوصيات.

حافظ المرازي: هل جزء من اختيار روبرت غيتس أنه عضو في هذه المجموعة إذا ما سيفعله هو في الواقع سينفذ ما شارك أصلا في صناعته مجموعة دراسة العراق، أنت عملت مع روبرت غيتس عن قرب ربما كان رئيسك باعتباره نائب برينس كوكرافت في مجلس الأمن القومي في عهد بوش الأب، إلى أي حد ترى فيه شخصية مختلفة عن رامسفيلد؟

"
نتوقع تغيرا جذريا لسياسة أميركا في العراق، إذ نتوقع أن يتم تقليص القوات الأميركية هناك وليس انسحابا كاملا
"
       ريتشارد هاس

ريتشارد هاس: أنت محق أن سيد غيتس كان عضوا من هذه المجموعة لدراسة العراق وأنت محق أني عملت معه عن كثب لعدة أعوام صحيح هذا أعتقد أن هذا إشارة جيدة وهذا يثير احتمالا وإمكانية أن مجموعة دراسة العراق سوف تقدم أبعادا للسياسة الأميركية في العراق وهذه أشياء سوف يكون السيد غيتس وعلى شكل محتمل أنه معرض لها وسوف يتعاطفوا مع عمله الجديد كوزير للدفاع، إذا كل هذا بالنسبة لي ومن خلال مراقبة ما يجري في واشنطن كل هذا يشير لي أنه يمكن أن نتوقع تغيرا أو تغيرا جذريا بالنسبة لسياسة أميركا في العراق ويمكن أن نتوقع عبر العام الماضي تقليلا وليس انسحابا بل تقليلا لعدد القوات الأميركية وأنا أتوقع تركيزا على تقديم النصح والتدريب بدلا من الانخراط في القتال وأيضا إعادة نشر إلى الشمال وإلى الغرب وربما إلى الجنوب أيضا وأيضا ربما نتوقع نشاطات دبلوماسية أكبر بإشراك إيران وسوريا، إذاً أعتقد أن السياسة الأميركية تسير في هذا المسار وكل هذه البيانات التي نسمعها من البيت الأبيض بالنسبة للانفتاحيات لاقتراحات لجنة بيكر وهاملتون تعزز إحساسي أو تنبئي أن الولاية والرئيس.. أن الإدارة والرئيس يحتمل أن يقبلوا أن تقبل بعض ما يضعه هذه اللجنة.. لجنة بيكر وهاملتون.

حافظ المرازي: بالطبع هناك ربما لضيق الوقت لا أريد أن أخوض كثيرا في موضوع روبرت غيتس وخلفيته لأني أريد أن أركز على مقالك عن الشرق الأوسط الجديد، لكن روبرت غيتس أنا أعرف إنك أنت تمتدحه كثيرا وهذا مفهوم لكن حين ننظر إلى ماضيه في الـ(CIA) البعض يقول هذه الشخصية براغماتية لكنها أيضا تقوم بأشياء كثيرة ليست بالضرورة أن تكون مبدئية، ممكن أن يكون مغامر إذا طلب رؤساؤه ذلك، ساعد وليام كيسي في إيران كونترا وهي مسألة خلافية، الصحافة الأميركية كتبت أنه أسهم في وضع تصور لكي تغزو مصر ليبيا في عام 1985 والرئيس المصري رفض هذه الأفكار الأميركية بالمرة وكان أيضا غيتس ساهم في وضع هذه الأفكار، غيتس ساهم في أفكار أخرى وعلاقات مع المخابرات السعودية كما قال بوب وودوارد في محاولة تصفية الشيخ فضل الله ردا على ثكنات المارينز الأميركيين وضربهم، من هو غيتس إذا؟ وهل نحن أمام شخصية ممكن أن تكون خطيرة لو أعطيت التفويض؟

ريتشارد هاس: كلا على الإطلاق فهو إنسان عملي براغماتي ودُرب كمحلل، إذا فهو ليس منظرا أيديولوجيا وهو يبني قضيته على الأدلة، هذا شخص من خلال خبرتي هو نظامي وتفصيلي في فهمه وحذر في تفكيره، هذا رجل عملي سوف يعمل جيدا مع بقية الحكومة الأميركية، إذاً أنا أولا كمواطن من هذه الدولة أنا مسرور أن أرى شخص بهذه الموهبة للسيد غيتس يعود إلى الخدمة العامة في أميركا.

حافظ المرازي: سيد هاس مقالك أثار اهتمام كبير في مجلة فورن أفيرز في عدد نوفمبر/ديسمبر الحالي، تلخيص المقال وربما سأضع بعض أشياء منه على الشاشة قبل أن نناقشه معك هو إن عهد الهيمنة الأميركية في الشرق الأوسط انتهى وبدأ عهد جديد في التاريخ المعاصر للمنطقة سيحدده فاعلون وقوة جديدة تتنافس على النفوذ والسيطرة، سيكون على واشنطن الاعتماد على الدبلوماسية أكثر من القوة العسكرية، ثم تمضي لتوضح القوة الخارجية التي سيطرت على المنطقة في حقبات أربع، الإمبراطورية العثمانية انتهت بالحرب العالمية الأولى، حقبة بريطانيا وفرنسا انتهت في الحرب الثانية وحرب السويس 1956، حقبة أميركا وروسيا والصراع معا انتهت في الحرب الباردة وحرب العراق 1991، ثم الحقبة الأميركية المنفردة التي تعتبر بأنها انتهت بحرب العراق الأخيرة 2003 ووضعت عوامل نهاية الحقبة الأميركية في المنطقة كالأتي.. واحد، قرار إدارة بوش الحرب على العراق وأسلوب إدارته.. اثنين، إخفاق عملية إحلال السلام في الشرق الأوسط.. ثلاثة، فشل الأنظمة العربية التقليدية في مواجهة شعبية المد الإسلامي الأصولي.. أربعة، دول العولمة في تسهيل مهمة المتشددين في حشد التأييد والدعم المالي ودور الفضائيات في جعل العالم العربي قرية إقليمية مسيَّسة، أنت ذكرت الفضائيات لا أذكر إن قلت الجزيرة أم لا، لكن لا بأس، لأسمع إلى تصورك أنت في ذلك.

ريتشارد هاس: أنا أعتذر إن لم أذكرها، من نظري إلى تلخيص ما قلته أنا أشير إلى هذا الموضوع كمراقب وما أراه هو شرقا أوسط أقل سلطة عليه أو نفوذا عليه من الولايات المتحدة وإيران وإسرائيل سيكونان فاعلان مؤثران وسنرى أطراف مثل حزب الله وحماس ليسوا دول.. لديهم أيضا نفوذ والحقبة أيضا سيطغى عليها الإسلام السياسي، إذاً فبالنسبة لي هذا الشرق الأوسط مختلف أنا لا أرحب به، بل بالعكس أرى هذا كشرق أوسط هو غير مستقر وأرى إمكانية صراع وأيضا أرى شرقا أوسط يكون وطنا نوعا ما للإرهاب وربما يسوء الوضع بالنظر إلى ما يجري في العراق، إذاً مرة أخرى أريد أن أوضح أن هذا ليس شيئا أرحب به ولكن هناك حقبة تاريخية صعبة لا أدري متى ستستمر وأيضا ما أشير إليه هنا إلى أننا بحاجة إلى أن نفهم أن الشرق الأوسط هو يدخل أو بالفعل قد دخل مرحلة جديدة وعلينا أن نكيف تفكيرنا وسياساتنا بالانسجام مع هذا الوضع الجديد.

حافظ المرازي: لعلي أيضا أضع ملخصا كما وضعته في بداية مقالك لملامح الحقبة الجديدة أي ما بعد الأميركية في الشرق الأوسط، أولا استمرار غلبة النفوذ الأميركي على غيره في المنطقة وإن لم يكن المتفرد، ثانيا زيادة منافسة قوة خارجية للولايات المتحدة على النفوذ، ثلاثة ستصبح إيران إحدى أقوى دولتين في المنطقة، إسرائيل هي الدولة الأخرى الأقوى اقتصاديا استراتيجيا وإن كانت حرب لبنان أضعفتها، عدم إمكانية إحياء عملية السلام في المستقبل المنظور، ستة العراق سيظل مضطربا لسنوات بصراعات طائفية وحكومة مركزية ضعيفة، سبعة سيظل سعر البترول مرتفعا مع استمرار زيادة الطلب قد يصل مائة دولار للبرميل، ثمانية استمرار زيادة التسلح، تسعة سيظل الإرهاب سائدا في المنطقة، عشرة سيزداد دور الإسلام في ملئ الفراغ السياسي والفكري في العالم العربي، 11 ستبقى النظم العربية استبدادية وتعطي مصر مثالا ومتشددة دينيا وتعطي السعودية مثالا ومعادية لأميركا، 12 ستظل المؤسسات الإقليمية الجامعة العربية بالتحديد ضعيفة ومتأخرة عن مثيلتها، هل وجود الأميركي استمراره وغلبته.. ما الذي يختلف عن استمرار الوجود الأميركي وغلبته لكنه لم تعد الحقبة الأميركية؟ هل يمكن أن توضح ذلك؟

ريتشارد هاس: الولايات المتحدة سوف تبقى التأثير الوحيد الأكبر ولكن أنا أتحدث عن درجة هذا التأثير، سوف تكون أقل مما كانت، بكلمات أخرى الولايات المتحدة سوف تستمر بكونها ذات نفوذ ولكنها لن تسيطر على هذا الجزء من العالم وعليها أن تشاطر القوى وقوتها العسكرية والاقتصادية مع قوة داخلية وكان هذا الوضع عبر خمسة عشر أو عشرين عاما مضت وأقول إنه كنتيجة لذلك سيكون هناك شرقا أوسط أقل استقرارا.

حافظ المرازي: بالطبع دكتور هاس أنت كنت ضيفنا في حلقة سابقة من برنامج من واشنطن ناقشنا معك فيها كتابك بعنوان (The opportunity) الفرصة وفرصة أميركا في تغيير مسار التاريخ وتحدثت عن ضرورة التعددية والعمل مع أطراف متعددة مثلما كانت تجربة بوش الأب في حرب الخليج الأولى، ما بين فرصة أميركا في تغيير التاريخ وما بين مقالك الشرق الأوسط الجديد ونهاية الحقبة الأميركية هل بهذه السرعة بمجرد أنهم لم يستمعوا إليك ولم يقرؤوا كتابك الآن سيخرجون من الشرق الأوسط؟

ريتشارد هاس: أعتقد أنك تبالغ نوعا ما في مقالي، كتابي هذا الطبعة الأخيرة منه أتت تقريبا بالوقت ذاته في هذا المقال وأنا أقول إن الفرصة مازالت موجودة، هذا ليست كما كانت في السابق، الولايات المتحدة فقدت سلطة وتأثيرا في الشرق الأوسط عبر العامين الماضيين وكما قلت السبب الأكبر بسبب قرارها للذهاب إلى الحرب في العراق وكيف تمت هذه الحرب، فهي قللت القوة الأميركية وقللت الجاذبية الأميركية في المنطقة والانجذاب للأميركان، لا أرى هذا كعدم استمرار أو كتناقض، فمازال هناك فرصة للولايات المتحدة أن تسيطر وتفرض نفوذا وأيضا ممكن للولايات المتحدة أن تحقق شيئا جيدا ولكن هناك أقل فرصة مما كان عليه الوضع في السابق لأي شيء جيد ليحدث فالولايات المتحدة إذاً عليها أن تغير سياستها وأن تغير سياستها تجاه العراق، أعتقد أنه عليها أيضا أن تكون مستعدة للتكلم مع إيران وعليها أن تكون مستعدة أيضا للتحدث مع حماس وعليها أن تفعل أكثر لتعزيز السلام بين إسرائيل وسوريا وإسرائيل والفلسطينيين، حتى إن قامت بهذه الأشياء كلها وأنا لست متأكد أنها ستقوم بها مازلت لا أعتقد أننا سوف نعود إلى الشرق الأوسط الذي كان منذ عقد مضى فالمنطقة معقدة الآن وهذه للأسف حقيقة حياة.

حافظ المرازي: شكرا جزيلا لك عند هذه النقطة كقبول الواقع أو حقيقة الحياة الماثلة أمامنا، أشكر دكتور ريتشارد هاس رئيس مجلس العلاقات الخارجية في نيويورك، بالطبع سنناقش هذه الآراء ونناقشها مع ضيفنا من جامعة هارفرد الدكتور عماد الدين شاهين حين نعود بعد فاصل قصير في برنامجنا من واشنطن، أيضا هناك حديث حول هل بالفعل انتهت الحقبة الأميركية في المنطقة بسبب التورط الأميركي في العراق، هناك وجهة نظر قريبة من ذلك للدكتور بريجينسكي مستشار الأمن القومي الأميركي الأسبق في عهد الرئيس كارتر الذي تحدثت معه من قبل وسنستمع إلى حوارنا معه ولكن بعد فاصل قصير في برنامج من واشنطن.



[فاصل إعلاني]

حرب العراق وأثرها على السياسة الأميركية

حافظ المرازي: من واشنطن ونتحدث عن ماذا بعد فوز الديمقراطيين في الكونغرس الأميركي وماذا أيضا بعد أن استفتى الأميركيون على سياسة الرئيس بوش في حربه في العراق؟ تغييرات كثيرة على الجانب الأميركي استوعبتها الإدارة لكن ربما تكون هناك تغييرات على أرض الواقع بسبب التجربة الأميركية المريرة وأسلوب إدارتها لحربها في العراق الأخيرة، تحدثنا مع الدكتور ريتشارد هاس، سنتحدث مع الدكتور بريجينسكي الذي يشبه الحرب الأخيرة بحرب السويس 1956، الأولى أخرجت بريطانيا وأميركا والنفوذ الأساسي لها من المنطقة وربما تكون الأخيرة هذه أيضا ستؤدي إلى ذلك بالنسبة للأميركيين ولو الوجود المادي والفعلي لفترة من الوقت، أرحب أولا بالدكتور عماد الدين شاهين أستاذ العلوم السياسية والنظم والحكم المقارنة بجامعة هارفارد الأميركية وينضم إلينا من هناك، دكتور شاهين لعلك استمعت إلى الدكتور هاس وأيضا ما تحدثنا عنه من أراء.. جيمسكي، إلى أي حد ترى أننا نتحدث بالفعل عن حقبة جديدة وأن الدور الأميركي من الممكن فعلا أن يتضاءل بعد تجربة العراق؟

"
الوضع في العراق يمثل أزمة حقيقية وهزيمة قاسية للإدارة الأميركية بغض النظر عن التبريرات
"
          عماد شاهين

عماد شاهين - أستاذ العلوم السياسية بجامعة هارفارد: أولا أشكرك أستاذ حافظ على دعوتي إلى المشاركة في هذا البرنامج الجاد وتحية طيبة لمشاهديك الكرام، أنا أعتقد أن الوضع في العراق يمثل أزمة حقيقية وهزيمة قاسية للإدارة الأميركية بغض النظر عن التبريرات أو المبررات ولكن السؤال هل تمثل هذه.. هذا الإخفاق وهذه الهزيمة انتهاء للحقبة الأميركية في المنطقة مقارنة بما حدث للولايات المتحدة في العراق مع ما حدث مع بريطانيا وفرنسا في حرب 1956؟ أعتقد أن هناك عدة فروق جوهرية يجب الإشارة إليها، أول فرق هو اختلاف المنظومة الدولية والإقليمية التي كانت سائدة آنذاك والمنظومة التي تسود الآن، الآن ليس هناك في المنطقة سواء على المستوى الدولي أو المستوى الإقليمي فاعلين سياسيين يستطيعوا أن يرثوا دور الولايات المتحدة في المنطقة كما كان الحال بعد 1956 وانهيار الإمبراطورية البريطانية والفرنسية.. كان هناك الاتحاد السوفييتي وكان هناك الولايات المتحدة، على المستوى الإقليمي أيضا هناك اختلاف كبير لأن كانت معظم الدول العربية أو كثيرا منها قد نالت استقلالها في 1956 أو على وشك نيل الاستقلال فبالتالي كانت تطمح معظم هذه الدول في لعب دور مستقل أو عن طريق الانضمام لكتلة عدم الانحياز أو بصفة عامة الانضمام لإحدى المعسكرين، الآن الوضع مختلف تماما لغياب هؤلاء الفاعلين على المستوى الإقليمي وعلى المستوى الدولي، إحنا بنجد أن معظم الأنظمة موجودة تدور في الفلك الأميركي وبالتالي السؤال هل.. يعني أن الولايات المتحدة تستطيع أن تستمر في لعب دور هيمنة أو إمساك بخطوط عديدة عن طريق المحورين.. هاذين المحورين المحور الدولي والمحور الإقليمي.

حافظ المرازي: هل يمكن أن نقول إذا بأنه نحن نتحدث عن أن محاولة الولايات المتحدة لأن تمارس الاستعمار القديم بمفهومه أن توجد بالفعل بقوتها من الحرب الخليج الأولى إلى الآن هي التي انتهت أما تعريف الاستعمار الجديد والإمبريالي مازال مستمرا؟

عماد شاهين: سؤال جيد لأن هناك عدة مستويات للإجابة على هذا السؤال، أول شيء يعني الولايات المتحدة على المستوى الاستراتيجي أهدافها في المنطقة أعتقد لم ولن تتغير في الوقت الحالي، الأهداف الاستراتيجية كما معروف للجميع، النفط لازالوا بحاجة إلى النفط وفي الحاجة إلى السيطرة أو تأمين تدفق النفط، قضية إسرائيل مازالت باقية كما هي، قضية النظم العربية، قضية التسهيلات الاستراتيجية سواء من ممرات مالية أو مائية أو قواعد عسكرية، كل هذه الأمور باقية، النقطة الأخرى أو الهامة المحاور.. يعني مازال الأسلوب التقليدي في تكوين وتفعيل المحاور داخل المنطقة سيبقى كما هو أو مازال متسمر كما هو، يعني الدول اللي تمثل هذه المحاور الرئيسية هي مصر السعودية الأردن إسرائيل، فإذا يعني الملامح على المستوى الاستراتجي هناك كثير من التشابه سواء في هذه الحقبة أو في الحقب السابقة، الذي يمكن أن يتغير هو على مستوى السياسات وهنا أهمية سؤالك.. يعني أنا أعتقد أنه في المرحلة القادمة سيكون هناك تردد كبير في الدخول في أي مغامرات عسكرية غير محسوبة وغير محسومة مسبقا، خاصة لأن هذا سيستدعي تعظيم نفوذ ودور حركات المقاومة المسلحة وبالتالي وما يُعرف بحركات الحركات الإسلامية الجهادية في المنطقة، أعتقد أن هذا سيتغير، القضية الأخرى قضية استمرار الاعتماد على النظم الحاكمة التي تعرف بنظم قمعية وتسلطية وبالتالي إبطاء العملية الديمقراطية في المنطقة، القضية الأخرى كالسعودية كمصر وغيرها من الدول، إمكانية أيضا التغير في السياسة على مستوى احتمال الاستعانة كما أشار الدكتور هاس احتمال الاستعانة بسوريا وحتى إيران وتركيا وغيرها من الأطراف الأخرى لأن هنا القضية المركزية هي تأمين الخروج المشرف من العراق بأقل..



مستقبل السياسة الأميركية بعد فوز الديمقراطيين

حافظ المرازي: وهذا بالطبع يأتي من هنا موضوع أنه روبرت غيتس أحد الأشياء الرئيسية له بأنه هو في مجموعة من قبل شارك في رئاستها عن إيران دعا إلى موضوع الانفتاح على إيران والمساعدة مع إيران أو الحوار مع إيران وفي الواقع ربما سأعود إليك دكتور شاهين وسأستمع أيضا إلى كلمات أخيرة منك لكن بعد أن نستمع إلى دكتور زبغنيو بريجينسكي مستشار الأمن القومي الأميركي الأسبق للرئيس جيمي كارتر.. شخصية ديمقراطية لها موقف واضح جدا ضد حرب العراق الأخيرة وأيضا هو الذي شارك مع بوب غيتس في رئاسة المجموعة التي أخرجت منذ عامين دراسة إيران التي تنصح أميركا بأن تتعامل مع إيران دبلوماسيا وليس عسكريا وسألت بوب غيتس.. عفوا سألت بريجينسكي عن تصريحاته بأن اختيار غيتس هو الأفضل في كل رئاسة بوش على مدى السنوات الست الماضية فأجاب.

[شريط مسجل]

زبغنيو بريجينسكي - مستشار الأمن القومي الأميركي الأسبق: ما قصدته هو أن ذلك أفضل تعيين تم في الحكومة وهذا بالطبع ما كنت أتحدث عنه لأنه ليس أيدولوجيا ولا يمثل التيار الأكثر تشددا في الحزب الجمهوري وكنت أتحدث بالطبع بشكل مبدأي عن سلسلة المسؤولين المعنيين بالأمن والسياسة الخارجية والدفاع وهو على ما أظن شخص عملي براجماتي وقد عرفته منذ سنوات عديدة وحتى الآن فأنا أعرفه منذ ثلاثين عاما حين كان مساعدي الخاص في مجلس الأمن القومي وقد عمل لدي لمدة سنتين وكان يسافر معي، لذا فأنا أعرف شخصيته وفي السنوات الأخيرة ترأسنا سويا فريق عمل مهم كان الغرض منه تحديد السياسة الخارجية الأميركية نحو إيران وقد أثار إعجابي في ممارسة العملية وفي واقعية وتوازن أفكاره وكيف أنها تختلف عن الأفكار المتشددة والأفكار الديماغوجية التي لا تعرف إلا منطق اللونين الأبيض والأسود وهي سمة من سمات المحافظين الجدد الذين كانت لهم اليد العليا منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر في البيت الأبيض ووزارة الخارجية والدفاع، لذا فأنني باختصار أظن أن تعيينه خطوة نحو المنطق والتعقل وكلاهما مطلوب عند رسم السياسة الخارجية.

حافظ المرازي: بما أن الرئيس قابل غيتس يوم الأحد وقبل الانتخابات ليعرض عليه الوظيفة فهل تمت تنحية رامسفيلد وتعيينه غيتس نتيجة انتخابات الكونغرس أم أن البيت الأبيض كان سيقوم بالتغيير بغض النظر عن نتائج الانتخابات؟

زبغنيو بريجينسكي: هذا سؤال تصعب الإجابة عنه ومن الواضح أن الإجابة ستكون تخمينا وأنا حقا أخمن وأظن أنه ينبغي على مشاهدينا أن يفهموا أنني أخمن، فليس لدي أي معلومات من الداخل، لذا فأن حكمي غير دقيق وهو أنه لو كانت نتيجة الانتخابات نصرا كاملا للإدارة بمعنى أنه لو كانت الإدارة قد احتفظت بمجلسي الشيوخ والنواب وإن كانت التوقعات قد أشارت مسبقا إلى ترجيح خسارة الجمهوريين الأغلبية في مجلس النواب مع الاحتفاظ بها في مجلس الشيوخ، لكن لو كانت الإدارة قد احتفظت بأغلبيتها في المجلسين فمن المحتمل أنه لم يكن ليتم تعيين غيتس مكان رامسفيلد لأنه كان سيقال عندئذ أن الشعب يوافق بأغلبيته على سياسات الإدارة، لكن الموقف الواضح للإدارة مع كل استطلاعات الرأي تشير إلى أن مسألة العراق هي الباعث الرئيسي، فهي لم تؤثر فقط على الرئيس صاحب اليد العليا ولكنها تؤثر أيضا على الكيان الجمهوري وقد ظهرت فكرة أنه إذا لم يغير الحزب الجمهوري سياسته فإن انتخابات 2008 ستكون نكبة أكبر عليه.

حافظ المرازي: أهذه نهاية عهد المحافظين الجدد؟

"
هناك أشخاص في البيت الأبيض هم المهندسون الأساسيون للسياسة الفاشلة ليس فقط في العراق ولكن أيضا بالنسبة للصراع الإسرائيلي الفلسطيني
"
    زبغنيو بريجينسكي

زبغنيو بريجينسكي: لا ليس كليا، إنها بداية النهاية وهناك فارق بين الاثنين، إنها ليست النهاية فلا يزال هناك محافظون جدد متمركزون في البيت الأبيض وفي مجلس الأمن القومي وبخاصة في إدارة الشرق الأوسط وفي مكتب نائب الرئيس وفي المناصب العليا بوزارة الدفاع وفي وزارة الخارجية وأرجح في المستقبل القريب أن تحدث تغييرات كبيرة في وزارة الدفاع كما يتضح ولكن يجدر بنا الانتظار لنرى إن كان هناك تغييرات موازية في البيت الأبيض تتضمن العاملين مع تشيني وأيضا على وجه الخصوص في مجلس الأمن القومي ووزارة الخارجية، هناك بعض الأشخاص في البيت الأبيض يتعاملون مع الشرق الأوسط وهم المهندسين الأساسيين للسياسة الفاشلة ليس فقط في العراق ولكن أيضا بالنسبة للصراع الإسرائيلي الفلسطيني.

حافظ المرازي: أن هناك من يرون في تعيين غيتس دلالة على أن الرئيس بوش بدأ يلجأ لأول مرة إلى مجموعة والده من رجال برنتس سكاوكرفات مستشار الأمن القومي السابق وآخرين، لكن هناك من كتب في الواشنطن بوست مثلا بأن غيتس كان في صف تشيني خلاف فترة رئاسة بوش الأب أي مع الصقور وليس مع مجموعة بيكر والحمائم، أي أن غيتس صقر وسيأتي ليدعم تشيني.

زبغنيو بريجينسكي: عندما كان يقف مع تشيني فأنه كان يفعل ذلك في موضوع مختلف تماما وهو موضوع الاتحاد السوفييتي والدلالات الفعلية للبرسترويكيا ونوايا غوربتشوف آنذاك وكان في ذلك الوقت يحمل قناعات راسخة تجاه غوربتشوف ولكن علي أن أقول أنني شخصيا كنت مؤيدا لوجهة النظر ذاتها وأظن أن الأشخاص المفتونين بغوربتشوف نسوا أنه لم يكن الشخص الذي أدى إلى انهيار الاتحاد السوفييتي ولكنها السياسات الأميركية التي وضعت الاتحاد السوفيتي تحت الضغط ومنها على وجه الخصوص القرارات الأميركية بمقاومة الاتحاد السوفييتي في أفغانستان ووسط أوروبا في الوقت ذاته بدعم المجاهدين وحركة التضامن في بولندا والتي خلقت كلها الضغط الجماعي على الإمبراطورية السوفييتية وأدت بدورها إلى تفكك الجمهوريات السوفييتية، لذا فأنني لا أظن أن هذا يعني بأي حال من الأحوال أن غيتس من المحافظين الجدد، ظاهرة المحافظين الجدد أحدث كثيرا من هذا وهي لا تتضمن أي جدل على الاتحاد السوفييتي وإنما ظاهرة المحافظين الجدد تتضمن جدلا عن الشرق الأوسط لأن حركة المحافظين الجدد التي تدعي فلسفة شاملة واستراتيجية كبيرة هي في الواقع حركة تركز بشكل أساسي على الشرق الأوسط مع وجود قواعد عامة ومتشددة بكيفية التعامل مع المشكلات في الشرق الأوسط.

حافظ المرازي: ريتشارد هاس وهو جمهوري خدم في رئاسة بوش الأب كما خدم في الفترة الأولى للرئيس بوش الحالي كتب في مجلة فورين أفيرز بأن حرب العراق هذه تمثل نهاية الهيمنة الأميركية في الشرق الأوسط، كما أنك أيضا شبهت هذه الحرب بحرب السويس عام 1956، الأولى أنهت الهيمنة البريطانية الفرنسية على المنطقة وهذه الأخيرة ستنهي الهيمنة الأميركية، هل توضح لنا ذلك وهل أنتما بالفعل تتفقان على ذلك؟

زبغنيو بريجينسكي: أوضح المقولتان اللتان استشهدت بهما أنني أوافق على الأطروحة الأساسية ولكن يمكنني أيضا إضافة شيء لهما وهو أن انتهاء الهيمنة الإنجليزية الفرنسية على الشرق الأوسط نتج عنه الهيمنة الأميركية على المنطقة، كما أن الهيمنة الأميركية على الشرق الأوسط كان لها بعض التبعات الإيجابية لفترة من الزمن حتى جاءت النزعة غير الملائمة الخاصة بقواعد المحافظين الجدد ومن قبلها التخلي عن بذل جهود أميركية جادة لحل الصراع الإسرائيلي الفلسطيني ولكن ما يهمني هنا هو أنه على عكس تبعات حرب السويس التي استبدلت الهيمنة الأميركية بالهيمنة الفرنسية والبريطانية فإنه من غير الواضح لي الجهة التي ستحل محل الهيمنة الأميركية الآن وأظن أن النتيجة الأكثر احتمالا في الوقت الحالي هي انتشار الفوضى والاستقطاب والصراع بشكل أكبر لأن المنظمة ذاتها في صراع وتبدو غير قادرة على تطوير فكرة بناءة حول كيفية تنظيم نفسها ومن المحتمل أن الكثير من المشاهدين لبرنامجنا هذا يعلمون أنني كنت أنتقد السياسة الأميركية نحو الصراع الإسرائيلي الفلسطيني وعلى أرض الواقع كنت أتمنى لو أنهم كانوا أكثر مشاركة في المسألة ولو أنهم عملوا بإيجابية أكثر للوصول لحل إيجابي لهذا الصراع ولكن عليَّ أيضا أن أقول بكل صراحة إن الجانب العربي نادرا ما أنخرط جديا لمحاولة حل مشكلتهم بشكل بناء بل أن الجانب العربي نزع إلى الجلوس جانبا والاشتراك كثيرا بالأقوال لا بالأفعال وفي الظروف الحالية هناك تشتت في القوى فإيران تهيمن على منطقة الخليج لكن المملكة العربية السعودية ستحاول أن تعمل على موازنة هذه الهيمنة، أما مصر فقد اختارت مسار عمل مختلف ومن ثم هناك بزوغ للأصولية والراديكالية الإسلامية وكلاهما يشير إلى احتمال تزايد فرص انتشار الفوضى في المنطقة بغض النظر عن السياسة الأميركية.

حافظ المرازي: هل تتوقع تقسيم العراق نتيجة توصيات مجموعة دراسة العراق أو الدعوات القوية الآن مع فوز الديمقراطيين في الكونغرس بسرعة الانسحاب؟

زبغنيو بريجينسكي: إذا انتهى الأمر بالعراق إلى التقسيم سيكون السبب جزئيا الاحتلال الأميركي للبلاد والذي يعتبر من وجهة نظري غلطة تاريخية كبيرة من جانب الولايات المتحدة وأيضا سيكون سببه جزئيا عدم قدرة العراقيين على التعامل مع وحدتهم الوطنية بشكل مسؤول، فالائتلاف الشيعي مع الكردي السائد حاليا ينبغي أن يجد صيغة ما للحفاظ على وحدة البلاد وأنا شخصيا ضد أي فكرة لرعاية الولايات المتحدة لتقسيم العراق، أظن أن هذه الفكرة بصفة عامة وبكل صراحة فكرة مجنونة لأنه إذا أيدت الولايات المتحدة هذه الفكرة فإنها بادئ ذي بدء ستنخرط في رسم الحدود الأساسية التي لن يقبل أي طرف بأي منها مهما كانت، لذا سيكون علينا رسم الحدود وفرضها بالقوة وسيكون علينا الإشراف على حركة السكان وتسهيلها وهي في الغالب ستتحول إلى مجازر وسنضطر للبقاء في العراق لعشر سنوات أخرى.

حافظ المرازي: لكن ألن يعطي الانسحاب إلى الشمال وفق مطالبة البعض بإعادة الانتشار للقوات الأميركية تجاه المناطق الكردية.. ألن يعطي فرصة للذين يريدون قصف إيران لفعل ذلك باعتبار أن القوات الأميركية ستبتعد عن خطر إيران في جنوب العراق؟

زبغنيو بريجينسكي: من الذي سيضرب إيران؟

حافظ المرازي: أميركا.

زبغنيو بريجينسكي: لا أعتقد ذلك.

حافظ المرازي: بسبب بوب غيتس؟

زبغنيو بريجينسكي: ليس فقط مع بوب غيتس، فالرئيس هو ذات الرئيس ولكن أنت تعلم أنه إذا قمت بعمل من هذا النوع فعليك التفكير جديا في النتائج ونحن هنا في الولايات المتحدة لدينا دستور، الأعمال ضد العراق سبقها صدور قرار عن الأمم المتحدة ظهر أنه يقدم إذن للقيام بعمل عسكري ومن ثم صدر قرار عن الكونغرس بالموافقة على ذلك، حاول الآن أن تتخيل حدوث هذا وسط الظروف السياسية الحالية.

حافظ المرازي: إيهود أولمرت رئيس الوزراء الإسرائيلي يلتقي الرئيس بوش يوم بث برنامجنا الاثنين، هل ترى أي أمل في أي تحرك بعملية السلام في الشرق الأوسط؟ ريتشارد هاس لا يتوقع شيء لأمد طويل فماذا تبقى لأولمرت ليطلبه أو لبوش ليطلب من أولمرت؟

زبغنيو بريجينسكي: أنا أفضل التعامل مع الوصفات بدلا من التوقعات وإذا كان علي أن أتوقع فلابد أن أكون متشائم وهذا ليس أسلوبي عامة، أفضل تغيير الواقع وليس مجرد مشاهدته ووصفتي هي أن نشارك ووصفتي هي أن نقول لرئيس الوزراء إذا كنت جاد بشأن التفاوض مع الفلسطينيين عليك إيقاف عمليات الاغتيال والتدمير وإيقاف بناء المستوطنات واترك للفلسطينيين الفرصة لتنظيم صفوفهم ليتمكنوا من جعل الهدنة واقع متواصل، الهدنة هي اعتراف واقعي بأن الطرف الآخر موجود ومن ثم يمكن ترجمة هذا الاعتراف إلى اعتراف قانوني بالجانب الآخر وهذا جزء أصيل لا يتجزأ من أي جهود جادة لحل كل الخلافات وكلنا نعرف ما يجب أن تكون عليه التسوية النهائية، حدود 1967، لا لحق العودة وهو الأمر المؤلم للفلسطينيين واقتسام القدس وهو الأمر المؤلم للإسرائيليين ودولة فلسطينية منزوعة السلاح.

حافظ المرازي: وهل يقدر أولمرت المهدرة قواه وبوش الضعيف عمل شيء؟

زبغنيو بريجينسكي: إذا فعلا ذلك كل منهما سيربح الكثير حيث سيسترد بوش بعض من هيبته التاريخية والتي تبدد معظمها، أما أولمرت فقد يصبح زعيم حقيقي وليس مجرد رئيس لبلد ممزق في اتجاهات مختلفة تقوم كل مرة على تخريب سمعتها الدولية وهي في الوقت ذاته غير قادرة على توليد النوايا الطيبة الموجودة لدى معظم الإسرائيليين وهم مستعدون من حيث المبدأ لقبول النقاط الأربعة التي ذكرتها ولكن تمنعهم النخبة السياسية الأكثر صرامة من القيام بذلك.

حافظ المرازي: لدي أقل من دقيقة دعني أسأل فيها عن وصفة من الدكتور بريجينسكي للنخب السياسية العربية التي قد تسمعنا في كيفية التعامل مع أميركا بعد الانتخابات النصفية وسيطرة الديمقراطيين على الكونغرس وفشل إدارة بوش في العراق؟

زبغنيو بريجينسكي: يمكنني فقط أن أتحدث بشكل عام وخاصة أن الوقت المتبقي هو فقط خمسة وأربعين ثانية وإجابتي بسيطة للغاية، كونوا جادين، لا تستبدلوا السياسة بالحديث وهناك مسألتان على النخبة العربية المشاركة فيهما، استقرار العراق بعد مغادرتنا وأعرف أنه سيكون من الأسهل عليهم القيام بذلك إذا غادرنا البلاد أكثر من القيام بذلك إذا بقينا لأن الرأي العام لن يوافق على الجهود التي يبدو أنها تساعدنا على الاستمرار في الاحتلال، لذا عليكم التحلي بالجدية بشأن الاستعداد في المساعدة على استقرار العراق وثانيا عليكم التحلي بالجدية الشديدة بشأن السلام الإسرائيلي الفلسطيني والذي يعني أن تكونوا مستعدين لدعم هذا السلام والموافقة عليه واستعدوا لدفع الكثير من المال لإنشاء دولة فلسطينية ديمقراطية لائقة وقابلة للحياة ونحن ربما سنتحلى بمزيد من المسؤولية نحو مساعدة الإسرائيليين ماديا وأظن أنه بيننا وبين العرب يمكننا خلق الظروف الملائمة للتعايش بين الدولتين إسرائيل وفلسطين.

حافظ المرازي: وعليهم أن لا يأبهوا بمطالب التحول الديمقراطي؟

زبغنيو بريجينسكي: عليهم نسيان ذلك وعليهم أيضا التوقف عن الكلام وهو للأسف ما يحبون القيام به كثيرا، المطلوب هو الأفعال وهذه هي نقطة الضعف الكبيرة لدى النخبة العربية.. أقوال بلا أفعال.

حافظ المرازي: نصيحة زبغنيو بريجينسكي للنخب العربية في مقابلة معه وبالمناسبة هو يرحب بأن يتعرف على أراء المشاهدين في أقواله وفي مقابلته معنا، يمكنكم أن تراسلونا لنحوله له على minwashington@aljazeera.net ربما معي دقيقة دكتور عماد الدين شاهين من جامعة هارفارد معي أعتذر لضيف الوقت لكن في دقيقة ما تعليقك على ما سمعناه من بريجينسكي؟

عماد شاهين: هو التعليق بصفة عامة أنا اسمح لي في هذه الدقيقة إني أحاول أن أعرض الموقف أو رؤيتي من وجهة نظر صاحب المكان لأن برامج أو مشاريع الشرق الأوسط الجديد والمتحول والأكبر والكبير يعني طُرحت علينا في الأعوام السابقة بأشكال مختلفة، أنا أعتقد إن الحقبة القادمة هي حقبة استمرار لحقبة الارتباك والفوضى في المنطقة، أما إذا شئنا تسمية دقيقة لأن ريتشارد هاس أو بريجينسكي ما قالوش لنا تسمية الحقبة القادمة، من ستسمى باسمه هذه الحقبة القادمة فاعتقد أنه ستكون إلى حدا ما حقبة إيران وحقبة إسرائيل وستسمك الولايات المتحدة بالخيوط من وراء هذا لتحريك التفاعلات داخل المنطقة نفسها واسمح لي في ثواني أذكر أهمية الدور الإيراني هنا لأن إيران أعتقد في الحقبة أو في الفترة القادمة تسعى إلى أن تلعب دور كبير.. دور إقليمي كبير عن طريق طبعا إيران البرنامج النووي وعن طريق نشر قضية التشيع داخل المنطقة، الرد الفعل لهذه الأمور ستكون تصوير الخطر الإيراني على أنه خطر إقليمي وبالتالي إدخال المنطقة في عملية تسلح وعملية بناء برامج نووية سواء للاستخدامات السلمية كما هو الحادث الآن قضية مصر قضية..

حافظ المرازي: إذاً في رأيك دكتور..

عماد شاهين: واستنزاف موارد المنطقة في الحقبة القادمة للأسف في غياب فاعلين سواء على مستوى الأنظمة أو على مستوى المنظمات كجامعة الدول العربية التي تستطيع أن تضع المصالح الاستراتيجية لشعوب المنطقة في الحسبان.

حافظ المرازي: على أي حال دكتور عماد الدين شاهين شكرا جزيلا لك، بالطبع وقت البرنامج انتهى لكن سنترك مسألة من يسمي الحقبة القادمة إن كانت بالفعل هناك حقبة جديدة قد بدأت بعد الحقبة الأميركية في المنطقة لمن غيروا الواقع وأدوا إلى تعطيل هذا المشروع الأميركي، على أي حال أشكر ضيوفي في هذه الحلقة ريتشارد هاس، زبغنيو بريجينسكي، عماد الدين شاهين، أشكر فريق البرنامج في الدوحة وهنا في واشنطن مع تحيات الجميع وتحياتي حافظ المرازي.